تأسست جميع الأحزاب التي تدعي اليسار الموجودة اليوم في اسرائيل قبل قيام اسرائیل ١٩٤٨ ، ولم يتشكل أي حزب يساري جديد بعد عام ١٩٤٨ ( عدا الأجنحة الانقسامية التي لم تكن تدوم طويلا قبل الانضمام الى حزب آخر ) . لذا لا بد من اشارة سريعة الى الخلفية التاريخية لهذه الأحزاب علما بأن تاريخها ( باستثناء الحزب الشيوعي ) هو تاريخ ما يدعى باليسار الصهيوني . لكن قبل مس هذا الموضوع لا بد من الاشارة هنا الى ما تقوله المنظمة عن احدى السمات الرئيسية التي تميز الأحزاب الصهيونية كلها من حزب حيروت (الحرية) اليميني الى المابام اليساري ( حزب العمال المتحد ) هي انتماؤها الى الوكالة اليهودية ، العمود الفقري التنظيمي للصهيونية بغض النظر عن كافة الخصومات والنزاعات القائمة بينها على أرض السياسة الإسرائيلية . ومن أوجه النشاط الهامة التي تمارسها كل هذه الأحزاب جباية الأموال من الجاليات في شتى انحاء العالم1 وتذهب هذه الأموال لدعم كافة النشاطات الصهيونية بما في ذلك تدعيم الاقتصاد الاسرائيلي خصوصا القطاع الزراعي، الكيبوتزيم ، الخ …

ينفق جزء آخر من هذه المساعدات على تمويل الأحزاب الصهيونية جميعا بما فيها حيروت والمابام . وتتلقى الأحزاب مساعداتها المالية حسب حجمها و مقدرتها على المساومة . لذلك يستطيع أي حزب صهيوني أن يمول جريدة يومية كبيرة ، وان يدفع اجورا عالية للمسؤولين فيه وان يبقي على تنظيم سياسي بأكمله على الرغم من أن أعضاءه لا يكادوا يدفعون رسوم العضوية أو يسددون اشتراكاتهم في صحيفة الحزب . أي باستطاعة الحزب السياسي ان يستمر في الوجود على هذا النحو لمدة طويلة بعد أن تكون القوى الاجتماعية التي جاءت به قد اندثرت وتلاشت .

نشأ اليسار الصهيوني في روسية القيصرية وبولندة بصورة خاصة في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين . ولا بد من الاشارة هنا الى ان اليهود الروس قد ساهموا بنشاطهم في جميع الأحزاب المضادة للقيصرية ( الحزب الاشتراكي الثوري ، المنشفيك ، البولشفيك وغيرها ) . وأسماء مارتوف و دان وراديك وزينوفييف وتروتسكي وروزا لوكسمبورج معروفة باعتبار هؤلاء ثوريين من أصل يهودي اشتركوا في ثورات عام ١٩٠٥ وشباط (فبراير) عام ۱۹۱۷ ، وتشرين الأول (أكتوبر) عام ۱۹۱۷ علما بانهم كانوا جميعا ضد الصهيونية وأعداء الداء لها .

كذلك معروف أن نسبة اليهود الثوريين في روسية كانت أكبر من نسبتهم الى مجموع سكان البلاد وذلك للأسباب التالية :

۱ – كان اليهود يميلون الى التمركز في المدن والمراكز الحضارية .

۲ – وجود بروليتاريا يهودية كبيرة الحجم في بولندة وخصوصا في صناعة النسيج .

۳ – وجود انتلجنسيا يهودية كبيرة الحجم في روسية.

٤ – كون اليهود مضطهدين من قبل النظام القيصري لا كبروليتاريا فقط بل كأقلية قومية أيضا .

وقد ولد وضع اليهود هذا وتعرضهم للاضطهاد مصالح اجتماعية واقتصادية معينة أدت في النهاية الى نشوء عدد من الأحزاب السياسية كانت تسعى الى تبديل وضع اليهود كبروليتاريين وكمنتمين الى أقلية مضطهدة . كان أكبر هذه الأحزاب « البوند »  (الاخاء) ، وهو في الأساس حزب اشتراكي ديمقراطي ينتمي الى الأممية الثانية ، اندفع بتأثير الظروف التي كانت تسود روسية القيصرية باتجاه ثوري جذري ، غير أن البوند لم يكن يهدف الى استلام السلطة ، بل الى تحسين أحوال البروليتاريا اليهودية فقط .

شن لينين حربا ايديولوجية طويلة ضد البوند مصرا على أن البروليتاريا يجب ان تنظم نفسها على أساس اقليمي يجمع كل البروليتاريين القاطنين والعاملين في منطقة واحدة أو بلد واحد بغض النظر عن انتماءاتهم القومية . بمقابل ذلك كان البوند يدعي أن ظروف الاضطهاد التي تتعرض لها البروليتاريا اليهودية تضطرها للدفاع عن حقوقها الوطنية كأقلية قومية خاصة وان أجزاء كبيرة من البروليتاريا البولندية اشتركت في أعمال الشغب المعادية لليهود . لكن البوند لم يقبل ابدا المبدأ الصهيوني القائل انه ليس بامكان البروليتاريا اليهودية أن تصبح حرة الا في ظل دولة قومية يهودية مستقلة . أي كان البوند حزبا قوميا بدون ان يكون صهيونيا . وعندما شن هتلر حملة الإبادة ضد يهود أوروبا الشرقية قضى على البوند ، ولا تزال بقاياه موجودة حتى يومنا هذا في الولايات المتحدة الاميركية واميركا اللاتينية وكنده بسبب الهجرة الجماعية للبروليتاريا اليهودية من اوروبا وروسية في العقود الأولى من هذا القرن .

ناهض بیر بوروخوف (Ber Borochov) ، مفکر اليسار الصهيوني الرئيسي ، آراء البوند كما ناهض آراء لينين المذكورة ، وصاغ نظرية « الهرم المقلوب » عن التركيب الاجتماعي للشعب اليهودي . يقول بوروخوف ان كل شعب يتكون من فئات اجتماعية تأخذ شكل الهرم : قاعدة عريضة من الفلاحين ، ثم شريحة من البروليتاريا ، تليها شريحة من العاملين في النقليات والخدمات وموظفي الدولة ، وتعتليها شريحة اجتماعية من الذين يوظفون انفسهم كالحرفيين والاطباء والمحامين والمفكرين والعلماء . ويجد بوروخوف ان هذا الهرم الاجتماعي مشوه تماما عند اليهود لاننا نجد في صفوفهم عددا كبيراً من المحامين والاطباء والمفكرين وغيرهم ممن ينتمون الى الطبقة الوسطى ، مع قلة – ان وجدت – الفلاحين ، بالاضافة الى بروليتاريا صغيرة الحجم نسبيا . على هذا الاساس ادعى بوروخوف انه يجب تعديل البنيان الاجتماعي للشعب اليهودي قبل التحول الى الاشتراكية ، أي على اليهود تأسيس دولة قومية أولا کي يصبحوا فيها فلاحين وبروليتاريين ، وبعد ذلك سيكون باستطاعتهم التقدم خطوة اخرى باتجاه الثورة الاشتراكية .

طبق اليسار الصهيوني وأحزابه هذه الفكرة في ممارساته اليومية عن طريق التهجير وارسال المتطوعين الى فلسطين ، بعد فترة من التدريب والتثقيف الحزبي ، وخاصة الى المستعمرات الزراعية . ومعروف ان امثال بن جوريون واشكول ولافون وغيرهم من القادة الصهيونيين البارزين هم من انتاج هذه الأحزاب .

اما في الوقت الحاضر فان الانقسام السياسي الأساسي في السياسة الاسرائيلية يقوم بين القوى الصهيونية وأحزابها من جهة والقوى المعادية للصهيونية وأحزابها من جهة اخرى ( راكاح ، المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية ، تجمعات صغيرة لما يسمى باليسار الجديد ) . أما التقسيم التقليدي الى أحزاب يمينية ويسارية فلا أهمية له حاليا . كما أن الانقسام داخل اليسار الصهيوني ليس الا « خلافا عائليا » لا أكثر . لقد كان في السابق فجوة بين الاشتراكيين التقدميين (ماباي) وبين من كانوا يعتبرون أنفسهم ثوريين (مابام) ، غير ان الفجوة قد ضاقت كثيرا الى أن تلاشت بصورة شبه نهائية .

حزب الماباي

كان الماباي (حزب عمال « أرض اسرائيل » ) خلال العقود الثلاثة الأخيرة محور السياسة الاسرائيلية . وهو ذو أصول اشتراكية ديمقراطية يبشر بالتحول التدريجي والسلمي نحو الاشتراكية . لكنه تخلى منذ عقد مضى عن هذا الهدف بسبب العلاقات الوثيقة والعضوية بين اسرائيل والولايات المتحدة الأميركية . تشير المنظمة بهذا الصدد الى المواقف الشرسة جدا التي يأخذها حزب الماباي في معاداة الاتحاد السوفياتي وتأييده للموقف الفرنسي الاستعماري القائل بان الجزائر هي جزء من فرنسا وتأييده للامبريالية الاميركية في فيتنام . كذلك كان الماباي وراء الحملة الثلاثية ضد مصر عام ١٩٥٦ .

ومعروف ان انشقاقا وقع في الماباي عام ١٩٦٥ عندما شكل بن جوريون وبعض أتباعه من أمثال دايان وبيريس اللائحة العمالية الاسرائيلية (رافي) التي امعنت في الانزلاق نحو اليمين . وفي عام ١٩٦٨ اندمجت الأحزاب التالية : ماباي ، رافي وأحدوت هاعفودا ( انفصل عن المابام عام ١٩٥٤ ) بالرغم عن رفض بن جوريون هذا الاندماج غير ان موقفه لم يترك أي اثر على مجرى الأحداث . هنا تبين المنظمة أن عمليات الانشقاق والاندماج التي تتم في الحزب لا تعبر الا عن صراعات الفئات الضاغطة والتهافت على مراكز السلطة في داخله أي انها لا تعبر عن أية فوارق سياسية أو ايديولوجية حقيقية . لذلك بامكان دایان وأتباعه الانضمام الى الحزب لانهم سيستلمون المناصب القيادية بسرعة بسبب شعبية دايان . وتعتبر هذه الفئة أن الايديولوجية « الاشتراكية » لمؤسسي الحزب ورواده قد عفا عليها الزمن ولم تعد تلائم الواقع الذي تواجههه اسرائيل وتعيشه .

وتعزو المنظمة هيمنة على خياة اسرائيل ومجتمعها الى سيطرته على مراكز القوة الأساسية في البلاد وهى الهستدروت والوكالة اليهودية والحكومة . وبما ان الماباي كان الحزب الأقوى في الهستدروت والوكالة كان من الطبيعي ان يسيطر على حكم البلاد أيضا . أما رصيد الحزب الأساسي ، كما تراه المنظمة ، فهو كونه في مركز القوة ليس الا ، وتمتعه بكافة الامتيازات والفوائد التي يوفرها مثل هذا المركز . اما ناخبو الحزب فهم على الغالب ممن سيخسرون عملهم ووظائفهم وسكنهم وتأميناتهم الصحية ان هم صوتوا لغيره .

المابام

تقول المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية في تحليلها لحزب المابام أنه يشكل ، من حيث المبدأ ، الوريث الرئيسي لليسار الصهيوني الذي كان بير بوروخوف مفكره الرئيسي . وهو ثاني أكبر حزب في ما يسمى باليسار الصهيوني . ومنذ تأسيسه في الاربعينات كان هذا الحزب ممزقا دوما بين متطلبات النزعة القومية الصهيونية من ناحية وبين شعاراته الاشتراكية والاممية من ناحية أخرى . وتنعكس هذه الوضعية في الشعار الذي ترفعه صحيفة المايام اليومية عال همشمار : « لأجل الصهيونية والاشتراكية والصداقة بين الأمم » . وتنبه المنظمة الى ان ترتيب الكلمات في هذا الشعار له أهميته ، لأن المابام عندما كان مضطرا للاختيار بين النزعة الصهيونية والنزعة الاشتراكية والأممية كان يختار دوما الصهيونية مبررا ذلك بخصوصية المسألة اليهودية .

ترى المنظمة ان الدور التقليدي الذي قام به المابام كان « ترويج » الفكرة الصهيونية في الأوساط اليسارية في عدد كبير من أنحاء العالم . أما الآن ، بعد ان فقد كل ما تبقى له من العناصر الاشتراكية في ايديولوجيته ، وبعد ان فقد طابعه المميز واستسلم كليا أمام السياسة الشوفينية لشريكه الأكبر في التحالف الحاكم فقد خسر الحزب كل مقدرة على الحوار الجدي مع الأوساط اليسارية الثورية في كل مكان .

هنا تضرب المنظمة بعض الأمثلة من مواقف المابام وممارساته لايضاح وجهة نظرها : يرى بیرتز مرحاف (Peretz Merhav) ، رئيس القسم الأممي لحزب المابام ، « أن المطلب الداعي الى نزع الصهيونية عن اسرائيل ليس الا دعوة لقطع اسرائيل عن الشعب اليهودي وتحويلها الى دولة محلية معزولة بدون أية تطلعات أو ارتباطات عبر البحار »2. على هذا الأساس ترى المنظمة ان حزب المابام أقرب الى أسرة روثتشايلد ومؤسسة ماركس وسبنسر وأمثالهما من المنتمين الى زبدة الرأسمالية في الغرب مما هو الى أي نوع من أنواع الاشتراكية . لذلك ليس باستطاعة حزب المابام ، بالرغم عن شعاراته الاشتراكية ، أن يفهم مما تعنيه المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية بنزع الصهيونية عن اسرائيل الا العزلة وقطع العلاقات الخارجية . بينما ينبغي أن يكون ما تعنيه المنظمة مسألة بديهية وأولية بالنسبة لكل اشتراكي يحترم لقبه ، مثل انهاء الطابع اليهودي الخالص للدولة كما يعبر عنه « قانون العودة » الذي يعطي لأي يهودي في نيويورك حقوقا مدنية وسياسية في إسرائيل أكثر وأهم بكثير مما يعطي للفلسطيني العربي الذي ولد في تلك الأرض وعاش عليها واضطر اما للجوء الى الخارج أو الخضوع للسلطة الاسرائيلية . ان مجرد ارتباط اليهودي في نيويورك برابطة عاطفية نحو الأرض المقدسة لا يعطيه حقوقا سياسية فيها في حين يحق لكل عربي فلسطيني ان يتمتع بكافة الحقوق المدنية والسياسية على أرض فلسطين .

من ناحية أخرى يقول مرحاف ان فكرة نزع الصهيونية عن اسرائيل « غير واقعية وغير عملية » لانها « تعني التنازل عن جوهر دولة اسرائيل »3. لكن المنظمة ترى ان هذا الموقف هو انتهازية محضة خاصة عندما يصدر عن حزب يدعي الاشتراكية ، لأن المابام لا يبحث في الحقيقة عن طريق جدية لاقتلاع النزاع العربي الاسرائيلي من جذوره بل يبحث عن معادلة ترضي أكثرية الاسرائيليين . كما تبين المنظمة ان هذا الموقف الذي يدعي « الواقعية السياسية » لا يتصف بالانتهازية فقط بل يتصف بقصر النظر وانعدام « الواقعية السياسية » الحق وبمعناها الأعمق ، اذ ان كل حل للنزاع لا يكون أساسه نزع الصهيونية عن اسرائيل ، كبداية وكحد أدنى ، لن يكون الا حلا وهميا ومؤقتا لأن المعضلة الأساسية سوف تبقى وتستمر .

يقول المابام ان هدف الصهيونية « هو جمع أكثرية الشعب اليهودي في فلسطين كلها وبدون أية تجزئة ». وواضح ان تحقيق هذا الهدف هو المعيار الذي تستخدمه المؤسسة الصهيونية في اسرائيل في مواجهة كل القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفي اتخاذ كافة خطواتها العملية في هذه المواجهة . وحتى يومنا هذا لم تكتمل دولة اسرائيل بعد من وجهة النظر الصهيونية لأنها ما تزال في مرحلة انتقالية هدفها تحقيق الهدف الصهيوني الأكمل .

تشير المنظمة بهذا الصدد الى مزاعم مرحاف القائلة ان الصهيونية لا تلام على « التوسع المستمر لحدود اسرائيل وعلى مأساة اللاجئين العرب وآلامهم » لأن اللوم يقع على المقاومة العسكرية والعنيفة التي ابداها العرب ضد الصهيونية منذ أيام الحاج أمين الحسيني حتى حرب ١٩٦٧ وذيولها بما في ذلك نشاط منظمة فتح4 . وتبين المنظمة ان هذه المزاعم لا تختلف بشيء عن النفاق الذي عرف به المستعمرون في كل مكان حيث كانوا يدعون دوما ان « الخطأ ليس خطأهم بل هو خطأ السكان الأصليين الذين يرفضون تقبل الاستعمار بهدوء ومحبة ».  وتشدد المنظمة على ان هذا النوع من النفاق ينطبق على اليسار الصهيوني بصورة نموذجية وخاصة عندما يحاول ان يوفق بين الممارسات الصهيونية وبين « الوجدان الاشتراكي » الذي يدعيه . لذلك يتجنب المابام أية مناقشة جدية لجذور النزاع العربي الاسرائيلي وأصوله .

بطبيعة الحال ترفض المنظمة الفكرة التي ينادي بها المابام والقائلة بأن للصراع القومي الأسبقية على الكفاح الثوري من أجل الاشتراكية اذ يرى المابام انه طالما أن الكفاح القومي مستمر ينبغي الا نباشر بالكفاح الثوري لأن ذلك سوف يضعف من « الوحدة القومية الجماعية » . لقد كان هذا دوما موقف الشوفينيين الذين يدعون الاشتراكية ، أي أنهم مع الكفاح في سبيل الاشتراكية ولكن ليس الآن . هذه هي نظرية المراحل التي يقول بها ماير يعاري (Meir Ya’ari) زعيم المابام . وكما ذكرت ترفض المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية هذه الفكرة وترى أن الكفاح الأساسي واحد وهو الكفاح الثوري الاشتراكي لأجل مجتمع جديد في الشرق الأوسط يضم ما يسمى الآن بدولة إسرائيل ، أي ليس بالامكان حل المعضلات الرئيسية في المنطقة بما في ذلك المعضلة الاسرائيلية العربية الا ضمن اطار الثورة الاشتراكية والعمل من أجلها .

تتابع المنظمة انتقاد مواقف حزب المابام وفضحها فتشير الى موقف مرحاف من حل النزاع العربي الإسرائيلي الذي لخصه بقوله ان « المشكلة هي كيف نصل الى تفاهم واتفاق وسلام بين الكتلتين القوميتين المتنازعتين والمتجاورتين ، أي بين الدول العربية والفلسطينيين من جهة ( الذين یرفعون راية القومية العربية والبعث القومي والوحدة ) ، وبين دولة اسرائيل التي ترفع أيضا راية القومية والبعث القومي ووحدة الشعب اليهودي وتجميع هذا الشعب في أرضه الوطنية التاريخية . ونحن نكرس جهودنا لأجل الرد على هذا التحدي المطروح بخلق جو ملائم لاقامة حوار ودي هادف وبناء بين هاتين الكتلتين القوميتين كما نجدهما في الوقت الحاضر »5.

ترى المنظمة الاشتراكية الإسرائيلية في هذه الاراء الصياغة الكلاسيكية للنزعة القومية الشوفينية في الحركة الاشتراكية ، أي الخضوع التام أمام « الكتلة القومية كما هي موجودة الآن » . بعبارة أخرى لا يبحث مرحاف عن التفاهم والاتفاق والسلام بين العالم العربي واسرائيل الا على أساس أوضاعهما القائمة الآن وحاليا . بينما ترفض المنظمة هذا الموقف من حيث المبدأ وتذكر ان التجارب التاريخية في سبعين السنة الماضية تبرهن ان ما يقول مرحاف أنه يبحث عنه لا يمكن تحقيقه . حتى لو لم يكن هناك ثمة شيء اسمه النزاع العربي الاسرائيلي ستقف المنظمة ضد الأنظمة القائمة حاليا في اسرائيل والدول العربية باعتبارها منظمة اشتراكية ثورية . أي ترى المنظمة انه لا حل لهذا النزاع طالما بقيت الانظمة المعنية « على حالها وتماما كما هي الآن » . في الواقع ان الذين يدعون الى الوصول الى تسوية من خلال اتفاق الكتلتين القوميتين كما هما موجودتان حاليا لا يقدمون شيئا لصالح حل النزاع بل يجعلون من مصيرهم مصير التبعية المستمرة للدول الكبرى التي تسيطر على هاتين الكتلتين . كما أن التعبير عن الولاء الشوفيني « للكتل القومية » المعنية وكأنه مبدأ اشتراكي هو أتعس وأكثر ما يخجل في كل التزييف الذي نجده في موقف مرحاف . أي كتلة قومية استحوذت على الولاء الكلي لأمثال مارکس أو لينين أو روزا لوكسمبورج أو تروتسكي أو کارل لیبكنيخت ؟

يقول مرحاف « نحن مستعدون في حال تحقيق السلام لاعادة معظم المناطق التي يحتلها الجيش الاسرائيلي في الوقت الحاضر » . وتلاحظ المنظمة هنا أن موقف المابام « الاشتراكي » يتلخص باعادة معظم المناطق المحتلة وليس كلها . اذ يبدو ان المابام يجد في اعادة المناطق المحتلة كلها ثمنا مرتفعا مقابل تحقيق السلام الذي يدعو اليه بدون تعب . غير ان السيد مرحاف الصهيوني سيعتبر اعادة المناطق المحتلة كلها اشارة الى ان الصهيونية لم تحرز أي تقدم نتيجة لحرب ١٩٦٧ باتجاه تحقيق أهدافها الأوسع ولا يمكن أن يعجبه هذا الوضع مهما تبجح بشعاراته الاشتراكية . تلخص المنظمة الموقف الحقيقي للمابام حول موضوع السلام بقولها ان السلام لا يعني معارضة الحرب بل يعني انه ينبغي على العرب ان يتقبلوا بسلام أو بصورة سلمية الأمر الواقع الذي خلقته وتخلقه الصهيونية على حسابهم .

يعتقد المابام ان العالم العربي سوف يقبل بالصهيونية في المدى البعيد . غير أن المنظمة الاشتراكية الإسرائيلية ترى ان اسرائيل الصهيونية لن تستطيع تحقيق السلام والامان أبدا لأن مصيرها هو مصير كل الأنظمة الاستيطانية الأخرى التي تحاول ان تتواجد في وسط العالم الثالث : أي انظمة قائمة على التمييز ضد الشعوب الأصلية لتلك المناطق وعلى استغلالها أو طردها وتشريدها ، أنظمة مرتبطة ارتباطا عضويا بالتحالف الامبريالي العالمي .

واضح من تحليل المنظمة قولها ان ايا من مبادىء المابام الجميلة لا يحمل على محمل الجد في الواقع ان تاريخ حزب المابام ليس الا تاريخ التنازل عن هذه المباديء الواحد تلو الاخر . وهنا تضرب المنظمة امثلة اخرى : الكيبوتزات التابعة للمابام التي تأسست على أراض صودرت من الفلاحين العرب مع ان هؤلاء هم مواطنون اسرائیلیون ، مشاركة المابام بالحكومة الائتلافية التي قررت الشروع في حملة السويس عام ١٩٥٦ وتنفيذها ، مساعدة المابام عام ١٩٥٧ على تنظيم المظاهرات ضد انسحاب اسرائيل من سيناء . كما تذكر المنظمة ان المابام كان جزءا من حكومة دايان وبيغين التي صوتت على ضم القدس العربية الى اسرائيل وتدعو الى المزيد من عمليات الضم .

وكان آخر تنازل فضح دور المابام داخل المعسكر الصهيوني هو ما نشرته صحيفة هآرتس في ١٩٦٩/٩/١٢ حيث قالت ان كتلة « الاحزاب العمالية » الصهيونية بقيادة حزب العمال ( ماباي سابقا ) مع مشاركة حزب المايام قد تبنت برنامجا للانتخابات العامة التي ستجري في تشرين الأول (اكتوبر) ١٩٦٩ . ومن النقاط الواردة في هذا البرنامج دعم الاستعمار الصهيوني في المناطق العربية المحتلة . تقول الصحيفة أن المابام عارض هذا البند في البرنامج واصر في أول الامر على ذكر اعتراضه في البرنامج نفسه . غير ان موشیه دایان أعلن انه لن يسمح بمثل هذا الاجراء . اخيرا تقول هآرتس انه تم التوصل الى ما سمته الصحيفة « بالتسوية المشرفة » . وتتلخص التسوية بان يبقى البند المتعلق بالاستعمار في البرنامج وبدون اية تحفظات ، ويكون البند ملزما لكافة الأطراف في التحالف بما في ذلك المايام .

غير ان المابام ، مع انه بقي ملزما ببنود البرنامج ، قد اعطى اذنا ( بموافقة دايان طبعا ) بالدعاية الانتخابية ضد البند المعني وتقول المنظمة ان تقسيم العمل واضح بين اطراف هذا التحالف حيث يستمر المابام في المشاركة في الائتلاف الحاكم الذي ينفذ الاستعمار في المناطق العربية المحتلة ولكن بما ان هذه السياسة تناقض المبادىء المعلنة للمابام سيسمح له بتفادي الأحراج لفظيا . أي يقوم المابام بدعم السياسة الاستعمارية على الصعيد الفعلي ، وذلك بموافقة دايان ، كما يستمر في اثارة الضجيج ضدها وخاصة عندما يخاطب اليسار في الخارج .

على الصعيد اللفظي يؤيد المابام الاشتراكية والاتحاد السوفياتي وكوبا والشعب الفيتنامي . ومن حين الى اخر قد ينظم مظاهرة لتأييد هذه القضايا ولكن عندما تقترب هذه القضايا المبدئية من فلسطين يتحول الحزب باتجاه الشوفينية حتى على الصعيد اللفظى بينما ترى المنظمة ان المحك الحقيقي للسياسات الاممية لحزب مثل المابام لا يكمن في سلوكه نحو الولايات المتحدة مثلا بل يكمن بالدرجة الاولى في مواقفه ومماراساته وسياساته نحو الفلسطينيين العرب . من خلال هذا المعيار تنفضح اممية الحزب واشتراكيته نهائيا لانه يرفض الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير او حتى بحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة . كما أنه قاوم اقتراحا في هيئة الامم يدعو الى اجراء استفتاء اللاجئين الفلسطينيين لمعرفة ما اذا كانوا يفضلون التعويضات المالية على العودة الى فلسطين .

الحزب الشيوعي الاسرائيلي

القوة الرئيسية في اسرائيل الواقعة خارج المعسكر الصهيوني هي الحزب الشيوعي الاسرائيلي . وتعتقد المنظمة أن تاريخ هذا الحزب ( غير المكتوب بعد وغير المعروف لغالبية مراتبه الحالية ) هو تاریخ انشقاقاته حول مسألة العلاقات العربية – اليهودية في فلسطين قبل العام ١٩٤٨ وبعده . لقد وقع الحزب فريسة التمزق بين الصهيونية والقومية العربية منذ ان طبع ستالين سياساته القومية على الحركة الشيوعية . قبل الدخول في عرض رأي المنظمة في الحزب الشيوعي الاسرائيلي لا بد من إشارة سريعة الى تاريخ الحزب .

ولد الحزب الشيوعي عن انشقاق حصل عام ۱۹۲۲ في مؤتمر لحزب « العمال الصهيونيين » في دانزيج ببولندة ، كان موضوعه الاختيار بين الانضمام الى الأممية الشيوعية المشكلة حديثا وبين الانضمام الى المؤتمر الصهيوني . وجدير بالذكر ان الذين اختاروا الصهيونية مثل لافون أصبحوا في النهاية قادة حزب الماباي . اما الذين اختاروا الشيوعي فقد أسسوا الحزب الشيوعي الفلسطيني وقامت السلطات البريطانية بابعاد بعض زعمائه في العشرينات والثلاثينات الى الاتحاد السوفياتي حيث اباد ستالين معظمهم فيما بعد .

واجه الحزب الناشيء مصاعب عديدة أهمها كون مؤسسيه وكوادره من اليهود المهاجرين من روسيا ، يحملون ايديولوجية وتجربة سياسية مستمدتين من ذلك البلد . ومجرد هجرتهم الى فلسطين تعني انهم كانوا صهيونيين في وقت من الأوقات غير انهم اكتشفوا كونهم جزءا من مجتمع « قومي » لأقلية مستعمرة ( بكسر الميم ) في فلسطين ترفض سياساتهم المعادية للامبريالية . لذلك اتجهوا بجهودهم نحو تجنيد أعضاء عرب في الحزب ونحو التأثير في المجتمع العربي . لكن قيادات الحزب وكادراته كانت بعيدة في معرفتها عن اللغة العربية وتاريخ المنطقة والفردية المتخلفة الطاغية والتقاليد العربية ونزعة الفلسطينيين للتعصب القومي بتأثير الضغط الصهيوني والاستعماري مما جعلهم يقعون تحت هيمنة قيادات دينية وعائلية رجعية تماما . كل هذه العوامل أعاقت نشاط الحزب وجعلت من المتعذر نشر أي ايديولوجية أممية اشتراكية ثورية بين العرب وخاصة في فلسطين .

في الواقع واجه الحزب الشيوعي جماعتين قوميتين متعاديتين تتصادمان من خلال حركات جماهيرية واسعة ( اضرابات عامة ، عصيان ، حرکات سرية مسلحة ، الخ … ) ، فلم يستطع أن يتجاهل الصراع واضطر الى صياغة سياسة معينة فأيد الثورة العربية عام ١٩٣٦ وأید قیام اسرائیل عام ١٩٤٨ ، وفي كلا المناسبتين انشق الحزب على نفسه6.

ان النقد الأساسي الذي توجهه المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية الى الحزب الشيوعي يتلخص بنزعته لقياس كافة القضايا بمعيار بسيط هو صلة القضية المعنية بالاتحاد السوفياتي . وتضرب المنظمة مثلا على ذلك بالمناقشات التي جرت في البرلمان الاسرائيلي عام ۱۹٥۰ حول البيان الثلاثي ( أي بيان الدول الكبرى بضمان الحدود كما كانت علية يومئذ بين اسرائيل والدول العربية ) الذي أصدرته الدول الكبرى وهو وثيقة مهمة جدا في التاريخ المعاصر للشرق الأوسط . وقف الحزب الشيوعي ضد البيان الثلاثي لأنه يشكل مناورة سياسية ضد الاتحاد السوفياتي ليس الا . لا شك ان البيان كان جزءا من الستراتيجية الامبريالية الموجهة ضد الاتحاد السوفياتي ولكن كان له أيضا مضامين اخرى مهمة ومتنوعة بالنسبة للمنطقة العربية نفسها مما لا تشير اليه ابدا معارضة الحزب الشيوعي للبيان .

تقول المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية ان البيان الثلاثي لا يقتصر على كونه معاديا للاتحاد السوفياتي بل يهدف أيضا الى المحافظة على الوضع القائم في المنطقة عام ١٩٥٠ وتصفية القضية الفلسطينية نهائيا . مع ان كل هذه الأشياء كانت متضمنة في البيان الثلاثي غير أن الحزب الشيوعي لم يعلق على أي منها . في الواقع لم يكن بمقدوره أن يفعل ذلك لأنه كان يحاكم كل شيء على أساس مقياسه المعهود : مدى مساس المسألة بالاتحاد السوفياتي وسياسته الخارجية .  

لا شك ان الحزب الشيوعي معاد للصهيونية والسبب الرئيسي لموقفه منها هو كون الصهيونية متحالفة مع الامبريالية وضد الاتحاد السوفياتي . طبعا يبقى هذا الموقف سليمـا ضمن حدود معينة ولكنه غير كاف من وجهة نظر المنظمة . من ناحية أخرى تبين المنظمة ان الحزب الشيوعي يفتقر الى أي تحليل للصهيونية كحركة استعمارية بحد ذاتها . أي ان الحزب لا يواجه الصهيونية الا من خلال سياستها الخارجية أي من خلال علاقاتها بالقوى الدولية . اما بالنسبة للديناميكية الداخلية للصهيونية فليس لدى الحزب أي شيء يقوله . وبما أن الحزب يرفض النظر الى الديناميكية الداخلية للحركة الصهيونية والصدام الذي ولدته على أرض فلسطين مع العالم العربي يبقى الحل الذي يقدمه للنزاع محصورا ضمن حدود الاعتراف بالحقوق المشروعة لكلا الشعبين : الشعب العربي الفلسطيني والشعب الإسرائيلي . هذه هي معادلة الحزب لحل القضية الفلسطينية .

حصل الانشقاق الأخير في الحزب الشيوعي عام ١٩٦٥ ، وسببه مرة أخرى تحديد سياسة الحزب نحو القومية العربية واسرائيل . أن ذلك من واجب الأمميين العرب . كما حافظ على سياسة النقد « غير البناء » للسياسات الاسرائيلية ، لكنه يصر ، تماما مثل جناح ماكي على « تحويل الهستدروت من الداخل »7 . خلاصة القول هي أن المنظمة ترى ان الطبيعة الانتقائية لمثل هذه السياسات هي التي تفسر ، الى حد كبير ، الانقسامات العديدة التي وقعت في الحزب الشيوعي الاسرائيلي .

وتذكر المنظمة ان كلا من طرفي الحزب الشيوعي يتلهف على اعتراف موسكو به ، ويدين الصين الشعبية ، كما يترأس كلا منهما قادة منحدرون من العهد الستاليني ويتبعون سياسات ستالينية قديمة . بعبارة أخرى يشكل الحزب حالة نموذجية لتنظيم ستاليني ممزق بين قوميتين متصارعتين .

بالرغم عن كل ما ورد تتعاون المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية مع الحزب الشيوعي – راكاح – لانها تجد نفسها معه في موقع المعارض للصهيونية والمكافح ضدها . لكن هذا لا يعني ان امكانات تعاون المنظمة مع الحزب الشيوعي غير محدودة . في الواقع انها محدودة جدا ، على حد قول مصادر المنظمة ، بسبب خلافات حادة وواسعة بشأن القضايا المحلية والقضايا العالمية ، وحول قضايا ايديولوجية ومسائل تتعلق بالممارسات السياسية اليومية . على سبيل المثال يؤيد راكاح كل التأييد سياسة « التعايش السلمي » التي ينتهجها الاتحاد السوفياتي مع الاستعمار الاميركي . بينما ترفض المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية هذه السياسة باعتبارها سياسة غير ثورية .

يؤيد راكاح كل نظام له علاقات صداقة مع الاتحاد السوفياتي بينما تقرر المنظمة موقفها من كل نظام بناء على طابعه الطبقي وما يقدمه في مجال الكفاح العالمي ضد الاستعمار ، وليس بناء على علاقته بحكومة الاتحاد السوفياتي . يعتقد راكاح انه بالامكان التوصل الى السلام على أساس الانظمة القائمة اليوم في المنطقة ، وانه بالامكان حل النزاع العربي – الاسرائيلي على أساس بقاء النظام الصهيوني في اسرائيل والأنظمة البورجوازية الصغيرة والرجعية في العالم العربي ، بينما ترى المنظمة ان هذا وهم خطر يعرقل نضال شعوب الشرق الأوسط كلها ضد الاستعمار8 . ويستند راكاح في موقفه من تسوية النزاع العربي – الاسرائيلي الى قرار مجلس الأمن (رقم ٢٤٢) الصادر في ۲۲ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٦٧ ، ولا غرابة في ذلك اذ ان الاتحاد السوفياتي يؤيد القرار . ونتيجة لهذا الموقف وجد الحزب الشيوعي (راكاح) نفسه في موقف طريف وغريب عندما أعلن روجرز مشروعه المشهور ، وهو مشروع صادر عن الامبريالية الاميركية من ناحية ولا يختلف عن قرار مجلس الأمن المعروف من ناحية أخرى . لذلك ادان الحزب المناورات الامبريالية الاميركية في المنطقة في معرض تعليقه على مشروع روجرز وأيد بحماسة المشروع نفسه .

وقد جاء ذلك في قرارات الدورة الثالثة عشرة للجنة المركزية للحزب حيث ورد التفسير التالي لمشروع روجرز : « ان حكومة الولايات المتحدة الاميركية قد بادرت الى وقف اطلاق النار ، بعد أن واجهت سياستها في الشرق الاوسط ، وفي جميع أرجاء العالم العربي ، فشلا ذريعا ، لكي تنقذ ما يمكن انقاذه من مراكزها المنهارة في العالم العربي »9 .

وقد رافق قرارات اللجنة المركزية دراسة قصيرة وعامة عن تطورات الأزمة في الشرق الأوسط . ومما يلفت النظر في المقررات والدراسة الاهمال الكامل الذي حظيت به حركة التحرر الوطني الفلسطينية على اختلاف تنظيماتها والمواقف السياسية المتنافسة داخلها علما بأنها تشكل العامل الأساسي الذي يعيق أية تسوية سياسية على غرار مبادرة روجرز ومشروعاته . أي بدلا من الاهتمام بحركة المقاومة امتدحت اللجنة المركزية جرأة السياسة المصرية ونضجها لانها « مستعدة للاعتراف بسيادة دولة اسرائيل في حدود الرابع من حزيران »10  ولانها ارغمت حكومة اسرائيل على التراجع عن خطتها في القيام بمغامرة عسكرية أخرى بالتعاون مع امیرکا .

كما تعتبر اللجنة المركزية للحزب ان خروج كتلة « جاحال » من حكومة الائتلاف الوطني قد استقبل بفرح من قبل غالبية الشعب الاسرائيلي . وهذا تماما ما تثير حوله المنظمة علامات سؤال عديدة . كذلك يعتبر قرار اللجنة المركزية ان موافقة الحكومة الاسرائيلية على مشروع روجرز هو خطوة ايجابية بالرغم عن أن هذه الموافقة قد جاءت قسرا ، وان محاولات التخريب في تطبيقها مثل الحملة الدعائية المفتعلة حول انتهاكات مصرية لوقف اطلاق النار ، ومعاملة أسرى الحرب في مصر ، واعتقال الجزائريين في مطار اللد ، كان هدفها تعزيز مواقع الاوساط المغامرة في الحكم .

ثم يتطرق تقرير اللجنة المركزية الى مواقف الحزب من حرب الأيام الستة ويجد في الوضع القائم « برهانا على عدالة سياسته وبعد نظره »11 . كما يتكلم وكأن تنفيذ قرار مجلس الأمن ، بما في ذلك الانسحاب الاسرائيلي ، قد أصبح واقعا تاريخيا ، وكأن حقوق الشعب العربي الفلسطيني المسلوبة قد استردت – لان « أمن اسرائيل لا يبنى على انقاض الشعب العربي الفلسطيني ، بل على سلام عادل »12 . وينتهي قرار اللجنة المركزية بالدعوة الى نضال موحد لتنفيذ مشروع روجرز ، والتطبيق الكامل لقرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ .

في معرض تعليقها على قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الاسرائيلي (راكاح) تقول المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية ان الحزب يرى تحولا في الصحافة الاسرائيلية ( التي تسير دوما في ركاب الحكومة ) لمجرد انها غيرت شعاراتها من المعارضة التامة لقرار مجلس الأمن ، الى النداء المتحفظ ، لقبوله ، ويتكلم عن « فرحـة غالبية الشعب الاسرائيلي » لخروج كتلة جاحال من الحكومة ، اما ان يكون هذا الحزب على غير معرفة بما صنعته الصهيونية بابناء شعبه خلال الاعوام الخمسين الماضية ، ومنذ حرب حزيران ١٩٦٧ بصورة خاصة ، واما ان يكون في معرض الاستسلام للأوهام والتسليم بأشياء على انها امور واقعة في حين لا تزال ضمن اطار رغباته الذاتية التي لم تتحقق بعد . عندما يقول حزب راكاح ان « السلام هو المصلحة العليا لدولة اسرائيل ، والسلام هو الأمن » ، يبدو وكأنه عاجز عن ان يميز بين مصلحة الشعب اليهودي والشعب العربي في اسرائيل وبين جهاز الدولة والمؤسسة الصهيونية ، مما يبرهن عن نقص في ادراكه لماهية الصهيونية التي قامت عليها دولة اسرائيل ، هذا اذا لم ينزلق في مزالق الانتهازية التي تريد دغدغة احاسيس الجمهور الاسرائيلي بكلمة « أمن » لينتهي في الواقع الى موقف مؤيد لدولة اسرائيل الصهيونية .

تقول المنظمة أنه عندما يتغاضى راكاح في قراراته المتعلقة بمشروع روجرز تغاضيا كليا عن النضال السياسي والكفاح المسلح لحركة التحرير الفلسطينية ، يكون في موقع من لا يستطيع تمييز قوى اليمين عن قوى اليسار ، في مجموعة القوى الاجتماعية والسياسية والعمالية الفاعلة حاليا في الشرق الأوسط . الا اذا كان الحزب يتوقع ان تكون لعباراته قوة سحرية خاصة تعكس الواقع بحيث تتلاشى القوى التي يفضل على الا يأتي على ذكرها . يضاف الى ذلك ان الحزب قد قبل تعریف قرار مجلس الأمن للقضية الفلسطينية على انها « مشكلة لاجئين » ليس الا .

قبل حرب حزيران كانت تتفاعل في منطقة الشرق الأوسط ، وفقا لتحليل المنظمة ، مجموعة تناقضات ثانوية ولكن هامة بحد ذاتها . تناقضات بين الحركة الصهيونية والبورجوازية العربية ، بين البورجوازية العربية والامبريالية ، بين المصالح السوفياتية في المنطقة والأنظمة المختلفة القائمة فيها . وتشابكت هذه التناقضات على الصعيد السياسي حول محور أساسي هو النزاع بين الدول العربية ودولة اسرائيل مثلما عرفناه حتى حرب حزيران ١٩٦٧ .

غير ان المنظمة ترى أن هذا الوضع قد تغير منذ الحرب الأخيرة لان الشعب الفلسطيني وجد نفسه واقفا وظهره الى الحائط وهو يواجه عنف الامبريالية والصهيونية مما خلق له الظروف المناسبة لتنظيم نفسه عسكريا وسياسيا . لذلك ترى المنظمة ان الطريق الوحيدة الباقية هي طريق النضال الشعبي والديمقراطي للتحرير الوطني والاجتماعي وان العودة العربية الى فلسطين غير ممكنة بدون تغييرات اجتماعية ثورية في المنطقة كلها تضع الرجعية العربية في معسكر العدو . ترى المنظمة كذلك أن مجموعة التناقضات الثانوية التي مر ذكرها قد فقدت أهميتها نتيجة للأوضاع التي افرزتها حرب حزيران ١٩٦٧ . لذلك نجد ان عددا من هذه التناقضات قد تمت تسويتها ( بعد الحرب ) بين الأطراف المعنية ، مثلا : التسوية بين مصالح بعض الحكومات العربية وبين مصالح السياسة الخارجية السوفياتية ، التسوية الشاملة بين السياسة الخارجية السوفياتية والاستعمار الاميركي والبورجوازية العربية الصغيرة والأنظمة الرجعية العربية . ويفترض أن تنضم الى هذه التسوية المؤسسة الصهيونية الحاكمة في اسرائيل عما قريب عبر قرار مجلس الأمن ومشاريع روجرز . واضح ان احتمالات التغيير الثوري في منطقة الشرق الاوسط تثير رعب الجميع بما في ذلك حزب راكاح الذي يتبع دائما السياسة الخارجية للاتحاد السوفياتي التي ما زالت تدعم « الاشتراكية العربية » بدلا من الكفاح لأجل حكم ديمقراطي شعبي ثوري في دول المنطقة .

يطالب الحزب الشيوعي الاسرائيلي (راكاح) بالحل السياسي للنزاع العربي – الاسرائيلي في المنطقة . ومع ما في هذه التسمية من اختلاط تبين المنظمة ان المقصود بالحل السياسي هو تسوية النزاع على أساس توازن القوى القائم حاليا في الشرق الأوسط . بطبيعة الحال لو كان بالامكان الحصول على حل سياسي مرض ( وبالمعنى الثوري للعبارة ) بطرق غير عسكرية لما مانع في ذلك احد بما في ذلك المنظمة الاشتراكية نفسها . لكن الحل السياسي المقصود والمعني يترك السلطة الصهيونية في اسرائيل على حالها والدول العربية على حالها أيضا . لا تكمن المسألة اذن ، في نظر المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية ، في مجرد البحث عن وسائل للوصول الى حل للنزاع بل في نوع الحل المطلوب . وتشدد المنظمة على أن الحزب الشيوعي يؤيد حلا يقوم على أساس استمرار الأوضاع القائمة في الشرق الأوسط ، بما في ذلك النظام الصهيوني في اسرائيل .

على هذا الأساس يصبح الفارق الحقيقي ليس بين الحل العسكري والحل السياسي بل بين الحل الثوري والحل غير الثوري للنزاع المعني . ويقف الحزب الشيوعي بوضوح مع الحل غير الثوري ، بينما تعلن المنظمة الاشتراكية وقوفها بحزم ضد هذه الحلول وأمثالها لأنها في رأي المنظمة لن تحل أي شيء .

ذكرت فيما سلف أنه بالرغم عن الهوة العميقة التي تفصل المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية عن الحزب الشيوعي الاسرائيلي (راكاح) مع ذلك تجد المنظمة نفسها في نفس الموقع مع الحزب بالنسبة لبعض القضايا اليومية والتفصيلية وتتعاون معه فيها مثل موضوع الجرائم التي ترتكبها سلطات الاحتلال في الضفة الغربية وفي قطاع غزة ضد المواطنين العرب ، والدخول مع الحزب في اللعبة البرلمانية داخل الأرض المحتلة [منذ ١٩٤٨].

لا شك أن المنظمة لا تعلق كثيرا من الأهمية على اللعبة البرلمانية ، لكن عندما تجري انتخابات في اسرائيل عليها أن تحدد مواقف معينة من بعض المرشحين . لذلك تؤيد المنظمة مرشحي الحزب الشيوعي ، وفي الانتخابات الأخيرة تعاونت معهم بكثرة . تقول مصادر المنظمة أن مشاركتها بصورة ما في الحملة الانتخابية الأخيرة الى جانب الحزب الشيوعي كانت مهمة بالنسبة للحزب نظرا الى صعوبة الوضع الذي وجد نفسه فيه حيث كان معظم مناضليه العرب قيد الاعتقال في تلك الفترة . وكانت المساعدة التي قدمتها المنظمة للحزب في الحملة الانتخابية كبيرة . كما ان الموقف الذي اعلنته المنظمة في وثيقتها الانتخابية شرح دوافعها في تأييد الحزب في الانتخابات بالرغم عن انها لا تلتقي معه في نظرتها الى قضايا الشرق الاوسط . وقد لاقت هذه الوثيقة تأييدا كبيرا في الأوساط العربية في الأرض المحتلة . وكان أعضاء المنظمة يستقبلون استقبالا جيدا في القرى العربية حيث كانوا ينشطون ويوزعون المنشورات .

ومع ان المنظمة دعت أهل القرى الى التصويت لمرشحي الحزب الشيوعي (راكاح) طبعا فقد شرحت نقدها المعروف لمواقف الحزب المعنية بقولها :

« أن التصويت لراكاح ، في الأوضاع الحاضرة ، لا يعني بشكل الاشكال الموافقة التامة على سياسة هذا الحزب وآرائه . انه تصويت احتجاج على السياسة القائمة . انه الطريقة الممكنة الوحيدة للتصويت ضد الاحتلال ، ولو لمجرد ان كافة الأحزاب الأخرى لا تذكر ، الاحتلال ، و ( الأراضي المحتلة ) ، فمثل هذه الكلمات والتعابير لا وجود لها في قاموسها . ففي نظر هذه الأحزاب كلها : ( احتلال يوك ) ! اما راکاح ، فليس ضد الاحتلال فحسب ، بل انه الوحيد من بين الأحزاب البرلمانية الذي ينتظم بين صفوفه يهود وعرب ، والوحيد من بينها الذي يناضل ضد الكبت في المناطق المحتلة .

ان بيننا وبين راكاح خلافات حادة وواسعة بشأن القضايا المحلية والقضايا العالمية ، خلافات في القضايا الايديولوجية وفي المسائل اليومية . وراكاح نفسه يدعونا بين الفينة والأخرى (مغامرين) و ( ضد السوفيات ) . وعلى سبيل المثال : يؤيد راكاح كل التأييد السياسة السوفياتية ويهلل لسياسة التعايش السلمي التي ينتهجها الاتحاد السوفياتي مع الاستعمار الاميركي . ونحن نرفض هذه السياسة باعتبارها سياسة غير ثورية . ويؤيد راكاح كل نظام له علاقات صداقة مع الاتحاد السوفياتي ونحن نقرر موقفنا من كل نظام بناء على طابعه الطبقي وقسطه في النضال العالمي ضد الاستعمار ، وليس بناء على علاقته بحكومة الاتحاد السوفياتي . ويعتقد راكاح ان بالامكان التوصل الى السلام على أساس الأنظمة القائمة اليوم في المنطقة ، وانه بالامكان حل النزاع العربي الاسرائيلي على أساس بقاء النظام الصهيوني والأنظمة البورجوازية الصغيرة والرجعية في العالم العربي . ونحن نعتقد ان هذا وهم خطر يعرقل نضال شعوب الشرق الأوسط كلها ضد الاستعمار »13 .

حركة افنيري واليسار الاسرائيلي الجديد ( سياح )

ورد في مطلع الكتاب ذكر لعلاقة المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية بحركة أفنيري وانفصال المنظمة عنه . وقد طورت المنظمة تحليلا معيناً لظاهرة افنيري وحركته سألخصه في الصفحات التالية . ترى المنظمة ان قطاعا اجتماعيا معينا بين الاسرائيليين هو الذي يستجيب لدعوة افنيري . ويتألف هذا القطاع من البورجوازية الصغيرة التي ولدت في اسرائيل ونمت محليا بمقابل البورجوازية المستوردة . لذلك نجد ان افنيري يحدد موقفه بالنسبة للقضايا الاجتماعية في اسرائيل بالقول انّه « لا يقف على اليمين ولا على اليسار بل يتجه الى الأمام ». اما في اوروبا فانه ينعت نفسه باليساري . وفي أكثر من مناسبة قال عن نفسه في اجتماعات شبه علنية في اسرائيل بأنه انتهازي ، وهو لا يخفي ذلك بل يقول ان على الانسان ان يسبح مع التيار كي يصل الى مكان ما .

ولفهم ظاهرة افنيري بصورة أدق تقول المنظمة انه لا بد من التنبه الى نوع من الثنائية التي تطبع المجتمع الاسرائيلي . فمن ناحية نجد ان الشعب الاسرائيلي هو فرع من الجماعة اليهودية في العالم ومن انتاجها في نواح عديدة من وجوده . من هنا تكون الصهيونية الايديولوجية التي تطابق هذا الواقع . ولكن من ناحية أخرى لقد أصبح للشعب الاسرائيلي كيان قائم بذاته بحيث لا يشعر الكثيرون في اسرائيل بأية روابط حقيقية بالجماعات اليهودية في مختلف انحاء العالم . كما ان الذين ولدوا في فلسطين قبل ومن ثم بعد سقوطها ( الجيل الثاني والثالث مثلا ) فقد نمت في صفوفهم وطنية اسرائيلية محلية متميزة عن الصهيونية القديمة .

يمثل افنيري في معظم القضايا السياسية هذه النزعة الوطنية أو القومية الاسرائيلية المحلية بمقابل الصهيونية الكلاسيكية ولكن بدون أي تعارض أو مناوءة بينهما . طبعا لا تفكر هذه الجماعات ( خاصة افنيرى نفسه ) بمواجهة الصهيونية ببعدها التاريخي بل يقولون أن الصهيونية أصبحت من متاع الماضي وانها بعد أن خلقت دولة اسرائيل قد انتهت أو ماتت ولم تعد ذات شأن في الوقت الحاضر . أي يقول افنيري ان الدولة التي أوجدتها الصهيونية هي دولة الاسرائيليين . طبعا انه لا يدعو صراحة الى القومية الاسرائيلية ولا يقول انه قومي اسرائيلي ، كما انه لا يقاوم الصهيونية ولا يريد ان يقطع علاقاته معها كليا .

مطلب افنيري يتلخص بنوع من الاستقلال الذاتي لاسرائيل عن الفكرة الصهيونية والحركة الصهيونية العالمية . اذ يعلم افنيري ان اسرائيل تستمد في الوقت الحاضر فوائد مادية كبيرة من اليهود في العالم وهو لا يريد ايقاف هذا المد أو عرقلته . لذلك يريد الابقاء على نوع من العلاقات الخاصة بين دولة اسرائيل والجماعات اليهودية في العالم لكسب الدعم والفوائد المادية المعروفة . ولكنه من ناحية أخرى يعترض على « قانون العودة » الذي يعطي بعض مواطني دول أخرى حقا آليا في الجنسية الاسرائيلية ، لأن هذا القانون لا يتساوق مع المشاعر القومية الاسرائيلية المحلية النامية .

تقول المنظمة الاشتراكية ان ظاهرة افنيري يجب الا تهمل كليا ولكنها تقول أيضا أنه ينبغي الحذر من المبالغة في أهميتها . لقد لعب افنيري دورا ايجابيا نوعا ما في الستينات ولكن ، كما ورد معنا في السابق ، تعتبره المنظمة عنصرا لا يمكن الركون اليه لانه انتهازي الى أقصى الحدود . بالاضافة الى ذلك أيد افنيري حرب ۱۹٦٧ وقال في وصفها في كتابه « اسرائیل بدون صهيونيين » أنها حرب لم يكن يريدها أحد . لكن مع ذلك قال في خطاب له في الكنيست منذ فترة قريبة انها كانت « حربا دفاعية » . وبعد الحرب عندما ناقش الكنيست موضوع ضم القدس العربية الى أراضي اسرائیل صوت افنيري لصالح « توحيد » القدس أي ضمها .

وبرر موقفه هذا في كتابه بقوله « ان القدس الموحدة سوف تصبح العاصمة الفديرالية ، بالاضافة الى كونها عاصمة لكلا البلدين . ويعطينا هذا حلا – وهو الحل العملي الوحيد على ما أعتقد – لمعضلة مشحونة بالانفعالات الدينية والقومية مما يجعل التراجع بالنسبة لأي من الطرفين مستحيلا »14 . ان انتهازية أفنيري واضحة تماما ولا حاجة للمزيد من التعليق عليها .

الى جانب ظاهرة افنيري برزت ظاهرة أخرى في اسرائيل . بعد الحرب تشكل فئات صغيرة ذات طابع راديكالي وسطي ، بمعنى انها تريد ان تكون يسارية ولكن مع الابقاء على علاقة ما بالصهيونية . والتجمع الوحيد الذي اكتسب شكلا محددا الى حد ما هو « سياح » الذي يكتسب اسمه من الاحرف الأولى لعبارة « اليسار الاسرائيلي الجديد » .

يتألف هذا التجمع من أشخاص كانوا في الحزب الشيوعي الذي يقوده ميكونيس وسنيه (ماكي) وحزب المابام . يلعب هذا التجمع ، من الناحية الموضوعية ، الدور الذي كان يلعبه حزب المابام في الأيام الماضية ، أي انه نوع من التجميل اليساري للصهيونية . طبعا ، يعني هذا أنه يقوم بدور رجعي بمعنى انه يشكل عائقا أمام تطور عناصر كثيرة في اسرائیل وخارجها بسبب نشره دعاية من النوع الذي يخلق وهما معينا يقول انه بامكان الصهيونية ان توصف باليسارية . من ناحية أخرى يقوم هذا التجمع بدور ايجابي بمعنى أنه يشكل مرحلة من مراحل النمو في حياة الكثيرين باتجاه الموقع اليساري الثوري ، اذ ان معظم الناس غير قادرين على القفز مرة واحدة من الصهيونية الى الموقف الثوري ، وعليهم الانتقال الى الموقع الثاني تدريجيا وعبر مراحل تتصاعد في راديكاليتها .

توجد كذلك بعض جماعات مشابهة أخرى ولكن ليس لها أية صفة تنظيمية ولا تطرح أي برنامج سياسي . جماعات من طلاب المدارس الثانوية مثلا الذين ينظمون اجتماعات فيما بينهم ويوزعون منشوراتهم ( غير المرخصة رسميا ) مما يعرضهم للملاحقة من قبل البوليس في بعض الأحيان .

الكيبوتز

الكيبوتز مستوطن زراعي جماعي ، ينضم اليه أعضاؤه طواعية وهم احرار في تركه متى ارادوا . لا يملك أعضاء الكيبوتز أشياء خاصة بهم باستثناء القليل من الملابس اذ أن الأرض ملك للمنظمة الصهيونية وكذلك وسائل الانتاج الموضوعة تحت تصرف الكيبوتز ، ويتم انجاز العمل كله بصورة جماعية كما تتخذ كافة القرارات بصدد التنمية والاستثمار ، وانتخاب الرئيس وأمين السر وأمين الصندوق الخ … خلال اجتماع عام لجميع الأعضاء .

معروف ان هذه العناصر في حياة الكيبوتز قد استهوت عقول الكثيرين من المفكرين الراديكاليين والاشتراكيين في الغرب . وقد أمعن حزب المابام في الدعاية لها في جميع أنحاء العالم . غير أن نظرة أدق ستكشف أمورا هامة عن واقع الكيبوتز في اسرائيل كما تبين المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية .

أولا ، ينتمي الكيبوتز في العادة الى حزب واحد ، وقد تم طرد الذين صوتوا للشيوعيين من كيبوتزات هاشومير هتسعير ، وطرد الذين صوتوا للمابام من كيبوتزات ماباي ، الخ … أي أن التسامح السياسي معدوم في الكيبوتز .

ثانيا ، تروج الدعاية « الاشتراكية » للكيبوتز على انه الأسلوب الاسرائيلي في الانتقال من « الكوميون الى الشيوعية » وتقول أنه اذا امتلأت البلاد بالكيبوتزيم (الكوميونات) سيطر هذا النمط من الحياة على سكان اسرائيل واقتصادها ويتم بذلك الانتقال السلمي الى الشيوعية . ولكن تبين المنظمة ان كافة الوقائع اثبتت ان هذه المزاعم ليست الا أوهاما ومغالطات اذ ان الكيبوتزيم جميعها ترزح تحت عبء الديون للحكومة وللشركات والبنوك خاصة ، وليس بامكانها الاستمرار في الحياة لولا الاعانات الدائمة التي تمنحها اياها المؤسسات الصهيونية . بالاضافة الى ان عليها شراء الوقود والاسمدة والماء والكهرباء والالات من مصادر خارج الكيبوتز ، وعلى منتوجاتها أن تتنافس في السوق مع بضائع ينتجها الاخرون . أي أنها مرتبطة بصورة مصيرية بالسوق الرأسمالية المحلية . لقد اثبت الكيبوتز ، الذي كانت ايديولوجية بوروخوف الحافز الاساسي على خلقه ، انه غير قادر على المنافسة في السوق الرأسمالية الحرة وهو مدين في بقائه على قيد الحياة للاعانات الصهيونية كما ذكرنا .

ثالثا ، تحول الكيبوتز ، في محاولة لمواجهة هذا الواقع ، الى النشاط الصناعي ، مبتدئا بتصنيع انتاجه الزراعي ومتحولا بالتدريج الى صناعات البلاستيك والفخار والاثاث وعشرات المنتجات الصناعية الخفيفة . بيد ان ، ضآلة عدد أعضاء الكيبوتز ( بضع مئات ) لا تسمح بتأمين قوة العمل اللازمة للزراعة والصناعة معا ، وبما أن التخلي الكلي عن النشاط الزراعي سيكون بمثابة التنكر لمبادىء « الاشتراكية » الصهيونية ، وجد الكيبوتز نفسه مجبرا على استخدام العمل المأجور من المدن المجاورة . أي أصبح مجتمع الكيبوتز الجماعي « الاشتراكي » مستغلا ( بكسر الغين ) جماعيا للعمل المأجور.

في هذه الظروف يعمل أعضاء الكيبوتز عادة كرؤساء وشغيلة في معاملهم ، بينما يقوم الاجراء بالاعمال التي تتطلب درجة أدنى من الاختصاص ، وعندما تنتهي فترة العمل يعود الاجراء الى المدينة . أي أصبح الكيبوتز بالنسبة للعمال رب عمل مثله كمثل أي رأسمالي آخر ، سوى ان الرأسماليين لا يقدمون المواعظ الاشتراكية ولا يتلبسون لباسها بهذه الصفاقة . وعندما يحدث في الكيبوتز اضراب عمالي يستنجد المالكون بالبوليس دونما تردد .

تستخلص المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية مما ورد أن شعار ( من الكوميون الى الشيوعية ) قد برهن على انه ينطوي على تزييف مزدوج : فهو لم يحول المجتمع الاسرائيلي الى أي نوع من انواع الاشتراكية ( هذا اذا وضعنا الشيوعية جانبا ) من جهة ، كما انه تحولت الكوميونات ذاتها من تجمعات اشتراكية طوباوية الى هيئات استغلال جماعية تستثمر العمل المأجور وتستغله من جهة أخرى . أي ان تاريخ الكيبوتز ( وفي الحقيقة كل تاريخ اليسار الصهيوني ) ليس الا تاريخ الاشتراكية الديمقراطية التي افسدتها القومية الشوفينية ووقائع الاقتصاد الرأسمالي القاسية .

في الواقع كان للكيبوتز أهمية خاصة في عملية الاستعمار الصهيوني لفلسطين . لقد حافظت المؤسسات الصهيونية على الكيبوتزيم ( سواء كانت تنتمي الى ماباي أو مابام أو حيروت أو الأحزاب الدينية ) لانها تتصف بروح الريادة والعمل الجماعي المنظم وببناء اجتماعي يصلح خصيصا لاستيعاب المهاجرين ولانها قادرة على حماية نفسها وعلى القيام بمهمات اقتصادية غير مربحة عن طريق التضحيات الشخصية والفردية الكبيرة . ان كافة هذه الصفات والخصائص ضرورية وحيوية بالنسبة لتثبيت الوجود الصهيوني الاستعماري في منطقة معادية .

الهستدروت

من الأفكار الشائعة حول اليسار الصهيوني انه ركز معظم نشاطاته حول الكيبوتز ، لكن المنظمة تبين ان هذه الفكرة خاطئة ولا تنطبق على الواقع اذ على الرغم من الدور الهام الذي لعبته الكيبوتزيم في تثبيت الاستعمار الصهيوني لم تتعد عضويتها في يوم من الأيام مقدار الخمسة بالمائة من السكان اليهود في فلسطين . لقد خلق اليسار الصهيوني مؤسسة أخرى تفوق بكثير جميع الكيبوتزيم أهمية وقوة وثروة . هذه المؤسسة هى الهستدروت أو المنظمة العامة للعمال اليهود في فلسطين .

تأسست هذه المؤسسة عام ۱۹۲۲ بواسطة اليسار الصهيوني باعتبارها اداة لخلق البروليتاريا اليهودية ، وهي اليوم تملك صناعات ضخمة ومصارف وشركات نقل بحري وجوي واكبر شركة بناء في اسرائيل ، كما تملك حصة أساسية في كل فرع من فروع الاقتصاد الاسرائيلي تقريبا ، هذا بالاضافة الى أوسع نظام للتأمين الصحي في البلد ( لا يوجد تأمين صحي عام في اسرائيل ) . ان واحدا من كل ثلاثة أشخاص من سكان اسرائيل يدفع رسوم عضوية للهستدروت ومن لا يدفع يخسر تأميناته الصحية ، كما ان تسعين بالمائة من العمال اليهود هم في نقابات عمالية يديرها الهستدروت .

تقول المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية انه بالرغم من أن الهستدروت يسمي نفسه باللغات الاجنبية « الاتحاد العام للعمال في اسرائيل » كي يصور نفسه في الخارج على الصورة المألوفة لنقابات العمال ، الا أن واقع الهستدروت الفريد وخصائصه المميزة تجعله بعيدا كل البعد عن النقابات العمالية . ان خصائصه الصهيونية تفوق كثيرا ، بدون ادنى شك ، خصائصه النقابية والعمالية .

اكتشف الاشتراكيون الصهيونيون الأوائل عندما قدموا الى فلسطين في العقود الاولى من هذا القرن ان معظم المستوطنين اليهود الذين سبقوهم ( خصوصا في المستعمرات التي انشأها روثتشايلد قبل انشاء المنظمة الصهيونية ) يستخدمون اليد العاملة العربية . وبما ان اليسار الصهيوني كان يريد تحويل اليهود الى فلاحين وبروليتاريين رفض ان يقوم ملاك الأرض والرأسماليون اليهود باستخدام اليد العاملة العربية واطلقوا حركة الكيبوتزيم وبعدها بقليل أسسوا الهستدروت ، ثم باشروا بحملة شوفينية ضد كل اليهود الذين يستخدمون اليد العاملة العربية رافعين شعارا يقول انه على الصهيونيين ان يخلقوا طبقة عاملة يهودية في فلسطين لا ان يستخدموا العرب .

وفي العشرينات والثلاثينات أصبح شعارهم الأساسي « العمل اليهودي فقط » ، وقاموا بارهاب صاحب العمل اليهودي والعامل العربي معا . وكان الهستدروت الاداة الرئيسية في هذه الحملة اذ انه لم يؤسس لتنظيم الطبقة العاملة اليهودية بل لخلقها . وبطبيعة الحال لم يكن الهستدروت ليقبل العمال العرب كأعضاء فيه باعتباره لليهود فقط كما يدل على ذلك بوضوح اسمه العبري . أي لم يكن هدف الهستدروت الدفاع عن المصالح الطبقية للعمال اليهود بل دعاهم الى التضحية لتأسيس الدولة البورجوازية الراسمالية اليهودية وتقويتها . وعندما كان الرأسماليون اليهود يشكون من ان اليد العاملة اليهودية أكثر كلفة من العمال العرب ، كان الهستدروت غالبا ما يتحمل الفارق في الثمن من اعتماداته .

قد يكون الهستدروت الاتحاد « النقابي » الوحيد في العالم الذي يحوي « دائرة للاتحادات النقابية » ، وذلك لأن نشاطاته كمالك وصاحب عمل تفوق بكثير نشاطاته کاتحاد نقابات . في الواقع يملك الهستدروت النقابات تماما كما يملك التأمين الصحي ، وفي كثير من الحالات يعين موظفو الهستدروت كامناء سر للنقابات ، وفي الاحوال التي يصل فيها أمين السر الى منصبه عن طريق الانتخاب ينبغي الحصول على موافقة رسميي الهستدروت قبل ان يتمكن العمال من الاعتراف بالمنتخب كممثل عنهم .

ولتدعيم سيطرة الهستدروت تجمع منظمته المركزية جميع رسوم العضوية مباشرة ( التي تقارب سبعة بالمائة من دخل العضو ) ، ثم تحصل الاتحادات المحلية على مخصصاتها من السلطات المركزية . عن هذه الطريق تحتفظ السلطات المركزية في الهستدروت بسيطرة حازمة على الطبقة العاملة الاسرائيلية بكاملها . وعندما تقع اضرابات « غير مرخصة » يجد المضربون أنفسهم بدون اعتمادات مالية تمكنهم من الاستمرار بالاضراب كما يواجهون احتمالات فقدانهم لاعمالهم الى الأبد ( اذ كثيرا ما يكون الهستدروت نفسه هو صاحب العمل ) ، بالاضافة الى مواجهة كل ما يستطيع الهستدروت تحريكه من قوى القمع كما حصل في اضراب البحارة عام ۱۹٥۱ . اذا ما اخذنا بعين الاعتبار ان الهستدروت أكبر موظف في اسرائيل وهو في الوقت ذاته « اتحاد لنقابات العمال » تبينت لنا طاقاته الهائلة . انه دولة داخل الدولة والعمود الفقري للمجتمع الاسرائيلي واقتصادياته ، كما انه الاب الشرعي لدولة اسرائيل ( كما يدعي الاشتراكيون الصهيونيون ) .

لا داعي للدهشة اذن اذا قالت المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية ان من يسيطر على الهستدروت يحكم اسرائيل . لقد سيطر الماباي على الهستدروت قرابة ثلاثين عاما فحكم يهود فلسطين قبل عام ١٩٤٨ . وليس من قبيل الصدفة ان يكون بن جوريون ، أهم رئيس حكومة لاسرائيل ، أحد مؤسسي الهستدروت وفي وقت من الأوقات أمينه العام ، كذلك فان لاشكول وغيره من القادة مثل لافون ونامير ماضيا مشابها . ولم يصل جناح الصهيونية « اليميني » يوما الى السلطة في اسرائيل أو الى الهيمنة على الحياة اليهودية قبل عام ١٩٤٨ لانه لم يكن يملك من القوة ما يؤهله للاطاحة « باليسار » عن طريق انشاء مؤسسات تابعة له في قوة الهستدروت . ان المناوىء الوحيد الذي يستطيع قهـر الهستدروت هو الدولة ذاتها ، ولكن أي صراع بين الدولة والهستدروت يقتضي اما حصول انشقاق في الماباي أو انتصار انتخابي لليمين المتطرف ، وهذا احتمال ضعيف جدا في المستقبل المنظور بسبب الضغوطات والاغراءات الاقتصادية التي تستخدم في الانتخابات وبسبب الامكانات المالية والاقتصادية والتنظيمية التي يستطيع الهستدروت تحريكها . ان امكانية فرض ديكتاتورية عسكرية على اسرائيل من جانب جنرالات الماباي ( الذين شددوا قبضتهم على الجيش خلال حكم بن جوريون ) تبقى أكثر ترجيحا من أي انتصار لليمين الصهيوني الأكثر تطرفا .

بعد هذا العرض لواقع الهستدروت وتركيبه تنتقل المنظمة الى مناقشة الموقف الثوري في اسرائيل من هذه المؤسسة . هل يمكن تحويل الهستدروت من داخله ليصبح اداة ثورية أو على اقل تعديل ليصبح اتحاد عمال عاديا أم يجب الاطاحة به ، مثله في ذلك كمثل أية مؤسسة أخرى في دولة اسرائيل الصهيونية ؟

تعمل جميع الأحزاب « اليسارية » في اسرائيل بما فيها الحزب الشيوعي (راكاح) على أساس ان المشكلة هي تغيير قيادة الهستدروت ، في أسوأ الأحوال . لذلك على كل يساري معارض للخط الحالي للهستدروت ان يناضل داخل المؤسسة لأجل انتخاب قيادة من نوع جديد . بطبيعة الحال ترفض المنظمة هذا المنطق وتعتبره رديفا للخط السياسي المرفوض والقائل بامكانية الوصول الى المجتمع الاشتراكي بالسبل البرلمانية .

في أوائل الستينات تفجرت في اسرائيل حركة واسعة من الاضرابات العمالية غير الرسمية ( أي اضرابات لم توافق عليها قيادة النقابات العمالية ) حيث قام العمال بصورة عفوية بتشكيل لجان عمل في مناطق متعددة من اسرائيل ، حتى أن ملامح الاتصال والتضامن بين هذه اللجان غير الرسمية بدأت تظهر لتشكيل مؤسسة عمالية شاملة وغير رسمية منفصلة عن الهستدروت وبنيانه . تعتقد المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية بصواب هذا الاتجاه وسلامته في النضال العمالي داخل اسرائيل وبضرورة دعم هذه الحركة ودفعها الى مستويات ارقى . أي يجب على العمال أن يشكلوا تنظيما جديدا تابعا لهم ، بغض النظر عن الهستدروت ، وبدلا عن محاولة السيطرة عليه من الداخل اذ ينبغي ، في التحليل الاخير ، تدميره من الخارج حين يحين الوقت لذلك . تقول المنظمة ان موقفها هذا خلال الاضرابات العمالية كان طرحا جديدا تماما في اسرائيل لمسألة الهستدروت . وقد نشرت المنظمة في العدد الأول من مجلتها الماتسبين برنامجا نقابيا مرحليا تضمن ۱۲ نقطة اهمها ما يلي :

۱ – العمال في اسرائيل بحاجة الى حركة نقابية مستقلة . ومثل هذه الحركة غير موجودة لان الهستدروت ليس حركة نقابية مستقلة بل هو جزء من المؤسسة الصهيونية .

۲ – ينبغي أن يكون لكل نقابة استقلالها الكامل في كل نشاط تقوم به مما يمس مصالح العمال المنظمين فيها . ويعارض هذا المطلب الوضع القائم في اسرائيل حيث تقوم القيادة البيروقراطية للهستدروت باملاء كافة الإجراءات من فوق .

۳ – ان يكون انتخاب الممثلين ديمقراطيا علما بأنه ليس كذلك في الوقت الحاضر اذ يتم تعيين الاعضاء العاملين في الهستدروت من قبل القيادة البيروقراطية .

٤ – الاكثار من عقد اجتماعات الفروع المحلية للنقابات المختلفة .

ه – الاستقلال الكامل للمؤتمر العام للعمال في كل مكان عمل . على سبيل المثال اذا كان العمال يريدون اعلان الاضراب يجب ان يكون من حقهم أن يفعلوا ذلك ، وهذا يتعارض تماما مع الوضع القائم حاليا حيث ينبغي أن توافق القيادة البيروقراطية للهستدروت على مثل هذا الاجراء .

٦ – ينبغي ان يكون لكل فرع محلي نقابي صندوقه المالي لاجل حالات الاضراب . في حين تذهب في الوقت الحاضر جميع الاموال الاتية من اشتراكات الاعضاء الى الجهاز المركزي . لا النقابات ولا فروعها المحلية تملك أموالا مستقلة وهي تعتمد كليا على الجهاز المركزي .

۷ – يجب ان تدار المصالح الاقتصادية للهستدروت ، أي المشاريع التي يملكها ، من قبل العمال أنفسهم وليس كما هو حاصل حاليا حيث تدار من قبل جماعات بيروقراطية هي جزء من الهستدروت .

٨ – في كل نزاع عمالي ينبغي على الهستدروت ان يؤيد العمال . في الواقع لا يفعل الهستدروت ذلك في كثير من الاحيان لان النزاع كثيرا ما يكون مع الهستدروت نفسه باعتباره صاحب العمل .

۹ – المساواة الكاملة في الحقوق للعمال العرب في الهستدروت والقضاء على كل تمييز يمارس ضد قبول عضوية العمال العرب في الهستدروت . ( حتى فترة قصيرة كان الهستدروت مغلقا بالنسبة للعمال العرب . )

١٠ – في عام ١٩٦٢ كان الاسم الرسمي للهستدروت هو « التنظيم العام للعمال العبريين في أرض اسرائيل » وطالبت المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية بتغيره الى « الاتحاد العام للعمال في اسرائيل » .

في تلك الفترة ركزت المنظمة نشاطها الأساسي في الميدان العمالي وكان أحد أعضائها يعمل في حركة لجان العمل . وتقول المنظمة انها بذلت كل الجهود الممكنة ، بالرغم عن صغر حجمها ، للدفع بهذا الاتجاه ونشر وجهة النظر هذه . ولفترة طويلة نسبيا ، استمرت المنظمة في العمل ضمن هذا الخط باعتباره قضية محورية بسبب افتقار اسرائيل الى أي نوع من أنواع الحركة النقابية لان الهستدروت في الواقع ليس اتحادا عماليا بالمعنى المعروف للعبارة كما ورد معنا . وعندما ترى المنظمة ان العامل الاسرائيلي لا ينتمي الى أية نقابة عمالية على الاطلاق تجد في ذلك مجالا واسعا للعمل لأن وجود النقابة العمالية ضروري في كل الاحوال في المجتمع الرأسمالي ولا يمكن للعمال ان يستمروا بدون تشكيل نوع من أنواع المنظمات العمالية .

تعتقد المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية ان نجاح مثل هذه الحركة الهادفة الى ايجاد تنظيم منفصل عن الهستدروت يقوم بوظيفة النقابة العمالية سيكون له أهمية خاصة بما ان الهستدروت هو جزء من المؤسسة أو من بنيان السلطة الصهيوني . أي ان ايجاد مثل هذا التنظيم يتعدى في أهمیته مجرد تشکیل نقابة عمالية اذ انه سيوجه ضربة حقيقية في داخل بنيان السلطة وسيكون له أهمية ثورية تتخطى حدود ما كان سيحدث لو ان مثل هذا العمل قد تم في بلد اخر .

لا يزال هذا هو برنامج المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية بصورة عامة على صعيد العمل الداخلي ، غير أن المنظمة تأخذ بعين الاعتبار الوضع الجديد الذي طرأ على المنطقة كلها بعد حرب حزيران ١٩٦٧ . قبل الحرب كانت القضية الفلسطينية مجمدة الى حد ما وكان الصراع الطبقي الداخلي في اسرائيل على مستوى أعلى مما هو عليه الآن . كان الصراع الطبقي أكثر وضوحا وصراحة لأن القضايا الخارجية لـم تكن قد تأزمت بعد لتخفف من حدته . لذلك أعطت المنظمة في تلك الفترة أهمية أكبر لمسألة الصراع الطبقي مما تعطيه الآن . ومن الواضح ان القضايا السياسية التي تعتبر الآن أکثر الحاحا من أي شيء آخر تغطي الى حد ما هذا النوع من النضال الذي يقوم به العمال ضد بيروقراطية الهستدروت . أي لم تعد هذه القضية هي المسألة الرئيسية في اسرائيل حاليا مع انها ما زالت مهمة في نظر المنظمة .

[الفصل القادم : نظرة المنظمة الى المقاومة الفلسطينية والحل الثوري للنزاع في المنطقة]

[العودة الى صفحة المحتويات]

  1. مع ان المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية لا تملك ارقاما دقيقة حول مقدار الأموال المجموعة الا انها تقدر ان هذه الأحزاب تجمع حوالي مليون جنيه استرليني سنويا أو ۱۱۲ مليون دولار .
  2. A. Orr and M. Machover, « Against the Zionist Left », Israc, March 1970. Quoted from Al-Hamishmar, 29 August 1969
  3. المرجع السابق.
  4. المرجع السابق.
  5. المرجع السابق .
  6. The Other Israel, op. cit., p. 24.
  7. للتفاصيل انظر المقطع المتعلق بالهستدروت .
  8. « الانتخابات » ، نشرة صادرة عن المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية (ماتسبين) ، تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٦٩ .
  9. رامي ليفنه ، « حول موقف راكاح من مشروع روجرز » مجلة ماتسبين اب – ايلول ۱۹۷۰ ، عدد ٥٥ ، ص ٥ ، ۱۱ ، من « زو هادیرخ » ، ۲ ايلول ۱۹۷۰ .
  10. المصدر نفسه.
  11. المصدر نفسه.
  12. المصدر نفسه.
  13. « الانتخابات » ، نشرة صادرة عن المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية (ماتسيين) ، تشرين الأول (أکتوبر) ١٩٦٩ .
  14. Haim Hanegbi, Who Is Uri Avneri, Israc, March 1970, quoted from Haolam Hazeh, Supplement, 3 December 1969.