تبين لنا انه ليس لدى المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية أية أوهام حول حقيقة الدور الذي تلعبه اسرائيل في المنطقة العربية في خدمة المصالح الامبريالية والنفوذ الاستعماري وهو دور متمم لنشأتها الاستعمارية أصلا وهي (المنظمة) تنظر الى حرب حزيران وأهدافها من خلال هذا المنظار الأساسي . تبين المنظمة ان اسرائيل كانت تعاني من أزمة اقتصادية قبل حرب حزيران ١٩٦٧ مما ادى الى حالة خطيرة من البطالة في صفوف العمال ، وضيق شعبي شديد على وجه العموم . الى جانب ذلك كانت « الجولة الثالثة » في الصراع العربي – الاسرائيلى جزءا لا يتجزأ من معركة عالمية أكبر وأوسع وتمتد في أهميتها وخطورتها بعيدا خارج حدود الشرق الأوسط .

تعود المنظمة في تحليلها لحرب عام ١٩٦٧ الى خمسينات هذا القرن التي كانت مرحلة انتصارات للاشتراكية وللقوى التقدمية في العالم ولثورة المستعمرات . ففي الصين توطدت الثورة الاشتراكية ، وفي الهند الصينية نجحت القوى الاشتراكية في هزيمة الاستعمار الفرنسي ، وفي كوبا قامت ثورة اشتراكية . وفي عدد من اقطار اسيا وافريقيا توصلت الى الحكم قوى معادية للاستعمار مما جعل نطاق حكم الدول الاستعمارية المباشر في هاتين القارتين ضيقا جدا . أي كانت القوى الاستعمارية في تقهقر .

اما في الستينات فقد حصل تغير ملموس في ميزان القوى الدولي اذ وطدت الدول الغربية الاستعمارية مراكز جديدة لها في العالم الثالث تحت اشراف الاستعمار الاميركي الذي تحول الى « بوليس عالمي » لصالح السيطرة الامبريالية . وفي عدد كبير من الاقطار الافريقية والاسيوية وقعت انقلابات رجعية – بتدبير من وكالة الاستخبارات الاميركية – اسقطت حكومات معادية للاستعمار .

ومن الخطوات البارزة في هذا الهجوم الاميركي العالمي :

١ – التدخل الاميركي في الكونغو .

٢ – ازمة الصواريخ في كوبا التي تراجع فيها الاتحاد السوفياتي امام التهديد النووي الاميركي ، وفرضت الولايات المتحدة الاعتراف الواقعي « بحقها » بالتصرف كمسيطرة لوحدها على المحيط بحيث تفرض الحصار البحري ، وتقوم بتفتيش السفن عندما تشاء .

٣ – التدخل الاميركي على نطاق وبشكل لم يسبق لهما مثيل في الفيتنام الجنوبية .

٤ – الحرب الوحشية التي تشنها الولايات المتحدة على جمهورية فيتنام الديمقراطية الواقعة وحدها في المعركة .

وتخلص المنظمة الى القول بأن حرب عام ١٩٦٧ وانتصار اسرائيل فيها لم تكن الا عملية استكمال للهجمة الامبريالية الواسعة ضد قوى الثورة والتحرر في العالم الثالث التي شهدتها ستينات هذا القرن .

وترجح المنظمة الرأي القائل بان الرئيس عبد الناصر لم يكن يعتقد ان الازمة التي نشبت قبل الحرب ستتحول الى صدام عسكري واسع ، بل يمكن ابقاؤها ضمن الاطار السياسي وتحقيق مكاسب مهمة على هذا الاساس مثل محو اخر بقايا مكاسب اسرائيل في حملة سيناء عام ١٩٥٦ . كما ترى المنظمة ان الاتحاد السوفياتي – الذي اعتمد على الاتفاق الدولي الضمني بينه وبين الولايات المتحدة – قد عزز اعتقاد مصر بان الولايات المتحدة لن تسمح لاسرائيل بشن حرب واسعة النطاق . غير أن الوقائع أثبتت ان هذه التقديرات كانت خاطئة الى أقصى الحدود . اذ أصبح واضحاً ان الولايات المتحدة كانت تريد اضعاف زعامة عبد الناصر ، نظرا لتأثيره في العالم الثالث وضرب حركة التحرر العربي وقواها بصورة عامة .

كذلك تشير المنظمة الى ان الاميركيين، على خلاف خصومهم السوفيات ، لا يقيمون وزنا كبيرا لقواعد لعبة التعايش السلمي ، ولا يخشون كل نزاع مسلح ولا يقعون فريسة الوهم بأن كل نزاع من هذا النوع سيؤدي مباشرة الى كارثة نووية . فضلا عن ذلك ، فان اسرائيل – على الرغم من اعتمادها شبه الكلي على تأييد الولايات المتحدة – لیست شريكا سلبيا يكتفي بتنفيذ الأوامر فحسب لان خدمة الولايات المتحدة في نظر حكام اسرائیل لیست هدفا بذاتها بل هي وسيلة لخدمة الأهداف والمطامع الصهيونية الأصيلة . بعبارة أخرى ، حققت نتائج حرب حزيران ١٩٦٧، من حيث أهميتها العالمية ، نجاحا يضاف الى قائمة النجاحات التي حققها الهجوم الامبريالي العالمي الذي يشرف على تنفيذه الاستعمار الاميركي على نطاق عالمي .

بالاضافة الى النواحي العالمية للنزاع توجد أيضا النواحي المحلية التي كان لها دور هام في تقرير مجرى الأحداث . أي ان الصراع بين الاستعمار والقوى المضادة له لم يكن يتم في فراغ بل تجلى بشكل محدد : مرحلة أخرى في النزاع التاريخي بين الصهيونية والحركة القومية العربية . لذلك لا بد للمنظمة من ان تبدي رأيا في قيادة حركة التحرر العربي المتجسدة في النظام الناصري في مصر .

ترى المنظمة ان تطور مصر بعد ثورة ٢٣ يوليو قد تم بقيادة البورجوازية الصغيرة وهي طبقة تقول المنظمة ان من صفاتها التذبذب والتأرجح وانعدام القدرة على الحسم النهائي للصراع لصالح القوى الثورية والشعبية . في البداية فضلت هذه القيادة تعزيز البورجوازية الصناعية الوطنية ، مقابل بقية الطبقات . وكانت القيادة تتوقع ان يتم استثمار التعويضات التي دفعت الى ملاك الأراضي ، في اعقاب الاصلاح الزراعي ، في المجال الصناعي مما سيخدم تصنيع البلد . غير ان أصحاب الأراضي السابقين استثمروا رأسمالهم الجديد في التجارة والعقارات بسبب التقاليد وقلة التجربة وعدم ثقتهم في امكانية جني أرباح كبيرة في المجال الصناعي . وبعد ان فشل النظام في جذب الرأسمال الخاص للصناعة شرع في استخدام أموال الدولة لهذا الغرض فأقام بذلك نوعا من الاشراف والبرمجة من جانب الدولة .

تقول المنظمة ان المبادرة الفردية لم تقدم شيئا لتطوير الاقتصاد الوطني المصري ، كما ان الاصلاحات الجديدة سهلت اثراء قسم من البورجوازية المصرية وبدأت الاموال تتجمع في ايدي عدد محدود من الشرائح الاجتماعية العليا بين السكان . فقد ارتفع نصيب الرأسماليين من الدخل القومي من ٦٨ بالمائة قبل البدء في التصنيع الى ۷۲ بالمائة في عام ١٩٦١ . ولكن ، كما جاء ذكره آنفا ، لم يستثمر هؤلاء أموالهم في الصناعة بل توجهوا الى التجارة وملحقاتها ، لان الارباح في هذا المجال مضمونة وكبيرة وسريعة . كما ان أصحاب الأراضي استخدموا كافة الوسائل للتحايل على قانون الاصلاح الزراعي .

تعتقد المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية انه من العوامل الرئيسية التي قررت الى حد بعيد نتائج المعركة في عام ١٩٦٧ هو هذا الطابع للنظام القائم في مصر وتطوره . ففي رأيها ان الثورة في مصر على رغم كونها ظاهرة تقدمية في حينها ، قد توقفت في منتصف الطريق ولم تتخذ طابعا اشتراكيا ، هذا بالرغم عن سلسلة الاصلاحات الاقتصادية والسياسية الهامة التي قام بها النظام الذي بقي في التحليل الاخير ذا طابع برجوازي صغير ، وفشل في تنظيم جماهير الشعب واشراكها في الحياة السياسية . حتى الجهود التي بذلت لاقامة حزب جماهيري ( الاتحاد الاشتراكي ) كقاعدة للنظام قد اخفقت ولم تتعد كونها محاولات بيروقراطية . كما ان الطبقات الحاكمة القديمة لم تحطم بل بقيت قائمة في الجيش وجهاز الدولة ، بالاضافة الى استمرار الثغرة الاجتماعية الواسعة بين الطبقات ذات الحقوق والامتيازات وجماهير الشعب على حالها . ان هذا الوضع يشكل عاملا هاما في تقوية الجناح اليميني للنظام الحاكم في مصر1 .

ولا يمكن ، في رأي المنظمة ، تفسير انهيار الجيش المصري السريع في المعركة بدون الاخذ بعين الاعتبار ان الطيارين مثلا وقسما كبيرا من الضباط ينتمون الى الفئات الاجتماعية المعادية للثورة . كما ان التناقضات الاجتماعية ادت الى تعفّن الجيش في ايام النظام القديم بقيت قائمة الى حد كبير حتى يوم المعركة . وتخلص المنظمة الى ان توقف الثورة في مصر في منتصف الطريق وعدم تحقيقها لتغيرات اجتماعية ثورية عميقة كان له بلا شك اثره في خطوات عبد الناصر السياسية قبل الحرب2 .

وفي صدد تحليلها لطبيعة المعركة مع اسرائيل تقول ماتسبين :

ان الرئيس عبد الناصر قد أكد مرارا انه قبل الاصطدام العسكري الناجح باسرائيل ينبغي على القوى التحررية العربية تحقيق تغيرات داخلية في العالم العربي ، مثل اسقاط الأنظمة الملكية الاقطاعية والرجعية القائمة في عدد من الاقطار العربية ، وتحقيق وحدة قائمة على أساس تقدمي . وقد ندد عبد الناصر عن حق بالملك حسين باعتباره خادما للاستعمار وعدوا للامة العربية وأداة قمع ضد عرب فلسطين . ولكن لما ازفت ساعة الامتحان ووضعت ثورية النظام في مصر على المحك اندفع عبد الناصر – بسبب نقاط الضعف المذكورة في نظام حكمه ودولته – الى استبدال حلف القوى المعادية للاستعمار بالحلف غير المقدس مع الملك حسين قبل الحرب مباشرة ( وذلك على الرغم من استياء الحكومة السورية ) . ففي رأي المنظمة ان حسين حتى تلك اللحظة كان عدوا لقوى التحرر العربية ولكن لما بدا ان عرشه على وشك الانهيار ، منحه عبد الناصر « قبلة الحياة » ، وطهره من كل دنس باسم الوحدة والقومية العربية . وللأسف اختار عبد الناصر شاهدا وكفيلا لهذا الحلف احمد الشقيري ، الزعيم الفلسطيني ، الذي تنعته المنظمة بانه رجعي ومتقلب وكان في احدى تقلباته ممثلا للملك السعودي في هيئة الامم المتحدة .

وقد ظهر هذا التحول بشكل خاص في الدعاية التي صدرت عن القاهرة ، اذ غرقت الشعارات المعادية للاستعمار والدعوة الى الدفاع عن سوريا ضد العدوان في تيار من التهديدات بالقضاء على اسرائيل . أضرت هذه الدعاية بالدول العربية التقدمية طبعا اذ انها شدت من أزر الأوساط المتطرفة في اسرائيل ودفعت قسما كبيرا من الرأي العام العالمي الى موقف عدائي من مصر والعرب عامة ، كما ان اسرائيل لم تظهر على حقيقتها كمعتدية وخادمة للاستعمار بل ظهرت بمظهر المناضلة عن كيانها وعن حياة سكانها .

لقد برهنت التجارب أن امكانية الوصول الى حلول وسط حقيقية وثابتة بين المصالح الأساسية للاستعمار وبين مصالح الجماهير في الدول المتخلفة ليست الا سرابا . الاستعمار الجديد كان يفضل ، كما هو معروف ، استغلال ثروات هذه الدول باستخدامه زعيما قوميا شعبيا من وسط البرجوازية المحلية بدلا من استخدام الدمى من أمثال سوهارتو [ في اندونيسيا] أو كاو كي [ في جنوب فييتنام ] . غير أن الاستعمار الجديد بدأ يدرك ان هذه اللعبة خطرة للغاية لانه توجد احتمالات كثيرة لتطور النضال الوطني ، حتى تحت زعامة البورجوازية الصغيرة ، باتجاهات أكثر راديكالية تعني المزيد من التهديد بالنسبة الى المصالح الامبريالية . وأكثر من ذلك فان تطور النظام  الناصري بالاتجاه المعادي للاستعمار قد قطع شوطا كبيراً لم تعد تحتمله القوى الامبريالية وخاصة بما يتعلق بالمصالح النفطية ، مما دفع الامبريالية للتكشير عن أنيابها في اخر المطاف . هذا هو الدرس الأساسي الذي فشل النظام الناصري من استخلاصه والعمل على أساسه مما ادى به الى الهزيمة والى المأزق الخانق الذي يواجهه .

انتقل الآن الى عرض الاراء التي عبرت عنها المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية حول حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة . تقول المنظمة انه على اثر حرب حزيران ١٩٦٧ ظهر عنصر جديد على المسرح السياسي في الشرق الأوسط : الفلسطينيون . ومع أنهم باشروا بالعمل قبل حرب حزيران بسنوات قليلة ، لكن كفاحهم لم يأخذ اندفاعه الفعلي وتاثيره الكبير الا بعد الحرب . والعامل الايجابي في هذا التطور هو نجاح العمل الفلسطيني في تحويل الصراع الذي كان قائما بين حكومات الى صراع جماهيري . الا انه من الضروري الاشارة الى اتجاه سلبي وخطر ، في رأي المنظمة ، داخل العمل الفلسطيني . لقد تبنت بعض فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية وجهة النظر القائلة انه بامكان الجماهير الفلسطينية وحدها ان تحل النزاع في المنطقة ( تحرير فلسطين ) بمعزل عن النضال الثوري العربي بشكل عام . هذا بالاضافة الى نزعة « عسكرية » واضحة في العمل الفلسطيني لا تقيم وزنا الا للبندقية . تؤكد المنظمة ان الكفاح المسلح ضرورة حيوية واداة مشروعة في مواجهة الاحتلال ومتابعة النضال ، ولكن هذا لا يعني ان نجعل من القتال « فيتيشا » وكأنه الأسلوب الوحيد للنضال والكفاح .

ان نضال القوى الثورية الفلسطينية سوف يشمل بالضرورة الكفاح المسلح ، وتقول المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية انها واعية تماما لهذه الحقيقة ، وانها ادركتها قبل انتشار حركة المقاومة على نطاق واسع . لكن السؤال الذي تطرحه المنظمة هو اذا كان الكفاح الفلسطيني المسلح وحده يكفى للوصول الى النتائج المطلوبة ؟ وتجيب المنظمة على هذا السؤال بالنفي ، لان توازن القوى الداخلة في الصراع قائم بشكل سيدفع الكفاح المسلح الفلسطيني بالضرورة نحو التحول الى مجرد مقاومة ضد الاحتلال . أي ما لم يصبح الكفاح المسلح الفلسطيني جزءا من حركة أوسع هي الثورة العربية فانه لن يحقق أكثر مما جاء ذكره اعلاه . لذلك عندما تعرض بعض فصائل المقاومة القضية على أنها مسألة فلسطينية بحت وبالامكان حلها ضمن اطار فلسطيني بحت فانها تبين عدم ادراكها للخطر الذي يواجه العمل الفلسطيني ، أي استبدال النظرة الفلسطينية السلبية السابقة التي كانت تنتظر الخلاص على أيدي الاخرين ، بنظرة اقليمية ضيقة بحيث يكون المطلب الوحيد الموجه الى الجماهير العربية هو مجرد مساعدة الجبهة الفلسطينية فقط .

ترى المنظمة ان هذا الموقف يتغافل عن الارتباط العضوي القائم بين النضال الفلسطيني والنضال في العالم العربي ككل ، كما يعبر عن ذلك شعار « عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية » . وتشجع الحكومات العربية هذا الموقف اذ ان تعبئة الجماهير العربية ، وان كانت في سبيل القضية الفلسطينية فقط ، كفيلة بتهديد الاوضاع السياسية العربية القائمة . لذلك لا ترى هذه الحكومات أي ضرر في عزل النضال الفلسطيني وتركه للفلسطينيين فقط .

ومعروف ان الأنظمة العربية – الرجعية منها والتقدمية – تكسب الاستقرار لنفسها عن طريق فدية هي تقديم المساعدات للمنظمات الفلسطينية . بالاضافة الى ذلك ، لا شك ان هذه الحكومات تريد استعمال المساعدات المالية لتوجيه النضال الفلسطيني ضمن نطاق الخطوط السياسية الملائمة لها وللتلاعب به واستعماله كمجرد وسيلة للمساومة على حل سياسي مقبول لديها ، لان هم الأنظمة الأساسي هو استرجاع المناطق التي فقدتها في حرب حزيران ١٩٦٧ ، بينما لا تعتبر القضية الفلسطينية الا كشيء ثانوي . وهذا ما يعنيه شعار « ازالة اثار العدوان » . كما تؤكد المنظمة انه لو تمكنت الانظمة العربية من احراز هدفها هذا بصورة من الصور ( عن طريق الدول الاربع الكبرى مثلا ) ستكون مستعدة للتخلي عن النضال الفلسطيني وحتى لان تشارك في التصفية السياسية والجسدية لحركة المقاومة الفلسطينية . وليس من المستبعد ان تصر الدول الأربع على تصفية المقاومة كشرط لتحقيق التسوية السياسية3 .

واستطرادا لهذا التحليل نشرت المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية بيانا في عدد حزيران – تموز ۱۹۷۰ من مجلة ماتسبين قالت فيه ما يلي معلقة على المواجهة الساخنة التي تمت بين المقاومة والنظام الملكي في شهر حزيران :

لقد هزت الحوادث التي وقعت مؤخرا في الأردن ميزان القوى « المحبب » لدى الدول الكبرى ، فقد احتل المقاتلون الفلسطينيون عمان لمدة عدة ايام ، وفرضوا صلاحياتهم على الشارع واثبتوا بوضوح للنظام الأردني « الشرعي » وللعالم كله ، انهم على استعداد للتصدي بقوة السلاح للاضطهاد ومحاولات الأفناء . وقد أعلنت اسرائيل ، التي تعهدت دائما حماية العرش الأردني ومعها الاستعمار الاميركي حامي الرجعية في العالم كله ، انها على استعداد للعمل اذا ما اتضح ان الوضع يتطلب التدخل .

غير أن هذا التدخل لم يكن مطلوبا . فقد قامت بذلك قوى أخرى من بين العرب ، ونجح التحالف القائم بين مصر والأردن « في اعادة الأمور الى نصابها » مع محاولات لشق حركة المقاومة عن طريق الهجوم على « المتطرفين من الجانبين » ( أي الجانب الفلسطيني والجانب الملكي ) . غير أن الهدف كان عزل التنظيمات اليسارية الفلسطينية المنادية بردود فعل جماهيرية والمطالبة بربط النضال للتحرر القومي بالتغييرات السياسية في الشرق الاوسط كله4 .

كذلك نشرت مجلة ماتسبين في عدد اب – ايلول ۱۹۷۰ مقالا حول المجزرة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني في الأردن قالت فيه :

أن الشعب العربي الفلسطيني الذي طرد من أرضه ، والذي سلب وطنه ، والذي طلب منه خلال سبعين عاما ان يدفع ثمن الاستيطان الصهيوني ، وثمن السيطرة الاستعمارية في المنطقة ، وثمن التحالف القائم بين السيطرة الاستعمارية وبين الرجعية العربية ، يدفع الان أيضا ثمن « الحل » الذي سيفرض عليه . ومع ان الاستعماريين الاميركيين وحلفائهم الاسرائيليين ، والبيروقراطيين السوفيات وحلفائهم في المنطقة ، على خلاف حول قضايا كثيرة ، لكنهم على اتفاق حول نقطة واحدة هي انهاء القضية الفلسطينية باسم « الواقعية » ، وهذا يعني انهاء الفلسطينيين انفسهم . اننا نشاهد عملية افناء شعب بام اعيننا .

تؤكد المنظمة أن المجزرة – والحل الذي سيفرض في أعقابها – لا تنطوي على أي عنصر من عناصر السلام الحقيقي ، بل ستؤدي في أحسن الاحوال الى فترة « هدوء » يعقبها اندلاع الصراع المسلح من جديد5 .

وفي هذا الصدد لا بد من الاشارة الى الموقف الذي اتخذته المنظمة من مشروع روجرز الشهير . رفضت المنظمة وثيقة روجرز معتبرة اياها نصا مشترکا توصلت اليه الدول الكبرى لفرض التسوية السياسية على المنطقة وذلك لان المشروع يرمي الى تجميد الوضع القائم في الشرق العربي لوقف تطور الحركة الثورية الجماهيرية الرامية الى القضاء على أنظمة الحكم الرجعية والى انتزاع النفط والثروات الطبيعية الاخرى من أيدي الاحتكاريين الاستعماريين والی تحطيم تحكم الطبقات الاقطاعية والرأسمالية في العالم العربي . كما رفضته لانه مضاد للحقوق القومية والسياسية والانسانية للشعب العربي الفلسطيني . ولانه لا يتعدى كونه التفسير الاميركي لقرار مجلس الأمن الصادر في ١٩٦٧/١١/٢٢ والرامي الى الحفاظ على استقرار نظام الحكم الصهيوني وانظمة الحكم الرجعية في العالم العربي خوفا عليها من الحركة الوطنية الفلسطينية وكفاحها المسلح الذي أخذ يهز استقرار المنطقة كلها6 .

ترى المنظمة في الأزمة المستديمة في الأردن ولبنان بين المقاومة الفلسطينية والنظامين الحاكمين كشفا عن التناقض بين حركة التحرير الفلسطينية والأنظمة الرجعية المرتبطة بالاستعمار الاميركي . فالبرجوازية اللبنانية – مثل الاسرة المسيطرة في الاردن – لا تستطيع أن تمتنع عن كبت حركة ثورية تتحدى بشكل موضوعي شرعية هذه الانظمة وتهز عن كيانها .

ومن جانب آخر ، تشكل حركة المقاومة عاملا مناقضا أيضا للأنظمة العربية « المعادية للاستعمار » ، أي أنظمة البورجوازية الصغيرة بسبب احباطها للمحاولات التي تقوم بها هذه الأنظمة للوصول الى تسوية للنزاع على مراحل وبسبب رفضها عودة المناطق العربية المحتلة عام ١٩٦٧ على حساب الحقوق القومية للشعب الفلسطيني ، وتأكيدها على طريق الكفاح الشعبي كبديل وحيد امام العالم العربي للتحرر والانعتاق . أي ستعمل حركة الكفاح الفلسطينية على منع أي « تعايش » بين الانظمة العربية المتقدمة واسرائيل . وطالما بقيت حقوق شعب فلسطين القومية مهدورة فان كفاحه سيكشف باستمرار عجز الأنظمة البورجوازية الصغيرة عن التصدي للعدوان والاحتلال .

وتخلص المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية في تحليلها الى القول أن توازن القوى في المنطقة من ناحية والتحليلات النظرية من ناحية أخرى تبين استحالة حل المسألة الفلسطينية ضمن اطار فلسطيني منفصل . لننظر الى توازن القوى المذكور : يشن الشعب الفلسطيني كفاحا مسلحا يواجه فيه الصهيونية تؤيدها الامبريالية ، بينما هو معرض في نفس الوقت للخطر – من الخلف – بسبب الرجعية العربية التي تؤيدها الامبريالية أيضا . وطالما ان للامبريالية مصالح حقيقية في الشرق الأوسط ، لا يمكن أن تكف عن تأييد الصهيونية ، حليفتها الطبيعية ، وان تقبل بالقضاء عليها أي ستدافع عنها حتى آخر قطرة من النفط العربي .

من ناحية ثانية ليس بامكان الكفاح الفلسطيني المسلح ضرب المصالح الامبريالية وسيطرتها في المنطقة بدون القضاء على شركاء الامبريالية الصغار في الاستغلال ، أي الطبقات الرجعية الحاكمة في العالم العربي والاستنتاج الذي تصل اليه المنظمة لا يدعو الفلسطيني للانتظار بهدوء حتى يتم القضاء على السيطرة الامبريالية في المنطقة بأسرها ، بل يدعوهم للالتفاف حول النضال الأوسع في سبيل التحرير السياسي والاجتماعي للشرق الأوسط بأسره .

في التحليل الاخير ، لا تنم الصيغة التي تقصر نفسها على فلسطين وحدها ، رغم مظهرها الثوري ، الا عن ذهنية اصلاحية تهدف الى حلول جزئية ضمن اطار الأوضاع القائمة الآن في المنطقة . في الواقع لا يمكن تطبيق الحلول الجزئية أو الاقليمية او الانعزالية الا بمساومة الامبريالية والصهيونية موضوعيا7 .

الى جانب ذلك ، تقول المنظمة ، ان التحرك الفلسطيني ، حتى لو تمت تعبئته الى أقصى ما يمكن ، لن يتمكن من ضرب الصهيونية حتى ضمن حدود اسرائيل كما كانت قبل حزيران ١٩٦٧ . أما أسباب ذلك فيمكن تلخيصها بالقول : أولا ، ان الحجم الذي يمكن ان تصل اليه الحركة الفلسطينية حتى في أحسن ظروف التعبئة يبقى صغيرا نسبيا . ثانيا ، ان تجارب حروب العصابات قد برهنت ان من ضرورات نجاحها كسب تأييد السكان حيث يعمل مقاتلو العصابات . هذا الشرط متحقق من حيث المبدأ في الضفة الغربية وقطاع غزة فيما يتعلق بحركة المقاومة ( بمعنى أن التأييد للمقاومة كامن في الضفة الغربية وقطاع غزة مع انه لم يتحول كليا الى حيز الفعل ) . أما في اسرائيل فتطرح قضية حرب العصابات نفسها على صعيد اخر تماما باعتبار أن السكان هناك ليسوا عربا أو فلسطينيين . فاذا حصرنا انفسنا ضمن حدود حركة الكفاح الفلسطيني المسلح وحده لا بد وان يكون النشاط الذي يمكن ان تقوم به مثل هذه الحركة في تل أبيب مثلا محصورا ضمن الأعمال « الارهابية » . والمنظمة الاشتراكية الاسرائيلية لا تستعمل عبارة « ارهابية » في هذا المقام ( على حد قولها ) بأي معنى اخلاقي أو قدحي وانما بالمعنى التقني فقط . كما أن المنظمة لا تقول بان الارهاب غير مشروع في كل الحالات . ولكنها تتساءل عن النتائج التي يمكن أن يحققها هذا النوع من الارهاب في مثل الظروف المذكورة وبالنسبة لحركة تحرير هدفها شن حرب عصابات ناجحة ، اذ لا يمكن اسقاط الصهيونية في تل ابيب وحيفا ( أي في اسرائيل كما كانت قبل حرب ١٩٦٧ ) عن طريق الاعمال الارهابية بالمعنى الذي حددناه أعلاه . بعبارة أخرى تقول المنظمة ان استخدام الكفاح المسلح هو جزء من الكفاح العام لاسقاط الأنظمة القمعية بما فيها النظام الصهيوني في اسرائيل واسقاط الامبريالية في الشرق الأوسط . ولكن لا يمكن تحقيق أي من هذه الأهداف اذا بقي الكفاح ضمن الاطار الفلسطيني المحض .

أما بالنسبة للافكار والشعارات المطروحة حول الحل الثوري للنزاع العربي الاسرائيلي فتوجه المنظمة نقدا للشعار الداعي الى « دولة فلسطين الديمقراطية العلمانية المستقلة التي يتمتع كافة سكانها من مسلمين ويهود ومسيحيين بحقوق متساوية ، بغض النظر عن ديانتهم » باعتباره يعني خلق دولة جديدة مؤلفة من تجمعات دينية لا تمايز قومي فيها . لكن القائلين بهذا الشعار أنفسهم واعون استحالة فصل الفلسطينيين عن الأمة العربية ، لذلك يعودون ليضيفوا ان « فلسطين هي جزء من الوطن العربي » .

تعتبر المنظمة ان العجز الاساسي في هذا الشعار يكمن في قفزه الكلي عن المسألة القومية بشكل عام والواقع الاسرائيلي بشكل خاص . لا شك ان اليهود المقيمين في اسرائيل جاءوا للاستيطان تحت تأثير الصهيونية وبقيادتها ، وانهم اضطهدوا الشعب الفلسطيني وما زالوا يضطهدونه . الا انه من المستحيل حذف حقيقة تاريخية اخرى وهي ان هذه المجموعة أصبحت الى حد كبير تشكل كيانا قوميا ( مختلفا عن بقية يهود العالم من جهة ، وعن الفلسطينيين العرب من جهة أخرى ) له لغته الخاصة وحياته الاقتصادية والثقافية المميزة . أي ان الشعب الذي يتكلم العبرية في المنطقة ليس مجرد جماعة دينية وانه لمن السذاجة الاعتقاد بان مثل هذه القضايا المعقدة تنحل بمجرد اعتبار الاسرائيليين جماعة تعتنق دينا معينا ليس الا .

تؤكد المنظمة ان أي حل واقعي وتاريخي للنزاع لا يريد ان يغرق في الاوهام عليه ان يأخذ بعين الجد حقيقة معينة وهي ان الشعب الاسرائيلي يتصف بالخصائص المشتركة للقومية وروابطها . أو بعبارة أدق يشكل الاسرائيليون قومية في طور التكوين ، كما ان العرب يشكلون أيضا قومية في طور التكوين ، ولم تكتمل العملية لديهم بعد أيضا . ومما لا شك فيه انه مع استمرار الكفاح والصراع في الشرق الاوسط سوف تنضج عمليات التكوين هذه أكثر فأكثر .

مرة اخرى تؤكد المنظمة انه لا يمكن حل القضية ضمن الاطار الفلسطيني الضيق . فلو قامت دولة ديمقراطية بسيطة في فلسطين ( على الطريقة الغربية : لكل مواطن صوت واحد ) ستضم هذه الدولة اكثرية يهودية ولن يمنعها شيء من ان تكون مثل اسرائيل الحالية ، ولكن ممتدة على مساحة أوسع ومحتوية على أقلية عربية أكبر . ولو قامت دولة ثنائية القومية بالمعنى المعروف ستكون مخلوقا « مصطنعا » يفصل عرب فلسطين عن العالم العربي ككل وعن العملية الثورية الجارية فيه . كما انه لا توجد اية ضمانات داخلية في بنية الدولة ثنائية القومية تمنع احدى القوميتين من السيطرة على الأخرى . بعبارة أخرى ، تستنتج المنظمة من كل ذلك ان هذه الحلول المقترحة تبقى حبيسة الواقع الراهن للشرق الاوسط ، ولا تشترط ثورة اجتماعية شاملة لتحقيقها مما ينزع عنها صفة الثورية بالمعنى الأعمق والأدق للعبارة . لان النظرة الثورية الجذرية تتطلع الى الوضع الذي سيكون قائما في المنطقة بعد احراز القوى الاجتماعية الثورية في العالم العربي انتصارات هامة وبعد انهزام الصهيونية والامبريالية في المنطقة وعندئذ لن تكون هناك قضية فلسطينية منعزلة ، بل مسألة وجود أقليات قومية كثيرة في العالم العربي ( أكراد ، یهود اسرائیلیون ، سودانيون جنوبيون ) وهي مسألة تتطلب حلا ثوريا على أساس مبدأ اعطاء حق تقرير المصير للأقليات القومية وضمان حقوقها الوطنية الاساسية .

لا بد من الاشارة السريعة هنا الى رفض المنظمة التام للاقتراحات القائلة بانشاء دولة عربية فلسطينية مؤلفة من الضفة الغربية وقطاع غزة تكون تحت حماية اسرائيل لان ذلك يعني في الواقع ضم هذه الاقاليم لاسرائيل دون ان يكون لسكانها حتى حقوق المواطن في اسرائيل . ترى المنظمة ان « محمية » فلسطينية من هذا النوع ستكون شبيهة « بالبانتوستان » التي تريد حكومة جنوبي افريقيا اقامتها للشعب الافريقي هناك . وواضح ان عرب فلسطين لن يرضخوا لمثل هذا المصير السياسي . كذلك تشير المنظمة الى نسخة اخرى من هذا المشروع خدعت بعض أوساط يمكن اعتبارها بوجه عام تقدمية . يقول هذا الاقتراح بمنح « حق تقرير المصير » لعرب فلسطين ليقيموا دولة « مستقلة » في الضفة الغربية وقطاع غزة . وتحذر المنظمة المشروع لان مفاهيم « تقرير المصير » و « حرية الاختيار » ليست الا خداعا وزيفا في الظروف القائمة في الشرق الاوسط وضمن اطار توازن القوى الراهن .

دعت المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية منذ عام ١٩٦٦ الى منح الشعب الفلسطيني حق تقرير مصيره بنفسه وعملت على هذا الأساس . في الواقع كانت هذه القضية من العوامل الهامة التي ادت الى انفصال المنظمة عن افنيري ومجموعته . بالاضافة الى ذلك تعتبر المنظمة ان التنفيذ الصحيح لمضمون الشعار لا يعني خلق دولة فلسطينية منفصلة أو دمج الشعب الفلسطيني في المجتمع العربي على اساس الوضع الراهن وتوازن قواه ، بل يعني قيام دولة اتحادية اشتراكية في الشرق الاوسط . في الواقع هذا هو الاطار الذي تنظر من خلاله المنظمة الى مستقبل الشعب الاسرائيلي نفسه . بعبارة اخرى ، تؤيد المنظمة حق تقرير المصير لعرب فلسطين ولا تحفظ لديها حول هذا الموضوع على الاطلاق .

اما بالنسبة لما تعنيه المنظمة بحق تقرير المصير « للشعب الإسرائيلي » فان نقطة البدء في تفكيرها هي انها لا ترى أي حل تاريخي ممكن للقضية الفلسطينية الا خلال قيام جمهورية اشتراكية في الشرق الاوسط تضم بالضرورة تقسيمات داخلية وفرعية ، لأسباب عديدة منها وجود أقليات قومية غیر عربية في الشرق الاوسط . وتقول المنظمة انه حتى لو لم تكن هذه الاقليات موجودة ستضم الدولة المذكورة بالضرورة تقسيمات داخلية تتناسب مع السمات الخاصة لأجزاء الامة العربية وتأخذ تنوعها بعين الاعتبار . ولا شك ان الفلسطينيين هم مجموعة معينة داخل الامة العربية . لكن بالاضافة الى ذلك توجد القوميات غير العربية التي تعتقد المنظمة بانه يجب ان تكون جزءا من هذه الجمهورية الاشتراكية التي ستكون عربية بمعنى ان الاكثرية الساحقة من سكانها هم من العرب .

ان الفكرة التي حملتها المنظمة ولا تزال تحملها تتلخص بالقول ان الحل الصحيح للقضية الفلسطينية هو الاقرار بوجود عنصر يتكلم العبرية داخل هذه الجمهورية الاشتراكية الموحدة في الشرق الاوسط ويفترض هذا الحل منذ البداية اسقاط الصهيونية على النحو الذي تم شرحه فيما سلف . لذلك تؤكد المنظمة ان الكلام عن حق تقرير المصير لليهود الاسرائيليين لا يشكل مطلبا آنيا ولا معنى له في الوقت الحاضر وفي ظل الظروف القائمة . مع ذلك ينبغي اثارة الموضوع على المدى البعيد وكجزء من تخطيط عمل المنظمة السياسي للمستقبل لان اثارة قضية حق تقرير المصير للشعب الاسرائيلي هي وسيلة اخرى لطرح السؤال التالي والحصول على جواب واضح له : هل المراد هو الوصول الى وضع يصبح فيه الشعب الاسرائيلي مضطهدا بدلا من ان يكون مضطهدا بعد سقوط الصهيونية وانتصار العرب عليها ؟ أي أن نطرح قضية حق تقرير المصير هنا هي وسيلة لاستخلاص الجواب الثورى السليم على هذا السؤال .

في الواقع يمكن طرح المسألة بصيغة لا تأتي على ذكر حق تقرير المصير ابدا وذلك على النحو التالي : أولا ، هل نعترف بان الشعب الاسرائيلي يتمتع بكيان قومي بدلا من النظر اليه كجماعة دينية ؟ ثانيا ، اذا اقررنا ايجاباً بمضمون السؤال الاول هل المراد هو تحويل الشعب الاسرائيلي في المستقبل الى قومية مضطهدة ( بفتح الهاء ) ؟ اذا قلنا باننا سوف نمنع عن هذه القومية حقها في تقرير المصير في المستقبل نكون كمن يقول باننا سنجعل منها قومية مضطهدة .

ولا تخفي المنظمة ان « اليسار » الصهيوني يستخدم فكرة حق تقرير المصير كي يبرر وجود دولة اسرائيل على حالها . يقول هؤلاء ان الموافقة على مبدأ حق تقرير المصير يعني الموافقة على دولة اسرائيل كما كانت قبل حرب ١٩٦٧ لان الشعب الاسرائيلي اختار دولته ومصيره على هذا الاساس وعلى تلك الصورة . وتؤكد المنظمة انها بعيدة كل البعد عن هذه المواقف لما فيها من تشويه واضح لمبدأ حق تقرير المصير . لذلك تؤكد المنظمة انه لا معنى لمبدأ تقرير المصير بالنسبة للشعب الاسرائيلي قبل نشوء وضع ثوري في المنطقة كلها قادر على اسقاط الصهيونية ومن ثم حل القضية الفلسطينية على أساس الاعتراف بان الاسرائيليين يشكلون مجموعة قومية وليس مجرد جماعة دينية .

معروف ان مبدا حق تقرير المصير كما عرفته الماركسية اللينينية يعني حق الانفصال لذلك وجدت المنظمة نفسها امام مناسبة لايضاح موقفها من هذه المسألة المهمة بعد ايضاحها لما تعنيه تماما بمطلب « حق تقرير المصير للشعب الاسرائيلي » . تقول المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية انها لا تفهم حق تقرير المصير على اساس الدعوة الى فكرة الوجود المنفصل او الدولة المنفصلة للشعب الإسرائيلي . كما انها لا تؤيد أية من هذه الاتجاهات الانفصالية بل على العكس من ذلك ، تعتقد المنظمة انه ينبغي على الاسرائيليين الاندماج في جمهورية اشتراكية كبيرة في الشرق الاوسط وقد توصلت المنظمة الى هذا الاستنتاج عام ١٩٦٦ – ١٩٦٧ وقبل اندلاع الحرب الاخيرة .

وتضيف المنظمة الى ذلك ان تحقيق هذا الحل لا يمكن ان يأتي عن طريق فرضه بالقوة او بالقسر على الشعب الاسرائيلي ، بل يأتي عن طريق دعوته للمشاركة فيه طوعيا وللمشاركة في بناء الاشتراكية في المنطقة مع الطبقات العربية صاحبة المصلحة الجذرية في بناء الاشتراكية . ان الوسيلة السليمة لتحقيق هذه الأهداف ليست فرضها بالقوة على الشعب الاسرائيلي . ومع ان المنظمة تعتقد ان اسقاط الصهيونية هو واجب ضروري على القوى الثورية في المنطقة وهذا يعني استخدام العنف ضدها بطبيعة الحال ، ولكنها لا تعتقد ان دمج الشعب الاسرائيلي في الجمهورية الاشتراكية للشرق الاوسط يجب ان يتم عن طريق فرضه بعنف مماثل . لو كانت الظروف الثورية افضل في المنطقة لما اضطرت المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية لمناقشة هذا الموضوع بل لاكتفت بنشر الدعاية والتثقيف في صفوف الجماهير الاسرائيلية لصالح الاندماج في العالم العربي على النحو المذكور أعلاه . ولكن العامل الذي يضطرها ، على حد قولها ، لفتح هذا الموضوع ومناقشته هو أن قطاعات واسعة جدا من حركة الثورة العربية غير واعية لهذه المسألة وابعادها ، بالاضافة الى ان جزءا هاما من الحركة الفلسطينية نفسها يشعر أنه لا يوجد ثمة شيء اسمه الكيان القومي العبراني مثلا او ان الاسرائيليين لا يشكلون أي تجمع قومي على الاطلاق بل هم مجرد تجمع ديني .

وتعتقد المنظمة ان هذا التقدير خاطىء تماما وكل ثوري يعمل على أساس مثل هذه التقديرات الخاطئة سيصدمه الواقع وحقائقه في يوم من الأيام . ان قضية الشعب الاسرائيلي هي مسألة قومية أيضا . وبما أن الوعي لهذه الحقيقة مفقود أو ضعيف جدا في الاوساط الثورية العربية تجد المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية نفسها مضطرة للتشديد عليها في مخاطبتها للرفاق الثوريين في العالم العربي ولفت انتباههم الى وجود مشكلة عليهم أن يفكروا بها . أي ان يطرحوا على أنفسهم التساؤل أنه لو افترضنا ان الصهيونية قد سقطت ماذا سيحدث للشعب الإسرائيلي ؟ الجواب الثوري الصحيح في رأي المنظمة هو ان يكون الشعب الاسرائيلي جزءا من العالم العربي على النحو المذكور وان يقبل الشعب العربي بهذا الاندماج ويطالب به بدون ممارسة أي ارغام أو قسر على الاسرائيليين . أي نصل الى هذا الوضع عن طريق الكفاح المشترك في سبيل الثورة الاشتراكية في المنطقة كلها .

بما ان حق تقرير المصير يعني ، من ضمن ما يعنيه ، حق الانفصال وليس الاندماج فقط تقول المنظمة بان استخدام العنف كوسيلة لاسقاط الصهيونية مشروع ومبرر تماما ولكن استخدامه لفرض اي حل ، حتى لو كان الحل الصحيح ، على الشعب الاسرائيلي ، بعد اسقاط الصهيونية هو غير مبرر بالتأكيد . ويضرب المسؤولون في المنظمة المثال التالي لايضاح موقفهم : لو افترضنا الآن ان تبدلا جذريا طرأ على ميزان القوى في الشرق الاوسط واصيبت اسرائیل بهزيمة عسكرية وبأزمة داخلية طاحنة جاءت بحكام جدد قاموا بتنفيذ ما يلي : الغاء الطابع الصهيوني للدولة ، الغاء كافة القوانين الصهيونية بما فيها قانون العودة ، التوقف عن كل دعاية او عمل من شانه ان يشجع على هجرة اليهود ، رفع كل اضطهاد لاحق بالعرب ، اعادة كافة اللاجئين الذين يريدون العودة والتعويض على الذين لا يريدون العودة ، التنازل عن كافة الأراضي التي يشكل العرب فيها أكثرية السكان اذا اختاروا الانفصال وتنفيذ سياسة معادية للامبريالية بالتحالف مع القوى التقدمية في العالم العربي . كل ذلك ولكن مع الاصرار على المحافظة على سيادة منفصلة لدولة اسرائيل . هل تعتبر المنظمة هذا الوضع حلا مرضيا ؟ جواب المنظمة هو بالنفي . انها ضد مثل هذا الحل وستشترك في كل نضال سياسي لكسب الجماهير الاسرائيلية لصالح فكرة التنازل الطوعي عن السيادة المنفصلة . ولكنها ستكافح بقوة أيضا ضد أية محاولة لفرض ذلك على الجماهير الاسرائيلية بالقوة والقسر الخارجي .

تفسر المنظمة وجهة نظرها بقولها ان كتابات لينين حول المسألة القومية تقر بوجود خط مختلف للدعاية الثورية في صفوف الأقلية وخط اخر للعمل في صفوف الأكثرية : عندما يقوم الانسان بالعمل السياسي ضمن صفوف الاكثرية عليه أن يشدد على الناحية الطوعية في الاندماج ، أي على الاعتراف بحق الأقلية في الاختيار . عندما يعمل داخل صفوف الاقلية عليه ان يشدد ، في كثير من الحالات وان لم يكن في مجموعها ، على قضية الاندماج .

طبعا لا يوجد أي تناقض بين هذين الخطين . انه بكل بساطة الفارق في اسلوب الدعاية بين الجماهير الاسرائيلية والجماهير العربية . اسرائيليا ينبغي على الثوري ان يشدد في عمله وتثقيفه على مسألة الدمج الذي يفترض انه سيأتي طوعا وليس قسرا وارغاما . عربيا يكون التشديد على فكرة منح حرية الاختيار للاقلية القومية المعنية . لذلك تعتقد المنظمة ان الاساس الوحيد للاندماج هو التأكيد على امكانية الاختيار الحر من حيث المبدأ ، علما بان مبدأ حق تقرير المصير لا يعني دوما وبالضرورة الانفصال لان نتائجه على أرض الواقع وفي المستقبل تعتمد الى حد كبير على طبيعة العمل السياسي الذي نقوم به منذ الان . أي ان وظيفة المنظمة في العمل بين الجماهير الاسرائيلية لا تتطلب منها التشديد على مسألة حق تقرير المصير . ان دورها الأساسي هو التشديد على الرغبة في الاندماج في العالم العربي على النحو المذكور .

هنا تضرب المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية مثلا آخر بالموقف الذي حدده الحكم الوطني الجديد في السودان من قضية جنوب السودان ونزعتة الانفصالية . واضح ان النظام الوطني لا يريد انفصال الجنوب ويبدو أنه يدرك أيضا ان الوسيلة السليمة الوحيدة لمنع ذلك الحدوث هي دعوة سكان الجنوب الى الانضمام طوعيا الى بقية البلاد وعلى أساس الاختيار الحر . أي قال النظام السوداني للجنوبيين نحن نعترف بكيانكم الخاص وندعوكم للاشتراك في الكفاح معنا8 . تعتقد المنظمة ان هذا هو الموقف السليم تجاه قضية الاقلية القومية الاسرائيلية وهذا ما تعنيه بكلامها عن حق تقرير المصير بالنسبة للشعب الاسرائيلي . أي ينبغي أن تتم عملية الدمج عن طريق دعوة عربية توجه للشعب الاسرائيلي للمشاركة في دولة اشتراكية واسعة وليس عن طريق الارغام . ويبدو للمنظمة أن الانموذج السوداني يشكل ، من حيث المبدأ ، مثلا يحتذى من حيث بناء سياسة معينة على اساس هذه الدعوة الحرة الموجهة لسكان الجنوب والعمل على انجاحها .

مع انتهائي من ايضاح وجهة نظر المنظمة حول قضية تقرير المصير للاقليات القومية في المجتمع الاشتراكي اعتقد انني استكملت عرض مواقف المنظمة من القضايا الرئيسية المتعلقة بالنزاع العربي الاسرائيلي او من تلك القضايا التي أعلنت المنظمة رأيا او تحليلا او موقفا بصددها . ويبدو لي أن الأوساط الثورية العربية عامة والفلسطينية بالتخصيص ستجد أمورا تتفق فيها مع ما تقوله المنظمة وتطرحه مما جاء ذكره معنا . كذلك لا شك انه سيكون لأكثر من مفكر اشتراكي ثوري عربي ولأكثر من فصيل داخل القوة الاشتراكية الثورية العربية تحفظات وملاحظات وانتقادات على ما تطرحه المنظمة وتنادي به . ولكن لا بد من مناقشة جدية لكافة هذه القضايا ومن انجاز حد معقول من الوضوح المسبق قبل تحديد موقف نظري وسياسة عملية سليمة ( من وجهة نظر ثورية طبعا ) ازاء ظواهر معينة داخل المجتمع الاسرائيلي مثل المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية وما قد يظهر من قوى وتنظيمات مشابهة في اسرائيل .

أخيرا اذكر من جديد بان ما عرضته في هذا الكتاب لا يتعدى المعلومات التي تمكنت من الحصول عليها عن المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية ومن مصادر المنظمة نفسها في أغلبية الأحيان . وليس باستطاعتي ضمن الحدود المفروضة ولأسباب متعددة ان اقدم رايا مدروسا حول مدى فاعلية المنظمة في تنفيذ مواقفها ووجهات نظرها وحول مدى نجاحها العملي في تحويل المبادئ التي تنادي بها الى حيز التطبيق الفعلي . مع ذلك تبقى المنظمة ظاهرة جديرة بالدراسة والاهتمام .

[الفصل القادم : الملاحق]

[العودة الى صفحة المحتويات]

 

  1. المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية ، ثلاث بيانات ، ص ٢٠ .
  2. المرجع السابق ، ص ۳۰ – ۳۱ .
  3. A. Said and M. Machover, “The Struggle in Palestine Must Lead to Arab Revolution”, The Black Dwarf, 14 June 1969, p.5.
    جدير بالاشارة هنا الى ان المنظمة قالت هذا الكلام قبل سنة من الضربة العنيفة التي وجهها النظام الحاكم فى الأردن لحركة المقاومة والشعب الفلسطيني في ايلول ۱۹۷۰ .
  4. ماتسبين ، عدد ٥٤ ، حزيران – تموز ۱۹۷۰ ، ص ۱۰ و ۱۲ .
  5. ماتسبين ، عدد ٥٥ ، اب – ايلول ۱۹۷۰ ، ص ۲ .
  6. « ضد المؤامرة » ، بيان للمنظمة الاشتراكية الاسرائيلية ، ۱۷ ، آب ، ۱۹۷۰
  7. A. Said and M. Machover, The Black Dwarf, op. cit.
  8. يقول قطب فى ماتسبين أن مدى جدية النظام السوداني في تحويل هذا الكلام الى سياسة عملية هو موضوع اخر لا نخوض فيه هنا .