تنطلق المنظمة في تحليلها للمجتمع الاسرائيلي وتكوينه من المبدأ العام القائل بان المجتمعات الطبقية تنطوي دوما على مصالح اجتماعية متضاربة – أي المصالح الطبقية – تؤدي الى الصراع الطبقي في داخلها . وتضيف انه من الملاحظ أيضا ان المجتمع الاسرائيلي كان وما زال منغمسا ( خلال الخمسين سنة الاخيرة ) في صراع خارجي حاد : أي الصراع بين الصهيونية وبين العالم العربي عامة والشعب الفلسطيني على وجه التخصيص . أما السؤال الذي تثيره المنظمة بهذا الصدد فهو : أي من هذين الصراعين ( الداخلي والخارجي ) يعتبر رئيسيا وأي منهما يعتبر ثانويا بالنسبة للمجتمع الإسرائيلي حاليا واثناء تكوينه ؟

ومن الواضح أن هذا التساؤل ليس من النوع التجريدي او الاكاديمي البحت ، بل من النوع العملي الذي ينبغي على كل من له صلة جدية بالمجتمع الاسرائيلي والسياسة الاسرائيلية أن يتطرق اليه ويجيب عليه بصورة من الصور . ويصدق هذا القول بصورة خاصة على الثوريين داخل اسرائيل لان الجواب الذي يعطونه على هذا التساؤل سيحدد الى درجة كبيرة استراتيجية عملهم الثوري . على سبيل المثال اذا قلنا في جوابنا على السؤال أن النزاعات الطبقية الداخلية تشكل التناقض الرئيسي في حياة المجتمع الاسرائيلي سيؤدي ذلك الى تركيز الجهد السياسي الثوري على محاولة كسب الطبقة العاملة الاسرائيلية لجانب الثورة الاشتراكية ودفع الكفاح ضد التمييز والشوفينية والطبيعة الاستعمارية للمؤسسة الصهيونية الى مكانة ثانوية في العمل الثوري . بعبارة اخرى يعتقد أصحاب هذا الرأي ان الصراع الخارجي الذي انغمس فيه المجتمع الاسرائيلي ناتج عن الصراع الداخلي الذي ينطوي عليه بحكم تركيبه الراسمالي والطبقي ، وان ديناميكية الصراع الداخلي لهذا المجتمع كافية بحد ذاتها لانتاج الثورة في اسرائيل بدون ضرورة الاعتماد على تقدم الثورة الاجتماعية في العالم العربي المحيط .

ترى المنظمة ان التحليل الذي يعتبر الصراع الطبقي الداخلي والمصالح الملتفة حوله في مجتمع ما هو الذي يحدد الصراعات والمصالح الخارجية لذلك المجتمع ينطبق على المجتمعات الرأسمالية الكلاسيكية ولكنه لا ينطبق ابدا على عدد من الحالات الاستثنائية تشمل بكل تأكيد دولة اسرائيل ومجتمعها . تضرب المنظمة مثلا بقولها انه لا يجوز ان نعتبر في بلد مستعمر ( بفتح الميم ) ان ديناميكية مجتمعه الداخلية ناتجة عن طبيعة الصراعات الاجتماعية التي ينطوي عليها فقط بدون اعطاء الوزن الاكبر لطبيعة الصراع الخارجي ضد الدولة المستعمرة ( بكسر الميم ) . أي يجب اعتبار التناقض الخارجي الاستعماري هو الأهم والمسيطر في مرحلة معينة . كذلك ترى المنظمة ان التناقض الرئيسي والأساسي في حياة المجتمع الاسرائيلي كان وما زال هو التناقض الخارجي مع قوى التحرر العربية والفلسطينية وليس التناقضات الداخلية التي بقيت خاضعة لمصلحة الصراع الخارجي ومتطلباته .

وتعرض المنظمة وجهة نظرها على أساس ان اسرائيل ليست بلدا رأسماليا بالمعنى الكلاسيكي كما انها ليست مستعمرة ( بفتح الميم ) بالتأكيد . وتشدد المنظمة بهذا الصدد على الطبيعة الخاصة جدا وشبه الفريدة لخصائص المجتمع الاسرائيلي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، كما تستنتج ان كل محاولة لفهم المجتمع الاسرائيلي عن طريق التعميمات الماركسية الكلاسيكية والتشبيهات الرأسمالية المألوفة تظل غير قادرة على تقديم أية نتائج صحيحة ومنطبقة على واقع دولة اسرائيل وحقيقتها . لذلك تقول المنظمة ان افضل وسيلة لفهم طبيعة المجتمع الاسرائيلي هي تقديم صور واقعية وامينة عنه في ماضيه وحاضره .

هنا تثبت المنظمة عدة حقائق أساسية حول طبيعة المجتمع الاسرائيلي أولها كونه مجتمع مهاجرين : أي ان الأكثرية الساحقة من سكان اسرائیل هم اما مهاجرون أو أبناء وبنات مهاجرين . وتقدم المنظمة الاحصاءات التالية لتثبت هذه الحقيقة . في عام ١٩٦٨ بلغ عدد السكان اليهود من الراشدين ( أي الذين قطعوا سن ١٥ ) في اسرائيل ١،٦٨٩،٢٨٦ نسمة . وكانت نسبة الذين ولدوا منهم في اسرائيل لا يتعدون ٢٤ بالمائة أما نسبة المولودين من اهل ولدوا في اسرائيل فلم تكن تتعدى ٤ بالمئة1 . ومن المعروف ان مجتمعات المهاجرين تتصف بخصائص معينة وصفات مميزة مثل كون الطبقات الاجتماعية فيها في طور التكوين وبغير معالم محددة مما يعني ضعف الوعي الطبقي وهزاله بصورة عامة في المجتمع ، كما تؤدي الهجرة الى عقلية معينة يمكن تلخيصها بالقول « عفا الله عما مضى » أو « لنقلب صفحة جديدة » والاساس المادي لهذه الذهنية « المتسامحة » ظاهريا هو قيام المهاجرين بتبديل عملهم ودورهم الاجتماعي وطبقتهم بحكم انتقالهم من وضع الى وضع اخر . وتنطبق هذه الحقائق بصورة خاصة على اسرائيل ومجتمعها . لذلك نجد ان معظم العمال الاسرائيليين ينحدرون من أصول بورجوازية صغيرة ويحملون ذهنية المهاجر الجديد الذي يتطلع الى تغيير المكان الذي يشغله حاليا في المجتمع . وعندما يرى ان الذين جاءوا مع موجات الهجرة السابقة يشغلون المناصب الهامة ويتمتعون بالامتيازات الاجتماعية تقوى آماله في تسلق السلم الاجتماعي ويتعزز اعتقاده انه اذا عمل بجد ونشاط لفترة كافية لا بد ان ينجح في اختراق حدود مكانته الاجتماعية الحالية ، أي تنظر عقلية المهاجر الى وضع الفرد الاجتماعي الحالي على أنه مرحلة عابرة .

هده هي الذهنية السائدة في صفوف العمال في اسرائيل خاصة انه من المرجح ان والد العامل المعني لم يكن عاملا اصلا ، كما يعيش هذا العامل على أمل ان يصبح في يوم ما مستقلا أو على أقل تعديل أن يتمكن أولاده من تحقيق الاستقلال الذي فشل هو في الحصول عليه . باختصار ان الوعي الطبقي ، اذا لم نقل الاعتزاز الطبقي ، كما نجده في البروليتاريا الفرنسية أو البريطانية مثلا ، غير موجود في اسرائيل . لذلك تبدو هذه الاعتبارات التي نناقشها غريبة عن العامل الاسرائيلي وبعيدة عنه . مثلا عندما يطرح السؤال على العامل الاسرائيلي حول أصله فانه يجيب من خلال ارتباطاته الاثنية (ethnic) وليس غيرها ، كما يصف الاخرين من خلال الاسس نفسها بقوله انهم شرقيون أو بولنديون الخ .. في الواقع أن معظم الناس في اسرائيل ما زالوا يصنفون انفسهم اجتماعيا من خلال البلدان التي جاءوا منها في الاصل او من خلال انتمائهم الاثني . ومن الواضح ان هذا النوع من الوعي الاجتماعي يشكل عائقا كبيرا في طريق الطبقة العاملة ويبعدها عن القيام بأي دور طبقي فعال في المجتمع ، هذا اذا لم نذكر الدور الأكبر المطروح عليها من حيث المبدأ ، أي الدور الثوري الذي يطمح الى ان يكون للطبقة العاملة دورها المستقل والشامل والكلي في تبديل المجتمع تبديلا جذريا وثوريا .

بعبارة اخرى ما من طبقة عاملة ستتمكن من ان تقوم بدور ثوري في مجتمعها اذا كانت اكثرية افرادها لا تطمح الا الى تحسين أحوالها الفردية والشخصية ضمن اطار الوضع الاجتماعي القائم حتى لو اقتضى ذلك الخروج من صفوفها . ویزداد هذا الوضع سوءا عندما لا تنظر البروليتاريا الى نفسها كطبقة اجتماعية ثابتة ذات مصالح حيوية وقيم جذرية خاصة بها ومتناقضة مع النظام الاجتماعي القائم . وتؤكد المنظمة أن هذا هو الواقع السائد في اسرائيل وطبقتها العاملة ، اذ أن الاستعداد للتغيير الشامل للمجتمع والاندفاع باتجاهه لا يبرزان بسهولة في المجتمعات المؤلفة من المهاجرين باعتبار ان هؤلاء قد بدلوا مكانهم الاجتماعي وموقعهم السياسي حديثا ويعيشون في ظروف اجتماعية متحركة جدا .

هنا يجب الاشارة الى ان هدف المنظمة الاشتراكية هو تقديم تشخيص واقعي ودقيق لأوضاع الطبقة العاملة الاسرائيلية وليس الدعوة الى موقف اليأس من ثورية الطبقة العاملة وغسل اليدين منها كليا . لذلك تشدد المنظمة ان الحقائق المذكورة لا تعني أبدا ان الطبقة العاملة الاسرائيلية غير قادرة على التحول الى قوة ثورية في المستقبل ، بل تعني أن العمل السياسي في صفوف هذه الطبقة لا يمكن ان ينطلق من نفس الأسس والتوقعات التي ينطلق منها في البلدان الرأسمالية الكلاسيكية2 ، كما يعني ان تحول ثورية الطبقة العاملة الى حيز الفعل والواقع مرهون بالتطور الثوري لقوى التحرر العربية وتقدمها في ضرب المصالح الامبريالية في المنطقة العربية مما سيعرض المؤسسة الصهيونية الحاكمة الى أزمات داخلية وخارجية طاحنة ستترك أثرها الثوري على المجتمع الاسرائيلي عامة وطبقته العاملة بالتخصيص . بعبارة اخرى ترى المنظمة ان ثورية الطبقة العاملة في اسرائيل مرهونة في الدرجة الأولى بعملية انهيار المؤسسة الصهيونية وسقوطها ( وهي عملية طويلة وتتم على مراحل ) تحت ضربات قوى الثورة والتحرر العربية ضد الدعاية الاساسية للصهيونية والمبرر الرئيسي لوجودها : المصالح الامبريالية الضخمة في العالم العربي وكل ما تعنيه من سياسات وأنظمة وقمع الخ .

لو كانت الخصائص التي تميز المجتمع الاسرائيلي وطبقته العاملة تقتصر على كونه مؤلفا من المهاجرين أو أبناء المهاجرين لكان باستطاعتنا القول انه مع مرور الزمن وتصعيد التحريض الاشتراكي الدؤوب والطويل ستبدأ الطبقة العاملة الاسرائيلية بالقيام بدور مستقل وربما بدور ثوري في المجتمع . في هذه الحالة لن يختلف العمل التثقيفي الذي تقوم به الكادرات الثورية الواعية عن العمل الذي تقوم به کادرات مشابهة في أنحاء اخرى من العالم . غير أن المجتمع الاسرائيلي ليس مجتمع مهاجرین فحسب ، انه مجتمع مستوطنين ايضاً . أي تكون هذا المجتمع ، بما في ذلك طبقته العاملة ، بواسطة عملية استعمارية لم تتوقف أبدا على امتداد الثمانين سنة الماضية . كما أن الصراع بين مجتمع المستوطنين الصهيونيين والمجتمع الفلسطيني العربي لم يتوقف مما ترك اثاره البالغة في بنيان السياسة الاسرائيلية والاقتصاد الاسرائيلي وعلم الاجتماع الاسرائيلي .

وجدير بالذكر هنا ان الجيل الثاني في المؤسسة الحاكمة الاسرائيلية لا ينقصه الوعي التام لهذه الحقيقة بدليل خطاب مشهور القاه موشيه دايان بمناسبة تأبين روي روتبرغ ، العامل في احد الكيبوتزات الذي قتل على يد الفدائيين الفلسطينيين عام ١٩٥٦ . قال دایان :

« نحن جيل من المستوطنين ، وبدون الخوذة الفولاذية والمدفع لا يمكننا ان نزرع شجرة أو ان نبني بيتا وينبغي ألا نلين امام الحقد الذي يلهب صدور مئات الألوف من العرب حولنا . ينبغي الا ندير رؤوسنا كي لا ترتعش ايدينا . ان قدر جيلنا هو أن يكون مستعدا ومسلحا ، قويا و قاسيا ، كي لا يقع السيف من قبضتنا وتنتهي حياتنا »3 .

تبين المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية انه عندما قال كارل ماركس «  ان شعبا يضطهد شعبا اخر لا يمكن أن يكون حرا » لم يكن يطلق حكما اخلاقيا فقط ، بل كان يعني أيضا أن الطبقة المستغلة ( بفتح الغين ) في مجتمع يقوم حكامه باضطهاد شعوب اخرى تصبح مشاركة في الاضطهاد ومتواطئة مع المضطهدين اذا لم تقاوم هذا الاضطهاد نفسه . حتى عندما لا تجني هذه الطبقة اية مكاسب مباشرة من الاضطهاد الواقع على شعوب اخرى قد يتكون عندها الوهم بان بينها وبين حكامها مصلحة مشتركة في ابقاء الاضطهاد واستمراره . مثل هذه الطبقة تسير في ركاب حكامها بدلا من ان تتحداهم .

تبرز هذه الظاهرة بصورة خاصة وبعنف كبير في اسرائيل لان الاضطهاد لا يجري في مكان بعيد عن حدود البلاد ( مستعمرات عبر البحار ) بل في داخله . في الواقع تشدد المنظمة على ان الاضطهاد القومي لشعب اخر وتشريده هو الأساس الاولي لقيام المجتمع الاسرائيلي المضطهد واستمراره بحيث يصبح الاضطهاد جزءا لا يتجزأ من حياته . كذلك تبين الخبرات الكثيرة التي تراكمت من النشاط العملي لكافة المنظمات اليسارية الثورية التي عملت ضمن صفوف السكان اليهود في فلسطين منذ عام ١٩٢٠ الأهمية السياسية القصوى للمبدأ القائل بان شعبا يضطهد شعبا آخر لا يمكن ان يكون حراً . هذا يعني بالنسبة للمجتمع الاسرائيلي انه طالما بقيت الصهيونية سائدة سياسيا وايديولوجيا باعتبارها الاطار السياسي المقبول لا يمكن ان تصبح الطبقة العاملة الاسرائيلية طبقة ثورية باعتبارها مشاركة في الاضطهاد المذكور ومستفيدة منه .

تقول المنظمة أنه يوجد عامل اخر ينبغي أخذه بعين الاعتبار هو الانتماء الاثني للبروليتاريا الاسرائيلية . تتألف الشرائح العمالية الأكثر اضطهادا من مهاجرين جاءوا من افريقيا واسيا . قد يبدو لأول وهلة ان التطابق بين التقسيم الطبقي والتقسيم الاثني سيزيد من حدة النزاعات الطبقية الداخلية في اسرائيل ولا شك بوجود نزعة بطيئة بهذا الاتجاه . غير ان المؤثر الاثنى قد مارس فعله بالاتجاه المعاكس لعدة أسباب : أولا ، ان الكثيرين من المهاجرين من اسيا وافريقيا قد حسنوا أوضاعهم المعاشية بعد مجيئهم الى اسرائيل اذ أصبحوا بروليتاريين في مجتمع رأسمالي حديث . لذلك نجد ان تذمرهم ليس نابعا من وضعهم البروليتاري بل هو موجه ضد وضعهم كشرقيين ، أي ضد مشاعر الاحتقار والتمييز التي يعانون منها والصادرة من جانب اليهود المنتمين الى أصل اوروبي . هذا واقع موجود بالرغم عن كل جهود المؤسسة الصهيونية لتذويب الفئات الاثنية المختلفة ودمجها ببعضها . لذلك كثيرا ما يتم فهم الصراع الطبقي في أوساط هؤلاء العمال على انه مسألة اثنية ، اذ لا يقول هذا الانسان « انا مستغل لانني عامل » بل يقول « أنا مضطهد لانني شرقي » . ثانيا ، في الوضع السائد حاليا في مجتمع المستوطنين الاسرائيليين يشبه العمال المنتمون الى اصول شرقية ما يسمى « بالفقراء البيض » (White trash) في الولايات الجنوبية من الولايات المتحدة الأمريكية ، او ما كان يسمى « باصحاب الاقدام السوداء » (pieds noires) في الجزائر . ترفض هذه الجماعات التضامن مع السود في اميركا مثلا او مع العرب في الجزائر او مع سكان البلاد في المستعمرات عامة لانها خاضعة لذهنية المستوطنين التي تعتبر كل هؤلاء في مكانة نوعية ادنى من الانسان المستوطن والمستعمر .

ان رد الفعل النفساني لهذه الفئات ، كما هو معروف ، هو التضامن مع أكثر الأحزاب والعناصر شوفينية وعنصرية في المؤسسة الحاكمة . لذلك نجد ان معظم مؤيدي حزب « حيروت » شبه الفاشستي في اسرائيل هم من المهاجرين اليهود الذين اتوا من اسيا وافريقيا . هذا لا يعني طبعا ان هذه الشرائح من البروليتاريا الاسرائيلية هي رجعية « بطبيعتها » الثابتة بل يعني ان نزعتها الرجعية الحاضرة هي نتيجة مباشرة لسيادة الصهيونية وحكمها في اسرائيل . كما انه لا يعني انه لا يمكن لهذه الشرائح ان تصبح ادوات اجتماعية فعالة في العملية الثورية داخل المجتمع الإسرائيلي الا مع تدمير المؤسسة الصهيونية في إسرائيل علما بأنه من غير المرجح ان نقوم هذه الشرائح بدور طليعي في الحركة التي ستدمر المؤسسة الحاكمة . 

وتضيف المنظمة في تحليلها لطبيعة المجتمع الاسرائيلي وقواه سمة اخرى تضاف الى كونه مجتمع مستوطنين تكون من خلال عملية استعمار لبلد مأهول هي تمتعه بمجموعة من الامتيازات الفريدة من نوعها . تستفيد اسرائيل من تدفق الثروات والموارد الخارجية الضخمة نوعا وكما وذلك بصورة لا مثيل لها بين دول العالم . كذلك تشغل اسرائیل مکانا ممتازا في الشرق الأوسط بمعنى انها ممولة من قبل الامبريالية بدون ان تكون خاضعة للاستغلال الاقتصادي الامبريالي . في الواقع كانت هذه حال اسرائيل منذ البداية ، أي ان الامبريالية استخدمت اسرائيل لخدمة غاياتها في الشرق الاوسط ودفعت ثمنا لذلك أخذ شكل الدعم الاقتصادي والعسكري الكبير لها. على سبيل المثال كتب الاقتصادي الأميركي اوسكار غاس ( كان في السابق مستشارا اقتصاديا لدى الحكومة الاسرائيلية ) في مراجعته لكتاب « تطور اسرائيل الاقتصادي »4 ما يلي :

« ان الناحية الفريدة في عملية التطور ( الاقتصادي الإسرائيلي ) كما يبرزها المؤلفان تكمن في تدفق رأس المال الى اسرائيل . يبين المؤلفان انه خلال ١٧ عاما ( ١٩٤٩ – ١٩٦٥ ) حصلت اسرائيل على أكثر من ستة بلايين دولار من استيراد البضائع والخدمات مما صدرته . وفي فترة ٢١ عاما ( ١٩٤٨ – ١٩٦٨) كان فائض الاستيراد يزيد عن ٧ بلايين ونصف البليون دولار وهذا يعني ان الزيادة بلغت مقدار ٢،٦٥٠ دولارا للشخص الواحد أو لكل شخص عاش في اسرائيل خلال فترة ٢١ عاما . كذلك يبين المؤلفان ان نسبة ۳۰ بالمائة فقط من هذه الموارد الخارجية دخلت الى اسرائيل بشروط مقابلة تفرض خروج الارباح أو الفوائد أو الرأسمال من البلد نفسه . هذا وضع لا مثيل له في أي مكان آخر وهو يحد بمقدار كبير من أهمية تطور اسرائيل الاقتصادي كمثال يحتذى من قبل بلدان أخرى »5 .

وتبين المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية في تحليلاتها ان حساب كل هذه الموارد الخارجية الى اسرائيل لا يشمل الممتلكات التي انتزعتها المؤسسة الصهيونية من الفلسطينيين تحت غطاء اعلانها « ممتلكات مهجورة » . وتشمل هذه الممتلكات الأرض ( منها ما كان صالحا للزراعة ومنها ما لم يكن علما بان مجموع مساحة الأراضي التي اشترتها المؤسسات الصهيونية قانونيا في فلسطين بقي أقل من ١٠ بالمائة مما سيطرت عليه اسرائيل قبل حرب ١٩٦٧ ) والمنازل ومدن « مهجورة » بكاملها مثل يافا واللد والرملة الخ … وقد تمت مصادرة الكثير من هذه الممتلكات بعد حرب ١٩٤٨ بفترة طويلة .

لا يصب هذا التدفق الكبير لرأس المال في جيوب البورجوازية الصغيرة الاسرائيلية بل ينتهي الى ايدي الدولة ( المؤسسة الصهيونية في اسرائيل ) التي وقعت منذ العشرينات تحت السيطرة الكاملة للجهاز البيروقراطي للأحزاب العمالية الصهيونية . ويقرر هذا الواقع السبل التي يتم فيها استخدام الرأسمال المتدفق والممتلكات التي انتزعت عن طريق الحرب والمصادرة . أما الهدف الكامن خلف أسلوب استخدامها فهو تعزيز عملية الاستعمار وتوسيعها وفقا لنظريات الأحزاب العمالية الصهيونية ( ماباي ، مابام ، أحدوت هاعفودا ، الخ … ) وتقوية هيمنة بيروقراطيتها على المجتمع الاسرائيلي .

وجدير بالذكر هنا ان الطبقة العاملة ليست وحدها الواقعة تنظيميا واقتصاديا تحت الهيمنة الكاملة للبيروقراطية العمالية الصهيونية لأن البورجوازية الاسرائيلية أيضا تجد نفسها سياسيا واقتصاديا في موقع ثانوي نوعا ما بالنسبة لموقع هذه البيروقراطية . لقد حددت هذه البيروقراطية تاريخيا طبيعة معظم المؤسسات والقيم والممارسات السائدة في المجتمع الاسرائيلي بدون أن تلاقي أية مقاومة داخلية تذكر ، ولم تكن تخضع في ذلك الا الى الضغوط الخارجية التي كانت تفرضها الامبريالية من ناحية والمقاومة العربية من ناحية أخرى .

كان مصير القسم الأكبر من الموارد المتدفقة على اسرائيل الاستثمار في مشاريع الهجرة والسكن والتوظيف الضرورية لاستيعاب المهاجرين الذين رفعوا تعداد السكان اليهود من ٦٠٠،٠٠٠ في عام ۱۹٤٨ الی ٢،٤۰۰،۰۰۰ في ١٩٦٨ .

هنا تؤكد المنظمة على التأثير الكبير الحاسم الذي تركه تدفق الموارد الى اسرائيل على الديناميكية الداخلية للمجتمع الاسرائيلي وتطوره . على سبيل المثال تذكر المنظمة مشاركة الطبقة العاملة الاسرائيلية بصورة مباشرة وغير مباشرة في الاستفادة من هذا المد الخارجي بالموارد والرساميل باعتبار ان اسرائیل لیست بلدا تصب فيه المساعدات الخارجية في الجيوب الخاصة لبعض المحظوظين بل هي بلد تقوم فيه هذه المساعدات بدعم البنيان الاجتماعي القائم ككل .

طبعا لا يحصل العامل الاسرائيلي على حصته من المساعدات نقدا وعدا ، يحصل عليها عن طريق السكن الحديث والرخيص نسبيا ، علما بانه لا يمكن بحال من الاحوال تزويده بهذا النوع من السكن بالاعتماد على الرأسمال المحلي وحده أو الموارد المحلية وحدها . ويحصل عليها عن طريق المشاريع الصناعية التي توظف اليد العاملة وهي مشاريع لا يمكن البدء بها أو الاستمرار في تشغيلها بدون المساعدات الخارجية المستمرة . كذلك يحصل على حصته عن طريق مستوى المعيشة المرتفع الى درجة لا تتناسب مع الانتاجية الحقيقية لاسرائيل نفسها . هذه أيضا حال الارباح التي تجنيها البورجوازية الاسرائيلية علما بأن عملية ضبط نشاطها الاقتصادي وارباحها تتم من جانب البيروقراطية اياها وبوسائل متعددة مثل المساعدات الحكومية ، رخص الاستيراد ، الاعفاء من الضرائب ، الخ .. وهذا يعني ان موضوع الصراع بين الطبقة العاملة الاسرائيلية وبين ارباب عملها – من الراسماليين والجهاز البيروقراطي – لا يقتصر على فائض القيمة الذي ينتجه العامل بل يتعدى ذلك ليشمل القسم الذي سيحصل عليه كل من الطرفين المتصارعين من المساعدات الخارجية .

في عام ١٩٥٠ لخص رئيس تحرير الصحيفة اليومية « هآرتس » الظروف السياسية التي سمحت لاسرائيل ان تحصل على المساعدات الخارجية بهذه الكميات الضخمة وبشروط لا مثيل لها . قال : « لقد اعطیت اسرائیل دورا لا يختلف كثيرا عن دور كلب الحراسة . ليس هناك أي خوف من ان تمارس اسرائيل سياسة عدوانية ضد الدول العربية اذا كان ذلك يناقض مصالح الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا . ولكن اذا فضل الغرب ان يغض النظر لسبب ما بالامكان الاعتماد على اسرائيل كي تقوم بتأديب الدول المجاورة تأديبا قاسيا اذا تعدت في سلوكها نحو الغرب الحدود المرسومة »6 . وليس من ضرورة لذكر ان الأحداث الحية برهنت أكثر من مرة صحة هذا التقدير لدور اسرائيل في الشرق الأوسط .

هنا تعود المنظمة الى تأكيد استنتاجها الأول القائل انه عندما نعالج دولة اسرائيل ( التي قال عنها الاقتصادي أوسكار غاس بانه « لا شبيه لها » ) لا يمكننا استخلاص سياستها الخارجية والعسكرية من ديناميكية النزاعات الاجتماعية الداخلية ، بل العكس هو الصحيح ، لأن الاقتصاد الاسرائيلي بجملته يرتكز على الدور السياسي والعسكري الخاص الذي تقوم به الصهيونية والذي يلعبه مجتمع المستوطنين في منطقة الشرق الأوسط . ان ۷۰ بالمائة من الرأسمال المتدفق الى اسرائيل ليس الهدف منه الكسب الاقتصادي العادي كما انه لا يخضع الى اعتبارات الربح المألوفة . ولا تتضح هذه الحقيقة الا اذا تنازلنا عن النظر الى اسرائيل بمعزل عن بقية المنطقة وأخذنا بعين الجد الدور الستراتيجي الذي تقوم به في الشرق الأوسط .

وتبين المنظمة ان كون قسم من المساعدات الخارجية الوافدة الى اسرائيل يأخذ طابع التبرعات والهبات التي تجمعها المنظمة الصهيونية من اليهود في كل أنحاء الغرب لا يغير من طبيعة المساعدة الامبريالية لاسرائيل . المهم هنا هو أن وزارة المالية الاميركية توافق على اعتبار الأموال المجموعة في الولايات المتحدة والمعدة للنقل الى بلد آخر على أنها من باب « الاحسان » فتجعلها خاضعة لكافة الاعفاءات الضرائبية الممكنة . بهذه الصورة تصبح التبرعات مرهونة « بالارادة الطيبة » لوزارة المالية الاميركية ولن تستمر « الارادة الطيبة » في سلوكها المفيد لاسرائيل ما لم تبق السياسة الاسرائيلية على حالها في الشرق الأوسط .

تحاول المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية أن ترى بعض اوجه الشبه بين الدور الذي تلعبه اسرائيل في منطقتنا وأدوار تاريخية مشابهة قامت بها تجمعات أخرى . تشير تحليلات المنظمة بهذا الصدد الى القوزاق [ملاحظة هيئة تحرير موقع متسبين : ورد في الكتاب بشكل خاطئ اسم القوقاز.  بينما الإسم الصحيح هو القوزاق] الذين قد قاموا بدور مشابه في ظل النظام القيصري [الروسي] . كان المجتمع القوزاقي يعاني من الصراعات الاجتماعية الداخلية ولكن بما أنه كان يخدم نظام القيصر بوظيفة حارس أمین علی مصالحه ضد باقي المجتمع الروسي تمتع القوزاق بامتيازات خاصة بهم وبمجتمعهم مما اعاق امكانية بروز تطورات ثورية في داخله منبثقة من ديناميكية صراعاته الداخلية . ولم تبرز مثل هذه الاتجاهات والنزعات الا عندما دخل النظام القيصري مرحلة الانهيار مما هدد امتيازات المجتمع القوزاقي أيضا . أي خضعت ديناميكية العملية الثورية داخل المجتمع القوزاقي لديناميكية العملية الثورية في بقية المجتمع الروسي ككل . وقد تحددت طبيعة العلاقة بين العمليتين الثوريتين المذكورتين بطبيعة العلاقة القائمة بين المجتمع القوزاقي والمجتمع الروسي ( علاقة الحارس المفروض على الطرف الثالث ) . ان استمرار وظيفة الحارس وبقاءها بمنأى عن التهديد بنزع امتيازاتها المضمونة تمنع الصراعات الاجتماعية وحدها من ان تكون منطلقا كافيا للعملية الثورية في مثل هذه المجتمعات . كذلك الأمر بالنسبة للصراعات الداخلية في المجتمع الاسرائيلي التي لا يمكن ان تنمو الى عملية ثورية الا عندما يصبح دور الحارس مهددا وتصبح الامتيازات المبنية عليه غير مضمونة بعد الان . وواضح ان تهديد دور الحارس الاسرائيلي وامتيازاته مرهونة بصورة رئيسية بتطور القوى العربية الثورية المحيطة ، على حد اعتقاد المنظمة .

ترفض المنظمة ان تستنتج من هذا التحليل للمجتمع الأسرائيلي ان مجالات العمل معدومة أمام الثوريين في اسرائيل وانه ما عليهم الا أن يجلسوا وينتظروا بروز الظروف الموضوعية الخارجية عربيا وعالميا التي لا سيطرة لهم عليها . الاستنتاج الصحيح كما تراه المنظمة يفرض على الثوريين ان ينطلقوا في نشاطهم من فهم واضح للخصائص شبه الفريدة للمجتمع الاسرائيلي بدلا من الاعتماد على التعميمات المعروفة حول الرأسمالية الكلاسيكية . عندئذ يصبح الواجب الرئيسي الواقع على عاتق الثوريين الذين يوافقون على هذا التحليل توجيه عملهم ونشاطهم نحو تلك الشرائع والفئات الاجتماعية من السكان في اسرائيل الذين يتأثرون سلبيا وبصورة مباشرة من الالتزامات السياسية للصهيونية ويدفعون ثمنها غاليا . تضم هذه الشرائح قطاع الشباب الذي تقول له المؤسسة الحاكمة ان الحرب الدائمة هي قدر مفروض عليه من أجل المحافظة على الطبيعة الصهيونية لاسرائيل . كما تضم بصورة رئيسية العرب الواقعين تحت الحكم الاسرائيلي . أن العمل الثوري داخل صفوف هذه الفئات وتعزيز نزعاتها المعادية للصهيونية هو دعم للكفاح الثوري العام في منطقة الشرق الأوسط .

وتؤكد المنظمة ان كل من يتابع بدقة الكفاح الثوري في العالم العربي سوف يتبين حقيقة العلاقة الديالكتيكية بين الصراع ضد الصهيونية داخل اسرائيل والكفاح من أجل الثورة الاجتماعية داخل العالم العربي . هذه الستراتيجية لا تعني وفقا لما تقوله المنظمة أن النشاط في صفوف الطبقة العاملة الاسرائيلية يجب ان يهمل بل يعني انه يجب اخضاع النشاط العمالي أيضا الى الستراتيجية العامة للكفاح ضد الصهيونية .

تنتهي المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية الى عدة نتائج من خلال تحليلها وفهمها للمجتمع الاسرائيلي :

(۱) ان اخضاع الاقتصاد برمته الى الاعتبارات السياسية ليس امرا جديدا في اسرائيل بل كان ذلك دوما سمة هامة من سمات الاستعمار الصهيوني منذ بدايته باعتباره لم يكن يهدف الى الغايات الاستعمارية الرأسمالية الكلاسيكية ( ربح ، استغلال ، أسواق الخ … ) بل الى تأسيس دولة يهودية خالصة في فلسطين تحل محل سكانها العرب . على سبيل المثال كتب هرتزل في مذكراته ما يلي :

« أما بالنسبة للأراضي التي تخص الآخرين في المناطق التي ستعطى لنا فعلينا ان ننزعها بالتدريج من أيدي مالكيها . وسنحاول ان ننقل بهدوء الفئات الأكثر فقرا بين السكان خارج حدودنا عن طريق تأمين العمل لهم في البلدان التي يمرون فيها ، أما في بلدنا فسنحرمهم من كل عمل . اما المالكين بين السكان فانهم سينضمون الينا . ويجب ان تتم عمليتا نقل ملكية الأرض وازاحة الفقراء بعناية وهدوء ، ولا مانع ان ظن ملاكو الارض بأنهم يستغلوننا عندما يحصلون على أسعار تفوق قيمة أراضيهم ، ولكن لن يعاد بيع أي من هذه الأراضي الى مالكيها الأصليين »7

(۲) مع ان العناصر البورجوازية في الاستعمار الصهيوني كانت دوما تفضل استخدام اليد العاملة العربية الرخيصة ، كانت البيروقراطية العمالية الصهيونية تقاتل دوما ضد هذا الاتجاه وتطالب بتشغيل اليد العاملة اليهودية فقط . نتج عن ذلك صراع قوي ضمن صفوف القوى الصهيونية في فلسطين استمر خلال العشرينات والثلاثينات من هذا القرن . في الواقع كانت هذه المسألة أهم نزاع جرى داخل الصفوف الصهيونية في فلسطين . وربحت البيروقراطية العمالية الجولة الى حد بعيد بسبب الدعم الذي تلقته من الحركة الصهيونية لأسباب واعتبارات سياسية تتعلق بطبيعة الاستعمار الصهيوني وطبيعة أهدافه المذكورة مما رجح كفة الميزان لصالح البيروقراطية العمالية الصهيونية في فلسطين .

وكانت هزيمة العناصر البورجوازية بداية لنمط معين في المشاركة في الحكم بحيث تلعب البيروقراطية العمالية دور الشريك الأكبر بينما تلعب البورجوازية دور الشريك الأصغر . وقد بقي هذا الترتيب في الشراكة داخل المؤسسة الحاكمة بدون أي تغيير حقيقى منذ اربعينات هذا القرن حتى يومنا هذا . بعبارة أخرى اسرائيل دولة رأسمالية من نوع خاص جدا تحكمها شراكة طبقية فريدة من نوعها على ما ترى المنظمة . لذلك لم تكن الايديولوجية السائدة في اسرائيل في يوم من الايام ايديولوجية رأسمالية محض بل كانت مزيجا من العناصر البورجوازية مع بعض الافكار الرئيسية والموضوعات السائدة في صفوف الحركة العمالية الصهيونية . بطبيعة الحال ان مثل هذا الوضع لا يبقى ساكنا اذ يتبدل التوازن الذي تقوم عليه السلطة بالتدريج وهو يميل ببطء لصالح الشريك البورجوازي .

ومن أعراض عملية التبدل والميل هذا الانقسام الذي وقع حديثا بين جولدا مائير وبن جوريون من ناحية و بين تلميذهما موشيه دايان من ناحية أخرى حول موضوع تشغيل الفلسطينيين العرب من المناطق العربية المحتلة في الاقتصاد الاسرائيلي . كانت مائير تعارض بشدة مثل هذه السياسة بينما كان دايان يؤيدها . وقد أيدت الصحيفة البورجوازية هآرتس موقف دایان . ولكن مع ذلك تبقى البيروقراطية العمالية هي المسيطرة اذ انها تسيطر على جهاز الدولة الضخم وعلى الهستدروت ومن خلال ذلك تهيمن على المجتمع الاسرائيلي ومعظم الاقتصاد .

كما أن القوة الاقتصادية المتوافرة للبيروقراطية العمالية الصهيونية هي في الواقع أكبر بكثير مما توحي به الاحصاءات المنشورة ، اذ بالاضافة الى سيطرتها المباشرة على الدولة والهستدروت تمارس سيطرة غير مباشرة على القطاع الخاص . وهي سيطرة تذهب الى أبعد بكثير مما هو عليه الحال بالنسبة لتدخل الدولة في الاقتصاد في معظم البلدان الرأسمالية . ان الاقتصاد الاسرائيلي برمته ، بما في ذلك القطاع الخاص ، يعتمد كليا على المساعدات الخارجية التي يستلمها من خلال اقنية تسيطر عليها الدولة ، أي البيروقراطية العمالية الحاكمة . وهذا يعني القدرة على ممارسة سيطرة واسعة على الجماهير العريضة من سكان اسرائيل ليس على صعيد القضايا السياسية والاقتصادية فحسب بل على صعيد قضايا معاشية يومية . ان أكثرية الاسرائيليين تعتمد بصورة مباشرة ويومية على الارادة » الطيبة » لهذه البيروقراطية لاجل الاستمرار في العمل والسكن والضمان الصحي ، الخ … وقد حدث أكثر من مرة أن اضطر العمال الذين تمردوا على هذه البيروقراطية ( كما حدث في اضراب البحارة الكبير في کانون الأول ، ديسمبر ، ۱۹٥۱ ) الى البقاء بدون عمل ، أما الذين رفضوا الاستسلام أو التواطؤ فقد اضطروا الى الهجرة من اسرائيل كليا . بعبارة اخرى تبين كافة هذه الوقائع أن البنيان الطبقي الخاص للمجتمع الاسرائيلي والبنية الخاصة للطبقة الحاكمة ليست مجرد نتائج طبيعية للديناميكية الداخلية للمجتمع الاسرائيلي بل هي نابعة من ديناميكية المشروع الصهيوني الاستعماري ككل .

٣ – ان العمال في اسرائيل قادرون على النضال النقابي والاقتصادي وعلى الاستنتاج بأن الهستدروت يشكل عائقاً في وجه تحقيق مصالحهم الطبقية . غير أن كل المحاولات المبذولة لرفع مستوى النضال العمالي الى الصعيد السياسي ضد النظام بحد ذاته كانت تواجه صعوبة بالغة هي الصهيونية وايديولوجيتها السائدة . لذلك توصلت المنظمة الى النتيجة القائلة أنه طالما بقيت الصهيونية سائدة في اسرائيل وبقيت الظروف العالمية وظروف المنطقة تسمح للمجتمع الاسرائيلي ككل بالتمتع بامتيازات في الشرق الأوسط تدعمها الامبريالية الاميركية فان الطبقة العاملة الاسرائيلية تبقى مستفيدة من الصهيونية ومن المستبعد ان تتحول الى طبقة ثورية بالفعل ضمن هذه الظروف . أي ترى المنظمة في الصهيونية العائق السياسي الأساسي الذي يقوم بدور المعطل للنمو الثوري للطبقة العاملة الاسرائيلية . كما ترى انه مع سيادة ظروف أخرى تكون فيها الصهيونية على وشك الانهيار مثلا ( بسبب أوضاع محلية وعالمية جديدة ) ستتحول الطاقات الثورية الكامنة في الطبقة العاملة الاسرائيلية الى حيز الوجود الفعلي . أي سيأتي تحول الطبقة العاملة الاسرائيلية نتيجة تطور يشتمل على عوامل خارجية وداخلية مجتمعة معا لا يجوز فصلها عن بعضها ميكانيكيا . لكن في الأساس تعتقد المنظمة ان العنصر الرئيسي سيكون تطور القوى العربية الثورية كما ذكرنا سابقا .

لذلك مع أن المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية ترى بالضرورة الحيوية ان تكون لها جذور في الطبقة العاملة وان تتدخل في الصراع الطبقي داخل اسرائيل ، لكنها لا تتوقع في الظروف الحاضرة ان تنجح في رفع مستوى النضال العمالي من الصعيد الاقتصادي البحت الى الصعيد السياسي لأن ذلك سوف يعني ضرب الصهيونية ، أي حدوث ثورة في اسرائيل ، أو بعبارة أدق اكتمال الوجه السياسي للثورة في اسرائيل الذي يعني سقوط الصهيونية . والطبقة العاملة في اسرائيل ليست مستعدة في الوقت الحاضر للاضطلاع بمثل هذه المهنة لأسباب عديدة تم شرحها فيما سلف .

ولكن سيتغير هذا الوضع عندما تدب عوامل الضعف والانحلال في الصهيونية ومؤسساتها بسبب عدد من العوامل الخارجية والداخلية مثل تطور القوى الثورية في كافة أنحاء الشرق الأوسط وضعف سيطرة الامبريالية الاميركية على العالم العربي . أي لاضعاف الصهيونية لا بد من ضرب المصالح الاميركية في الشرق الأوسط مما سيفقد اسرائيل وظيفتها كحارس امبريالي في المنطقة . بطبيعة الحال لن تأتي هذه التطورات لوحدها وبصورة آلية محض لأنها مرهونة أيضا بالعمل الذي تقوم به القوى الثورية في منطقة الشرق الأوسط ككل بما فيها إسرائيل .

لا تستبعد المنظمة سقوط الصهيونية نتيجة لهزيمة عسكرية أمام الدول العربية في المستقبل غير ان المنظمة تعتقد ان تحقيق مثل هذه الهزيمة سيكون تعبيراً عن الضعف الذي اصاب المؤسسة الصهيونية وليس السبب في أضعافها وسقوطها . على سبيل المثال ان قدرة اسرائيل على المحافظة على مستوى تسليحها ليست الا تعبيرا واضحا عن مستوى الدعم الامبريالي لها . وكل هزيمة تصاب بها الامبريالية في الشرق الأوسط تعني اضعافا ، على المدى الأبعد ، لمستوى تسليح الجيش الاسرائيلي مما سيجعل هزيمته أکثر ترجیحا .

اما على الصعيد الداخلي فتعتقد المنظمة ان ما يسمى بتمرد الشباب في اسرائيل له أهميته الخاصة لان هؤلاء الشباب هم الذين يقاتلون في الجيش الاسرائيلي ويشكلون عموده الفقري ، باعتبار ان الجيش مؤلف من المواطنين وليس من المحترفين . وتشير المنظمة هنا الى مقال نشره دایان في صحيفة التايمز اللندنية بسبب دلالاته بهذا الصدد . يتضح المقال ان دايان يتذمر لان الشباب في اسرائيل لم يعد كما كان في السابق ، أي كما عهده دايان دوما . لم تعد قطاعات من الشباب تتقبل الدعاية الصهيونية وتبريراتها ومغالطاتها كما كانت تفعل سابقا . يقول دايان : يجب علينا ان نبين للشباب في اسرائيل أن الحرب التي نخوضها هي حربهم وعليهم المشاركة فيها لهذا السبب وليس لمجرد أنه طلب منهم ذلك . تبين هموم دایان ان شيئا ما يحدث في اسرائيل وهو يتعلق بتطورات جديدة في صفوف قطاع معين من الشعب بالرغم عن كونه قطاعا صغيرا نسبيا لكنه اقلق دايان الذي لا يقلق بسرعة . وبطبيعة الحال سيكون لمثل هذه التطورات نتائجها الهامة حتى على الصعيد العسكري البحث .

مرة أخرى أن اية هزيمة تصاب بها المؤسسة العسكرية الاسرائيلية في مواجهة القوة العربية لا يمكن ان تكون الا تعبيرا عن عملية اضعاف مستمرة للمؤسسة الصهيونية ناتجة عن أسباب ومؤثرات خارجية وداخلية ذكرناها . لذلك تتوقع المنظمة أن يأتي سقوط الصهيونية نتيجة لأزمة مركبة على الصعيدين العسكري والاقتصادي ، أي أن تجد اسرائیل طاقاتها العسكرية والاقتصادية غير قادرة على تحقيق ما كانت قادرة على تحقيقه في السابق ( بسبب نمو القوى الثورية العربية وانحسار المصالح الامبريالية في المنطقة مثلا ) . وكما هو معروف هذا النوع من الأزمات المركبة يشكل الوضع الكلاسيكي لاشعال الثورات وانتاجها . على سبيل المثال نذكر ان ثورة أکتوبر ( بالرغم عن الفوارق ) جاءت نتيجة لأزمة عسكرية اقتصادية من النوع المركب والعنيف جدا .

[الفصل القادم : نظرة المنظمة الى « اليسار » في اسرائيل]

[العودة الى صفحة المحتويات]

  1. M. Machover and A. Orr, On the Nature of Israeli Society, 12 August 1970 (unpublished paper). اثناء طباعة هذا الكتاب صدر هذا المقال في مجلة New Left Review عدد ٦٥ ، كانون الثاني – شباط ۱۹۷۱ ، ونشر في مجلتي « الحرية » و« الهدف».
  2. المرجع السابق .
  3. المرجع السابق ، عن صحيفة « دافار » ، ٢ ايار ( مايو ) ١٩٥٦ .
  4. The Economic Development of Israel, by N. Halevi and R. Klinov-Malul, published by the Bank of Israel and F. A. Praeger, 1968.
  5. M. Machover and A. Orr, On the Class Nature of Israeli Society, P. 5. Quoted from Journal of Economic Literature, December 1969, P. 1177.
  6. المرجع السابق ، ص ٦ ، عن G. Shoken, Ha’aretz, « The Prostitute of the Sea Ports and We. Meditations on the Eve of New Year », 30 September, 1951.
  7. المرجع السابق ، عن
    Herzl, Selected Works, Newnan ed., Tel-Aviv, Vol. 7, Book 1, p. 86.