شدد المؤرخون الصهيونيون على فكرة تجانس اليهود التام والمستمر عبر التاريخ بدون أي تغير او تبدل حقيقي في تكوينهم كما ألحوا على وحدة « الشعب اليهودي » وتفرده « بطبيعة خاصة » ثابتة تميزه عن بقية الشعوب وشددوا على مسألة عزلة « الشعب اليهودي » ومقاومته العنيدة لكل محاولات الدمج والاختلاط ببقية المجتمعات مما جعله يحافظ على « خصائصه الجوهرية » وعقليته المتميزة عن بقية العقليات الخ .. وكان هدفهم في كل ذلك استخلاص وجود « الأمة اليهودية » الثابتة منذ بداية التاريخ والقول بان الصهيونية جاءت لتحييها من جديد . وقد بين صادق جلال العظم في کتابه « دراسات يسارية حول القضية الفلسطينية » دلالات هذا الخط في التفكير الصهيوني بقوله ان المنطق الصهيوني حول « الطبيعة اليهودية » يقسم العالم الى « ماهية يهودية ثابتة » من ناحية ، والى كل ما هو غير يهودي من ناحية ثانية . اي تشطر الايديولوجية الصهيونية العالم الى ما هو يهودي بطبيعته والى ما هو غير يهودي في جوهره ، وتضفي أحسن الصفات والخصال على القسم الأول وتصف كل ما هو غير يهودي بأوصاف شريرة معيارها في ذلك مدى الاذى الذي يلحقه العالم الغريب بالوجود اليهودي لا اكثر . على هذا الاساس نظرت الصهيونية الى حركة العداء للسامية في اوروبا على انها خصلة متأصلة في طبيعة كل ما هو غير يهودي أي اعتبرتها صفة جوهرية لا تحول ولا تزول مهما كانت الاحوال الاجتماعية او الظروف التاريخية والاقتصادية المحيطة بها . من هنا ايضا استنتجت الصهيونية ان الحل الوحيد للمسألة اليهودية هو تجميع اليهود في فلسطين ضمن دولة يهودية صرف ، ورفضت كل الحلول الاخرى بحجة ان اللاسامية صفة متأصلة في طبيعة غير اليهود ، وأصرت ان هذا واقع لا يمكن تغییره ابدا1.

ترفض المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية هذا المنطق المثالي جملة وتفصيلا وتعتبر حركة العداء للسامية في اوروبا ظاهرة اجتماعية واقتصادية برزت في مرحلة تاريخية معينة ولأسباب يمكن للباحث تحديدها ، كما تعتبر ان الصهيونية انبثقت من قوتين اجتماعيتين أساسيتين : فقراء اليهود في روسيا القيصرية المهددين ابدا في ارواحهم ومصادر عيشهم ؛ والطبقة الوسطى اليهودية في اوروبا الغربية المندمجة جزئيا في محيطها والمنبوذة اجتماعيا .

في اوروبا الشرقية تركز النشاط اليهودي على اقرار الحقوق المدنية العادية لليهود والاعتراف بها كما حدث في الغرب مع الثورة الفرنسية الكبرى . اما في اوروبا الغربية فقد عملت القطاعات الفاعلة من اليهود باتجاه تحقيق الاندماج داخل المجتمع الاوروبي الغربي . وتشبه المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية نضال اليهود في الغرب في تلك الفترة بنضال الاميركيين السود في مرحلة المطالبة بالحقوق المدنية والاندماج بالمجتمع الاميركي كليا . الا ان كافة هذه الجهود انتهت الى الفشل ( كان النظام القيصري يضع اليهود عن سابق تصميم في دور كبش المحرقة ) . وجدت الصهيونية السياسية أرضا خصبة للعمل في الخيبة التي ولدها فشل اليهود في تحقيق أي من مطالبهم الاساسية ان كان ذلك في الغرب أو في اوروبا الشرقية . ولدت الصهيونية وهما جديدا يتخذ من خيبة الأمل السابقة منطلقا له ويعمد الى تعميم الهزائم اليهودية السابقة على كل مكان وزمان ، ويعلن ان اضطهاد الأقليات نزعة من النزعات الكامنة في « النفس البشرية » ، وان كل محاولات القضاء عليها ، بواسطة التشريع أو التعليم او الاندماج ، ليست الا محاولات خرقاء مصيرها الفشل المحتوم . أي لا معنى ، وفقا لهذا المنطق الطوباوي ، للنضال ضد نزعة كامنة في الطبيعة البشرية نفسها والموقف الوحيد الذي يفرض نفسه عندئذ هو القبول بالامر الواقع ومحاولة التكيف مع هذا الشر الحتمي والازلي .

يلخص مؤسس الحركة الصهيونية ، هرتزل ، رأيه بنزعة العداء للسامية على النحو التالي :

« في باريس .. توصلت الى اتخاذ موقف أكثر انفتاحا من اللاسامية . فبدأت اتفهمها تاريخيا واغفر لها . ولقد ادركت ، قبل كل شيء ، عقم ولا جدوى المحاولات الرامية الى مجابهة اللاسامية ».2

نجد تعبيرا اخر عن هذا المنطق التشاؤمي في النص التالي :

« ولدت الصهيونية في عصر مفعم بالايمان والتقدم والتآخي الانسانيين عصر يعتنق نظرية روسو القائلة بان الطبيعة البشرية خيرة في الاساس : دع البشر يعيشون حياة الكرام فيتحول المجتمع البشري الى مجتمع من الملائكة … لكن ينبغي على الأقلية ان تدرك أن الطبيعة البشرية شريرة أساساً . وان الخصائص الكامنة في التركيب النفساني والعضوي للبشر تقضي بان تتحكم الغالبية القوية بمصير الأقلية حسب تقلبات مزاجها . موجات التحرر والانفتاح والتسامح الآنية ، ما هي الا ظاهرات عرضية ليس الا … فلا التعليم أو التقدم او التحررية او الانسانية قادرة على انقاذ الاقلية عندما تحين الساعة الرهيبة ».3

بمقابل هذه النزعة عند الصهيونية التي تعمم الاضطهاد وترفعه الى مصاف قانون من « قوانين الطبيعة » ، توجد نزعة متممة في الحركة الصهيونية تعتبر الاندماج نكبة . أي تبين المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية في تحليلها لجذور الفكر الصهيوني ان الصهيونية تضيف الى عملية تعميم اضطهاد الأقليات على كل زمان ومكان ارادة المحافظة على « القومية اليهودية » وانقاذها من محاولات الدمج والتمازج . الصهيونية تعتبر اللاسامية ظاهرة شريرة والاندماج عملية مصيرها الفشل المحتوم من جهة ، كما تعتبر اللاسامية نعمة والاندماج شر لا حاجة للقبول به من جهة ثانية .

وتستمر المنظمة في تحليلها للايديولوجية الصهيونية التبريرية فتبين أن الفرضية القائلة بان اضطهاد الأقليات نزعة كامنة في « الطبيعة البشرية » التي لا تحول ولا تزول تعني ان الأكثرية المعادية عاجزة بالضرورة عن تجاوز النزعة الشريرة المتأصلة فيها ، ولا يمكنها ان تساعد الأقلية على تفادي نتائج هذه النزعة . لذلك لا يبقى للأقلية الا مخرج واحد هو ان تحرر نفسها بنفسها . هذه هي الفكرة التي روجها ليو بنسكر في كتابه « التحرر الذاتي » (۱۸۹۲) . وأما النتيجة الطبيعية لهذا المنطق فهي القول بان انشاء دولة قومية تتحول فيها الأقلية المضطهدة الى أكثرية تسيطر على مقدرات الحكم هي التعبير الفعال الوحيد عن التحرر الذاتي ، وهي السبيل الوحيد الى سيطرة الأقلية المضطهدة على نفسها وتحكمها بمصيرها . هنا تشبه كتابات المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية الصهيونية بحركة « العودة الى افريقيا » التي اطلقها عامل الطباعة – الجامايكي ماركوس غارفي (Marcus Garvey) – في الولايات المتحدة في العشرينات من هذا القرن ، والتي كانت اخطر منافس لحركة دوبوا (Du-Bois) المعروفة باسم «الرابطة الوطنية لتقدم الملونين ». يبدو ان الصهيونية هي النسخة اليهودية عن « القوة السوداء » ، باعتبارها دعوة الى « السلطة اليهودية » . ولكن اذا كان الشبه بين الحركتين يرتكز الى الاصول الاجتماعية والدوافع الشعورية والتبريرات الايديولوجية المشتركة بينهما ، فهو لا يتعدى ذلك الى المعاني السياسية لكل من الحركتين ، اذ ان الصهيونية ، في سعيها لاستعمار فلسطين ونجاحها في ذلك وفي جعل المهاجرين من اليهود أکثرية سكانية تتحكم بالسلطة السياسية ، تحولت الى جزء لا يتجزأ من النظام الاستعماري . في حين نجد ان « القوة السوداء » ، العاجزة عن تكوين دولة خاصة بها ، قد تحولت الى قوة مضادة كليا للاستعمار .

لقد نجحت الصهيونية في انشاء عالمها الخاص الذي لا يتعدى كونه صورة مصغرة عن العالم الذي نبذ اليهود . لذلك لن تتمكن الصهيونية من القضاء على اضطهاد الاقليات في اسرائيل . ان كل ما في الامر انها حولت بعض اليهود من أقلية مضطهدة ( بفتح الهاء ) في الخارج الى اكثرية مضطهدة ( بكسر الهاء ). أما « القوة السوداء » العاجزة عن تحقيق هدف مماثل للهدف الصهيوني ، فهي مدفوعة لان ترفض المجتمع الغربي الرأسمالي بأسره وان تدينه كمجتمع قائم على الاضطهاد .

لقد كرس ثيودور هرتزل صفحات من مذكراته لوصف الدولة اليهودية باعتبارها دولة ليبرالية هي نسخة عن امبراطورية سلالة « الهابسبورغ » او عن مجتمع فيينا في اواخر التسعينات من القرن الماضي . بينما ليس باستطاعة دعاة « القوة السوداء » ان يحذوا حذو هرتزل ، بل هم مضطرون الى رفض المجتمع الاميركي بكليته ، والى ادانة أية محاولة لانشاء مجتمع أسود هو نسخة زنجية عن المجتمع الاميركي القائم على الاضطهاد . هذه هي حدود المقارنة بين الصهيونية والقوة السوداء كما تراها المنظمة الاشتراكية .

على صعيد اخر تبين المنظمة ان الرد الذي تعرضه الصهيونية على اليهود ضد اللاسامية يتلخص في الدعوة الى الهجرة الى فلسطين . لذلك وجدت الصهيونية نفسها في موقع من ينتقد ويدين كل نضال يهودي تحرري وكل سعي لاستصدار تشريعات تعترف بحقوقهم المدنية وما شابه . أي وجدت الصهيونية نفسها في صف واحد مع اللاساميين الذين يهيبون ايضا بالجاليات اليهودية للعودة الى فلسطين . ليس غريبا ان نجد أن الذين بادروا بالنضال اليهودي ضد النازية في الثلاثينات من هذا القرن لم تكن لهم أية صلة بالمنظمات الصهيونية . ومع احتدام هذا النضال ، اتسعت الهوة التي تفصل الصهيونية عن سائر المعادين للنازية والفاشية . اما الاعتبارات الكامنة وراء هذا الموقف الصهيوني فتجدها المنظمة معروضة في رسالة بعث بها بن غوريون الى « اللجنة التنفيذية » الصهيونية في ١٧ كانون الاول ( ديسمبر ) ۱۹۳۸ حيث قال :

« لم تعد المسألة اليهودية الان مثلما كانت عليه من قبل . ان ما يعاني منه اليهود في المانيا ليس النهاية بل مجرد البداية . ستحذو سائر الدول المعادية للسامية حذو هتلر . ملايين اليهود يتعرضون للإبادة ومشكلة اللاجئين تتخذ حجوما دولية . هذا في حين تحاول بريطانيا فصل مشكلة اللاجئين عن المشكلة الفلسطينية . ان الحجم الذي اكتسبته مشكلة اللاجئين يتطلب حلا اقليميا فوريا . واذا كانت فلسطين غير قادرة على استيعابهم فثمة أوطان أخرى قادرة على ذلك . الصهيونية في خطر . كل الحلول الاقليمية الاخرى مصيرها الفشل المحتوم وهي تتطلب مبالغ طائلة من المال . واذا ما قيض لليهود أن يختاروا بين اللاجئين ، اى انقاذ اليهود من معسكرات الاعتقال ، وبين اقامة متحف وطني في فلسطين ، فان الشفقة سوف تطغي على نفوسهم وتتجه كل طاقات الشعب نحو انقاذ اليهود من مختلف البلدان . ولن يؤدي ذلك الا الى تلاشي نفوذ الصهيونية ليس فقط في أوساط الرأي العام العالمي في بريطانيا والولايات المتحدة بل يؤدي أيضا الى تلاشي نفوذها في أوساط الرأي العام اليهودي نفسه . فاذا ما سمحنا لمشكلة اللاجئين أن تنفصل عن المشكلة الفلسطينية ، نكون قد عرضنا وجود الصهيونية نفسه للزوال ».4

بعبارة اخرى يرى بن غوريون أن انقاذ ارواح اليهود من قبضة هتلر يشكل خطرا على الصهيونية ، ما لم يرافق عملية الانقاذ ترحيلهم الى فلسطين . وعندما اضطرت الصهيونية الى الاختيار بين الشعب اليهودي وبين « الدولة اليهودية » لم تتردد في اختيار الاخيرة .

خلاصة القول هو أن الصهيونية ترضى باللاسامية على انها الموقف الطبيعي والعادي للعالم غير اليهودي تجاه اليهود ، ولا تعتبرها ظاهرة مشوهة ومنحرفة . من هنا أصبحت الصهيونية مجرد ردة فعل ضد اللاسامية بدلا ان تكون مواجهة لها ولاسسها الاجتماعية والاقتصادية ونضالا ضدها . بالاضافة الى ذلك بما أن الصهيونية تنطلق من الفرضية القائلة بان اضطهاد الأقليات جزء لا يتجزأ من عناصر السلوك البشري الجماعي فانها لا ترى ضيرا في اضطهاد الاقليات الموجودة ضمن حدود دولتها . وتصل المنظمة الى الاستنتاج التالي حول الحركة الصهيونية : الصهيونية ، من الناحية الاخلاقية والنفسية والاجتماعية ، ما هي الا شكل من اشكال استلاب أقلية من الأقليات المضطهدة ( بفتح الهاء ) 5

اما بالنسبة الى عملية استعمار فلسطين فتعود المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية في تحليلاتها الى عام ۱۸۷۰ ، عندما اقدم البارون ادمون دي روثتشايلد الفرنسي الى شراء قطعة أرض قرب يافا وانشأ عليها مدرسة تدعى « مكفيه يسرائيل » ( تجمع اسرائيل ) . وعقب ذلك ، تم تشييد حوالي ۲۰ قرية سكنها ما يقارب من ٥٠٠٠ يهودي جاء معظمهم من روسيا . وحتى عام ۱۹۰۰ ، كان البارون قد استثمر حوالي مليوني جنيه استرليني في فلسطين . ولم يجد البارون اية صعوبة في التوفيق بين مشاعره اليهودية وبين دعمه للمصالح الفرنسية الرامية الى استعمار فلسطين مثلما استعمرت الجزائر . اراد ان يسخر طاقات الهجرة الكامنة عند يهود اوروبا الشرقية لخدمة مصالح الاستعمار الفرنسي ، ولم تخطر بباله فكرة انشاء دولة يهودية مستقلة في فلسطين ، اذ أنه لم يكن صهيونيا ، بل استغل نفوذه لدى الخزينة العثمانية من أجل ايجاد منطقة نفوذ جديدة للمصالح الفرنسية – مستخدما اليهود كمستوطنين .

أما الصهيونية السياسية التي انبثقت رسميا عام ۱۸۹۷ عن مؤتمر بال (Basle) بسويسرا ، فقد تميزت عن استعمار آل روثتشايلد باعلانها عن عزمها على حل القضية اليهودية عن طريق اقامة دولة قومية لليهود .

ومنذ البدء ، حاولت الحركة الصهيونية بلوغ أهدافها عن طريق الاتفاق مع هذا الطرف الاستعماري أو ذاك كما هو معروف . لذلك كان الخط الموجه للدبلوماسية الصهيونية على الدوام هو التحالف مع الدولة الكبرى التي تمارس نفوذا ما على فلسطين . فقد تودد ثيودور هرتزل بادیء ذي بدء الى كل من السلطان التركي والقيصر الالماني . ونزعت الحركة الصهيونية الى التعاون الصريح مع الامبريالية البريطانية بعد الحرب العالمية الاولى . ثم وجهت انظارها ، بعد الحرب العالمية الثانية ، شطر الولايات المتحدة ، وتوددت الى فرنسا بين الحين والآخر .

عندما تدفقت الهجرة الصهيونية المنظمة الى فلسطين في أوائل القرن التاسع عشر اضطر المستوطنون الصهيونيون مثلهم مثل أي تجمع استعماري اخر ، الى رسم سياسة محددة تجاه السكان المحليين . ولا شك أن السمة الخاصة بالصهيونية التي تميزها عن سائر عمليات الاستعمار في العصور الحديثة تكمن في الطريقة التي حلت بها هذه المسألة . معروف ان المستوطنين الاوروبيين في المستعمرات الاخرى قد سعوا الى استثمار ثروات تلك البلاد ( بما في ذلك استثمارهم لقوة العمل « للسكان المحليين » ) فحولوا السكان الاصليين الى طبقة بروليتارية في مجتمع « رأسمالي » جدید . اما الصهيونية ، فلم تكن طامعة بموارد فلسطين وحسب ( وهي موارد ليست عظيمة الشأن اصلا ) بل كانت طامعة بالبلد نفسه سعيا منها لانشاء دولة قومية جديدة . لذلك كان لا بد من أن يكون لهذه « الامة الجديدة » طبقاتها الخاصة بها ، بما في ذلك طبقتها العاملة . أي كان البرنامج الاستعماري الصهيوني يتطلب احلال قوم محل العرب ، وليس مجرد استغلال هؤلاء العرب .

تبين المنظمة الاشتراكية في تحليلها ان استعمار آل روثتشايلد اصطدم بعرب فلسطين حول موضوع اساسي هو ملكية الأرض . أخذ البارون يشتري الأرض من « الافندية » الاقطاعيين ، مستعينا في بعض الاحيان برشوة السلطة العثمانية ، كما عمد الى طرد الفلاحين من أرضهم استخدمهم كعمال زراعيين في مزارعه الحديثة على غرار النمط الاستعماري التقليدي . بمقابل ذلك رفع المستعمرون الصهيونيون شعار « اليد العاملة اليهودية » في سعيهم الى تكوين طبقة عاملة يهودية . لذلك دعوا الى تحويل العاملين في مهن الطبقة الوسطى الى العمل اليدوي ، والحوا على أرباب العمل اليهود بالا يوظفوا الا اليد العاملة اليهودية فحسب . هكذا لم يصطدم الصهيونيون بالفلاحين العرب الذين صودرت اراضيهم وحسب ، بل اصطدموا أيضا بالمستوطنين لحساب آل روثتشايلد الذين كانت تقتضي مصالحهم أن يوظفوا اليد العاملة العربية الرخيصة . وكانت هذه من أهم القضايا التي اثارت النزاعات الداخلية بين جالية المستوطنين اليهود خلال العقود الثلاثة الأولى من هذا القرن . كان الدعاة الرئيسيون لتشغيل اليد العاملة اليهودية العناصر « اليسارية » في الحركة الصهيونية . في المقابل ، اتجهت العناصر البورجوازية في توظيف اليد العاملة العربية الرخيصة . ولو تغلبت البورجوازية ، لتطورت فلسطين على غرار الاستعمار في الجزائر او جنوب افريقيا او روديسيا. لكن الغلبة كانت « لليسار » الصهيوني واتخذت بالنتيجة عملية استعمار فلسطين النهج التاريخي المعروف .

اصطدم التجمع الصهيوني النامي بكافة طبقات المجتمع العربي الفلسطيني . غير أن الصهيونية كانت تحمل معها من أوروبا رأس المال ، والخبرة التقنية ، والمهارات الحديثة مما عزز موقعها في الصراع ، وحل رأس المال اليهودي ( المعزز غالبا بالاموال الصهيونية ) تدريجيا محل العناصر الاقطاعية العربية بمجرد شراء أراضيها ، وعن طريق القوانين الصهيونية التي حرمت على اتباعها اعادة بيع الأراضي للعرب . وبسبب تفوق الاقتصاد الرأسمالي الاسرائيلي تقنيا وماليا تعرقل نشوء طبقة رأسمالية عربية قوية نسبيا في فلسطين . وبعد أن اصطدمت الحركة الصهيونية بالفلاحين العرب وطردتهم من أراضيهم منعتهم من ان يتحولوا الى بروليتاريا تعمل في القطاع اليهودي من الاقتصاد . ونظرا لان الصهيونية اعاقت نمو قطاع رأسمالي عربي فلسطيني وجد الفلاحون ( والانتلجنسيا العربية كذلك ) صعوبة بالغة في الحصول على الوظائف خارج ادارة الانتداب البريطاني ومؤسساته العامة .

بعبارة اخرى ترى المنظمة ان الاستعمار الصهيوني الاستيطاني شوه كل البنية الاقتصادية والاجتماعية لفلسطين العربية تشويها كاملا ومنعها من أخذ مجراها الطبيعي في التطور . ويستمر هذا التشويه حتى هذه الساعة بالنسبة للسكان العرب داخل الحدود الاسرائيلية . وكان لهذا التشويه الاقتصادي – الاجتماعي انعكاساته على الصعيد السياسي ، اذ أن حرمان البرجوازية والبروليتاريا والفلاحين في فلسطين من السير في طريق التطور الطبيعي ، عرقل بروز قيادات وأحزاب سياسية فلسطينية مهمة مما أبقى القيادة السياسية لعرب فلسطين بيد طبقة ملاك الأرض المتخلفة دوما عن البرجوازية الناشئة . ورغم ان طبقة ملاك الارض حفرت قبرها بيديها عندما باعت أراضيها للصهيونية ، الا انها جنت ارباحا طائلة من عمليات البيع هذه كما تمكنت من الاحتفاظ بمواقعها القيادية عن طريق التواطؤ الضمني مع الصهيونية والاستعمار الانكليزي . وكي لا توصم هذه القيادات الطبقية بالخيانة المفضوحة ، اتخذت على الصعيد العلني ، مواقف متطرفة في عدائها للصهيونية .

ترى المنظمة ان صعود الفاشية في اوروبا شكل المرحلة الحاسمة في تطور القضية الفلسطينية . تبرز هذه الحقيقة من خلال ثلاثة عوامل اساسية تشدد عليها ادبيات المنظمة وهي :

۱ – ازدياد الهجرة اليهودية من اوروبا ازدیادا كبيرا في تلك الفترة كما يتبين من الجدول التالي عن السكان اليهود في فلسطين :

السنة                 عدد اليهود في فلسطين

۱۹۲۲                      83,790

۱۹۳۱                      174,606

١٩٤٤                      553,600

١٩٤٥                      579,227

١٩٤٦                      608,225

 

واضح ان القفزة بين الاعوام ۱۹۲۲ و ۱۹۳۱ قد عقبت صعود الفاشية في بولونيا . اما القفزة الاهم التي وقعت بين الاعوام ۱۹۳۱ و ١٩٤٤ فقد عقبت صعود الهتلرية في المانيا .. أي ان صعود النازية الاوروبية كان العامل الاكثر فاعلية في تحديد تاريخ فلسطين اللاحق .

۲ – تختلف هذه الموجة الجديدة من الهجرة اليهودية نوعيا عن الموجات التي سبقتها وتبعتها من حيث بنيتها الطبقية لانها حملت عناصر رأسمالية عديدة من الطبقة الوسطى الى فلسطين ، في حين كانت الموجات السابقة مكونة أساسا من العناصر البورجوازية الصغيرة . وفي الجدول التالي بيان بأعداد المهاجرين اليهود المسجلين رسميا على انهم رأسماليون ( أي انهم قد اثبتوا حيازتهم لألف جنيه أو أكثر بالعملة المتداولة ):

السنة                  عدد الرأسماليين

۱۹۳۲                      727

۱۹۳۳                      3,250

١٩٣٤                      5,124

۱۹۳٥                      6,309

١٩٣٦                      2,790

۱۹۳۷                      1,275                      

۱۹۳۸                      1,753

۱۹۳۹                      2,606

١٩٤٠                      802

١٩٤١                      314

 

وقد بلغت هجرة الرأسماليين الى فلسطين ذروتها بين عامي ۱۹۳٤ و ۱۹۳٥ ، أي بعد تسلم هتلر الحكم ، وقبل فترة وجيزة من الاضراب العربي العام هناك .

۳ – وجد قادة عرب فلسطين الدينيون والقوميون في الفاشية حليفا طبيعيا لهم ضد الاستعمار البريطاني . فساروا على هدى الحكمة القائلة : « عدو عدوي صديقي » مع ما يتضمن هذا الموقف من أخطاء استراتيجية وتكتيكية جسيمة تبينت فيما بعد .

في تلك الاثناء كان النضال المعادي للاستعمار قد بلغ ذروته في البلدان العربية . ففي سوريا مثلا ، أعلن الاضراب العام سنة ١٩٣٦ ضد الاستعمار الفرنسي مما دفع سوريا خطوات الى الامام في طريق الحصول على الاستقلال السياسي . وقد ترك ذلك أثرا هاما على فلسطين نفسها التي حذت حذو سوريا في اعلان الاضراب العام ، الا أن ظروفها كانت مختلفة عن ظروف سوريا بسبب القاعدة الاقتصادية الصهيونية التي رفضت الاضراب طبعا . بالاضافة الى ذلك ، فقد استغل الصهيونيون اضراب العمال العرب في الادارات والمصالح الحكومية ( كسكك الحديد والمرافىء ) وشلل التجارة العربية ، لكي يؤمنوا لأنفسهم سيطرة أكيدة على هذين القطاعين الهامين والواسعين من الاقتصاد . وكما أسلفنا ، فقد صادف الاضراب في فترة تدفق رؤوس الاموال اليهودية الضخمة من اوروبا مما عزز السيطرة الصهيونية على اقتصاد البلاد ككل .

معروف أن الاستعمار البريطاني الذي حكم فلسطين من سنة ۱۹۱۸ الى سنة ١٩٤٨ قد استخدم سياسة « فرق تسد » المألوفة ، مستغلا الى أبعد حد الأمكانات الكامنة في الايديولوجيات القومية المتنازعة ، لاثارة الجماهير قوميا ودينيا ، مثل استخدام الشرطة اليهودية ضد السكان العرب ، والعكس بالعكس . أما بالنسبة للقادة فقد استخدم معهم الدبلوماسية ، و « الكتب البيضاء » ، والمؤتمرات مقدما الوعود المتناقضة لكلا الطرفين ، لاعبا دور « الوسيط » بينهما .

تعتبر المنظمة في تحليلاتها ان الحرب العالمية الثانية ولدت عوامل اقتصادية وسياسية جديدة كان لها أكبر الاثر في ادخال تحول جذري على الوضع الفلسطيني . ومعنى ذلك هو أنه قبل الحرب ، كان الاقتصاد الفلسطيني ( وقطاعه الصناعي خاصة ) تحت سيطرة الاقتصاد البريطاني في المتروبول ، كما أعاق استيراد السلع الاستهلاكية من بريطانيا نمو أية صناعة محلية خفيفة . بمقابل ذلك شهد الاقتصاد الفلسطيني خلال فترة الحرب ازدهارا لا مثيل له مع تحول البلد الى القاعدة الرئيسية للحامية البريطانية في الشرق الأوسط وتأمين كافة احتياجاتها محليا بسبب انقطاع خطوط التموين مع بريطانيا خلال الحرب . اضطر الاستعمار البريطاني الى الاعتماد الى حد كبير في تلك الفترة على الاقتصاد المحلي مما شجع نموه السريع . فاختفت البطالة من القطاع العربي مع استخدام آلاف العمال في بناء المعسكرات والطرق والمطارات ، غير ان الصناعة العربية لم تكن في وضع يسمح لها بالافادة الكاملة من هذا الوضع الاستثنائي بينما كان القطاع اليهودي جاهزا بتنظيمه الحديث واليد العاملة الماهرة التي يملكها ، لان يجبي اكبر الفوائد والارباح والمكتسبات من فترة الازدهار خلال الحرب .

عند انتهاء الحرب تباطأت عملية النمو الصناعي علي نحو مفاجىء ، وعادت المستوردات من بريطانيا تهدد الصناعة المحلية من جديد . غير أن الازدهار الذي عرفه القطاع اليهودي من الاقتصاد خلال الحرب جعل منه قوة لا يستهان بها شكلت القاعدة المادية لمطالب الاستقلال السياسي الذي نادی بها السكان اليهود بعد الحرب . لم ترفع الجالية اليهودية مثل هذه المطالب قبل الحرب العالمية الثانية – على عکس عرب فلسطين – لانه كان محتما انذاك بان تكون فلسطين المستقلة عربية بالضرورة . كانت السيطرة اليهودية الجديدة على الاقتصاد هي العامل الرئيسي الذي ادى الى تغيير السياسة الصهيونية حول موضوع استقلال فلسطين عن الحكم الاستعماري المباشر .

أدى هذا الوضع الجديد ، كما تراه المنظمة ، الى الصدام الذي وقع بين الجماعة المستعمرة ( بكسر الميم ) ، أي المستوطنين اليهود في فلسطين ، وبين الامبراطورية البريطانية التي نموا في كنفها وتحت حمايتها الى ان أصبحوا بحاجة الى مجال حيوي أوسع لأنفسهم . بعبارة أخرى تشبه المنظمة صدام الصهيونية بالاستعمار الانكليزي بالنزاع بين ايان سميت في روديسيا والاستعمار البريطاني هناك ، أو بحرب « البوير » حيث لم يكن البوير محررين لافريقيا الجنوبية من الامبريالية بل كانوا يسعون للتخلص من السيطرة الاستعمارية المباشرة عليهم وتوظيف عملية الاضطهاد الاستعماري لمصلحتهم الخاصة . بكلام اخر أرادت الصهيونية ان يكون اليهود المهاجرين المستعمرين الحقيقيين لفلسطين بدون وصاية مباشرة من بريطانيا . تبين المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية ان الدور الاستعماري التقليدي للصهيونية ما زال مستمرا حتى هذه الساعة من خلال دولة اسرائيل وبطبيعة تركيبها والدور الذي تقوم به في المنطقة العربية .

ترى المنظمة ان الحركة الصهيونية خلقت دولة اسرائيل في فلسطين كجزيرة منعزلة في المنطقة العربية لا تتمتع الا باستقلال شكلي ، وتعتمد اقتصاديا وسياسيا على الدول الاستعمارية ولا سيما على الولايات المتحدة الاميركية . تشدد المنظمة على « أن الحلف بين الصهيونية السياسية والاستعمار الاميركي لم يكن وليد المصادفات . فالصهيونية السياسية ، بحكم تاريخها الاستيطاني ، وبحكم سياسة التفريق والتمييز التي انتهجتها ولا تزال تنتهجها تجاه عرب فلسطين ، هي ذات مصلحة حيوية في المحافظة على النفوذ الاستعماري في الشرق الأوسط ، وهي جزء لا يتجزأ من نظام السلطة الاستعمارية »6. كانت اسرائيل دوما اداة في ايدي الدول الاستعمارية ضد الأمة العربية ، وضد القوى التقدمية في العالم العربي . وبرز التعبير الواضح عن هذا الدور الذي تقوم به اسرائيل في حرب السويس عام ١٩٥٦ حيث اثبتت حكومة اسرائيل ان الصهيونية حليفة طبيعية للاستعمار ضد العرب ، بالاضافة الى محاولتها انشاء أوضاع واقعية جديدة في الشرق الأوسط تكون لصالح الصهيونية وعلى حساب العرب7 .

تشدد المنظمة على ان الهدف الرئيسي للسياسة الخارجية الاسرائيلية هو تعزيز « الوضع القائم » في منطقة الشرق الاوسط واطالة اجله . وتعتمد اسرائيل في تنفيذ هذه السياسة الى عوامل ثلاثة :

۱ – كونها أضمن وأرسخ حليف للاستعمار في المنطقة ، وهذا يعني حماية امبريالية قوية لها .

٢ – التحالف مع الرأي العام الغربي الذي يؤيد الصهيونية لأسباب عديدة لا مجال للخوض فيها هنا ، كما يشكل خمسة ملايين اليهودي الاميركي فئة ضاغطة لا يستهان بنفوذها على السياسة الرسمية الاميركية وعلى الرأي العام اليهودي على حد سواء. وحتى ذلك القطاع من الرأي العام الغربي الذي يعارض الاستعمار ، بشكل عام ، يتردد كثيرا بكل ما يتعلق بانتقاد اسرائيل . وغالبا ما يخلط الاشتراكيون في الغرب بين العداء للصهيونية والعداء للسامية . وتستفيد الدعاية الصهيونية من كونها تسعى الى تدعيم واقع قائم فتبدو داعية سلام وتفاهم ، بينما تهدف السياسة العربية الى تبديل الوضع القائم فلا تستطيع بالتالي الدعوة للسلام بصورة مجردة ، بل عليها الاضطلاع بمهمة عسيرة هي شرح المظالم التي ينطوي عليها « الوضع القائم » الذي تدافع عنه اسرائيل وتدعمه الامبريالية في المنطقة .

٣ – اعتماد اسرائيل على القوة العسكرية المتفوقة .

وليس لدى المنظمة اية أوهام حول حقيقة واقع دولة اسرائيل في المنطقة لانها ترى بوضوح ان اسرائيل ليست الا قلعة محاصرة ذات تكوين اقتصادي هش يعتمد الى حد غير معقول على المساعدات الاقتصادية الخارجية كضمان لبقائها ( منذ عام ١٩٥٠ يتدفق الى البلد سنويا ما يقارب من ٤٠٠ مليون دولار لسد العجز في ميزان المدفوعات ) . بالاضافة الى ذلك ان موارد اسرائيل الطبيعية شحيحة وأسواقها محدودة جدا اذ انها لا تستطيع مزاحمة الاقتصاديات المتقدمة للدول الاوروبية من جهة ، والأسواق العربية مسدودة في وجهها جهة ثانية . وكان للمساعدات الخارجية الفضل الأكبر في تمكين اسرائيل من المحافظة على مستوى المعيشة المرتفع نسبيا بين سكانها .

[الفصل القادم : نظرة المنظمة الى المجتمع الاسرائيلي]

[العودة الى صفحة المحتويات]

  1. صادق جلال العظم، « دراسات يسارية حول القضية الفلسطينية » , دار الطليعة ، بيروت ، ۱۹۷۰ ، ص ۱٥
  2. مذكرات ثيودور هرتزل ، لندن ، ١٩٥٨ ، ص ٦ .
  3. اشعيا بار – يوسف ، يديعوت احرونوت ، ١٢ كانون الثاني ١٩٦٨ .
  4. The Israeli Socialist Organization, The Other Israel, July 1968
  5. المرجع السابق .
  6. المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية ، ثلاثة بيانات ، تموز (يوليو) ١٩٦٧ .
  7. المرجع السابق .