العفيف الأخضر (على اليسار) وإهود عين جيل خلال لقائهما في فرنسا عام 2006
مقدمة محرر موقع “ماتسبين” إهود عين جيل:
لقد سمعت الكثير عن كاتب هذا المقال، الاشتراكي الثوري التونسي الأصل العفیف الأخضر، حتى قبل انضمامي إلى منظمة “ماتسبين” في أواخر عام 1974، وأول مرة التقيته بها كانت بعد ذلك ببضع سنوات، في باريس، ومنذ ذلك الحين حافظنا على تواصل من خلال مراسلات ومكالمات هاتفية. التقيت به مجددا في عام 2006، حين سافرت إلى فرنسا ضمن مهمة صحفية لصحيفة “هآرتس” لإجراء مقابلة معه، بعد أن أقامت حركة “النهضة” الإسلامية التونسية النكير عليه بصفته مؤلف الكتاب المثير للجدل “المجهول في حياة الرسول”. الأخضر، الذي لم يكن هو مؤلف ذلك الكتاب، خاض منذ أوائل الثمانينيات نضالا مستميتا لكشف أخطار الأصولية الإسلامية، بما في ذلك مواقف الشيخ راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة، الذي كان مغتربا في لندن منذ عام 1991. من الجدير بالذكر أنه على مر السنين، صبّ الأخضر جلّ تركيزه على هذا النضال لدرجة أنه نبذ الاشتراكية الثورية وتخلى عن نقده للأديان، كل الأديان، وحتى إنه قام بالترويج لإصلاح في تعليم الدين الإسلامي يبرز الجوانب الإنسانية في الإسلام المبكر. لذلك، كان مستعدا لإجراء حوار مع ممثلي أنظمة عربية ولنشر انتقاداته تجاه الأصولية الإسلامية في شتى المنابر تقريبا، بما في ذلك منابر صهيونية مثل “معهد بحوث إعلام الشرق الأوسط” (ميمري).
طوال تلك الفترة، وفي جميع المكالمات، الأحاديث والمراسلات التي دارت بين الأخضر وبيني، لم يأتِ قط على ذكر المقال المنشور هنا بعنوان “حوار مع الثوريين الأمميين الإسرائيليين: المنظمة الاشتراكية الإسرائيلية (ماتسبين)”. نُشر هذا المقال مرتين: الأولى في يناير/كانون الثاني 1972 في مجلة “قضايا معاصرة” التي كانت تصدر في لبنان، والثانية في العدد الأول والوحيد من مجلة “سلطة المجالس” التي حررها مصطفى الخياطي والعفيف الأخضر، وطبعت في يناير/كانون الثاني سنة 1974، في لبنان أيضًا. لم أكن على علم بوجود هذا المقال. كنت على علم بمجلة “سلطة المجالس”، لكنني لم أطلع عليها قط إلا حين وقعت في يدي نسخة نادرة في نهاية يناير/كانون الثاني 2026. هكذا اكتشفت وجود المقال وقرأته للمرة الأولى. وبفحص استيضاحي مع أعضاء “ماتسبين” القدامى، تبين أن أحدا منهم لم يكن على علم بوجود هذا المقال وبمحتواه. الحقيقة هي أن “ماتسبين” لم تستجب آنذاك لنداء الأخضر لفتح باب الحوار ولم تردّ على نقده الودي. وبما أن المنظمة لم تعد قائمة لتصيغ ردا متأخرا، فقد رأيت من المناسب إدراج بعض تعليقاتي الخاصة ضمن هذا المقال.

حوار مع الثوريين الاسرائيليين الامميين :
المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية ( ماتسبين )
بعد صدور كتاب ليلى القاضي : « المنظمة الاشتراكية الإسرائيلية . الماتسبين » عن مركز الابحاث وحوارها ، لم يعد أمام الثوريين العرب الامميين من مبرر لعدم فتح حوار نقدي ثوري ورفاقي مع الثوريين الاسرائيليين الامميين ، بهدف اعداد وصياغة برنامج ثوري مشترك واداة تنظيمية اممية موحدة للتحريض على تقويض المجتمع الصهيوني والمجتمعات الرجعية العربية ، التي استنفذت طاقاتها الخلاقة ولم يبق امامها الا ان تغادر مسرح التاريخ ، وتشيد المجتمع الثوري اللاطبقي الجديد .
بهذا المقال افتح باب هذا الحوار بملاحظات نقدية لفكر ماتسبين الراهن وباقتراح بعض رؤوس الاقلام لبعض الاطروحات الجوهرية التي تشكل في تقديري ، الارضية النظرية العملية لادارة الحوار بيننا وبين رفاقنا الثوريين الاسرائيليين للوصول الى صيغة عملية للممارسة الثورية المشتركة .
تعليق محرر موقع “ماتسبين” : لم يخضع هذا المقال للمناقشة داخل أروقة “ماتسبين” بعد نشره، ويعود ذلك على الأرجح إلى السبب التالي: في عام 1970، قبيل صدور كتاب ليلى القاضي في بيروت، انشقت عن “ماتسبين” مجموعتان اعتبرتا نفسهما ذات توجه “ماركسي لينيني”: إحداهما تروتسكية (من التيار اللامبرتي) والأخرى “ماوية”. أما عند صدور المقال في أواخر عام 1971، كانت “ماتسبين” تمر بصراع داخلي آخر أدى إلى انقسام: من جهة، برزت مجموعة تروتسكية من تيار آخر سعى أعضاؤها لضم “ماتسبين” إلى الأممية الرابعة (التروتسكية)، ومن الجهة الأخرى رفاق ورفيقات سعوا للحفاظ على استقلالية المنظمة وحريتها الفكرية. نقاط عديدة من النقد تجاه “ماتسبين” في هذا المقال تتطرق لمواقف كانت تعبر عنها المجموعة التروتسكية التي انفصلت عن المنظمة في مطلع عام 1972، إلا أن منظمة “ماتسبين” ما بعد الانقسام تبنت قائمة من “المبادئ الأساسية” والتي هي أقرب بكثير إلى مواقف التيار “المجالسي”، كما وصفها كاتب المقال.
ملاحظات نقدية
١
هذه الملاحظات ليس لها البتة هدف سجالي مع الماتسبين ، انما هدفها الجوهري : فتح حوار فعلي من أجل تجاوز نواقصنا – الماتسبين ونحن – ايجابيا للوصول الى صيغة عملية للفعل الثوري المشترك ، الذي هو البرهان الوحيد على مدى استجابتنا الواعية لمتطلبات اللحظة التاريخية الحاضرة والازمة المفتوحة التي ولدتها .
تحقيق هذا الهدف يفترض مسبقا من الثوريين الاسرائيليين والعرب فتح نقاش صريح ، عميق وشامل بحيث لا يترك تساؤلا واحدا ولا عيبا واحدا ولا قضية واحدة في الظل . ومن ثم انهاء عهد الحوار المشهدي امام هواة السيرك من الطلاب الغربيين بين عضو من الماتسبين و « ثوري » عربي لا يتخطى مضمونه احيانا الشجب الروتيني للصهيونية والاستعمار واعلان النيات الطيبة التي يكنها كل من الطرفين لشعب الآخر .
۲
اذن لن اضيع وقتي هنا في اعلان مثل هذه النوايا الطيبة التي تقال غالبا تكتيكا ، اكثر مما تقال قناعة . وانما سأطرح بعض المشكلات النظرية – العملية القائمة لا على النطاق العالمي ولا على مستوى الشرق الاوسط كله ( تركيا ، ایران مثلا ) ، بل فقط على نطاق العالم العربي ، بما فيه اسرائيل . وهذا هو العيب الأول لطرحي . لان النقاش لن يتوج باتفاق صائب او بخلاف واضح ، الا اذا غطى طرحا وتحليلا ، بعديه القاري والاممي . وهذا ما انتظره من الثوريين الاسرائيليين والعرب الذين ادعوهم للاسهام في هذا النقاش جماعيا او فرديا . لان حاجة هذه الملاحظات – وهي حاجة أعيها – الى التعميق ، لا يمكن ان تأتي الا منهم ، هم الذين حسموا كل ارتباط بالاوضاع المتعفنة ونقادها الزائفين ، وصمموا على الارتباط الواعي بالحركة الجماهيرية الفعلية . وحتى لا يبقى هذا الحوار افلاطونيا ، فعلينا في حال اتفاقنا على الجوهري ، ان نختتمه « ببيان ثوري » يحدد مجالات تدخلنا النظري والعملي في الاحداث ، ويفتح أمام الجماهير آفاق نضالها التاريخي للتحرر الكامل من الذين قادوها الى الحروب ويتسلون بقمعها يوميا .
۳
سنبدأ بعرض نقاط الاختلاف مع الماتسبين التي ليست حتى الان الا تجمعا ثوريا ناميا ، يجمعه نقد الصهيونية ، ويكاد يفرقه كل ما عدا ذلك .
تعليق المحرر : هذا ليس دقيقا. أيضا قبل انقسامات عام 1970 كانت النقاط التالية على سبيل المثال مقبولة على كافة أعضاء “ماتسبين”: مناهضة الرأسمالية؛ معارضة جميع أشكال التمييز والاستغلال والقمع، والنضال من أجل مجتمع قائم على المساواة التامة؛ الهستدروت (نقابة العمال العامة) ليست نقابة مهنية بل مؤسسة صهيونية تقوم بتشغيل عشرات آلاف العمال الأجيرين؛ إن حل المشكلات الاجتماعية في إسرائيل وجاراتها يتحقق من خلال ثورة اشتراكية فقط؛ تأييد حق العودة للاجئين الفلسطينيين.
كان ظهور الماتسبين تعبيرا عن الحاجة الموضوعية للفصائل المعادية للصهيونية بوعي لتشكيل قوة ثورية جديدة تعبر عن مصالحها الفعلية وتاريخها المقبل . بيد ان التيارات والتناقضات التي عاشتها وما تزال ، تعبر اساسا عن فجاجة مشروعها الثوري الذي لم يتخلص بعد من اوهام والتباسات المشروع البلشفي ليرتفع الى مستوى المنظور البروليتاري التاريخي : ( ا ) السلطة المطلقة لمجالس العمال والمجالس الشعبية التي تحل العالم القديم ، وتحل امكانية اعادة انتاجه المضيق أو الموسع . (ب) التنظيم المنسجم ، شكلا ومضمونا ونمط تسيير ، مع هذه السلطة المجالسية .
التجاوز الايجابي لتناقضات ، لحدود وقطرية الماتسبين الراهنة ، مشروط بمشاركتها في تشكيل تنظيم عربي مجالسي ، بات ظهوره حاجة تفرضها ضرورات الصراع الطبقي الذي بدأ مع نهاية عبد الناصر يتلمس طريقه الى درجات ارقى من الراديكالية والعنف .
تناقضات وتيارات الماتسبين يقابلها في الجانب العربي التناقضات التي تمزق بعنف جميع التشكيلات العربية التي تنتسب للثورة . والتيارات المختلفة التي تتفاعل في صلب حركة المقاومة والحركة العربية ككل ، وفي صلب قواعد وكوادر كل واحدة من فصائلها .
في الماتسبين ، كما في الحركة العربية ، يدور نقاش ما زال ضبابيا ومرتبكا حول المشروع الصحيح القادر على توفير الشروط الضرورية لقلب الأوضاع السائدة وظهور بديلها .
الاتجاهات الماوية والتروتسكية في الماتسبين أو المنشقة عنها ، يقابلها في الحركة العربية الاتجاهات الستالينية – الماوية والتروتسكية التي ما زالت في مرحلة الانتقاء الكاريكاتوري للشعارات « الثورية » المطروحة في سوق الموضة المشهدي في الغرب الغارق في التأملات الصوفية لمنجزات الثورة الثقافية الصينية ، كما تقدمها الدعاية الرسمية .
الاتجاه المجالسي في الماتسبين ( اكيفا [عقيفا أور] ) يتلاقى مع اتجاهنا المجالسي ( مصطفى الخياطي وأنا ) الذي بدأ يطرح رؤياه على الجماهير القارئة في الوطن العربي . ومن حسن الحظ ، أنه وجد ، على نطاق مشجع ، القراء الذين يبحث عنهم : العمال والعناصر الاوعى من قواعد المقاومة والذين تعاطفوا معها من الشباب العربي في جميع الاقطار .
٤
التباسات واوهام المشروع الثوري الماتسبيني تعبر عن نفسها في عد من المماراسات النظرية – العملية التي ينقصها التماسك ، الذي هو حجر الاساس في التنظيم الثوري :
( ١) التعاون مع راكاح : تقدم الماتسبين [انتقادات للحزب] لكنها تضيف بأنها مع ذلك تتعاون معه ، لانها تجد نفسها واياه في موقف المعارض للصهيونية . كما تنفق معه حول قضايا يومية وتفصيلية : جرائم الاحتلال ضد العرب ، اللعبة البرلمانية ، رغم عدم ايمان الماتسبين بجدواها .
لا تماسك هذا الموقف واضح . اذ ماذا يبقى من جدية اعتبار استراتيجية هذا الحزب مضادة للثورة ، اذا استدركت الماتسبين فورا بأن عليها أن تصوت وتدعو لانتخاب مرشحيه الى الكنيست احتجاجا على السياسة القائمة ؟
مبدئيا : الملاحم الانتخابية ، ليست ساحة لصراع الثوريين مع خصومهم . الا اذا تواضعوا الى درجة القبول بحوار الطرشان البائس أو خطأ المشاركة في التمثيلية العامة التي تنظمها الطبقات السائدة لمزيد تضليل الوعي الشعبي عن اهدافه الحقيقية ووسائل تحقيقها .
وعمليا : مثل هذا الموقف يغذي عند الجماهير الاسرائيلية وهمين خطرين : وهم ان انتخاب مرشحي راكاح الى الكنيست ، يشكل احتجاجا جديا على سياسة المؤسسة الصهيونية ، ووهم ان الكنيست يشكل منبرا جديا لمثل هذا الاحتجاج .
تعليق المحرر : يتجاهل الكاتب الاعتبار الأساسي الذي دفع “ماتسبين” للتعاون النقدي مع جهات أخرى، ليس مع حزب “راكاح” (الحزب الشيوعي الإسرائيلي) فحسب، بل ومع قائمة “هذا العالم – قوة جديدة” في منتصف الستينيات، وتنظيمات قومية يسارية فلسطينية كحركة “الأرض” في الستينيات، أو “أبناء البلد“، وحركة “النهضة”، و”الحركة الوطنية التقدمية” في السبعينيات، وشمل ذلك المشاركة في لجان نشاط ميداني، مثل لجنة التضامن مع جامعة بير زيت واللجنة لمناهضة الحرب في لبنان في الثمانينيات، من منطلق أن دعم نضالات من أجل أهداف مشتركة و/أو المشاركة فيها تتيح فرص التعارف وقد تخلق ثقة متبادلة، مما يمهد الطريق للانفتاح لإجراء حوار حول القضايا الخلافية. حوار كهذا قد يفضي، على الأقل، إلى فهم مواقف “ماتسبين” الحقيقية، حتى وإن لم تكن هناك بالضرورة موافقة عليها.
اي معنى لمعاداة راكاح للصهيونية ، طالما سببها ليس جوهرها المضاد للثورة ، بل سياستها المضادة – في المرحلة الراهنة – للكرملين ، وهدفها ليس الاسهام في مساعدة الجماهير الاسرائيلية والعربية على اكتشاف قوتها الذاتية ، وبرنامجها الصحيح للاطاحة بظالميها ، بل تطبيق قرار مجلس الامن والحرص على تعزيز التعايش الرجعي بين الانظمة القمعية القائمة واستمرار تنافس الدول الكبرى على استغلال ثروات وشعوب المنطقة ؟
تعليق المحرر : لقد ميزت “ماتسبين” بين قيادة “راكاح” وبين أعضاء الحزب العاديين وأنصاره، وحاولت أن توضح لهم هذا النقد تماما.
من هنا غرابة اقدام مجموعة ثورية مهمتها الأولى ابلاغ الجماهير الاسرائيلية ان الحل الحقيقي للنزاع ، هو ابعد من كل الحلول الزائفة المعروضة ، وابعد من طاقة وارادة كل القوى السياسية القائمة ، على الانخراط في « وحدة عمل » ولو جزئية ، مع احدى هذه القوى ، راكاح ، الذي حول الماركسية الى ثرثرة لا تؤذي البورجوازية ، وتحول من حزب مزعوم للطبقة العاملة الى حزب حقيقي للبيروقراطية الدولية .
(۲) النضال من أجل الانسحاب : اشتراك الماتسبين في مظاهرة الاحتجاج ضد منع الحكومة غولدمان من تلبية الدعوة التي وجهها له عبد الناصر لمقابلته في القاهرة ، وكذلك اشتراكها في نضال راكاح في سبيل انسحاب جيش الاحتلال من الاراضي المحتلة هو ، في تقديرنا ، اختيار غير واع من الماتسبين للاشتراك في مسلسل الضغوط لتطبيق قرار مجلس الأمن1 . صياغة سؤال ليلى [ليلى قاضي] في حوارها مع ماحوفر ( العدد الثاني من « شؤون فلسطينية » ) ، في هذا الصدد ، كانت نقدية وصائبة ، وجواب الرفيق ماحوفر لم يكن مقنعا .
بدلا من التورط في مواقف ملتبسة ، مثل المطالبة باجلاء جيش الاحتلال عن الاراضي المحتلة في ٦٧ ، فان الثوريين الاسرائيليين في تقديرنا ، يستطيعون انطلاقا من واقعة الاحتلال المفروض على السكان العرب ان يعروا حقيقة ذلك الاحتلال المفروض على البروليتاريا الى فضيحة يومية يشعر بوطأة عارها المعنيون كل يوم اكثر . وهكذا – وفي الوقت نفسه – يكشفون امام الوعي الشعبي جدلية ارتباطهما الوثيق . وفي المنظور نفسه يستطيع الثوريون العرب انطلاقا من قمع حسين والانظمة العربية الأخرى لجماهير المقاومة الفلسطينية ، أن يبرهنوا للجماهير العربية على أن دولة إسرائيل ودولة حسين وكل السادة الآخرين يد واحدة ضد الجماهير : حسين يشنق الفدائيين ودايان يهدد بـ « سجن كل عامل اسرائيلي مضرب » . ومئير ، تكذيبا لكذبتها الهرمة ، تقول للعمال الاسرائيليين المضربين : « خطر القضاء على دولة اسرائيل لن ياتي الا من الداخل » ، أي منكم .
وهكذا تساعد الجماهير على اكتشاف حقيقة انها هنا وهناك مواضيع محتقرة لاستبداد السلطات القائمة . وان سلاحها الضارب امام وحدة اعدائها ، هي وحدتها الثورية ضدهم2.
(۳) الموقف من النقابات : معارضة الهستدروت البيروقراطية تدعو الماتسبين الى « هستدروت » ديموقراطية . هذا الاختيار يخطيء بالمنظر حقيقة دور الاجهزة النقابية في تحطيم وحدة البروليتاريا وتضليل وعيها لا فقط في البلدان الصناعية ( البورجوازية والبيروقراطية ) ، بل أيضا في البلدان المتخلفة. فهي اليوم اداة لدمج الطبقة العاملة بالنظام السائد والحيلولة دون تعمیم نضالها ( اضرابات قطاعية محدودة جغرافيا وزمنيا ) وقمع لامكانات شمولية وعيها بالحرص الدائم على سجنه في مطالب تحسين شروط العمل المأجور بدلا من الغاء العمل المأجور نفسه .
البرنامج النقابي لماتسبين ( ۱۲ نقطة ) محاولة فاشلة عمليا ، وخاطئة نظريا ، لتقديم جهاز نقابي أقل سوءا من الهستدروت ، لا يختلف عنها في نوعية الاغتراب ، بل في درجته ، مثلا نقابات يستطيع فيها عمال اسرائیل ان يناضلوا بشكل أفضل من اجل تحسين تسعيرة الأجور . انه كما تقول الماتسبين برنامج مرحلي ، وهذا يعني انها تؤمن بفرضية التقدم التدريجي نحو الهدف النهائي ، في حين اثبتت التجربة التاريخية خاصة في المجتمعات الصناعية – أن البرامج الانتقالية ، لم تكن الا تقدما سريعا نحو حل الوعي الطبقي وتأخر مهولا عن المنظور البروليتاري .
تعليق المحرر : في مبدأ ۱٠ من مبادئنا الأساسية كتبنا : “ان النضال من أجل الدفاع عن مستوى معيشة العمال وظروف عملهم وتحسينها هو جزء لا يتجزأ من النضال في سبيل الاشتراكية . وكوسيلة ضرورية في هذا النضال فان متسبين تعمل على انشاء نقابات مهنية مستقلة ومناضلة للعمال المأجورين . هذه النقابات – خلافا “للهستدروت” التي تخضع مصالح الطبقة العاملة لمصالح الدولة الصهيونية – يجب ان تكون قيادتها بيد الممثلين المباشرين للعاملين الذين يتم انتخابهم في اماكن العمل وليس بواسطة بيروقراطيين محترفين” .
التأكيد على رفض المشاركة مع المؤسسات البيروقراطية القائمة على تضليل الوعي وعلى رفض تقديم بديل لها من طينتها ، ليس رفضا تعصبيا للانخراط في أي عمل تكتيكي بل بالعكس ، مثلا يستطيع التنظيم الثوري أو أحد فروعه أن يقدم برنامجا تشهيريا ، يعرف سلفا ان ميزان القوى لا يسمح بتحقيقه … وليست له ، اذن ، اية اوهام بخصوص تحقيقه . وانما يهدف منه الى فضح تضليل البرامج الأخرى المعروضة امام الجماهير المعنية ودفعها لاكتشاف غربة أحزاب «ها» عنها والى ضرورة نضالها لحساب نفسها وبوسائل من صنعها هي . اذن يستطيع التنظيم الثوري ان يشارك مع تنظيم آخر يتوفر فيه الحد الأدنى للتنويم الثوري في عمل تكتيكي ، شرط ان تخدم اعماله التكتيكية الهدف النهائي ، أي أن تسهم في بلورة وايقاظ الوعي النقدي .
(٤) موقف الماتسبين من شكل المجتمع الثوري القادم : بدون تحديد الملامح الجوهرية لمجتمع الغد الثوري في الشرق الأوسط والمغرب العربي ، يظل الالتباس والبلبلة سائدتين فيما يخص شكل ، مضمون ونمط تسيير التنظيم الثوري الذي هو نموذجه المصغر ومركز نقد ونفي المجتمع الرجعي الجاثم .
ترى الماتسبين ان حل النزاع الصهيوني الامبريالي العربي يتحقق بتحقيق « الجمهورية العربية الاشتراكية الشرق اوسطية » ( لماذا استبعد المغرب العربي ؟ ) .
عندما يدور الحديث حول « الجمهورية الاشتراكية » ، نجد انفسنا في « الليل حيث كل البقرات سوداء » ( هيجل ) . هل هي نسخة من « اتحاد الجمهوريات الاشتراكية » الروسية ، من « الجمهورية الاشتراكية التشيكوسلوفاكية » ، من « جمهورية الصين الشعبية » الخ ؟
تاريخيا، هذه الجمهوريات « الاشتراكية » ما ان ثبتت اقدامها امام معسكر خصومها التقليديين ، حتى انقلبت ، كقطة جائعة ، لتأكل خيرة بنيها وما ولدوا وتنتظر الجنين .
فهل « الجمهورية الاشتراكية الشرق أوسطية » التي تدعو الماتسبين الجماهير الاسرائيلية والعربية للنضال من أجلها هي صورة محسنة أو دقبدلا من هذه الجمهوريات « الاشتراكية » ؟
لا شيء على الاقل في تحليلات الماتسبين ينفي انها ليست كذلك ! وعبارات مثل « الصين الاشتراكية » و « كوبا الاشتراكية » تدل بوضوح على انها لا تختلف ، نوعيا ، عن شقيقاتها .
تعليق المحرر : هذا النقد أيضا موجه إلى “ماتسبين” في الفترة التي سبقت الانقسامات. ففي أعقاب انقسام عام 1972 تبنت “ماتسبين” قائمة من المبادئ الأساسية، حيث ورد في أحدها (المبدأ رقم ٤) ما يلي: “اندلعت في روسيا عام ١٩١٧ ثورة عمالية , لكن السلطة لم تبق في أيدي مجالس العمال والفلاحين والجنود , وانما استأثرت بها شريحة بيروقراطية ركزت في قبضتها السيطرة الفعلية على الانتاج الاجتماعي وعلى المجتمع بأسره . وحسب النهج الذي اقامته البيروقراطية , لا يوجد انتاج سلع عام وليست هنالك ملكية فردية لوسائل الانتاج الرئيسية , لكن جماهير العاملين مستغلة ومضطهدة, بحكم كونها مسلوبة أية سيطرة على عملها ووسائله وثماره , وعلى العملية الاجتماعية بأسرها . لقد قامت أنظمة بيروقراطية مماثلة في أعقاب الحرب العالمية الثانية في عدد من البلدان الأخرى … ان نظام القمع البيروقراطي يشكل هو ايضا عدوا للثورة الاشتراكية , ويعتبر نضال العاملين الثوري في هذه البلدان ضد البيروقراطية المتحكمة جزءا من عملية الثورة الاشتراكية العالمية” .
٥
من المعروف الان الى درجة الابتذال ان السلطة في هذه الجمهوريات « الاشتراكية » هي سلطة طبقية بيروقراطية موزعة ، ككل سلطة طبقية ، الى مراتب دنيا وعليا . وككل سلطة مراتبية قوامها الخضوع والسمع : خضوع العمال والشعب للرؤساء والاجهزة البيروقراطية الكلية الجبروت ، لانها تحتكر وحدها سلطة التقرير التي هي تاريخيا وعمليا سلطة غير قابلة للقسمة ، لانها اما ان تكون كلها بيد المنتجين عبر مجالسهم الثورية ، واما ان تكون من احتكار أجهزة الدولة البيروقراطية ولا شيء غير ذلك .
فهل المطلوب اذن « جمهورية اشتراكية شرق أوسطية » لها جيشها ، بوليسها وبيروقراطيتها الحمراء ؟
لن ينتفي ، في هذه الجمهورية الاضطهاد القومي ، لان الاضطهاد الطبقي ( الارضية الخصبة لكل اضطهاد ) سيبقى قائما كما هو الان قائم في الجمهوريات « الاشتراكية » . وقائع نصف قرن من الثورات البيروقراطية الحمراء شاهد اثبات غير قابل للطعن على ان وجود الدولة ووجود الرق الطبقي والقومي امران متلازمان .
اذن ، لقطع الطريق على اعادة التاج الماضي ولدفع المشروع الثوري الجديد الى أقصى منطقه وجوهره ، فان على الثوريين ( عربا وإسرائيليين ) أن يتخلصوا من استعباد الكلمات ، من التنازل لمتطلبات الوعي الراهن – حتى ولو كان وعي الجماهير صاحبة المصلحة في الثورة – ومن توثين ماضي الحركة نفسها التي رغم – بل لاننا – تتبنى روح مشروعها الثوري المضاد لكلية العالم القديم ، فاننا نرفض كليا هذا المشروع في لحظة تحققه التي كانت في الوقت نفسه لحظة استرداده من العالم القديم : اننا كثوريين نتعرف على انفسنا في ثورة ١٩١٧ : « كل السلطة للسوفيات » . لكننا لا نستطيع ان نتعرف على انفسنا ولا عليها هي نفسها في « اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية » . لانها ما ان تحققت ، حتى نصب لها التخلف الشامل للواقع الموضوعي ، تسانده الايديولوجيا البلشفية المخلفة للوعي ، كمينا مضادا دمرها من الباب الى المحراب .
انطلاقا من هذا المفهوم التاريخي ، نرفض ان يكون منظري او دعاة الجمهورية « الاشتراكية » اياها ، لاننا نرفض عودة الاوضاع القديمة تحت اسماء واغطية ايديولوجية جديدة .
« جمهوريتنا » الاشتراكية ، أما أن تكون اسما ومسمى : « اتحاد المجالس الشيوعية العربية » بمعنى ان اغلبية سكانها يتكلمون العربية ، ويتكلم الباقي العبرية ، الكردية ، الارمنية ، السريانية والبربرية الخ ، او لا تكون . هذا الاتحاد المجالسي ، لا مكان فيه للبوليس ، للجيش المحترف والسلطات البيروقراطية المنفصلة عن ارادة الجماهير الحرة التي تقرر يوميا بحرية مصيرها في المجالس العمالية والشعبية باعتبارها السلطة الوحيدة المباشرة والمطلقة .
تعليق المحرر : في المبدئين ٨ – ٩ من مبادئنا الاساسية كتبنا : “… ليست مهمة المنظمة الاشتراكية الثورية الاستيلاء على السلطة والقبض على زمامها , وانما المساعدة بكل امكانياتها للاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها في ايدي مجالس منتخبة من قبل جماهير الشعب . ان استيلاء مجالس كهذه على السلطة يشكل سمة مميزة وخطوة حاسمة للثورة الاشتراكية . المجالس هي شكل من التنظيم الذاتي للجماهير , وتكون مهمة المجالس داخل الخلايا الانتاجية ادارة مراحل الانتاج في كل مشروع من خلال خضوعها للتخطيط المركزي الذي تقرره الجماهير عن طريق مجالسها . في البداية يكون من مهام المجالس تنظيم الدفاع الجماهيري في وجه محاولات أعداء الثورة من بقايا الطبقات ذات الامتيازات . ان سلطة المجالس بحكم طبيعتها لا يمكن ان تكون حكم اقلية ضد اكثرية , وانما تشكل نمطا للمشاركة الديمقراطية الواسعة للجماهير في ادارة العملية الاجتماعية بأسرها . تنتخب المجالس على درجاتها المختلفة (من المصنع الواحد , المنطقة وغيرها – الى المجلس القطري العام) بشكل ديمقراطي . ولا يتمتع الممثلون الذين يؤلفون المجالس بأية امتيازات , وتفويض اي ممثل قابل للالغاء في اي وقت من قبل منتخبيه” .
الى اتحاد المجالس العربية تنضم بحرية كاملة فدراليات المجالس العمالية والشعبية الاسرائيلية – الفلسطينية ، الكردية الخ على قاعدة الديموقراطية المباشرة وتساوي الارادات المتحررة . ولا بد ان تتحرر في سعير البروتسيس الثوري الطويل الذي افضى الى النصر – من سموم العالم القديم القومية ، الدينية والطائفية .
من مندوبي المجالس المنتخبين مباشرة من الجمعيات العامة العمالية ، القروية والشعبية في كل قطر والقابلين للعزل في كل لحظة تتشكل اتحادية ( فيديراسيون ) المجلس السوري ، العراقي ، الفلسطيني ، المصري ، الكردي ، الجزائري الخ . ومن مندوبين عن اتحادية كل قطر يتشكل اتحاد المجالس الشيوعية العربية .
المجلس العراقي سيتكون بالطبع من اتحادية المجالس العمالية والشعبية العربية والكردية ، والمجلس المغربي من اتحادية الجماهير العربية والبربرية ، والمجلس الفلسطيني من المنتخبين الاسرائيليين والفلسطينيين .
سلطة المجالس العمالية والشعبية ، اما ان تكون فدرالية أو لا تكون لأنها تموت في العزلة الجغرافية أو في التقوقع القومي ، التي هي تجاوز ايجابي لهما .
لكن ، تكنيكيا ، من أجل انضاج الوعي الراهن للجماهير العربية والاسرائيلية الملوث بشوفينية الطبقات والأحزاب القائمة في المنطقة فاننا نقبل التكتيك اللينيني – بصدد تقرير المصير – الذي اشار اليه ماحوفر في حواره مع ليلى : الثوريون العرب ( الفروع العربية للتنظيم المجالسي ) يقترحون على الجماهير العربية قبول امكانية عدم الانضمام الفوري للمجلس الاتحادي العربي من الاتحادية الفلسطينية ( الاسرائيلية العربية ) أو من الاتحادية التي تضم الجماهير الاسرائيلية .
الهدف من هذا الاقتراح ، هو التأكيد على الطابع الطوعي للانضمام للاتحاد . وأيضا لبناء الثقة المفقودة بين الجماهير العربية والاسرائيلية بفعل الاستعمار الصهيوني وردود فعل قومية عربية جريحة وعاجزة .
٦
اما الثوريون الاسرائيليون ( الفرع الاسرائيلي للتنظيم ) فيشددون بالعكس منا على الضرورة الحيوية التاريخية لاندماج الجماهير الاسرائيلية ، عبر مجالسها ، باتحاد المجالس الشيوعية العربية ، لان بقاءها منفصلة عنه اختيار غير تاريخي ومستحيل عمليا .
في الوضع الراهن الحد الأدنى لمتطلبات نشاطنا الثوري هو الحد الأعلى . لان طبيعة التناقضات الفعلية المتراكمة والمزمنة ، لا تقبل حلا وسطا ، اي حلا مرحليا . ومن هنا ، لا نفهم ونرفض قول الماتسبين بصدد نقد المابام بان « نزع صهيونية اسرائيل هو الحد الأدنى لايجاد مخرج للنزاع » . فمثل هذا الشعار الفارغ جدير بستاليني ليبرالي من نوع رودونسون . فاسرائيل ، في نظر الثوري الجدلي ، لن تكف عن كونها صهيونية بالغاء قانون العودة مثلا . وهو « الحد الادنى » لنزع صهيونيتها ، كما يفهم رودنسون . بل بتحطيم التجسد الدولوي للصهيونية في فلسطين . أي بتحطيم الدولة وادوات قمعها البوليسي والايديولوجي .
لنترك الحديث عن الحد الأدنى للتعايش بين دولة اسرائيل والدول العربية للمفاوضات القادمة بين ايبان وزملائه العرب الذين سيبحثون وسيجدون صيغة ما تسمح بها موازيين القوى المحلية + مختلف الضغوط الدولية لتطبيق قرار مجلس الأمن على مراحل . اما نحن الثوريين ( عربا واسرائيليين ) ، فلنأخذ على عاتقنا مهمة فضح هذه الصفقة : صفقة تلاقي السلطات الصهيونية والعربية في « الحدود الآمنة » « المعترف بها » و « المفتوحة لمرور رجال الاعمال والبضائع » من وراء ظهر الجماهير وعلى حسابها . ولنضطلع بمهمة الاعداد النظري والاستعداد العملي لتفجير التناقضات الفعلية وحلها لمصلحة سلطة المجالس .
امام تلاقي السلطات السائدة في « الحدود الآمنة » فليتلاق الثوريون العرب والاسرائيليون في مشروع نفي جميع الحدود ليندمج كل الذين انتصروا مرة والى الابد على رجال الاعمال ، على البضاعة ، واستردوا اعتبارهم امام التاريخ في سلطة المجالس .
٧
مكان تلاقينا الآن هو التنظيم الثوري المجالسي العربي الاسرائيلي لكي ندعم نقد الاحداث للطبقات والاحزاب القائمة بنقدنا القادر على توفير الشروط الذاتية الضرورية لظهور النقد الحاسم : نقد الجماهير المسلحة بالوعي والبنادق .
نواة هذا التنظيم الموحد لن يكون الا تعبيرا عن ارادتنا الموحدة التي ترفض ان تتعايش مع جميع اشكال الحياة اليومية الميتة والمميتة واشكال قمع القرون الوسطى المفروضة علينا وتجد تحققها ولذتها في النضال من أجل المجتمع الثوري المجالسي ، الخرج التاريخي الوحيد للأزمة المفتوحة . كما ان مخرجنا الراهن لتجاوز أنفسنا كمحرضين ثوريين معزولين او متشرذمين وتنمية وصقل امكاناتنا النظرية – العملية لتشكيل فرقة أممية منظرة ، مهمتها الراهنة المشاركة الجماعية الخلاقة في اعداد النظرية الثورية النقدية والممارسة الواعية لنشرها بين الجماهير . وهدفها تجاوز النظرية في الممارسة الجماهيرية وتجاوز شرطها ، كفرقة منظرة ، في التنظيم الثوري الواعي الذي ليست له أهداف منفصلة عن أهداف الجماهير التي يرفض ان ينصب نفسه وصيا عليها لا قبل ولا بعد الثورة ، ويفضح من الان جميع اوصياتها الفعليين والمحتملين .
تشكيل هذه النواة ليس قرارا سهلا بل بروتسيس واع ، يتم الانخراط فيه بالشروع في نقد معمق وصائب لنواقص الاشكال التنظيمية الأممية كما تحققت تاريخيا . ونقد الفساد النظري والعملي للأحزاب الستالينية وشبه الستالينية التي عاشت – وعاشت دهرها – في العالم العربي بما فيه اسرائيل .
٨
اذا كان المجالسيون العرب لم يحددوا بعد جماعيا مجال تدخلهم ونقاط استخدام نقدهم ، فان الماتسبين ، على نحو غير مكتمل وقطري ، حددت مجال تدخلها راهنا بالشباب الاسرائيلي وعرب الاحتلال وهدف استخدام نقدها بالصهيونية .
تحليل الماتسبين لامكانات تشكل البروليتاريا الاسرائيلية في طبقة لذاتها هو مشروع تحليل قابل للنقاش ، دعما ودحضا . وان كان يبدو للوهلة الأولى – القول جيدا للوهلة الاولى – أن رائحة ما مركوزية تفوح منه . ولكن من الواضح أن الماتسبين لم تعرض بعد على البروليتاريا الاسرائيلية المشوهة الوعي منظورا بروليتاريا مجالسيا جديدا تتعرف فيه على نفسها وتتعرف به على وعيها وعلى الامكانات الفعلية لتحققه بنفسها ولحساب نفسها .
بالتأكيد، تحليل الماتسبين لواقع البروليتاريا الاسرائيلية وأسباب اغترابها قوميا تحليل واقعي ، لكنه غير مكتمل : اذا كان صدود البروليتاريا الاسرائيلية عن الايديولوجيات الاشتراكية ( ستالينية ، تروتسكية – لينينية او منوعات وسطية هجينة ) يمكن تفسيره ، بالاضافة لخصوصية تشكل البروليتاريا الاسرائيلية ، بالاسباب نفسها التي تدفع البروليتاريا الاميركية والعالمية لازدراء البضاعة الاشتراكية المعروضة نفسها في الواجهات نفسها ، غياب المنظور المجالسي الذي تمتلكه البروليتاريا في الحلم ، وحسبها ان تعيه ، لكي تمتلكه في المواقع .
الاضرابات العمالية ( ايلول ۷۱ ) في اسرائيل ( مئير ) والفاشية ( دايان ) احدثت صدعا في القلعة الصهيونية يستطيع الفعل الثوري ان ينفذ منه ، ليضيف مزيدا من الصدوع . كما تشير بأن القلعة ليست حصينة بالقدر المفترض . لكن ما هو صائب جدا في تحليل ماتسبين ونقع عليه بالاصابع العشر فهو تأكيده بأن الثورة داخل اسرائيل مرتبطة جدليا بميلاد ، نمو وانتصار الثورة العربية الجديدة . وهو ارتباط جدلي متفاعل في هذا أيضا : الثورة العربية تستطيع ، بين شروط عالمية أخرى ، ان تكون مجالسية أكثر قابلية للحياة باشراك العمال الاسرائيليين فيها . هم الذين يمتلكون المهارة التكنولوجية ، التي تنقصنا عربيا . ومشكلة التنمية في العالم المعربي – في منظور الثورة الجديدة – لن تكون عدم كفاية رأس المال الضروري ، بل غياب الكفاءة الضرورية في التطبيقات التكنولوجية لاستثمار وتسيير ثرواتنا الطبيعية الهائلة .
٩
بدون تحديد الاستراتيجية الثورية التي تغطي كل الشرق الأوسط + الجناح المغربي للعالم العربي ، أي بدون تقديم منظور شامل لحل المشاكل المركزية التي تطرحها الحقبة التاريخية ، لا يمكن مشروعنا الثوري ان يكون صائبا .
وسيلتنا لاعداد أشكال التدخل الثوري وأهدافه وتحديد نقاط نقدنا لكل ما هو قائم هي : (۱) فتح حوار جماعي علني ، ينطلق من المشكلات الحقيقية للممارسة الثورية . ( ب ) ضبط الموضوعات الأساسية لحوارنا الرفاقي . ( ج ) تنويج حوارنا بـ « بيان ثوري » يكون صباغة لمشروع برنامج يحدد العناصر الحاسمة في النزاع الناشب ، ويشير الى امكانات التدخل الجماهيري للتأثير فيها والى مكاننا ووزننا نحن الثوريين الاسرائيليين والعرب في هذا التدخل الممكن والمأمول والذي هو مبرر نشاطنا النظري – العملي .
من البديهي ان هذا البرنامج لن يولد مكتملا وانما هو بماهيته مشروع بصدد الاكتمال ، نضعه على ذمة الجماهير لامتحانه في مساق الصراع الطبقي الفعلي ونثريه باستمرار بتدخلها الواعي الذي نشارك فيه ونقترح عليه في كل مرة أشكالا أكثر شمولا ووعيا وفاعلية .
۱۰
نقترح كموضوعات لهذا الحوار الجماعي النقاط التالية :
– تحليل نقدي لأنظمة المنطقة والقوى الامبريالية ( البورجوازية والبيروقراطية ) المرتبطة بها .
– المستقبل ونمط التنمية الاقتصادية في منظور ثوري .
– القوى الاجتماعية الثورية ، الوضع وحجم ووعي البروليتاريا في العالم العربي وامكاناتها الثورية ، ووسائل تسريع وعيها وتنظيمها والاشكال المحتملة لتدخلها ( الاضراب مع احتلال المعامل وتسييرها ذاتيا ، الانتفاضة الجماهيرية ، حرب عصابات المدن وحرب الانصار … ) .
– الحقبة الثورية الجديدة التي دشنتها الانتفاضة البروليتارية في العالم الصناعي والكفاح المسلح الفلسطيني في العالم العربي . ثم التحركات الشعبية والبروليتارية اخيرا في بعض الاقطار العربية ( حلوان ) وفي اسرائيل .
– ازمة التنظيمات الصهيونية ، القومية العربية والستالينية العتيقة والجديدة ( الماوية ) وبديلها الثوري .
– التنظيم الثوري المجالسي : شكله ، مضمونه ، نظريته ووسائل تبليغها للجماهير ، نمط تسييره ، اشكال تحريضه النظري – العملي ، تكتيكاته المناسبة ، أولوية ممارساته ، اشكال التوسط الممكنة بين النظرية والممارسة في الصراعات اليومية .
– تاريخ الحركة الثورية الاممية كما تحققت تاريخيا ، وكما هي حاليا ، وتاريخ الجماهير العربية الثوري الذي هال عليه أعداؤها التراب ( القرامطة ، ثورة الزنج ، الحشاشون ۰۰۰ ) لربطها بماضيها الثوري الملهم الرافض للدولة ، لمالها ولكهنوتها .
– نقد الحياة اليومية السائدة في مجتمعاتنا في اشكالها الملموسة : استعباد المرأة المزدوج ، قمع الشباب بتحاريم العصور الخوالي معززة بالاغترابات المستوردة من نمط الحياة اليومية الغربية . ودور الاذاعة ( خاصة تأثير الكلمة المسموعة في المجتمع العربي الذي هو وسيلة تواصله الاساسية شفوية ) ، الصحافة ، السينما ، والفن في المحافظة على اشكال القمع السائدة .
– تخلف قوى الانتاج في الاقطار العربية والمتخلف الموازي الكمي والنوعي للبروليتاريا والتأثير السلبي المباشر والكثيف للايديولوجيا الدينية على وعي الجماهير صاحبة الفعلية في الثورة وكيفية تأثير الذاتي ( الوعي والتنظيم ) المتطور على الموضوعي المتخلف .
– اعادة كتابة « الدولة والثورة » و « نقد برنامج جوته » ، وطرح امكانات الثورة البيروقراطية الحمراء في المنطقة وموقف الثوريين المجالسيين منها .
– كيف نروج اللحظات الثورية التي تناضل فيها البروليتاريا والجماهير الشعبية لحساب نفسها وباستقلال عن كل ما عداها . وكيفية تعميم ، توحيد ، تجذير النضالات الجماهيرية العفوية ، التي غالبا ما تندلع في العزلة وتنطفىء في القمع او التهديد باستعماله . وكيف نجعل منها في كل مرة فرصة لايقاظ النقد العملي الواعي لدى الجماهير العربية والاسرائيلية لا فقط بالتحريض النظري ، بل بتحريض عملي يحرر خيالها . أي كيف نؤثر فيها دون ان تكون أوصياءها ، ونكسب تعاطفها ودعمها دون أن نكون زعماءها .
۱۱
سيظل التنظيم المقترح في منطقتنا ناقصا ما لم يجد بعده الاممي ، وذلك بارتباطه – في الاستقلال – باي تنظيم أممي حقا يولد في العالم . والحقبة الراهنة ، أي ضرورات الصراع الطبقي الذي استعاد نفسه ونفسه ، تقتضي ظهوره . ومن هنا ، ضرورة ان يكون تنظيمنا خطوة على طريق تشكيل تنظيم مجالسي أممي يستعيد اثمن ما في ماضي البروليتاريا الثورية من تقاليد تنظيمية أممية ، ويساعد راهنا على تنسيق وتعميم الممارسة الثورية لمحاربة كل مظاهر العالم القديم واشكال الحياة الميتة والاطاحة بجميع الطبقات السائدة ، بورجوازيا ، بيروقراطيا ، وعسكريا ، بونابارتيا ، وبناء المجتمع المثولي القائم على سلطة المجالس والذي يصبح فيه الانسان الفرد انسانا .
البداية من هنا ، هي الحد الأدنى للتخلص من البدايات الزائفة ، التي تنتهي دائما بنهايات كوميدية – تراجيدية . كما انها مبادرة لفتح اطلاق النار على اشياء عالمنا القديم التي حولت الفرد الى مومياء متحركة وحولت الجماهير الى قطعان من العبيد ، غير المواعين بعبوديتهم … ودفعها الى ماوية نهايتها الحاسمة .
العفيف الاخضر
كتب في اكتوبر ۱۹۷۱ ونشر في « القضايا المعاصرة » يناير ۱۹۷۲ .
تعليق المحرر : لم تقم منظمة مشتركة، غير أن بيانا مشتركا للمنظمتين “ماتسبين” و”سلطة المجالس” قد كُتب في خضم حرب أكتوبر 1973 تحت عنوان : ضد الأوهام القومية من أجل البديل الأممي ، وفي يونيو/حزيران 1975 أسست ليلى القاضي وعضو “ماتسبين” إيلي لوبل مجلة “خمسين“، نشرة دورية للاشتراكيين الثوريين العرب والإسرائيليين والتي أصبحت لاحقا منبرا للاشتراكيين الثوريين من إيران وتركيا أيضا. أجريت مقابلة (باللغة الفرنسية) مع صاحب الدعوة للحوار مع “ماتسبين”، العفيف الأخضر والذي جمعته صداقة شخصية بإيلي لوبل، في العدد الرابع من مجلة “خمسين”، ثم تم لاحقا ترجمة مقالين هامين له ونشرهما في المجلة بالانجليزية. وفي مايو/أيار 1976 التقى في باريس اشتراكيون ثوريون من دول عربية ومن إسرائيل، من بينهم العفيف الأخضر وإيلي لوبل، وقد صاغوا “نداءً إلى العمال والشباب الثوريين العرب والإسرائيليين” تحت عنوان : “لا للحرب، نعم للثورة البروليتارية“.
[العودة الى صفحة المحتويات]
- لكن هذه المعادلة – « الحق المشروع » ، يمكن أن تتحقق بفضل حل تفرضه الدول الكبرى على دول المنطقة ، وتفرضه هذه الاخيرة بدورها على الجماهير في مشروع الدولة الفلسطينية الهزيلة التي تفبرك على هامش ، وتحت حماية الدولة الاسرائيلية القوية . لكن أي ظل لـ « حق الشعب الفلسطيني المشروع » عندما تتكرم اسرائيل بتسليمه من رحمة بوليسها لرحمة بوليس الدولة « الفلسطينية » الموعودة في غزة والضفة الغربية + أو الضفة الشرقية … ويظل محروما من حقه في العودة إلى بياراته في يافا والخليل الا – في ارحم الاحوال – بجواز وتأشيرة تمنح لغير « المشبوهين » … ويبقى وطنه الاصيل مغتصبا من دولة صهيوينية محاربة ، مهمتها الأولى حراسة المصالح الامبريالية في المنطقة والحفاظ على الانظمة الرجعية بقوة الحراب ؟! ↩
- باستثناء مشروعنا ، مصطفى الخياطي وانا ، انظر خاصة : « بعد المذبحة ما العمل » و « من كومونة باريس الى مجازر عمان » و « مناقشات حول التنظيم الثوري العربي » ( دراسات ) … ↩