العفيف الأخضر مع ﺇهود عين-جيل, فرنسا, شباط 2006

باريس 18/8/1983

عزيزي ﺇهود

تحياتي الحارة

اعتذر عن عدم الرد الفوري على رسالتك التي وصلتني منذ حوالي عشرة شهور. ثلاثة أسباب أساسية حالت دون الرد: طبيعتي الكسلي؛ فأنا أشعر كان بيني وبين القلم عداوة. ولا ألجأ اليه الا تحت الحاح الضرورة: لأكل الخبز أو للمشاركة في ملحمة الصراع الطبقي على أمل الاسهام في وضع حد لها؛ اضف لذلك اني اضطررت خلال الشهور الماضية للسفر لتونس مرتين. وهي بلد تافه ومضجر ولا يساعد على أي نشاط. اما السبب الأخير والحاسم في الواقع فهو العمل, هذا الشكل الملطّف من اكل لحوم البشر. Travail, باللاتينية, اسم للآلة تعذيب, وشغل, في العربية, مشقة وشقاء وما أشتق منهما, وعمل, في العبرية, "عبودية". لقد استعبدني عمل مأجور مرهق لمدة 8 شهور متتالية. لم اتخلص منه الا في اواخر ايار وأنا الان في عطالة اختيارية حتى العام القادم.

الآن أورد تعليقا قصيرا على مضمون رسالتك:

طبعا المواطن الاسرائيلي العادي, كأي مواطن في الدول البورجوازية الديموقراطية, يخضع يوميا لتضليل (mystification) اعلامي هائل, لعملية غسل دماغ مستمرة تقوم بها وسائط التضليل الاعلامي. فهو من ليكود الى راكاح لا تعرض عليه الّا المشاكل الزائفة واختيارات مضَلّلَة. وهو, بالتالي, عاجز عن التفكير بنفسه في ما يجري امام عينيه. ولا يسعه الّاَ تبنّي هذه أو تلك من البدائل (alternatives) الكاذبة المطروحة عليه. فأي غرابة اذن ان يكون موقفه من الحرب متطابقا مع موقف دولته التي دجّنت وعيه؟ العمال اما ان يكونوا ثوريين أو لا يكونوا. وكل حكم عليهم في وضع غير ثوري لا معنى له. فهم دائما وفي كل مكان كانوا وقودا غبيا للحروب البورجوازية. وفي فترات الهدنة؛ بين حربين, هم الحمار الذلول والذليل الذي تركبه البورجوازية لقاء كمية متواضعة ‒ خاصة في لحظات اشتداد الأزمة الدائمة ‒ من العلف. ما يميز الطبقة العاملة عن غيرها هي انها ثورية بالقوة. أي انها عندما تعي مصالحها, كطبقة, تمسك بين اصابعها مصير الانسانية تتحرك لتضع نهاية لعالم العمل المأجور, على السلطة المنفصلة, عالم السلعة والحروب والحدود والأمم. وهي لن تصل لهذا الوعي الّا عبر تجذير وتعميم صراعها الطبقي لا عبر الوعظ الثورجي. لا اعتقد ان بإمكان عمال اسرائيل, طالما الوضع الراهن على حاله, ان يصلوا الى هذه الدرجة من الوعي, أي ان يتخلصوا من تضليل يمين ويسار البورجوازية لهم, الّا اذا سبقهم العمال في العالم العربي الى الإطاحة بالبورجوازيات الحاكمة التي تقدم أفضل الذرائع للبورجوازية الاسرائيلية لكي تجعل خيار الحرب دائما أكثر مصداقية من خيار الثورة عند عمال اسرائيل. اما اليوم فهي تقول لهم في غير عناء كبير: "العدو امامكم والبحر ورائكم فاختاروا أي الميتتين" كما قال طارق لجنوده.

رغم نجاح البورجوازية في جعل خيار الحرب أكثر مصداقية من خيار الثورة, فان بعض عمال اسرائيل المجندين ‒ يبدو من رسالتك انك ترى جنود "تسهال" ككيان لا علاقة له بالبروليتاريا الاسرائيلية التي قبلت دفع ضريبة الحرب دون احتجاج! ‒ قاموا ببعض الممارسات الثورية, الانهزامية (défaitisme) الثورية تحديدا الجديدة في تاريخ المنطقة. والتي كانت الشرارة الأولى لثورة 1917 والثورة الألمانية.

هذه الظاهرة, رغم محدوديتها النسبية, في منتهى الأهمية. وحبذا لو أن تحريض الثوريين في اسرائيل ينصب عليها هي بدلا من الشعارات السلامية (pacifists) والانسانية التجريدية. الجيش الاسرائيلي هو يد البورجوازية الضاربة واذا استطاع الثوريون, بتحريضهم المتماسك (coherente), من داخلها ومن خارجها شلها, كلما همت الدولة بعدوان على الشعوب المجاورة خاصة اذا ما انتفضت على حكامها, فان تاريخ المنطقة عندئذ سيأخذ انعطافة جديدة. المناخ السياسي ‒ النفسي ملائم الآن لمثل هذا التحريض. فغزو لبنان والمذابح التي أعقبته زعزع قناعات المجتمع الاسرائيلي الراسخة بضرورة الحرب, كوسيلة وحيدة للحفاظ على بقائه. وهي مناسبة ثمينة لإيقاظ وعي عمال اسرائيل ‒ لا ضمير المواطن الاسرائيلي ‒ فما يهمنا أولا وأخيرا هو يقظة الوعي لا يقظة الضمير . وحركة السلام الآن , هي , بعنصرها السائد , يقظة ضمير معذّب (malheureuse), ممزّق بين القناعات الانسانية المجردة والممارسات الوحشية السافرة للدولة .

تنمية الانهزامية الثورية داخل عمال اسرائيل , خاصة المجندين منهم , وتوسيع نطاقها تحريض ثوري في منتهى الأهمية. لأن الأزمة العالمية تتعمق كل عام أكثر. وهي تأخذ في العالم الثالث ابعادا مأساوية , أوبئة ومجاعات مزمنة (34 مليون هلكوا جوعا عام 1982 ونصف مليار انسان مصابون بأمراض سوء التغدية) وستساعد بالتالي على ظهور أوضاع اجتماعية متفجرة. مثلا, ثلث سكان مصر جياع. أي لا يحصلون على السعيرات (caloris) الضرورية لمجرد البقاء. من الوارد ان تردّ الجماهير الجائعة على مجوّعيها بانتفاضات تعلن بها الحرب على الطبقات الحاكمة. بالطبع لن تتردد هذه الأخيرة في الإستنجاد بقوة الإنتشار السريع الأمريكية وبدولة اسرائيل لإخماد الإنتفاضات المتوقعة.

لا تقلق كثيرا عن استحالة قيام دولة فلسطينية "بسبب تصلب جميع أحزاب اسرائيل". اعتقد انه لا بد ان يأتي يوم ‒ بعد بضعة شهور أو بضعة سنين ‒ لكي يتحاور بورجوازيون اسرائيليون مع بورجوازيون فلسطينيين من أجل "هدنة" ما بين اخر حرب وقعت أو ستقع والحرب القادمة, من أجل تكوين كيان فلسطيني مستقل عن اسرائيل وتابع أو غير تابع للأردن ... خاصة بعد تحجيم أو ربما اسقاط عرفات الذي تكفلت به سورية وسقوط أو موت مناحم بيجن الذي تكفلت به الشيخوخة والأمراض. ما يهم عمال فلسطين ليس استقلال بورجوازيتهم عن البورجوازية الاسرائيلية بقدر ما يهمهم انهاء الاستغلال. والدويلة الفلسطينية الموعودة لن تكون سوى نقطة انطلاق لاستغلال مكثف (sur-exploitation) وقمع معمّم ينصب على رؤوس العمال قبل غيرهم. تماما كما حدث بعد جميع الاستقلالات التي "نالتها" رفاقهم في العالم العربي والعالم الثالث. فالبورجوازية اليوم طبقة منحطة في كل مكان. لم تعد قادرة على تطوير القوى المنتجة بل باتت هي العقبة الوحيدة التي تعيق تطوير هذه القوى : 34 مليون يموتون جوعا سنويا, 82 مليون يموتون بأمراض سوء التغذية, ملياران مصابان بالأمراض المعوية المزمنة, مليار أمي ... في العالم الثالث. 13% من سكان العالم الصناعي يموتون بأمراض التخمة, 50% مصابون بالانهيار العصبي, الانتحار يأخذ أكثر فأكثر شكل الكوارث الاجتماعية و31 مليون عاطل عن العمل...

الاقتصاد البورجوازي العالمي غدا في كل مكان اقتصاد حرب وتبذير: 66% من الموارد الطبيعية والبشرية مكرسة للحرب : مليون و300 ألف قنبلة نووية مخزّنة, 90 مليون انسان مجندون على نحو دائم. 102 مليون قتيل خلال 69 عاما : 20 مليون في الحرب العالمية الأولى, 50 في الثانية و32 مليون هلكوا في ال132 حرب محلية التي نشبت من 1946 الى 1981. و600 مليار دولار تنفق سنويا على شراء الأسلحة بينما الانسانية مهددة بالمجاعات الكارثية!

اسقاط البورجوازية في كل مكان هو اليوم ضرورية حيوية: لمجرد البقاء على قيد الحياة. وكل تحالف مع أية بورجوازية أو فصيل من فصائلها ‒ الأحزاب الشيوعية ‒ في أي مكان من العالم هو حماقة وخيانة طبقية. في شروط عصرنا الراهن, حيث انتصرت البورجوازية في كل مكان على الاقطاع والتشكيلات الما‒قبل رأسمالية ((pre-capitalisies, لم يعد للتحرر القومي أي معنى. التحرر الوحيد الممكن هو التحرر الاجتماعي. وكل نضال لا يصب في هذا الهدف هو محاولة مغتربة لتصريف العدوانية والاحباط المكبوتين ليس الا. فلن يتحرر الفلسطيني ما دام العامل الاسرائيلي نفسه عبدا.

بخصوص مقالك عن انقلاب يونيو 78 في اليمن الجنوبي. أوافقك على ان سالم ربيع كان أكثر يسارية من عبد الفتاح. لكن لا تنسى ان هذه الظاهرة ليست جديدة على تاريخ السلطة البورجوازية. وقد حللها انجلز في مقدمته للصراعات الطبقية في فرنسا: كل سلطة بورجوازية صاعدة قوامها اتجاهان: راديكالي ومحافظ. لكن الاتجاه المحافظ هو الذي يتغلب دائما على الاتجاه اليساري. لأن منطق المؤسسة المحافظ بماهيته يساعد الاتجاه الرجعي على الانتصار. والاتجاه اليساري نفسه يظل حبيس طبيعته الطبقية العميقة أي انه يحتفظ بحدود الصراع داخل المؤسسة ولا ينزل به الى شارع الجماهير الكادحة. عرفت سالم ربيع شخصيا. وقد وجدته متأثرا جدا برومانطقية تشي غيفارا و"الثورة" الثقافية الصينية كما ان نمط الحياة القبلية شبه الفوضوية أثر فيه أيضا. لكنه كان في وضع تاريخي ميؤوس منه. فليس بامكان دولة صغيرة في عصرنا الا ان تنضوي تحت لواء احدى الامبرياليتين الأساسيتين: الأمريكية او السوفيتية. وكلما احتدت الأزمة وتوضح أكثر اتجاه البورجوازية الى بديل الحرب لحلها كان هذا الانضواء لأحد المعسكرين المتنافسين أكثر وضوحا. ففرنسا مثلا التي طالما تشدقت بالاستقلالية عادت اليوم أو كادت الى المظلة الأمريكية. واسرائيل بيجين, التي تتشدق هي الأخرى بانها ليست "جمهورية من جمهوريات أمريكا الجنوبية" ليست, عندما يجد الجد سوى دويلة تدور في الفلك الأمريكي. الدولة الصغيرة ليست اليوم مستقلة الا عن الجماهير التي تتحكم فيها. ولكنها تابعة بدرجة أو بأخرى لإحدى الدولتين الأعظم التي تحكم عالمنا المأزوم. أضم صوتي لصوتك لإدانة الرقابة السياسية, التي مارستها "خمسين" عليك. وكان عليها نشر مقالك والرد عليه اذا شاءت. خاصة وانها نشرت في عدد 8 وفي صدرها مقالا طويلا وهزيلا لصادق العظم. لماذا تتساهل أسرة "خمسين" مع العظم وتتشدد معك؟! ليس في نيتي ان أكتب عن زيارتي لليمن الجنوبي... لأنه من الأفضل ان ندع الموتى يدفنون موتاهم. لكني احضر كتابا اكثر جدية عن عصر الانحطاط الراهن والموقف من المسألة القومية.

مع أخلص سلامي ومودتي

العفيف الأخضر