لماذا أصدرنا مجلتنا في باريس ؟

بكل بساطة لانه من رابع المستحيلات اصدارها في أي عاصمة من عواصم وطن«نا» العربي الكئيب ، حيث سلطة الدولة مطلقة وفكرها مطلق ووظيفة الصحف والمجلات الأساسية هي تعريف المرعايا بنشاط الدولة وطقوس عبادتها ، حيث الصحف والمجلات هي صحف ومجلات الدولة ، وحيث « حرية الكلمة » هي أكثر الكلمات خروجا على القانون واثارة للهلع – ما يفزع فيها هو انها قد تعني استقلال نشاط الفرد عن تقاليد المجموع واستقلال نشاط الشعب عن نشاط الدولة . وقد تعني أن يكون كل شيء مباحا ، في متناول اليد واللسان. واذا سادت الاباحية مات الله والسلطان ، ماتت السلعة وحارسها أي ماتت الدولة العربية التي سيطرت منذ ظهورها في يثرب على كل مظاهر نشاط المجتمع ونفت بالسيف والقطع كل نشاط لم تتعرف فيه على نفسها. وكان الشيخ دائما هناك لمباركة الجلاد. ولهذا كان الاسلام والدولة دائما حليفين متلازمين في حرب مقدسة ضد المعارضة والاعتراض وحتى ضد مجرد السؤال. سلاحهما في هذه الحرب هو السوط والكمامة ، اللذين بدونهما لا تستطيع الدولة الباغية أن تحافظ على بقائها المهدد من شعب خائف وجائع ، ولا أن تخمد صوت الصراع الطبقي ولا ان تحمي امتياز السلالات والطبقات .

استعباد شعب يتطلب ضرورة تفتيته . وضرورة تفتيته تتطلب الابعاد الكلي لحرية الكلمة وبالتالي لحرية الفعل .

تاريخيا استمدت الدولة العربية سلطتها المطلقة من امتلاكها لوسائل الانتاج المادي والفكري ، ومن هذا عدم تسامحها مع أي قوة سياسية ليست قوتها هي ولا مع أي فكر ليس فكرها هي بأن يعبرا عن نفسيهما نظريا أو عمليا . فكل نشاط نظري او عملي مستقل عن أجهزتها ليس الا جريمة واستحالة في وقت واحد . لهذا كانت العلاقة المثلى بين الدولة العربية الإسلامية ورعاياها هي علاقة السيد المطاع بالعبد المطيع ، وكانت « المطاعة رأس الفضائل » ( حديث ) .

الله في الاسلام هو تجريد للحاكم الشرقي الذي لا يسأل عما يفعل وعباده يسألون حتى عما لا يفعلون . وكل ارادة تعارض ارادته ترتكب المعصية بلغة القاموس الديني والعصيان بلغة القاموس الدنيوي . وعقابها الفعلي هو ان تسحق بسيف السلطان وعقابها الخرافي هو ان تحرق في نار جهنم . لهذا كان شعار الجلاد بعد اقامة المحد أو قطع الرأس : « هذا عقاب الدنيا والعقاب الآخرة أشد » .

الحاكم العربي هو اللاهوت وقد تجسد ، بعد تجريده ، ناسوتا باغيا .

لقد كسرت الدول المستبدة اقلامنا في أوطان«نا». لكننا لن ننقش صخرا ، بل اننا حولنا اقلامنا الى سيوف الشق رؤوس ظالمينا في جميع الاقطار بموجب قانون القصاص التاريخي ليس المظلوم بل الظالم هو الذي يصنع سلاح هذا القصاص ، فحكامنا الذين حرمونا حرمانا مطلقا من حق التعبير ، وان بنبرة ناعمة ، في اطار قوانينهم ، مكنونا بنفس الضربة من ان نسترد ، خارج حدود دولهم ، حريتنا المطلقة في اعلان الحرب الشاملة عليهم بلهجة لم يألفوا خشونتها قط !

صدورنا في باريس ، كما صدرت قبلنا « العروة الوثقى » وصحيفة أخرى مصرية معادية للاستبداد ، شهادة على عار دول الاستبداد العربي التي كانت دائما وما تزال تكتب قوانينها بحد السيف أكثر مما تكتبها بحد القلم ، وكان كتاب عدلها وما زالوا من البوليس أكثر مما هم من الحقوقيين ، وكانت وما تزال تفضل ، لاختامها ، الدم على الشمع …

بلادكم يصوم الزب فيها    وتخصى في دياركم الفحول
اذا ما قام ايري في دجاها   تحير هل سينكح ام يبول

خارجي اباحي

 
معمر القذافي ، صوت البترول

تخييم الظلام على عقيدة العروبة والاسلام في عهد القذافي وما يتبعه من المرتزقين بالاقلام

من أي النواحي اتيت القذافي تحده لا يمثل الا التقهقر والانحطاط . فقد نشأ في اشد المجتمعات العربية تخلفا وجاء انقلابه بعدما اصبحت البيروقراطية العسكرية العربية طبقة مضادة للثورة فكرا وممارسة ، فأصبح عفويا جزءا منها . وقد تضافر على صعوده القذافي صدقتان موضوعيتان : وجود البترول في ليبيا وموت عبد الناصر فجاة ، ولولاهما البقي هذا الاعرابي الغفل كمية مهملة وزعيما مغبورا لانقلاب مغمور اخر . وما كان لصوت القذافي المنكر أن يتجاوز حدود عشيرته الليبية لولا الصوت الذي يسمعه كل الناس وتفهمه كل الدول ، صوت البترول والبترول هنا يعني سيارات الدولارات التي تسيل لعاب جيش كامل من أهل الطمع ، من رؤساء الدول الى الحشرات المرتزقة بأقلامها التي تملأ مكاتب الصحف ودور النشر .

مات عبد الناصر ، رب العسكرية العربية الاعلى الذي علمها السحر ، ولم يخلف وراءه الا الاقزام ، فتصدى اسواهم لتحمل أعباء التركة الناصرية . واذا كانت الستالينية تمثل انحطاط البلشفية الى الحضيض ، فان القذافية تمثل سقوط الناصرية إلى الدرك الادني . بعد ١٩٦٧ أصبح عبد الناصر كاريكاتورا للزعيم الذي كان من قبل ، وجاء القذافي فصار كاريكاتورا لهذا الكاريكاتور . ظلا بائسا للدكتاتور العسكري وقد تحول هو نفسه الى ظل .

في عهد عبد الناصر كانت القومية العربية مصرية ، أي ممثلة لأرقى ما وصل اليه العالم العربي ماديا وفكريا ، أما في عهد القذافي قانها أضحت ليبية ، أي جامعة للتخلف المادي و«الفكري» ، من أطرافه . كانت تمثل طموحا عقلانيا للحاق بالتقدم الرأسمالي . وارتدت عصبية عنصرية دينية قارة الى الماضي السلفي . تحررت القومية العربية من التعصب الاسلامي عندما ثارت ضد الاتراك المسلمين . ولم يعد الاسلام الا احدى مقوماتها . أما القذافي فانه اراد أن يجعل منها وسيلة لتحقيق حكم الاسلام ، والقضاء على جميع مظاهر التقدم التي احدثتها التغييرات الاقتصادية الاجتماعية في العالم العربي . واذا كان الموقف من المرأة معيارا لا يخطىء المعرفة مدى ثورية أي عربي نستطيع أن نقول ، وبدون أي تردد ، ان القذافي هو أشد الحكام العرب رجعية . اذ انه يريد العودة بالمرأة العربية الى «الحريم» ، الى المطبخ والولادة وحفظ القرآن . وقد وصل التهور بالقذافي الى حد مطالبة المثقفات المصريات بالتسليم بتفوق الرجال عليهن بينما يشكل وجود القذافي نفسه امامهن تكذيبا ملموسا لهذا الادعاء الاخرق بل تجسيدا صارخا للعكس تماما !

حتى الملكية السنوسية ، التي نشأت من حركة دينية سلفية ، كانت تعتنق القوانين الوضعية العصرية ، أما القذافي فانه جاء لاعادة « سنة الله ورسوله » ، سنة قطع يد السارق ، وجلد السكارى ورجم الزاني والزانية . وقد بدأت العدالة القذافية بتطبيق هذا الشرع البربري على من ؟ على عاملين تونسيين لتسربهما خلسة عبر الحدود الليبية ولاقترافهما جريمة السرقة ويشكل هذا الحادث البسيط جدا تكذيبا لثلاثة من أهم الادعاءات القذافية : الوحدة العربية ، الاسلام والاشتراكية . فالقدافي الذي لا ينفك ينعق داعيا للوحدة ، لا يتورع في اطلاق يد قضاته على الذين يطبقون عليا مبدأ الوحدة بتجاهلهم للحدود المصطنعة ، ولا يترك امامهم سوى هذا الخيار النحس : ان يموتوا جوعا في تونس أو تقطع أيديهم في ليبيا . ولكن القذافي صمم على تحقيق الوحدة العربية على الورق ، وقد وقع حتى الآن الوحدة مع ثلاث دول على الأقل ( مصر ، سوريا ، تونس ) ولا نشك في أن بتروله سيجذب حكاما آخرين يضحكون عليه بتوقيع صكوك وحدوية جديدة . اما جهله للاسلام فهو اقماته الحدود على الفقراء المحتاجين بينما عطلها عمر بن الخطاب . والأفضل الا نتحدث عن الاشتراكية بصدد القذافي .

يحمل القذافي عن حق على الحكومات العربية التي تدعي الديمقراطية بينما البوليس هو الذي يحكم فيها الجماهير . ونقول أن ثورة القذافي «الثقافية» ولجانه «الشعبية» أعفته من هذا الادعاء اذ حول عبرها جزءا من الشعب إلى بوليس على الجزء الثاني ، يكم فاه ، يسجنه ويطرده من العمارات ( لانه اعرّب ! ) . وقد اتاحت لجان القذافي الفرصة لجميع الذين في نفوسهم مرض الممارسة ارهابهم الهستيري على المواطنين ، ولاحياء أبشع التقاليد الفاشستية : حرق الكتب ، الاعتداء التعسفي على الناس وأهانتهم يوميا .

ومع هذا يجد القذافي من يحاوره عن اعلام «الفكر» في فرنسا ، والفضل في هذا يعود الى البترول الذي صعدت رائحته الى خياشيم أولئك المثقفين الذين لاقوه في ندوة باريس ، فكان المضحك في هذا اللقاء ليس القذافي الذي هو طفل بالقياس الى هؤلاء العلماء الفطاحل ، ولكن الذين جاؤوا يناقشونه «افكاره» بكل جد . جاك بارك ( الموظف الاستعماري السابق والاختصاصي بوزارة الخارجية الحالي ) يبارك خطوات القذافي ويصري انجازاته .  روجيه جارودي ( الستاليني السيئ التوبة والأخ المسلم المتحمس ) يذكر القذافي بالتراث الاشتراكي في الثقافة العربية ، مثبتا جهله بهذه الثقافة وبالاشتراكية في نفس الوقت . ومكسيم رودنسون الشيخ الخرف يكتشف أن معمر القذافي ماركسي غير واع للماركسيته ويحاول اقناعه بذلك ، مؤكدا – في خريف العمر –جهله لفكر ماركس والاسلام في آن .

والقذافي الذي يجد «مفكرين» غربيين يجادلونه ، يجد في خدمته جيشا عرمرما من المرتزقة العرب ، صحافيين ، «كتاب» و«مفكرين» نكتفي منهم بالبصاق على وجه الأعور الغير امين صاحب «بيروت المساء» ومطواع الصفدي صاحب «الموسوعة الناصرية» .

يبقى ان القذافي يلعب دورا محددا في المنطقة العربية ، كالملح الذي ليس منه بد لاتمام الطبخة المضادة للثورة العربية : يحتاجه جناح من البيروقراطية العسكرية ليشوش به على الجناح الآخر الذي يحتاج الى أمواله ، تحتاجه الامبريالية الغربية كفزاعة تحمي مصالحها من «الخطر الشيوعي» ، تحتاجه الامبريالية الروسية كمثل سلبي لما يجب الا يكون عليه اصدقاؤها وتحتاجه الرجعية العربية الاسلامية كمدافع «ثوري» عن «ثورية الاسلام» التي يمثل حكمها في جوهره الحقيقي . كل هذا خلق للقذافي ابراقا لا تحصى ، فملأ دنيا العرب بحمرناته ودنيا الغرب ببتروله ودولاراته .

والان انظروا الى القذافي فلن تروا سوى شيخ عبد الناصر المهزوم ، على راسه عمامة الأزهر وهو غارق الى الاتقان في بركة بترول .

 
من لا يعمل لا يأكل

«مكافحة الكسل» في الأمم التي تسودها البيروقراطية

وقل اعملوا …
كل المهن ترعيني
مهنة المعلم ومهنة العمال
كلهم فلاحون انذال
سيان عندي يد الكاتب
ويد الحراث
تعسا له من عصر يعج اباديا
لن تكون لي ابدا يد

رامنبو ؟

هناك داء غريب يتملك الطبقة العاملة في الأمم التي تسودها البيروقراطية ، هو داء الكسل ، داء الشغف المتناهي بالكسل . والمكافحة هذا «الداء العضال» جندت البيروقراطية منظريها واختصاصييها من الاقتصاديين إلى رجال الجيش والنقابات ، الذين رفعوا العمل إلى مستوى الواجب المقدس ، وهكذا نرى اليوم كوبا ، البلد الاشتراكي المزعوم ، تسن قانونا رسميا ملاحقة كل شخص منهم بالكسل . صدر هذا القانون سنة ١٩٦٩ ودخل حالا حيز التنفيذ . وينص قانون «مكافحة الكسل» على : « أن العمل واجب اجتماعي » وعليه يعاقب بالسجن مع الاشغال الشاقة لمدة اقصاها عامان كل من «لا يشتغل أو من يتغيب باستمرار عن عمله» .

وكما لا يخفى فان كل قانون من هذا النوع يقع تطبيقه تتبعه حملة قمعية قاسية تتم طبعا باسم المصلحة العليا للدولة في فردوس كوبا الاشتراكية . لذلك حالما شرع في تطبيق هذا القانون تقدم أكثر من مائة ألف شخص طالبين عملا للهروب من الملاحقات البوليسية ورغما عن ذلك فان أكثر من خمسين الف شخص ، حسب تصريح الوزير الكوبي للشغل جورج ريسكي ، وقعت احالتهم على المحاكم من بينهم ۲۲۸۰۰ بتهمة ترك العمل بدون مبرر والبقية لكونهم لا يشتغلون على الاطلاق .

ويقوم رجال النقابات بدورهم كاملا في مساعدة السادة «الاشتراكيين» مساندة فعالة في هذه المهمة . فقد شاركت النقابات بطلب من نائب وزير الشغل في حملة ملاحقة «الهاربين من العمل» ، كما طلب نفس المسؤول من «لجان الدفاع عن الثورة» التحقق من أنه لم يبق في آية مدينة وفي أي حي وفي أي شقة مواطن واحد بمنأى عن هذا القانون .

ان الحماس يتملك اليوم كل شرطي وكل عسكري وكل بيروقراطي لمطاردة أولئك الذين يرفضون العمل والانخراط في القطيع الذي تسوقه البيروقراطية الكاستروية ، أي كل الذين يرفضون بؤس الثورة المزعومة في كوبا .

واذا انتقلنا الى «جنة بيروقراطية» أخرى ونعني بها الفيتنام «الاشتراكي الديمقراطي» وجدنا نفس الأساليب القمعية التعسفية تطبق ضد «العمال الفاسدين والكسلاء» .

فقد ورد بجريدة «نان دان» الفيتنامية بتاريخ ۲۱ ابريل ۱۹۷۳ : « أن المساواة بين العمال مبدأ فاسد . ان وضع العمال الرديتين والكسلاء والعمال المخلصين على نفس المستوى يشكل مظلمة ويخالف المبادىء الاشتراكية » . وتختم الصحيفة مقالها بهذه العبارة التي لا شك انها نالت اعجاب ستاخانوف في قبره : « يجب علينا أن نطبق سياسة رشيدة تقضي بتشجيع العمال ذوي الانتاج العالي » .

الاخلاص في العمل وتقديسه ! الزيادة في الانتاج ! لم تزل هذه المفاهيم تطن في الاذان عبر القرون وفي كل الانظمة الاقتصادية والسياسية ، ليبرالية وبيروقراطية . فمن روتشيلد الى ستالين ومن شيخ جامع الأزهر الى ماو تسي تونغ ، لم يفتا دين العمل بلسما للقلوب وراحة للنفوس ودواء سحريا ضد الفاقة والبؤس وحارسا للنظام والاخلاق . لكن الواقع العجيب هو أن الذين يمجدون العمل هم دائما من الذين لا يعملون ابدا ويعيشون من عمل غيرهم .

لكن أي عامل ، أي أجير ، لم يشعر خلال الثمان ساعات – بل التسع والعشر – التي يقضيها يوميا في عمله بأن بؤس حياته يزداد كل يوم بقدر الخيرات التي ينتجها هو ويتمتع بها غيره ؟

ان الكسل ، سواء حدث رغم انف وزير الشغل الكوبي ، أو تحت بصر رئيس الورشة في أحد معامل لينينغراد أو من وراء ظهر الناظر بحلوان ، هو دائما تعبير عن رفض الاستغلال والاغتراب ، رفض العمل القسري الذي يقوم به الانسان لا لشيء الا لتحصيل القوت الذي يسمح له بتجديد قوة عمله أي ليبقى طول «حياته» في خدمة الأسياد المالكين . وهو لذلك يدخل من ناحية الوعي في باب «اضعف الإيمان» الثوري ، كتعبير عضوي ومباشر عن رفض المجتمع الطبقي الذي يستغله ويميته ، ومن ناحية الواقع المادي اسهام لا بأس به في تخريب الاقتصاد الرأسمالي القائم على الطبقية والاستغلال .

اننا لسنا ضد تطوير الاقتصاد الكوبي المتخلف ولا ضد اعادة «بناء الاقتصاد» الفيتنامي الذي حطمته الحرب الامبريالية القذرة ، ولكن ضد تسخير الطبقة العاملة لخدمة السادة البيروقراطيين باسم «قيم عليا» غريبة عنها ومصالح ليست مصالحها . ان العمال لا يعترفون الا بنظام واحد هو النظام الذي يقيمونه هم ويسيرونه هم من الفه الى يائه ، وكل ما عدا ذلك انما هو خرافات مضللة لزيادة فائض القيمة . وكل نظام قائم على العمل المأجور لا يمكن أن يكون الا معادي للطبقة العاملة مهما كان لونه ومهما كانت الأهداف التي يتبجح بها هذا النظام .

 

نحن و « الرغبة الاباحية »

صدر بباريس العدد الأول من «الرغبة الاباحية» ، مجلة « السرياليين العرب » .

وسرعان ما تلقفتها بعض الصحف والمجلات اللبنانية بالنقد والتجريح ، لا كما هي ، كمساهمة متواضعة في نقد المستنقع العربي ( الدين ، الاخلاق ، الجنس ، السياسة ، الثقافة ) بل كموضة ادبية جديدة ، قادمة من أوروبا وجديرة بلفت انتباه القارىء «العادي» . وكان لا بد – وقد عرف البعض منا بتمثيل كل ما هو متطرف ووقع – ان تنسب هذه النشرية الينا . بل ذهب البعض الى أن اسمي مصدريها ( عبد القادر الجنابي ومحمد عوض ) اسمان مستعاران تتستر وراءهما بعض «الجهات المشبوهة» .

عبد القادر الجنابي

ولا يفوتنا اذن أن نعلن موقفنا بكل وضوح : فنقول اننا نرحب بكل ما يساهم في هدم صرح الاوضاع القائمة في «الأوطان» العربية . و«الرغبة الاباحية» هي دون شك احدى تلك المساهمات التي نحبذها وندعو اليها ، كما أننا نعتز بكل مظاهر التطرف الفكري والعملي التي يمكن أن تنسب الينا . الا ان لنا موقفا محددا من السريالية يتلخص في الملاحظات التالية : كانت السريالية ، وريثة الدادائية ، اخر حركة فنية ثورية عرفتها أوروبا ، أعلنت نهاية الفن كفن منفصل عن الحياة اليومية وضرورة تحقيقه في الحياة ، أي ضرورة قيام ثورة شاملة تحرر المجتمع والفرد ، ليصبح كل الناس فنانين في حياتهم اليومية ، ليصبحوا كلها «شعراء» على حد تعبير الوتريمون Lautréamont . وقد ساهمت الحركة السريالية ، والدادائية من قبلها ، بشعرها ورسمها وادبها ، في هدم القيم المتعفنة التي يعيش بها المجتمع البورجوازي ، فحقرت الاخلاق ، سخرت من الثقافة السائدة ، بالت على الدين ، ونقدت السياسة . ولكن المشروع السريالي لم يكن ليتحقق الا بقيام ثورة بروليتارية حقيقية وبدونها يبقى ناقص وبالتالي قابلا للاحتواء . وبالفعل فان غياب الثورة البروليتارية في الغرب وهزيمتها في الشرق ترك الحركة السريالية التي كانت السياسة نقطة ضعفها الأساسية ، فريسة لجميع أنواع الاحتواء السياسي والفني والسلعي ، فدخل جل أعضائها الى «الاحزاب الستالينية» ، ورأوا في ورم الثورة المضادة شحم الثورة . فأصبح البعض شعراء رسميين للحزب ( اراغون وابلوار ) وبقي الآخرون متذبذبين بين الفن والتروتسكية ( بروتون ، بيري الخ ) بينما انتحر القبيل والتحقت بالفاشية قلة أخرى .

وهكذا تحولت السريالية الى ضد ما قامت من أجله ، تماما كالأحزاب العمالية في السياسة . ماتت اذن السريالية كحركة متمردة ونقدية ولا تمثل بقاياها اليوم الا نماذج منحطة من الادب والرسم لان عبقرية الجيل الأول أصبحت اجترارا بائسا عند خلفائهم ، بينما أصبحت اثار السريالية سلعة رائجة ورابحة في سوق الثقافة القمعية القائمة . قليلة هي المعارض ، الصالونات والاسواق ( سبرماركت ) التي لا تزخرف جدرانها بلوحات سريالية . ولهذا فان أي تيار سريالي جديد لا يبدأ أولا ينقد الحركة السريالية وتاريخها لا يمكن أن يحظى الا باحتقارنا وشتائمنا .

لكننا نعتقد أن المنطلقات السريالية الأولى ( نقد الحياة اليومية المغتربة ، نقد التصعيد الثقافي للصبوات الفردية ، نقد الاخلاق ، شتم الدين ، التمرد على جميع القيم والحماقات السائدة ، التحريض بتحرير الجنس والجسد ، بتحقيق الحب ، باعطاء السلطة للخيال ، بنقد العقل باعتباره مستودع قيم حضارات الرق : مبدأ الالم ، ضرورة قمع الغرائز … تنشيط اللاوعي باعتباره مستودع الوعود المغدورة والاحلام المحيطة ) التي تتجاوز الفن كفن منفصل ، ما زالت راهنة في المجتمع العربي ، شرط أن تكون ممارستها واعية لأهدافها ولروح عصرها .

ان اعتناق شعار السريالية سلاح ذو حدين ، الأول لصالح «الرغبة الاباحية» كانتماء الى «حركة هدامة» والثاني عليها ، كعودة الى حركة منتهية وفاشلة ثوريا . وتغليب السلاح الأول هو عين ما ننتظره من أصحاب «الرغبة الاباحية» .

وفي الختام لا يسعنا الا ان نقول بوقاحة سريالية ، خرانا على «الحوادث» أجيرة الشاهنشاه وعلى جميع الذين يتهمون «الرغبة الاباحية» بالعمالة أو الجبن أو خدمة جهات مشبوهة.

 

لماذا قاطعنا «دراسات عربية» ؟

كتب تيارنا ، لفترة زمنية ، في مجلة «دراسات عربية» ، عندما كان رئيس تحريرها البريد أي عندما كانت تنشر كل أو جل ما يصل اليها بعثه وسمينه . لكن مزيتها الوحيدة انها كانت منبرا حرا لجميع التيارات التي تنتسب للثورة العربية من أشدها اصلاحية الى اشدها راديكالية . ولم يكن يطلب منها ، في عالم عربي غبي ومستبد يستبعد يوليسيا تعدد الآراء ويغلق باحكام باب الاجتهاد ، أكثر من ذلك . غير انها منذ ان تطربشت برقيب محترف الاستبداد عنصره والتفاهة جوهره تحولت من منبر الى بوق مبحوح للمزبلة القومجية التي كنستها الحركة الثورية العربية منذ سقوط الناصرية فمي ١٩٦٧ ، مبشرة بكل ما هو مغبر وصدئ من الخرافات القومجية التي لا فقط لم يعد يصدقها القارئ الجدي بل لم يعد يتكلف حتى عناء قراءتها مثل ادعاءاتها ان الصراع القومي لا الطبقي هو الذي يصلح للعرب في الفترة الراهنة ، وان الاشتراكية وسيلة لتحقيق أهداف القومية العربية ، وان شعار البيان الشيوعي الصائب : « العمال لا وطن لهم » شعار فج الى آخر الغباوات القومجية التي تبشر بها وسائل اعلام الأنظمة الرجعية اناء الليل واطراف النهار .

بما اننا أعداء الداء لجميع الأبواق ولجميع منوعات الاستبداد التي تستبعد بماهيتها تعدد الآراء وصراع التيارات بكل حرية فقد قاطعنا هذا البوق المبحوح قراءة وكتابة ولا نشك في أن القراء والكتاب النابهين قد فعلوا من تلقاء انفسهم ، مثلنا . وليس امام دراسات بعثية ، وقد تخلى عنها تراقها وكتابها يوم كانت منبرا لا بوقا ، الا ان تصبح علنا بوقا لنظام معين تأكل من عيشه وتضرب بسيفه او ان تموت غير مأسوف عليها . وعلى نفسها جنت براقش .

 

«الهدف» تتابع هدفها

نشرت «الهدف» لسان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (ج. ش. ت. ف.) والتي لا هدف لها سوى نشر كل الكذب على الجماهير ،  مقالا بعنوان « العفيف الاخضر يعقد اجتماعا في قبرص مع اليهود » ( كانت «اذاعة العدو» أقل كذبا من «الهدف» اذ قالت مع «اليهود الماركسيين» ) . والذي اثار ثأرية «الهدف» هو الخط الثالث ، بين خط الدولة الفلسطينية ( أخيرا – آه كم حبل الكذب قصير ! – انضمت ج. ش. ت. ف. الى هذا الخط ) وخط الكفاح المسلح حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني . وهذا الخط الثالث هو خط الصراع الطبقي الذي تعاديه «الهدف» لأسباب لا تخفى على أحد .

والعفيف الأخضر لم يخف يوما أنه من أشد دعاة اللقاء بين الثوريين العرب والثوريين الاسرائيليين ( وهذا ما دعا اليه مرة أخرى في مقال نشرته مجلة «قضايا معاصرة» بعد أن رفضته جميع المجلات «التقدمية» ، تحت عنوان : «حوار مع الثوريين الإسرائيليين الأمميين» ) . لكن غاظ المشرفين على «الهدف» المتمركسين المتلينينين ، الستالينيين الشرقيين ، بكلمة القوميين العرب ، أن ترفع الشعارات الثورية الأممية حقا تكذيبا لجميع ادعاءاتهم الثورجية . ان ما تسميه «الهدف» ، ومن هم وراء «الهدف» ، بالخط الثالث ليس في الحقيقة الا خط الصراع الطبقي اللاقومي ، الكفيل وحده بحل القضية الفلسطينية – الاسرائيلية حلا ثوريا نهائيا يحرر العرب واليهود في آن من جميع انواع القهر التي يعانونها . ومحررو «الهدف» الذين تربوا بثورة الشاورما ( دم . حديد . نار ) دون شك غير قادرين على فهم منطق الثورة الأممية ، ودعاة الثورة الأممية لا يعبئون بكذبهم الحقير .

 

«الى الامام» القذافو – تروتسكية

نسيب نمر اسم عريق في العمالة للأشياء «التقدمية» . فبعد أن خدم مطولا الستالينية الروسية ، تحول الى ربيبتها الصينية وأخيرا وظف قلمه في خدمة الجناح الأكثر خوفا من الشيوعية في البعث السوري . ثم جاء انشقاق الجبهة الشعبية – القيادة العامة ، تباعهم جريدته مستمرا في خدمة الانظمة العسكرية العربية التي لا يستنكف العلف في أي من مذوادها .

ولم نكن لتخصص سطرا واحدا لصحيفته الصفراء لولا انتفاخ الهر – النمر ليحاكي صولة المنظر . فلم يكن سوى كليب يلغ مع من يلغ في دماء عمال كرونشطاط في رده على مقال العفيف الاخضر ( كومونة كرونشطاط ، «دراسات عربية» ، آذار ۱۹۷۳ ) . وتكملة لاسهال نسيب نمر ، ذكرت «الى الامام» وقد أصبحت منبرا قذافيا – تروتسكيا ان « مجموعة العفيف الاخضر ، حرضت المتظاهرين ( المؤيدين للحرب ) على أحد مناضلي «المناضل» الذي كان يوزع منشورا ( مؤيدا للحرب هو الآخر ) بينما كانت المجموعة توزع منشورا مشابها على نفسي المتظاهرين ! » والفرية مربعة كرأس صاحبها :

(١) ليس للعفيف الاخضر مجموعة .

(٢) لم يشارك واحد من انصار سلطة المجالس في هذه المظاهرة لانهم يحتقرونها ويحتقرون الساهرين عليها .

(٣) بيان سلطة المجالس والمنظمة الاشتراكية الاسرائيلية (ماتسبين) المشترك ضد حرب السادات يقول تماما عكس ما يقوله المنشور التروتسكي القومي .

(٤) لم نحرض ولن نحرض ابدا الرجعيين على الرجعيين لاننا اعداء لكلا الحزبين .

 

كتب مطربشة

الطرابيشي (جورج) نظريا صفر وعمليا لا يصلح لشيء . لكن وجدنا أخيرا أنه يصلح لان يكون علما في رأسه فأر لمدرسة كاملة من المرتزقين بالترجمة في سوق النشر العربية . والطربشة هي :

١ – تشويه المعنى الأصلي او تزويره عندما يكون مضمونه لا يوافق قناعات المترجم ( وهي دائما قناعات مضادة للثورة ) .

۲ – حذف جمل بل فقرات بكاملها من النص الأصلي بدون أي اشارة الى هذا الحذف في النص العربي ، وذلك اما لاستعصاء هذه الفقرات على رويس المترجم أو لانها لم توافق ذوقه السقيم .

٣ – تقويل الكاتب ما لم يقله باختلاق جمل كاملة يعرض فيها «المترجم» آراءه ( السخيفة ) الخاصة بدلا من الآراء المعروضة في الاصل .

هذا عدا حذف صفحات أو فصول بكاملها ، وعدا الترجمة الرديئة وبلادة الاسلوب ، أسلوب تلاميذ المدارس التي تحول الكتاب الافذاذ الى صحفيين مبتذلين .

ومثلا لا حصرا هذه عينات من الطربشة :

  • في كتاب «التنظيم الثوري» ( تقصد التنظيم المضاد للثورة ) الذي انتقى نصوصه المطربش رقم ١ نجد النص الوحيد الجدير بالقراءة والنقد : « ملاحظات منهجية حول التنظيم الثوري » ( لوكاتش ) يجمع مصائب الطربشة من أطرافها الى حد أننا ننصح بعدم قراءته واعادة ترجمته . كتب لوکاتش : « فهمت روزا لوكسمبورغ هذه المسألة بوضوح » وطربشها المترجم : « من المؤسف ان روزا لوكسمبورغ … » ويلزمنا اعادة ترجمة نص لوكاتش لتعداد الجمل والفقرات التي حذفها أو شوهها المزور ( دون اشارة طبعا ) . يتحدث لوكاتش دائما عن «الحزب الشيوعي» ( أحزاب الأممية الثالثة ) لكن المطربش يأبى الا ان يسميه «الحزب الثوري» تارة ، «الحزب الماركسي الثوري» طورا و «الحزب العمالي الماركسي الثوري» أخيرا .
  • نفس رأس المطربشين طربش كتاب فرويد الهام «موسى والتوحيد» ، فحذف منه صفحة تتعلق بالاسلام !
  • ولم ينج ماركس من طربشاته التي لا تحصى : بعد طربشة «الاديولوجيا الإلمانية» عمد الي طربشة «مراسلات ماركس – انجلز» . في رسالة ماركس إلى برودون يقول الطرابيشي ماركس : « الرقابة التي يجب فرضها على الكتابات الشعبية » وما قاله ماركس فعلا هو : « ممارسة نقد ( او الاشراف على ) الكتابات الشعبية » !
  • طربش اليازجي «بؤس الفلسفة» طربشة لم تبق من النص ولم تذر . وأراد حنا عبود أن يصحح ما أفسده السلف ، فلم يكن أقل منه افسادا . من الجملة الأولى يبقى برودون «اقتصاديا المانيا» !! أما « الشرائح ، والفئات والطبقات » فهي عند المترجم « الانظمة والدول والطبقات » .
  • كما يصبح «الحزب الشيوعي» «الحزب الماركسي الثوري» ، يصبح «اليهودي» في كتاب «الصراعات الطبقية في فرنسا» على يد المترجمين الستالينيين «صقرا» تارة و «ذئبا» طورا .

والجدير بالملاحظة أن موسكو ومن يدور في فلكها ، تعتبر ماركس معاديا للسامية في «المسألة اليهودية» ، ولهذا منعت نشره في كراس خاص . وتاجر البندقية (شكسبير) ممنوع باعتباره ايضا اثرا معاديا للسامية ، علما بان ماركس الذي هو «من دم يهودي خالص» (انجلز) استشهد في «نقد فلسفة الحق عند هيجل» باليهودي المرابي شيلوك ، بطل مسرحية شكسبير . ولو قدر لماركس أو شكسبير أن يبعثا في موسكو أو برلين الشرقية لحوكما وحكم عليهما حسب القانون «الماركسي» بالاعدام كمعادبين للسامية !

ولتنبيه القراء الثوريين سوف ننصح ، في العدد القادم ، بقائمة كاملة من الكتب التي يجب تجنب قراءتها .

*

بلغت تكاليف طبع هذه المجلة ٥٠٠٠ فرنكا ، اسهم بها عمال ثوريون من فضلة اجورهم البائسة . للحصول على هذه المجلة ، لنقدها ، لدعمها والكتابة فيها راسلونا على هذا العنوان :

LABRANDE
B.P. 411
75-122 Paris
FRANCE

[العودة الى صفحة المحتويات للمجلة]