ربما كانت ولادة « المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية » ، المعروفة باسم ماتسبن ( البوصلة – وهو اسم مجلتها ) من اهم المظاهر ذات المعنى التاريخي التي تحدث في اسرائيل منذ انشائها ، ولعلها تشكل ، من الناحية الرمزية ، الحدث المعاكس لظاهرة تحول بعض التنظيمات الاشتراكية الصغيرة في اوروبا الشرقية في مطلع هذا القرن الى تنظيمات صهيونية ، هذا التحول الذي اعتبر اشارة رمزية الى بدء فترة من المد الصهيوني توجت فيما بعد بانشاء اسرائيل ، ولعل ما يجعل هذه « الرمزية » اكثر اكتمالا هو أن بعض العناصر الرائدة في الـ « ماتسبن » كانت جزءا مما يسمى باليسار الصهيوني حتى وقت قريب .

والحقيقة ان المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية لم تعرف في بعض الاوساط العربية الا بعد ١٩٦٧ ، اذ ان وجودها انذاك ، وسط المد الاسرائيلي العدواني ، شكل مظهرا شجاعا في وقت كان فيه اليسار الصهيوني ( مثل المابام ) يغرق في وحل العنصرية والامبريالية والرجعية حتى أذنيه ، فيما اخذ الشيوعيون « راكاح » يمعنون في التأكيد على «صحة » موقفهم الأول : قبول الكيان الاسرائيلي ، والنضال من أجل اسقاط الطبقة الحاكمة الان داخله .

ولعل مقالات موشیه ماخوفر ، التى نشر جزء منها في « اللوموند » ، كانت هي أول تعريف لبعض قطاعات الرأي العام العربي على ظاهرة « ماتسبن » ، ولا شك ان استاذ المنطق هذا قد اسمع الاذن العربية لهجة جريئة كان الكثيرون يعتقدون أن الواقع الاسرائيلي لن يفلح على الاطلاق بانتاج ما يماثلها .

وبعد ذلك صار الطلاب العرب في أوروبا يدهشون عندما یرون شبانا اسرائيليين يتصدون لمناقشة مندوبي الدعاية الرسميين لاسرائيل ، في محاضرات عامة في العواصم الأوروبية ويواجهونهم بمنطق ثوري مدعوم بالأرقام وبالحقائق ، وينجحون في سحق المنطق الصهيوني ، علنا ، ولأول مرة في أوروبا منذ فترة طويلة .

والواقع ان نشاط شبان « الماتسبن » هو ، في الدرجة الاولى ، الذي دفع الحركة الصهيونية في الفترة التي اعقبت حرب حزيران ، الى الدعوة لمؤتمر للشباب الصهيوني ، هدفه الأول هو تطوير المفاهيم الصهيونية لتصبح ملائمة لروح شباب هذا العصر !

ان القوة والشجاعة اللتين دعمتا المنطق الثوري والعلمي ، لشبان یهود اسرائيليين وغير اسرائيليين ، القسم الأكبر منهم من أو مؤيد لـ « الماتسبن » ، هما اللتان ساهمتا جيدا في تحريك أوساط الحركات اليسارية الطلابية في أوروبا ، بواسطة الاستفادة من الجو الذي تركه عدوان 5 حزيران ١٩٦٧ في العالم .

والصحيح أن ردة الفعل الصهيونية لم تقتصر على محاولة تجدید دماء منظمة الشباب في الحركة الصهيونية ( والاستفادة كليا من التراث الذي بناه « المابام » في أوساط « اليسار » العالمي في العشرين سنة الماضية ، وكذلك جماعة أفنيري ) ولكنها تعدت ذلك الى تنظيم عمليات اعتداء على افراد « الماتسبن » ، الى حد يعرف فيه الطلاب العرب في فرنسا وانكلترا والولايات المتحدة والمانيا الغربية أن حساسية الصهاينة ازاء اليسار الشاب الذي يمثله أعضاء الماتسبن ، كانت أكثر عنفا وسرعة من حساسيتهم ازاء نشاط الطلاب العرب ، أو الأوروبيين ، على ان هذا القمع – الذي عكس كمية ونوعية الخشية الصهيونية من ظواهر من هذا النوع ، تسبب شرخا له نتائجه – لم يؤد الى تخويف هذه العناصر التي لا بد من الشهادة بشجاعتها واستقامتها .

وقد لجأت السلطات الاسرائيلية الى عدة أشكال أخرى من القمع ، بينها – بالطبيعة – دس عناصر من « الشين بيت » المخابرات ، بين صفوف أفراد الماتسبن خصوصا في لندن ، الا ان هذا الأسلوب ، بدوره ، قد فشل في اطفاء هذه الظاهرة .

ان عددا قليلا ، ولكن شديد النشاط ، من أعضاء الماتسين ، بمساعدة مراكز الاعلام التي يهيمن عليها التروتسكيون في فرنسا وانكلترا قد نجحت في ان تجعل سمعة الماتسبن كبيرة خارج اسرائيل ، ولا ريب أن لمثل هذا التكبير في الاعلام حسناته ، ولكن له سيئة كبرى وهي تنمية اعتقاد لدى الكثيرين بتوقع انجاز مهمات كبيرة لا يستطيع الحجم الحقيقي لهذا التنظيم أن ينجزها ، وبالتالي تسبيب خيبة أمل غير مبررة على المدى القريب .

ان القيمة الأساسية لمنظمة الاشتراكيين الاسرائيليين ، كما تظهر بوضوح في الدراسة التي بين ايدينا ، ( والتي هي فيما نعلم الأولى من نوعها بالعربية كما باللغات الاجنبية ) تكمن بالدرجة الأولى في صواب وجرأة وعلمية تحليلها لتاريخ القضية الفلسطينية والحركة الصهيونية ، وهو تحليل ربما كان من اكثر التحليلات حول هذا الموضوع نضوجا وعمقـا وغنى ، كما ان كمية الصواب في الاستنتاجات المنبثقة عن هذا التحليل هي كمية مدهشة ، والحقيقة ان كتابات « الماتسبن » اكثر تفوقا بما لا يقارن من نشاطها ، ومع ذلك فان كمية التعرج في هذه الكتابات كبيرة : ان الكثيرين يعتقدون ان منشورات وتحليلات الماتسبن قبل ١٩٦٧ هي أفضل من تلك التي كتبت بعد الحرب ، وهذه ظاهرة واحدة فقط من ظواهر تطور الخط الفكري في « ماتسبن » ، وهو تطور لا تغطيه هذه الدراسة ، التي يبدو انها تناولت الواقع الايديولوجي للماتسبن في لحظة معينة .

ولعل هذا التطور الكبير في الخط الفكري « للماتسبن » كان يخفي داخله تيارات متباينة ، عبرت فيما بعد ( أواخر ١٩٧٠ ) عن نفسها بالانشقاق الذي يبدو للوهلة الأولى وكأنه « تشرذم » ، ويظهر هذا التشرذم واضحا عندما نقرأ ( في ملحق الدراسة ) المقال الذي عنوانه : « الجرأة على النضال » والذي كتب قبل الانشقاق ، ثم نقرأ البيان الذي أصدره فريق كاتب المقال المذكور ، الاتحاد الشيوعي الثوري ، كبرنامج عمل ، فبين هذين المقالين فارق ضخم بين التشخيص الذي عرضه المقال الأول ، والبرنامج الذي طرحه البيان الثاني .

لقد أكدنا على ظاهرة التطور المتواصل في الخط الايديولوجي والسياسي « للماتسبن » ، كما حدث منذ ١٩٦٢ حتى أواخر ۱۹۷۰ ، وسلسلة الانشقاقات والتجنحات التي حدثت فيه ، وذلك كي يصبح بوسعنا ادراك ان الدراسة التي بين ايدينا لا يمكن ان تعني موقفا نهائيا ، وانها خطوة في مسيرة التطور التي تسلكها منظمة الاشتراكيين الاسرائيليين منذ تأسيسها .

وحتى الجناح الجديد « الاتحاد الشيوعي الثوري » ، الذي يوصف بانه قريب من « الماوية » ، فان برنامجه الذي بين ايدينا لا يقول لنا الا كم هو بعيد عنها ، ولا ريب انه من حقنا بالبداهة توقع تطور كبير في هذا البرنامج خلال المراحل المقبلة .

على انه ، بالنسبة لنا ، فان كل هذه النواحي الايجابية يجب الا تعني انه من الضروري التستر على النواحي السلبية : فاذا كان صحيحا ان « الماتسبن » ، كما يقول الكثيرون هو دليل على حدة التناقض الكامن في المجتمع الاسرائيلي ، واذا كان صحيحا ايضا ان نشاط « الماتسبن » السياسي سيؤدي الى مضاعفة حدة هذا التناقض ، وسيعمل من خلال التحريض والدعاية والتوعية على خلق شرائح معارضة متزايدة القيمة والحجم ، واذا كان صحيحا ثالثا انه ينبغي مساندة نشاط ماتسبن ، وتشجيعه ، ودعمه بمختلف الوسائل لانه يؤدي في نهاية التحليل الى واقع هو في مصلحة حركة التحرر الفلسطيني والعربي ، اذا كان ذلك كله صحيحا ، فانه من الصحيح أيضا ان النظرة النقدية لهذه الظاهرة هي ضرورية ، من الناحية العلمية والسياسية ، للتوصل الى تقدير حقيقي للموقف ، وللاسهام في الوصول الى الاستنتاجات الصحيحة .

ولهذا بالذات ، لا بد من وضع اطار من الملاحظات ، تتعلق بالدراسة التي بين ايدينا ، وهي ملاحظات من نوعين ، النوع الأول منها يتعلق بمنهج هذه الدراسة ، والثاني بمضمون من الافكار التي جرى عرضها .

أولا : ان مقدمة المؤلفة تؤكد على ان دراستها هي « مجرد تلخيص وعرض » ، وهي كذلك في الواقع ، ولكن هذا بالذات هو ما يدعو الى تنبيه « الحس النقدي » ، اذا جاز التعبير ، عند قراءة الدراسة ، هذه الدراسة التي جاءت مصادرها – ربما لأسباب واقعية – في مجموعها ، من « الماتسبن » ذاتها .

وبالاضافة لذلك فان هذه الدراسة لا تتعرض – كما أشرنا – الى خط التطور الايديولوجي الذي طرأ على المنظمة منذ تأسيسها ، وكذلك فهي لا تتعرض باهتمام كبير لحقيقة حجم المنظمة المذكورة على صعيد الواقع السياسي في اسرائيل ، أو لواقع البنية الطبقية للمنظمة ، أو لواقع تركيبها التنظيمي .

وربما يؤدي هذا كله الى قليل من الخلط في الامور عند القارىء ، اذ ان هناك فارقا كبيرا بين عرض لآراء تقدمية تعبر عن نفسها بصورة من الصور داخل اسرائيل ، وبين الحديث عن منظمة سياسية بصفتها جزءا محوريا من عملية الصراع والتناقض داخل اسرائيل .

ثانيا : من الضروري أن ينتبه القارىء الى ما يلي : ان منظمة « الماتسبن » منظمة صغيرة ، تشكل ظاهرة أكثر مما تشكل قوة سياسية أو تيارا ثوريا داخل اسرائیل ، وهي مقتصرة على عدد من المثقفين الراديكاليين الذين يعودون في أصلهم الطبقي الى البورجوازية الصغيرة ، والواقع أن أهمية « الماتسبن » ، على وجه التحديد ، تعود الى كونها « اشارة أولية » ، ودليلا قويا على فشل « الحل الصهيوني » ، ومن الخطأ النظر اليها على انها قوة سياسية ، أو انها تعبير مبلور عن تيار سياسي موجود في اسرائيل حاليا .

ان كثيرا من التقدميين اليهود في العالم قد جاهروا بآراء ماركسية وبتحليلات جريئة للمجتمع الصهيوني في فلسطين المحتلة ، والواقع ان رجال « الماتسبن » ينتسبون الى هؤلاء أكثر مما ينتسبون الى البنية السياسية في إسرائيل .

وهذا الملاحظة مهمة للغاية ، لأن دراسة الماتسبن ، کي تكون مفيدة ، يجب ان تجري على الدوام من خلال وضع هذه الظاهرة في سياق ما ، ولا يكفي النظر التجريدي الى الآراء النظرية التي يرفعونها .

ثالثا : ان سبب « شهرة » الماتسين لا تعود الى فعاليتهم الداخلية ( مثل الحزب الشيوعي الاسرائيلي، راكاح ، مثلا – أو حتى مجموعة أفنيري ) ، ولكنها تعود بالدرجة الاولى الى الجهد الاعلامي الذي بذلته « الاممية الرابعة » في باريس للترويج لهم ، وبالدرجة الثانية الى ما روجته بعض تنظيمات المقاومة عن « صلات نضالية » مع الماتسبن ، وبالدرجة الثالثة الى المجلة التي أصدرها عدد منهم في لندن .

رابعا : ان الاطار التنظيمي والايديولوجي للماتسبن اطار فضفاض ، فمن المعروف ان كثيرا من كتابها ينتمون الى التروتسكية ، وبعضهم لا يفعلون ذلك ، ومن الصعب التصور كيفية امكان العمل من خلال واقع كهذا الواقع ، ولعل الانشقاق الاخير هو دليل أولي على ذلك . ان مقال « الجرأة على النضال » – في الملحق – هو أكثر اجزاء الدراسة صدقا من الناحية الموضوعية ، وهو يعكس على وجه التحديد المأزق الايديولوجي والتنظيمي للمنظمة .

خامسا : من الناحية السياسية ، توجد مقاييس أساسية يجب اعتمادها عند دراسة ماتسبن ، وأهم واحد من هذه المقاييس هو « شكل النضال » ، وهذه مسألة جوهرية حين يكون الموضوع موضوع منظمة ماركسية ، وليس موضوع هيئة دراسية .

وفي هذا النطاق ، يجب تسجيل الملاحظة الاساسية التالية :

هنالك هوة من الفراغ ، تكاد تكون هائلة الضخامة ومستحيلة العبور ، بين الهدف الاستراتيجي الذي ترسمه المنظمة ، في جناحها الأصيل وجناحها المنشق ، وبين خطة العمل التي يجري تجاهلها بصورة مدهشة طوال عملية رسم الأهداف الستراتيجية البعيدة المدى . ويخيل الي ان هذه النقطة بالذات هي مفصل المأزق ، اذ ان الماركسية ، وهي النظرية التي لا يكف أعضاء الماتسبن عن الجهر بتبنيها ، هي مهمة على وجه التحديد لكونها دليل عمل ، لكونها نظرية عمل وليس نظرية فحسب .

وعلى العكس ، فانه في الوقت الذي يقر فيه « الاتحاد الشيوعي الثوري » بان انشقاقه عن الماتسبن يعود الى انعدام البرنامج السياسي وانعدام تخطيط استراتيجية سياسية وانعدام وجود اطار تنظيمي لاستيعاب ذلك ، فان البرنامج السياسي الذي يطرحه كبديل لا يحتوي على « خطة عمل » ولا على تخطيط استراتيجي ، وبمعنى آخر فان المأزق الذي ادى الى الانشقاق يعود من جديد فيفرض نفسه على المنشقين .

ويعود ذلك الى جملة اسباب جوهرية ، ليس هنا مجال تعدادها ، الا انه لا بد من الاشارة الى ان جميعها ناجمة بالدرجة الأولى عن تلك الثغرة الكبرى المفتوحة بين الهدف الستراتيجي وبين شكل النضال الجدير بتحقيق مثل هذا الهدف ، وهي الثغرة التي لا يبدو في كتابات ماتسبن ما يشير الى الاكتراث بحلها .

وبالاضافة لذلك ، فثمة معضلات أخرى ، جوهریة ، لا يبدو ان المنظمة تنوي حسمها على صعيد العمل :

ا – ان كتابات المنظمة تتجه نحو الاقرار المتواصل بالعسف القومي والطبقي الذي يتعرض له العرب داخل اسرائيل ، ومع ذلك فان هذا الاقرار لا يؤدي بالنتيجة الا الى الاتجاه نحو اعتماد شكل « النضال المطلبي » في كيان تعترف المنظمة بأنه كيان كولونيالي .

وهذا يشكل تناقضا من شأنه شل فعالية ونتائج الموقف النظري .

ب – الشيء ذاته يكاد يكون منطبقا على الواقع الطبقي ، في تحليلات الماتسبن : فبالرغم من الاقرار بالطبيعة الكولونيالية لاسرائيل فان المنظمة تستطيع ان تشهد حالة الصراع الطبقي داخل المجتمع الاسرائيلي ، ومع ذلك فهي لم تستطع ان تضع حلا لهذا التناقض المركب :

  • استفادة الطبقة العاملة الاسرائيلية من الواقع الكولونيالي الإسرائيلي .
  • وجود تناقض ، في الوقت ذاته ، بين الطبقة المستغلة ( بالكسر ) والطبقات المستغلة ، داخل إسرائيل .
  • وجود تناقض ، في عين الوقت ، بين الواقع الكولونيالي لاسرائيل ، ككل ، وبين حركة التحرر الوطني الفلسطينية والعربية . ان هذا التناقض المركب ، والجذري ، يحتاج جدليا الى شكل أكثر رقيا من جميع أشكال النضال التي تقترحها المنظمة أو توصي بها ، والانشقاق الاخير هو ، في أحد جوانبه ، تفجر نتج عن عدم قدرة المنظمة عن حل هذه المسألة .

ج ـ ان المنظمة ، التي تؤكد باستمرار على الجذور الطبقية للصهيونية ، وعلى كونها حركة رجعية كولونيالية ، وعلى ارتباطها العضوي بالامبريالية على جميع الاصعدة ، وعلى الطبيعة التوسعية والعنصرية لهذه الحركة ، تعود فتتوج ذلك كله بالقول بان « قضية الشعب الاسرائيلي هي مسألة قومية أيضا » وان هناك شيء اسمه « الكيان القومي العبراني » وهذا موقف تعسفي يلغي كل الاجوبة المنطقية التي يمكن للمنظمة أن تصل اليها ، عبر تحليلها الأساسي ، للأسئلة التالية : من هو اليهودي ؟ من هو الصهيوني ؟ من هو الاسرائيلي ؟ ومن هو الفلسطيني ؟

ان اصل هذا الموقف ، كما يبدو لنا ، يعود الى نظرية رودنسون بوجود « قومية في طور التكوين » في اسرائيل ، وهي نظرية تحاول ان تعطي للاستعمار الاسكاني منطق « الحق بالاكتساب » و « التجذر بالاستيطان » ولا ريب أن مثل هذه النظرية تستهدف القفز فوق وقائع الامور بدافع الخشية من الاقرار بعظم مستوى الصدام بين هذا الشكل من الاستعمار الممتزج بالامبريالية ، وبين حركة التحرر الوطني الفلسطينية والعربية .

ان مثل هذه الافتراضات خطيرة ، لأنها أدت بالمنظمة الاشتراكية الاسرائيلية الى « اكتشاف » حالتين متوازيتين في « الواقع الشرق – أوسطي » : رجعية صهيونية ورجعية عربية ، ولا ريب أن هذا الاكتشاف هو تبسيط ميكانيكي لواقع الصراع ، وهو يقفز عن حقيقة الصفة الكولونيالية للرجعية الصهيونية ، وكون هذه الرجعية الكولونيالية الأساس المادي والايديولوجي للوجود الاستيطاني الذي حققته من قلب الهجمة الامبريالية وميكانيكيتها ضد حركة التحرر العربية ، وضد الوجود المادي لشعب فلسطين العربي على ارضه .

ان هذا التشويش والتعارض في موقف « الماتسبن » هو الذي أدى ، نقاط أخرى ، الى الشلل ازاء حل موضوعة مع شكل ومستوى النضال القادر على تلبية المهام التي لا بد من تأديتها في الطريق لتحقيق الستار الستراتيجي .

د – ان المنظمة لم تخف ، في عدة مرات ، ایمانها بان اسقاط الصهيونية لا يمكن ان يتم الا بالعنف ، ولكن يبدو ان هذا الكلام لا يجد القناة الواقعية في برنامج « الماتسبن » : فالى جانب هذا الايمان يوجد ایمان اخر هو ان « استخدام العنف لفرض أي حل ، حتى لو كان الحل الصحيح ، على الشعب الاسرائيلي ، بعد اسقاط الصهيونية ، هو غير مبرر بالتأكيد » لان حق تقرير المصير « يعني ، من ضمن ما يعينه ، حق الانفصال وليس الاندماج فقط » .

ان هذين الايمانين متعارضان ، والواقع ان واحدهما ينفي الآخر ، اذ ان الافتراض الكامن وراءهما ، كما يبدو ، هو سقوط الصهيونية ممكن دون تفجر التناقضات الى اعلى مدى داخل الكيان الكولونيالي ، واندماج شرائحه المتقدمة بحركة التحرر الوطني العربية اندماجا عميقا .

ان القفز في مواقف الماتسبن ، بين الشعارات الأممية ، وبين الاطر القومية يأخذ في كثير من الاحيان طابع الانفصام الكلي ، وأحيانا طابع الاغراق في كل منهما على حده بصورة تفتقد الى التفكير الجدلي : أن هذين الايمانين المتعارضين يتناقضان مع تحليل الماتسبن ذاتها عن جذور الصهيونية ، هذه الصهيونية التي تقوم على « تعميم ظاهرة اضطهاد الأقليات على كل زمان ومكان ، وارادة المحافظة على القومية اليهودية وانقاذها من محاولات الدمج والتمازج » والتي « نجحت في استعمار فلسطين وجعل المهاجرين من اليهود أكثرية سكانية تتحكم بالسلطة السياسية » والتي « تحولت الى جزء لا يتجزأ من النظام الاستعماري » والتي هي في الأساس خطة « لحل المسألة اليهودية عن طريق اقامة دولة قومية لليهود » تلك الدولة القومية التي كان برنامجها « احلال قوم محل العرب ، وليس مجرد استغلالهم » ..

.. وبعد ذلك كله يظل بالامكان في استنتاجات ماتسبن ، ليس فقط الغاء الصفة الصهيونية بالعنف دون تمزيق هذه الدولة القومية ، ولكن أيضا بقاء الكيان السياسي هذا قائما ومتمتعا بكل حقوقه الاقليمية والكيانية ، ومستخدما حق تقرير المصير حتى في جانبه الانفصالي .

لعله من المفيد في هذه المناسبة ، ان نذكر انه في فترة متقاربة من أواسط القرن الماضي كان ماركس ماركسيا حقيقيا موقفين في موقفين يبدوان لأول وهلة متناقضين : فقد رفض ماركس في عام ١٨٤٨ فكرة اعطاء الشعب التشيكي ، انذاك ، حق تقرير المصير باعتباره يندرج تحت ما اطلق عليه اسم « الامم الرجعية » ، وفي نفس الوقت تقريبا اعتبر الوحدة الالمانية ، التي كانت انذاك تبنى بالاداة البسماركية ، بانها مطلب وطني الى حد وصفها بأنها « وحدتنا نحن » ، وفي كلا الموقفين ، اللذين يبدوان لأول وهلة متعارضين ، لم يكن ماركس الا ماركسيا .

ان ما يهمنا ، من التعارض الذي تقع فيه « الماتسبن » بين دعوتها لهدم الصهيونية بالعنف ، ثم الايمان بامكانية بقاء الكيان السياسي الذي انشأته وحتى المضي الى حد الدفاع عنه في حال استخدام العنف « لدمجه » ، ان ما يهمنا هنا هو ان هذا التعارض يشل امكانية اقرار شكل نضالي يتناسب مع امكانية تحقيق هدف استراتيجي .

هذه كانت امثلة ، من الممكن المضي فيها بالتفاصيل ، حول مسألة اشكال النضال ، التي هي مسألة جوهرية ولا يمكن تجاهلها .

سادسا : نقول أن مسألة اشكال النضال هي مسألة جوهرية ومحورية في هذا النطاق ، لأسباب معينة ومحددة تتعلق بالواقع الموضوعي الراهن ، والذي من خلاله ينبغي قياس اتجاهات وحجوم وبرامج ومنطلقات المنظمات السياسية .

وفي هذا المجال يهمنا الاشارة الى نقطتين أساسيتين من بين النقاط الكثيرة التي يمكن ادراجها تحت هذا البند :

أ – ان حركة المقاومة الفلسطينية ، التي كانت محصلة التطور الطويل للصراع الرهيب الذي فرض نفسه على هذه الحقبة من الزمن ، قد جاءت لتضع مستوى جديدا في النضال هو مستوى الكفاح المسلح ، على اعتبار ان التناقضات الراهنة بين حركة التحرر الوطني الفلسطينية والعربية ، وبين معسكر العدو الهائل الضخامة ( اسرائيل ، الصهيونية ، الامبريالية والرجعية العربية ) لا يمكن حسمها الا بالعنف الثوري ، لأنها تشكل حلقة أساسية وصلبة ومبلورة كليا لحالة الصدام بين الامبريالية من جهة وبين حركات التحرر الوطني في « العالم الثالث » من جهة ثانية .

ولهذا الواقع نتائج على الصعيد العملي ، اذ ان القياسات تضحي بالدرجة الاولى متعلقة بمدى قرب او بعد اية حركة من الحركات التقدمية عن استراتيجية الكفاح المسلح هذه .

طبعا من غير الممكن تبسيط هذه المسألة بصورة ميكانيكية فهي مسألة شديدة التعقيد ، ولكن ما يهمنا هنا على وجه التحديد هو جواب السؤال التالي : اين تقع حركة « الماتسبن » من خريطة الكفاح المسلح الفلسطيني في مرحلته الراهنة ؟

ان هذا السؤال مهم ، ونحن لا نقصد أن جوابه يجب ان يكون شعاريا ، من نوع لا أو نعم ، ولكن لا شك أن جوابه يتعلق بشكل مباشر بمخططات « الماتسبن »، وبرنامجها السياسي ، وخطواتها التكتيكية ، وتحليلاتها ليس فقط للقوى التي يمكن دخولها الى خارطة الكفاح المسلح ، ولكن ايضا اسلوب وحيثيات هذا الدخول .

انه من المعروف ان مستقبل الكفاح المسلح مطالب بان يقدم للتجمع اليهودي في اسرائيل بديلا ، وهذا البديل ليس من السهل اعطاؤه صفة الاقناع لأن عليه ان يتجاوز في قوته قوة الامتيازات التي تتمتع بها ، بصور متباينة ، مختلف الطبقات في اسرائيل .

ومثل هذا البديل لا يمكنه ان يصبح فعالا ، ويصبح قادرا على تفتيت التماسك الكولونيالي داخل المجتمع الاسرائيلي ، الا اذا كان قادرا ليس فقط على طرح صورة مقنعة ، ومحتملة وممكنة لمستقبل تنتفي فيه اشكال الاضطهاد الوطني والطبقي والعرقي والديني ، ولكن أيضا اذا كان قادرا في نفس الوقت على تصعيد التناقض داخل اسرائيل الى مستوى الصدام ، ليس نظريا فحسب ، ولكن عمليا أيضا .

ان مثل هذه الصورة لا يمكن ان تحدث الا من خلال انحياز عناصر وتجمعات من داخل اسرائيل ، أكثر فأكثر ، نحو الكفاح المسلح ، أو بكلمة ادق نحو تكتيكات قادرة على الايصال الى ذلك الشكل من اشكال النضال .

وفي سبيل تحقيق ذلك فان النضال السياسي يجب ان يأخذ طريقا خاصا ، ولا يبدو انه بالامكان ان يكون هذا الطريق داخل اطار العائلة السياسية الاسرائيلية ، ومحتوى من قبل قنواتها ومؤسساتها ، بل عليه الاتجاه في طريق مختلف كليا وجذريا .

وهكذا فان القياس الذي ينبغي اعتماده بالنسبة لبرنامج أي حزب من الاحزاب الاسرائيلية لا يمكن فصله عن واقع التوجه الذي انطلقت فيه الحركة الوطنية العربية ، أي الكفاح المسلح .

ان هذا المقياس ، بالطبع ، لا يمكن اعتماده لقياس برامج الأحزاب التي لا تدعو الى تصفية الكيان الاسرائيلي مثل حزب راكاح ، اذ انها لا تطرح افقا استراتيجيا مثل أفق ماتسبن . ولكن امام شعارات مثل شعارات ماتسبن فانه من الصعب اعتماد مقياس آخر .

ب ـ ان الحركة الصهيونية ، من جهة اخرى ، ليست موقفا ايديولوجيا فحسب ، بل هي دعوة ، لها ميكانيكيتها الخاصة ، ان العمود الفقري لهذه الميكانيكية هو الهجرة ، هجرة اليهود الى اسرائيل من جميع انحاء الارض .

ورغم ان ماتسبن تتحدث بصواب وبعمق عن مكانة الهجرة في البنية الصهيونية ، وعن خصائص « مجتمع المهاجرين » ، الا انه لا يبدو في البرامج التي بين ايدينا ، الخاصة بالمنظمة ، اي مخططات تتعلق بهذه النقطة المحورية في الصهيونية .

بكلمة اخرى : ان مناهضة الصهيونية ومقاتلتها ليست مسألة تحليل نظري فحسب ، بل هي بالنسبة لمنظمة اسرائيلية ينبغي ان تكون خطة عمل تستهدف مواجهتها في ميادينها .

ويبدو من الصعب ، على صعيد عملي وموضوعي ، الا تكون احد النقاط الأساسية في الصراع مع الصهيونية ( التي تحث على الهجرة ، وتنشىء مجتمع مهاجرين مستوطنين ) النقطة التي تدعو الى الامتناع عن الهجرة ، والى الحـث على الهجرة المضادة .

وهذه نقطة اساسية تحتاج الى بحث ، ذلك انه اذا كانت الهجرة الى فلسطين ، في قوانين رواد الصهيونية ومنظريها ، الشكل الاساسي للتعبير عن الولاء للايديولوجية الصهيونية ، فكيف يمكن ان يعبر الولاء للايديولوجية الثورية المضادة للصهيونية عن نفسه الا بالهجرة المضادة ؟

أن هذا الكلام لا يقصد القول بان جميع المناهضين للصهيونية في اسرائيل يجب ان يعبروا عن ذلك بالهجرة الى بلادهم الأصلية ليشاركوا في النضال حيث يمكن اجتثاث جزء من جذور هذه الحركة الكولونيالية ومسبباتها ، ولكنه حتما يقصد الى القول بان هذه الهجرة المضادة يجب ان تصل الى مستوى التعبير عن الالتزام بالايديولوجية الثورية ، ويجب ان تكون جوهر العمل المرحلي ، ليس بسبب « الاعداد » التي يمكن حملها على ذلك السلوك ، ولكن بسبب المناخ السياسي والاجتماعي الذي يمكن لحملة من هذا النوع أن تنشره داخل اسرائيل ، وفي التجمعات اليهودية التي تعتبرها اسرائيل احتياطيها في الخارج .

ان خطا من هذا النوع ، من خلال تطوره التدريجي ، يشكل مواجهة مباشرة لاحدى اهم النقاط الامامية في الايديولوجية الصهيونية ، وكذلك لمفصل من مفاصل ذلك الالتقاء الصميمي بين الامبريالية والصهيونية ، من حيث كونهما مطرقة وسدان عملية الغزو بالهجرة 1 .

أن هذا الكلام لا يقصد بالطبع القول بان حركة المقاومة الفلسطينية خصوصا ، والحركة الثورية العربية عموما ، هي على مستوى من الصواب المطلق فيما يتعلق بفهمها للظاهرة الامبريالية الصهيونية ، وفيما يتعلق بالبرامج والشعارات والتكتيكات التي تعتمدها لحل التناقض القائم ، فلا ريب ان امام حركة المقاومة ، وهي واقفة الان على أبواب التحول الى ثورة ، الكثير من المهمات التي عليها ان تنجزها ، والكثير من المراجعات والمحاكمات التي على اساسها يجب ان تبنى قصورا للمستقبل ، وهو التصور الجديد ، من خلال تصعيد النضال المسلح في سبيل تحقيقه ، جدير بان يضاعف التناقضات في صفوف العدو ، ويدفع بالطبقات صاحبة المصلحة الحقيقية بالثورة بقادتها والمضي بها نحو اهدافها .

على أن حركة المقاومة الفلسطينية فيما تمثله قد شقت طريقا في الكفاح المسلح اهم ما فيه أنه اظهر الاداة الوحيدة القادرة على حل هذا الصراع الصدامي مع الغزوة الامبريالية ، واظهر انه جزء لا يتجزأ من حركة التحرر الوطني العربي ( التي هي بالطبع حلقة من حلقات الحركة الثورية في منطقة الشرق الاوسط ، ويبدو – في هذه المناسبة – ان اصرار الماتسبن على استخدام كلمة « جمهورية اشتراكية في الشرق الاوسط » يهدف الى التقليل من الهوية العربية للثورة الفلسطينية ، ومثل هذه التسوية اللفظية تجعل من الاكثر يسرا للماتسبن ان يتوصل الى نتائج عامة ).

نقول ، رغم ذلك ، فان أمام المقاومة الفلسطينية التي تطمح الى الوصول الى حرب تحرير شعبية طويلة المدى ، مسافات شاسعة لقطعها ، ولا ريب انه في هذه المسافات سيتغير الكثير من الموضوعات التي تطرحها الماتسبن وكأنها خالدة ، ولا ريب ايضا ان الجماهير اليهودية في كل مكان ستعزز ، بالرغم من كل عمليات التضليل والتثقيف الرجعي والامتيازات والحقن بعقد العظمة ، طلائع مناضلة تقاتل بالسلاح في معركة الجماهير العربية ، من اجل خلق المجتمع الديمقراطي الذي تنتفي فيه كل اشكال الاضطهاد .

غسان كنفاني

*

[الأديب والمناضل غسان كنفاني أسس مجلة الهدف الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وترأس تحريرها ، كما أصبح المتحدث الرسمي باسم الجبهة ، حتى مقتله في تموز 1972 في بيروت مع ابنة أخته لميس في انفجار سيارة مفخخة على أيدي عملاء إسرائيليين .]

[عند نشر الكتاب جرت مراسلات بخصوص مقدمة كنفاني بين عضو ماتسبين موشه ماحوفر ومؤلفة الكتاب ليلى القاضي . الرابط الى المراسلات]

[العودة الى صفحة المحتويات]

  1. في هذا النطاق يوجد مثال محدد : ان الكاتب « الاسرائيلي » التقدمي ناتان فاينشتوك الذي هجر اليسار الصهيوني الى الماركسية اختار فيما بعد ان يترك اسرائيل عائدا الى موطنه الاصلي في بلجيكا ، للعمل من خلال تنظيم نضالي بلجيكي ، وقد اتخذ هذا الاجراء – كما قال في كتابه « الصهيونية ضد اسرائيل » – لأنه لم يعد يستطيع التوفيق على الاطلاق بين موقفه الاممي وبين بقائه في إسرائيل .