في الفترة التي لحقت بحرب حزيران ( يونيو ) ١٩٦٧ ومع صعود حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة طرأت زيادة ملحوظة في اهتمام أوساط عربية ( وفلسطينية بشكل خاص ) عديدة بالمجتمع الاسرائيلي وتركيبه الداخلي وقواه الطبقية والسياسية واتجاهاته الفكرية والايديولوجية . وكما هو متوقع فقد كان لزيادة هذا الاهتمام موقع هام في أوساط العمل الفلسطيني وخاصة في أوساط  الطرف التقدمي الثوري منه . ومن الاسماء التي برزت في المناقشات الدائرة حول دولة اسرائيل ومجتمعها اسم « المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية » ( ماتسبن ) وذلك بسبب الافكار الثورية التي بدا انها تطرحها حيال القضية الفلسطينية عامة وحيال اسباب حرب حزيران ونتائجها محليا وعالميا . وليس بخاف على المراقب لتطور الاحداث أن جدلا برز في اوساط العمل الفلسطيني حول المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية وحول طبيعة الموقف الثوري الذي ينبغي تحديده منها ومن أية قوى مشابهة تظهر في اسرائيل . كذلك ليس بخاف على أحد ان ادوات تعبير فكرية وسياسية مهمة مثل مجلات « الهدف » و« الحرية » و« دراسات عربية » كانت المنابر التي جرى عليها النقاش والجدل حول الموضوع ، بالاضافة الى ان هذه المنابر كانت قد لعبت دورا مهما ومفيدا في تعريف القارئ في العالم العربي على المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية وبعض مواقفها .

بالرغم من هذه الجهود المفيدة بقيت المعلومات المتوافرة عن المنظمة ضئيلة ومحدودة لا تتعدى نشر بعض المواقف المعلنة لها حول الواقع الحاضر للصراع العربي الاسرائيلي ومع غياب كامل لاية معلومات حول تاريخ المنظمة وخلفيتها السياسية وتطورها الفكري والتنظيمي والنضالي . لذلك حاولت في هذا الكتاب سد هذه الثغرة عن طريق تجميع اكبر كمية ممكنة من المعلومات عن تاريخ المنظمة ونموها وتطور مواقفها السياسية والفكرية والايديولوجية ، وعرضها على القارئ العربي عامة وعلى الاوساط الثورية والمهتمة بقضايا الفكر الاشتراكي بالتحديد . بعبارة اخرى كتابي مجرد تلخيص وعرض لاهم وجهات النظر التي طرحتها المنظمة والتحليلات التي قدمتها حول شتى القضايا المعنية مثل : المؤسسات الرئيسية للمجتمع الاسرائيلي ؛ تاريخ الحركة الصهيونية الاستعماري ؛ النزاع العربي الاسرائيلى ومستقبله الخ .

لقد جمعت هذه المعلومات من مصدرين رئيسيين هما : أولا ، كل ما استطعت ان احصل عليه من منشورات المنظمة وبياناتها السياسية الصادرة باللغات العربية والانكليزية والعبرية ، ويجد القارئ ثبتا بهذه المراجع في نهاية الكتاب . ثانيا ، مقابلة مطولة اجريتها في احدى العواصم الأوروبية مع احد الاعضاء القياديين والمؤسسين في المنظمة حصلت فيها على معلومات مهمة حول نشوء المنظمة وتطورها التنظيمي بالاضافة الى ايضاحات وافية عن عدد من النقاط التي اثارت جدلا حول وجهات نظر المنظمة في الاوساط العربية والفلسطينية التقدمية بسبب عدم الوضوح الذي يبدو أنه أحاط بها أحيانا . واذكر هنا على سبيل المثال مسألة الدولة الديمقراطية الاشتراكية التي يفترض ان يعمل من اجلها كل اشتراكي ثوري في المنطقة ، وقضية مبدأ حق تقرير المصير كما طرحتها المنظمة بالنسبة للفلسطينيين والإسرائيليين .

أرجو ان اكون قد نجحت الى حد ما في تعريف القارئ العربي على المنظمة وآرائها ومواقفها بصورة اكثر شمولا وتكاملا مما كان متوافرا في السابق . كذلك أرجو ان يكون في المادة المعروضة ما يجيب على بعض التساؤلات التي بقيت معلقة في المناقشات التي جرت حول المنظمة في الأوساط العربية والفلسطينية المعنية .

ليلى سليم القاضي
بیروت ، اذار ۱۹۷۱

[العودة الى صفحة المحتويات]