كتب هذه المقالة ، أحد أعضاء « الاتحاد الشيوعي الثوري » قبل حوالي ثلاثة أسابيع لتركه « المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية » ، وها نحن نعرضه هنا بكامله لأنه يعكس بصورة واضحة التيارات السياسية التي كونت الأساس لانشقاقنا .

*

اولا ، وقبل كل شيء ، علينا ان نرى الأشياء على صحتها : منذ بضعة أشهر ونحن مشلولو الفعالية بصورة مطلقة تقريبا ، دون ان يلفت ذلك انتباهنا لحدة الحملات التي شنتها الصحافة ضدنا ولا تزال ، حول موضوع فعاليتنا خارج البلاد . غير انه في الواقع بقي «ماتسبين» منظمة عملية بالكاد .

وفي الحقيقة فان وجودنا لا يتعدى كونه أسطورة ، نؤدي دورنا على المستوى الاجتماعي «كمعارضة» فقط ، ان ذلك لا يعني اننا لا نعمل شيئا ، لكننا نعمل ما يسمح لنا عمله ، وذلك القليل الكافي لبقائنا اسطورة ، كاصدار الجريدة على فترات متقطعة ، وتنظيم بعض الندوات وتوزيع بعض المناشير .

مما لا شك فيه ان الحالة الموضوعية التي نواجهها صعبة للغاية : فتقدم المد الثوري في العالم العربي يزيد حدة الصبغة العسكرية الطاغية لدولة اسرائيل ، ويحافظ على التكتيل القومي الداخلي الذي يدعم الاستعمار . ومن الناحية الاخرى فان أي انتصار جزئي للثورة المضادة لا يستطيع اعادة الأمور الى مجراها الطبيعي ولا يستطيع ايقاف الحرب ، حيث ان العملية أعمق بكثير ، وبصورة مختصرة فان استمرار الاحتلال يعني في المدى القصير تأصل الفاشية في اسرائيل كتلك التي في جنوب افريقيا . ثم ان التخلي عن المناطق المحتلة نتيجة لبرنامج «روجرز» مثلا لا يؤدي الى الحد من العنصرية في اسرائيل ، حيث أن مجرد التخلي عن تلك المناطق لا يؤدي الى السلام ، أو الى امكانية النضال الثوري داخل اسرائيل . ان من المحتمل التوصل الى فترة من الهدوء النسبي ، غير أن من المتوقع حتما ردود فعل عنصرية أحد بكثير نتيجة للمشاكل الاقتصادية ولخيبة الامل .

ان «ماتسبين» بالاحرى لم يتخذ شعاراته بصورة جدية .

لقد استعرضنا أسباب حرب حزيران ١٩٦٧ ، ولم نقم بأية مساومة مع الشوفينية ، ونحن على حق حين نقول انه من المستحيل انهاء الحرب دون ايجاد حل عادل لقضية الشعب الفلسطيني ، وها نحن نرى جيدا نتائج تلك الحرب وذلك الاحتلال ، انها تفضح بصورة سافرة الصبغة الاستعمارية التوسعية لدولة اسرائيل .

ولكن ، هل ادى ذلك التحليل الى تغيير في سلوكنا الشخصي أو في فعاليتنا ؟

لا ! ان باستطاعتنا ان نسخر من المنظمات الشيوعية التي ترقب الكارثة عن كثب ولا تستعد لمواجهتها ( كاليونان واندونيسيا مثلا ) ، ثم ، أي النتائج استخلصنا نحن الذين نعيش الواقع ذاته ؟

لا شيء ! لاننا نعيش الأوهام ذاتها . ثم ، كيف كان رد فعلنا عندما تطور واحتد الهجوم الصحفي ضدنا واتخذ صيغة « ماتسبين – فتح – خائن » ؟ لقد انتفضنا في البداية ، وفي كل مرة ننتفض من جديد . وعندئذ كديمقراطيين صالحين توجهنا «لديمقراطيين» اخرين !

لقد حاولنا في مطلع هذا العام ان نقاوم عزلتنا ، وان تعمل على خلق جبهة موحدة لمحاربة قوانين الطوارىء وسياسة العقوبات الجماعية والى غير ذلك ، ومع مرور الوقت لم نجد من يتعاون معنا باستثناء القائمة الشيوعية الجديدة «راكاح» ، فقد قمنا فقط بعمليتين ذات أهمية ، كانت احداها التظاهر أمام مبنى الكنيست احتجاجا على أعمال العقوبة الجماعية ، والأخرى مظاهرة في تل أبيب .

لقد كان ذلك كل ما قمنا به ، غير أن ذلك لم يستطع الزام اليسار الصهيوني كمنظمة « اليسار الاسرائيلي الجديد – سياح » أو الديماغوغيين أمثال أفنيري مشاركتنا النضال من أجل الديمقراطية ، لأن ذلك ليس من مصلحتهم . ثم اننا بايهام أنفسنا أن ذلك من مصلحتهم حقا ، فاننا نفترض وجودهم کأحزاب معارضة . أن باستطاعتهم الدفاع عن « حرية الكلمة » فقط ، غير أن ذلك دفاع مضر في الواقع : وفي الحقيقة فاننا نخدمهم بصورة مضاعفة ، لأننا بالنسبة لهم جماعة من «الخونة» يهاجمونها لكونهم مواطنين صالحين ويدافعون عنها بصورة سطحية فقط – كديمقراطيين صالحين .

ان الحملة التي تشنها الصحافة ضدنا أمر لا مفر منه ، وكذلك عزلتنا . ظن البعض ، ولا يزالون ( كما كنت بنفسي شريكا لذلك الوهم ) ان من الممكن الدفاع عن أنفسنا بالتوجه لمحاكم الدولة . أن التوجه لمحكمة صهيونية ورجاءها التفريق بين ثائر وخائن ، كالتوجه الى ذئب ورجائه منع رفاقه أكل ابنك بشراهة ، وكما لو كنا نعيش في جو من الديمقراطية البرجوازية كتلك التي في انكلترا والسويد .

وبمفهوم معين فاننا نقوم بنضال سياسي ضد عصابة من ذوي العضلات ، لذلك فمن واجبنا ان نذكر اننا موجودون خارج الاطر ، وتلك نتيجة حتمية لموقفنا الأممي .

لقد (عرضنا) ما ليس باستطاعتنا عمله ، ويجدر السؤال هنا ماذا يجب علينا عمله ؟

أولا : تنسيق برنامج سياسي يتضمن تفاصيل متناقضات المجتمع الاسرائيلي ، ان عرضا كهذا لن يكون مجردا ولا يمكن ان نجده في أي من الكتب الموجودة .

فمن الواضح أن البروليتارية الاسرائيلية هي بشكل قاطع تقريبا شريكة للايديولوجية الصهيونية ، ثم أن من الواضح أيضا ان استمرار الحرب يزيد من حدة الاستغلال الاقتصادي ، وانه في الأشهر القليلة القادمة يتوقع نضال عمالي أحد بكثير .

من الطبيعي انه ليس بامكاننا تجريد البروليتارية اليهودية عن الايديولوجية الصهيونية دون احداث تغيير في الشرق الاوسط ، من دون تحول حركة التحرر العربية المناوئة للاستعمار الى حركة اشتراكية شعبية تقوم في الوقت ذاته بنضال ضد الصهيونية والاستعمار .

غير ان نضالنا ضد الصهيونية يفرض علينا بادىء ذي بدء التوجه الى البروليتارية ، حيث انها الطبقة الوحيدة التي لا مصلحة لها في استمرار الحرب .

لذلك فان لتوجيه النضال بالدرجة الاولى الى صفوف الطبقة العاملة الأسبقية الأولى ، وان أولئك الذين يشكون في امكانية نجاح مثل هذا النضال لا يستطيعون تبرير ذلك بصورة مقنعة ، لان أحدا حتى الآن لم يقم بنضال كهذا بصورة جدية .

ان من المستحيل اعطاء جواب ملم ونهائي دون الدخول في التجربة ، وان من السذاجة أن نفكر بالقيام بذلك النضال كنضال حتى عن طريق توزيع بعض مناشير اضافية . يجب علينا ان نعرض مناشيرنا بلغة بسيطة وأسلوب واضح ذي فهم ، وان نعالج المشاكل الواقعية ، أي أن نعرفها أولا عن فهم طريق بحثها . ومن الناحية الاخرى يجب اتخاذ قرار يضع أولئك الذين لا يعملون ولا يدرسون من أعضاء المنظمة تحت تصرفها بحيث تضمن فعاليتهم في المصانع .

اننا لا نقصد عرض الحلول الخيالية أو المستحيلات ، علينا ان نبدأ طريقا طويلا وشاقا يتطلب جهدا وارادة وانضباطا دون التقيد بالمثل المألوفة .

كما ونفترض انه علينا العمل بصورة منسقة منتظمة داخل القطاع العربي وباللغة العربية . وان نغير بصورة جذرية أسلوب منشوراتنا المليئة بالمثالية والتي لا تعالج المشاكل الخاصة لذلك القطاع . واذكر هنا بعض رفاقنا الذين يوضحون في القرى العربية « أنه من الواضح استحالة حل القضية الفلسطينية دون ثورة اشتراكية » . ان موقفا كهذا ، على الرغم من صحة ماهيته لا يمكن فهمه على الاطلاق بصورة صحيحة ، وينظر اليه كخيال بعيد عن الواقع .

ليس من شك في ان هذا التحول الجذري يفترض ايجاد خطة سياسية وبرنامج عمل ، والأهم من ذلك كله هو ان نعرف ان من الممكن احداث ذلك التغيير الجذري عن طريق ادخال مواقف جديدة تجاه المثل المألوفة لدينا ، وذلك عن طريق الانضباط الثوري . ان ما يجب علينا فهمه هو أن لا مناص من استقصاء النتيجة الحتمية وهي ان على «ماتسبين» الانفصال عن أصله البرجوازي الصغير والبوهيمي . وان لم نفعل ذلك فمعناه الجود بأسخى عطاء للحكم الصهيوني ، أي بأن نترف في الحفاظ على منظمة ثورية شرعية وعاقر في نفس الوقت . ان وجودنا الاسمي دون فعالية معناه خدمة السلطة ، وبالتالي ان نكون موضوعيا ثوريين واقفين في حلق الثورة !

[الملحق القادم : حوار مع المنشقين]

[العودة الى صفحة المحتويات]