
[نشرت المقابلة في مجلة « شؤون فلسطينية »، العدد ۲ ، أيار ١٩٧١]
قيد الطبع دراسة أعدتها ليلى القاضي من باحثات مركز الابحاث عن المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية ( ماتسبين ) ، وهي منظمة بدأت تلفت النظر بشكل خاص بعد حرب حزیران ۱۹٦۷ ، حيث قامت بنشاطات دعاوية واسعة داخل اسرائيل وفي أوروبا ضد العدوان وضد الاضطهاد الذي يلاقيه عرب المناطق المحتلة . وكانت هذه النشاطات مرافقة بطرح وجهة نظر أيديولوجية ترفض الفكرة الصهيونية من أساسها وترفض الكيان الاسرائيلي المستقل على أرض فلسطين . وقد كان من شأن هذه النشاطات والطرح الفكري أن تمت لقاءات بين عدد من قادة هذه المنظمة في أوروبا وعدد من الافراد القياديين في المنظمات الفدائية ، كما تم تنظيم مظاهرات و مهرجانات مشتركة ضد اسرائيل ودعاتها في انكلترا والمانيا وفرنسا كان لها مفعول دعاوي كبير ، وتعرض بسببها عدد من قادة هذه المنظمة الاعتداءات جسدية من قبل العنصريين اليهود كان أشهرها حادث الاعتداء الذي وقع على إيلي لوبل في باريس وكاد يودي بحياته ، وكان من نتائجها أيضا أن امتنعت الحكومة الاسرائيلية فترة طويلة عن تمديد جوازات سفر بعض أعضاء هذه المنظمة وهددتهم بسحبها . أن « شؤون فلسطينية » تنشر فيما يلي الجزء الأهم من مقابلة أجرتها ليلى القاضي ، في سياق اعدادها للدراسة المذكورة عن المنظمة ، مع أحد القادة المؤسسين لهذه المنظمة [وهو موشه ماحوفر]، لما في هذه المقابلة من فائدة في القاء الضوء على حركة سياسية وتيار فكري معاد للصهيونية أثار اهتماما واسعا في الأوساط الثورية الفلسطينية . وتتضمن الدراسة المعدة للطبع مقدمة نقدية لماتسبين كتبها الاستاذ غسان كنفاني .
القاضي : ارجو ان تعطينا صورة عن التطورات التي طرأت على تحليل منظمتكم وفهمها للقضية الفلسطينية .
هذا هو الموضوع الرئيسي الذي تطورت المنظمة في نظرتها اليه منذ تأسيسها اذ أن تطورنا بالنسبة للقضايا الكبرى الأخرى لم يكن يتصف بابة سمات خاصة بل كان منسجما مع ما جرى للحركات اليسارية الثورية في العالم بصورة عامة . على صعيد هذه الامور أصبحت وجهات نظرنا اكثر وضوحا كما نما نقدنا للحزب الشيوعي . ومن هذه الناحية نحن جزء من اليسار الثوري العالمي وخاصة في العالم الثالث . اما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والشرق الأوسط سألخص التطورات الهامة التي طرأت على مواقفنا بما يلي : عندما تأسست منظمتنا لم يكن هناك أي فارق مميز بين وجهة نظرنا حول الصهيونية والقضية الفلسطينية وبين الحزب الشيوعي الاسرائيلي الذي يتمثل اليوم براكاح . على سبيل الايضاح اذكر الحادثة التالية : قبل تأسيس الماتسبين بفترة قصيرة قام اثنان من الاعضاء المؤسسين بنشر كتاب احتوى على كمية كبيرة من وثائق مناقشات البرلمان الاسرائيلي وتعليقات الصحف عليها . وكانت التحليلات التي قدمها الكتاب منسجمة تماما مع خط الحزب الشيوعي . وحتى هذه الساعة ما تزال وجهات النظر المعروضة في ذلك الكتاب اقرب الى موقف الحزب الشيوعي مما هي الى موقفنا الذي تطور وتبدل بصورة جذرية . فيما يلي عرض لوجهة نظر الحزب الشيوعي هذه ، علما بأني أقوم ، من خلال هذا العرض ، بنقد الحزب وبنقد وجهات نظري القديمة التي كنت اعتنقها شخصيا والتي اعتبرها مرحلة انتقالية في نمو مواقفي السياسية كما في نمو المواقف السياسية لمعظم أعضاء منظمتنا .
واعني هنا ، طبعا ، الأعضاء اليهود لان الأعضاء العرب لم يكونوا ضحية للأوهام الصهيونية الى الدرجة مثلما كنا نحن . مع ذلك ان ما قلته ينطبق الى حد ما على الاعضاء العرب كذلك اذ ان عددا كبيرا منهم كان منتسبا الى الحزب الشيوعي كما انه معروف ان عددا كبيرا من العرب هم اعضاء حتى الآن في الحزب .
ان اول ما ينبغي أن تفهمه بالنسبة لموقف الحزب الشيوعي في الماضي والحاضر هو انه يقبس كافة الأمور بمعيار بسيط واحد هو صلة القضية المعنية بالاتحاد السوفياتي . وقد يبدو هذا الوصف فجا ولكن هذا ما كان يحدث في الواقع . اضرب مثلا صغيرا هنا . لو راجعنا مناقشات البرلمان الاسرائيلي عام ١٩٥٠ المتعلقة بالبيان الثلاثي ( أي بيان الدول الكبرى بضمان الحدود كما كانت عليه يومئذ بين اسرائيل والدول العربية ) وهو وثيقة مهمة جدا في التاريخ المعاصر للشرق الاوسط ، لوجدنا ان الحزب الشيوعي وقف ضد البيان لانه رأى فيه مناورة سياسية ضد الاتحاد السوفياتي فقط . لا شك ان البيان كان جزءا من الستراتيجية الامبريالية الموجهة ضد الاتحاد السوفياتي ولكن كان له ايضا مضامين أخرى مهمة ومتنوعة بالنسبة للمنطقة العربية نفسها مما لا نجد له اي ذكر في معارضة الحزب الشيوعي للبيان . كان البيان الثلاثي يبغي أيضا المحافظة على الوضع القائم في المنطقة عام ١٩٥٠ وتصفية القضية الفلسطينية نهائيا . كانت كل هذه الاشياء متضمنة في البيان الثلاثي ولكن الحزب الشيوعي لم يعلق على اي منها . في الواقع لم يكن بمقدوره أن يفعل ذلك لانه كان يحاكم كل شيء على أساس المقياس الذي ذكرته .
لا شك ان الحزب الشيوعي معاد للصهيونية والسبب الرئيسي لموقفه هذا هو كون الصهيونية متخالفة مع الامبريالية ضد الاتحاد السوفياتي . طبعا هذا موقف سليم ضمن حدود معينة ولكنه غير كاف . من ناحية أخرى يفتقر الحزب الشيوعي الى أي تحليل للصهيونية كحركة استعمارية بحد ذاتها. اي ان الحزب لا يواجه الصهيونية الا من خلال سياستها الخارجية ، أي من خلال علاقاتها بالقوة الدولية . أما بالنسبة للديناميكية الداخلية للصهيونية فليس لدى الحزب أي شيء ليقوله . كما انه لا يفكر بهذه الطريقة أصلا ، وبما أن الحزب الشيوعي يرفض النظر الى الديناميكية الداخلية للحركة الصهيونية والصدام الذي ولدت على أرض فلسطين مع العالم العربي يبقى الحل الذي يقدمه للنزاع محصورا ضمن حدود الاعتراف بالحقوق المشروعة لكلا الشعبين : العربي الفلسطيني والشعب الاسرائيلي . هذه معادلتهم لحل القضية الفلسطينية. وكان هذا موقفي انا في عام ١٩٦۲ كما كان الموقف الذي كانت تتبناه ضمنا منظمة ماتسبين . كان ذلك واضحا في الاعداد الأولى من مجلة ماتسبين حيث كنا نؤيد حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة مثلا ولكن لم يكن هناك اي نقد راديكالي للحركة الصهيونية يبدأ بتحليل تاريخها ومن ثم يواجهها من خلال تطورها لكشف طبيعتها وما فعلته في فلسطين منذ نشأتها .
بين الاعوام ١٩٦٣ ١٩٦٦ تطور موقفنا باتجاه تبني هذا النقد ، ولا اعتقد أن هذا التطور جرى تحت تأثير اية عوامل أو احداث خارجية كبيرة بل جاء نتيجة تحرير انفسنا من أساليب التفكير السادة في الحزب الشيوعي حول كافة القضايا السياسية . لم نعد نحاكم كل شيء وفقا لعلاقته بالاتحاد السوفياتي . من هنا شعرنا بضرورة ملحة لفهم الصهيونية وتحليلها بحد ذاتها اذ كنا نعرف منذ البداية ارتباطها بالامبريالية ، وكلنا عاصر العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦ . ولكن السؤال الذي طرحناه على أنفسنا هو : ما هي العوامل الكامنة في الصهيونية التي تجعلها حليفا طبيعيا للامبريالية ؟ ما هو تاريخ الاستعمار الصهيوني في فلسطين ؟ أصبحت هذه التساؤلات قضايا في غاية الأمية بالنسبة لنا وشرعنا في دراستها وطورتا خطا سياسيا حولها . ليس بامكاني أن أشرح هنا هذا الخط ولكنه موجود في الوثائق المتعددة التي نشرناها . بالنسبة للاستنتاجات الأولية التي توصلنا اليها في هذا الميدان حوالي عام ١٩٦٦ فهي موجودة في نشرة «اسرائيل الأخرى» ، حيث حاولنا تقديم تحليل للصهيونية كحركة استعمارية تمتلك ديناميكية خاصة بها ، أي انها ليست أداة سلبية محض بيد الامبريالية وانما تتصف بقوانين حركتها الخاصة بها التي تدفعها بالضرورة إلى حلف دائم مع الدولة الكبرى التي تكون مسيطرة في الشرق الأوسط .
أما موقفنا في الوقت الحاضر فهو لا يختلف كثيرا من حيث الاساس عن التحليلات التي عرضناها في وثائق عام ١٩٦٦ ، مع الأخذ بعين الاعتبار ان بعض ما ورد في تلك الوثائق كان مناسبا لعام ١٩٦٦ ولكنه لم يعد ذي بال مع مرور الزمن ومع التحولات التي طرأت على المنطقة . لقد تغير موقفنا منذ عام ١٩٦٦ بالنسبة لموضوع مهم هو تحليلنا الحرب عام ١٩٤٨ ، علما بأن موقفنا الحالي من تلك الحرب ينسجم مع الروح العامة لتلك الوثائق. السؤال الاساسي هو فيما اذا كان الصدام الذي وقع بين المؤسسة الصهيونية والسلطة البريطانية في فلسطين هو حرب ضد الامبريالية باعتبار انه انتهى بطرد الاستعمار البريطاني من فلسطين ؟ يجيب الحزب الشيوعي على هذا السؤال بالايجاب. اما اجابتنا نحن فقد كانت غامضة الى حد ما في وثائق عام ١٩٦٦ . أما موقفنا الحالي فيتلخص بالقول أنه لا يجوز بأي حال من الاحوال اعتبار صدام ١٩٤٨ المسلح كحرب معادية للامبريالية وفي احسن الاحوال يمكن اعتباره صداما نشأ بين الجماعة المستعمرة ( بكسر الميم ) ، أي المستوطنين الذين جاءوا من الخارج ، وبين الامبراطورية التي ترعرع استعمارهم في كنفها الى أن أصبحوا بحاجة الى مجال حيوي أكبر . بعبارة أخرى تشبه تلك الحرب الى حد كبير نزاع ايان سميث في روديسيا مع الاستعمار البريطاني . مثال آخر نستمده من حرب البوير حيث لم يكن البوير محررين الافريقيا الجنوبية من الامبريالية بل كانوا يسعون لمجرد التخلص من السيطرة الاستعمارية المباشرة عليهم . ارادوا ان يكونوا هم المستعمرون الحقيقيون لافريقيا الجنوبية بدون وصاية خارجية مباشرة .
استمر تطور خطنا بهذا الاتجاه كما يتبين من وثيقة نشرناها مباشرة قبل اندلاع الحرب عام ١٩٦٧ ( وهي موجودة في نشرة « اسرائيل الاخرى » ) . كما نشرنا وثيقة أخرى بعد انتهاء القتال مباشرة وموضوعها الحرب ذاتها ولكن لسوء الحظ لم تنشر باللغة الانكليزية بعد ومن المتوقع صدورها قريبا . ولا اعتقد ان من الضروري الخوض في تفاصيل موقفنا في هذه المقابلة اذ ان ذلك مطروح في الوثائق المذكورة وفي وثيقة نشرتها مجلة « الحرية » في بيروت . اعلنا كذلك مواقف أخرى من قضايا محددة مثل مشروع روجرز والصدام الحاصل بين الفدائيين والسلطات الاردنية .
ما هي علاقاتكم الحالية بالحزب الشيوعي وكيف تفسرون تعاونكم مع راكاح ؟
لو كنا في بلد اعتيادي مثل بقية البلدان لكانت علاقاتنا مع الحزب الشيوعي مختلفة جدا عما هي عليه في اسرائيل . اي كنا وجدنا انفسنا في معسكرين مختلفين . لكن الوضع في اسرائيل مختلف ، اذ نجد انفسنا مع الحزب الشيوعي في موقع المعارض والمكافح ضد الصهيونية . لكن هذا لا يعني ان امكانات التعاون مع الحزب الشيوعي غير محدودة. في الواقع انها محدودة جدا بالمواقف المتعارضة التي نقفها نحن ويقفها الحزب الشيوعي من الحل الصحيح ، كما نراه ، للقضية الفلسطينية ومن الاسلوب السليم ، كما نراه أيضا ، لتحقيق هذا الحل . يستند الحزب الشيوعي في هذه المسألة الى قرار مجلس الامن الصادر في ٢٢ نوفمبر ١٩٦٧ ، ولا غرابة في ذلك اذ ان الاتحاد السوفياتي يؤيد القرار . ونتيجة لهذا الموقف وجد الحزب الشيوعي نفسه منذ فترة قريبة في موقع طريف وغريب عندما أعلن روجرز مشروعه المشهور . كان الحزب الشيوعي في موقف المحرج حقا لأن مشروع روجرز صادر عن الامبريالية الأمريكية من ناحية وهو لا يختلف عن قرار مجلس الامن المذكور من ناحية ثانية . لذلك اذان الحزب المناورات الامبريالية في المنطقة في معرض تعليقه على مشروع روجرز وأيد بحماسة المشروع نفسه . أي في وقت واحد قال الشيوعيون ان مشروع روجرز مناورة امبريالية وأيدوه .
ان مطلب الحزب الشيوعي هو الحل السياسي للنزاع في المنطقة . ومع ما في هذه التسمية من اختلاط فان المقصود بالحل السياسي هو حل النزاع على اساس توازن القوى القائم حاليا في الشرق الأوسط. فلو كان بالامكان الحصول على حل سياسي مرض ( من وجهة نظر ثورية ) بطرق غير عسكرية لا أعتقد أن أحدا سيمانع في ذلك . لكن الحل السياسي المقصود حاليا هو الذي أثرت اليه ، أي الذي يترك السلطة الصهيونية في اسرائيل والاوضاع العربية على حالها . المسألة اذن لا تكمن في مجرد البحث عن وسائل الوصول الى حل للنزاع بل في نوع الحل المطلوب. وواضح جدا أن الحزب الشيوعي يؤيد حلا يقوم على استمرار الأوضاع القائمة في الشرق الأوسط بما في ذلك النظام الصهيوني في اسرائيل . الفارق الحقيقي اذن ليس بين الحل العسكري والحل السياسي بل بين الحل الثوري والحل غير الثوري. ويقف الحزب الشيوعي بوضوح مع الحل غير الثوري ، بينما نقف نحن بحزم ضد هذه الحلول وامثالها لاننا لا نعتقد بأنها ستحل أي شيء . ولكن بالرغم من الهوة العميقة التي تفصلنا عن الحزب الشيوعي في هذا الموضوع نجد انفسنا في نفس الموقع معه بالنسبة لبعض القضايا اليومية والتفصيلية ، مثلا الجرائم التي ترتكبها سلطات الاحتلال في الضفة الغربية وفي قطاع غزة ضد المواطنين العرب ، كذلك بالنسبة للعبة البرلمانية داخل اسرائيل . نحن لا نطلق كثيرا من الاهمية على اللعبة البرلمانية ، مع ذلك عندما تجري الانتخابات علينا ان نحدد مواقف معينة من بعض المرشحين . لذلك نؤيد مرشحي الحزب الشيوعي : وفي الانتخابات الاخيرة عملنا معهم . وبامكاني ان اقول ان اشتراكنا في الحملة الانتخابية الاخيرة الى جانب الحزب الشيوعي كان مهما بالنسبة للحزب نظرا الى صعوبة الوضع الذي وجد نفسه فيه حيث كان معظم مناضليه العرب قيد الاعتقال في تلك الفترة . وكانت المساعدة التي قدمناها للحزب في الحملة الانتخابية كبيرة ، كما ان الموقف الذي اعلناه في وثيقتنا الانتخابية شرح دوافعنا في تأييد الحزب في الانتخابات بالرغم من اننا لا نلتقي معه كليا في نظرتنا الى قضايا الشرق الأوسط . وقد لاقت هذه الوثيقة تأييدا كبيرا في الاوساط العربية في اسرائيل . وكان اعضاء منظمتنا يستقبلون استقبالا جيدا في القرى العربية حيث ينشطون ويوزعون المنشورات . بعبارة اخرى مع اننا دعونا اهل القرى في منشوراتنا الى التصويت لمرشحي الحزب الشيوعي فقد شرحنا ايضا نقدنا المعروف للمواقف الحزب المعينة .
كيف كنتم تعملون كحزب سياسي داخل المجتمع الاسرائيلي وكيف تتصورون استمرار عملكم هذا ؟
لقد تنوعت أساليب عملنا مع تبدل الظروف واعتقد أن جزءا من الجواب على هذا السؤال متضمن في اجابتي على السؤال الأول حول التاريخ التنظيمي لماتسبين. بامكاني أن أقسم تاريخ عملنا الى ثلاث مراحل . كما ذكرت سابقا كان نشاطنا الرئيسي في السنوات الأولى موجها نحو حركة لجان العمل في أوساط الطبقة العاملة الاسرائيلية ، وقد بذلنا جهدا كبيرا في هذا المجال وتعلمنا العديد من الدروس . تعلمنا مثلا انه بالامكان كسب تأیید العمال حول قضايا النضال العمالي الاقتصادي البحت ، لان العمال قادرون على الاستنتاج بأنفسهم ان الهستدروت يشكل عائقا في وجه تحقيق مصالحهم الطبقية . لكن من ناحية أخرى عندما كنا نحاول رفع مستوى النضال الى الصعيد السياسي ضد النظام بحد ذاته كنا نواجه مسألة الصهيونية كعائق اساسي . لذلك توصلنا الى النتيجة التالية : طالما بقيت الصهيونية طاغية في اسرائيل وبقيت الظروف العالمية وظروف المنطقة تسمح للمجتمع الاسرائيلي ككل بالتمتع بامتيازات في الشرق الأوسط تدعمها الامبريالية الاميركية فان الطبقة العاملة في اسرائيل تبقى مستفيدة من الصهيونية ومن المستبعد ان تتحول الى طبقة ثورية بالفعل . اريد ان اشدد على العبارة الاخيرة . بما أن المجتمع الاسرائيلي مقسم على أسس طبقية يقوم العائق السياسي الذي نحن بصدده ( أي الصهيونية ) بدور المعطل للنمو الثوري للطبقة العاملة الاسرائيلية . اما في ظروف أخرى تكون فيها الصهيونية على وشك الانهيار مثلا ( بسبب اوضاع محلية وعالمية جديدة ) عندئذ ستتحول الطاقات الثورية الكامنة في الطبقة العاملة الاسرائيلية الى حيز الوجود الفعلي .
اما المرحلة الثانية في عملنا فقد جاءت ، على ما اعتقد ، عام ١٩٦٦ عندما كانت المسألة المطروحة علينا هي توسيع المنظمة ، ولتحقيق ذلك قمنا بنشر افكارنا وآرائنا بكل طريقة ممكنة وبكافة الوسائل المتوفرة ، وجذبنا الى المنظمة اعضاء من كافة قطاعات المجتمع الاسرائيلي ، بما في ذلك عمال من اليهود والعرب ، علما بأن العوائق التي تواجه العامل العربي في نشاطه لا يواجهها العامل اليهودي في اسرائيل . طبعا واجهنا مشاكل القمع التي تعرضنا لها مما جعل العمل أكثر صعوبة ، ولكن بالرغم من ذلك أصبحنا منظمة معروفة بفضل جهودنا الذاتية وبفضل الموقف العدائي الذي وقفه النظام منا . وبما اننا أصبحنا نمثل نقيض كل ما يمثله النظام أصبح باستطاعتنا العمل في قطاعات معينة من السكان في اسرائيل . منذ تلك الفترة لم يعد نشاط ماتسبين منحصرا في حدود صفوف الطبقة العاملة الإسرائيلية ، مع اننا ما زلنا نشارك في نضالات الطبقة العاملة وفي الكفاح من اجل مطالبها الاقتصادية . وعلى الصعيد السياسي وجهنا جهودنا نحو تلك القطاعات من الشعب الأكثر تأثرا من غيرها بسلبيات الوضع السياسي والاقتصادي في البلد . هذا يعني أساسا السكان العرب في اسرائيل وهم الى حد كبير ذوو طبيعة بروليتارية . اما بالنسبة للقطاع اليهودي فان نشاطنا توجه الى اوساط الشباب التي تمر حاليا بتطورات جديدة عبرت عن نفسها منذ فترة قصيرة بنوع من الانزعاج الشديد من سياسات النظام وبتصاعد الشكوك حول الصهيونية . كانت هذه التطورات واضحة في رد فعل الاوساط الشابة لما يسمى بقضية غولدمان ( المقصود هنا ما تردد في الصحافة الغربية عن عدم موافقة غولدا مائير على الزيارة السرية التي طلب ناحوم غولدمان ان يقوم بها للرئيس عبد الناصر ) . غير أننا كنا نشعر بوجود هذه الاتجاهات في صفوف الشباب قبل فترة من الزمن وأستطيع ان أقول ان حدوث هذه التطورات جاء الى حد ما بتأثير من نشاطنا بين الشباب . انا لا أقول طبعا بأن مسؤولية حدوثها تقع علينا كليا بالرغم من أن بعض المقالات التي ظهرت في الصحافة الاسرائيلية القت باللائمة علينا بالنسبة لكل ما حدث . طبعا هذا مبالغة كبيرة ولكن كان لنا دور وتأثير . لقد تمكنا من تزويد قسم من هؤلاء الشباب ببعض المناهج الفكرية التي تساعدهم على فهم الأوضاع المحيطة بهم بوضوح أكبر . كما اثرنا في رؤوسهم تساؤلات جذرية اخذوا يطرحونها على انفسهم وعلى اساتذتهم . اذ من الضروري أن نعرف اي نوع من الاسئلة علينا ان نطرح اولا . لقد نجحنا في جعل كثيرين من هؤلاء الشباب يفكرون بهذه القضايا على اسس جديدة .
اما المرحلة الثالثة فانها لم تنته بعد بسبب نمو التفاعلات التي تحدث الان في اوساط الشباب اليهودي في اسرائيل والتي لا تزال في بدايتها . طبعا أن عدد من تشملهم هذه التفاعلات قليل نسبيا كما أن الظاهرة ليست منتشرة على نطاق واسع ، غير اننا مقتنعون بأنها ستنتشر وتتسع بدون ريب . وميدان العمل مفتوح أمامنا في اوساطهم . لكن يجب الا تبالغ ، لان الظاهرة ستبقى ضيقة ومحدودة كما ذكرت ، ولان بعض الذين يدخلون هذا الطريق يتوقفون بعد فترة عن العمل ولا يستمرون الى النهاية . هناك ظاهرة اخرى تذكر هي تشكل فئات صغيرة داخل اسرائيل ذات طابع راديكالي وسطي ، بمعنى انها تريد ان تكون يسارية ولكن مع الابقاء على علاقة ما بالصهيونية .
هل بامكانك تسمية بعض هذه الفئات ؟
التجمع الوحيد الذي اكتسب شكلا محددا إلى حد ما هو ( سياح ) الذي يكتسب اسمه من الاحرف الأولى لعبارة « اليسار الاسرائيلي الجديد » .
يتألف هذا التجمع من أشخاص كانوا في الحزب الشيوعي الذي يقوده ميكونيس وسنيه ، وحزب المابام . وهو يلعب ، من الناحية الموضوعية ، الدور الذي كان يلعبه حزب المابام في الأيام الماضية أي نوعا من التجميل اليساري للصهيونية . طبعا هذا يعني انه يقوم بدور رجعي بمعنى انه يشكل عائقا أمام تطور عناصر كثيرة في اسرائيل وخارجها بسبب نشرهم دعاية من النوع الذي يخلق وهما معينا يقول انه بامكان الصهيونية أن توصف باليسارية . من ناحية أخرى يقوم هذا التجمع بدور ايجابي بمعنى أنه يشكل مرحلة من مراحل النمو ، في حياة الكثيرين ، باتجاه الموقع اليساري الثوري ، اذ ان معظم الناس غير قادرين على القفز مرة واحدة من الصهيونية الى الموقف الثوري ، وعليهم الانتقال الى الموقع الثاني تدريجيا وعبر مراحل تتصاعد في راديكاليتها .
توجد كذلك بعض جماعات أخرى ولكن ليس لها أية صفة تنظيمية ولا تطرح أي برنامج سياسي . جماعات من طلاب المدارس الثانوية مثلا الذين ينظمون اجتماعات فيما بينهم ويوزعون منشوراتهم ( غير المرخصة رسميا ) مما يعرضهم للملاحقة من قبل البوليس في بعض الأحيان .
تطالبون في منشوراتكم بانسحاب القوات الاسرائيلية من المناطق المحتلة عام ١٩٦٧ ، وهذا موقف ينادي به الحزب الشيوعي أيضا . لكن من الواضح أن هذا المطلب لا يخدم الحل الثوري للقضية علما بأن منظمتكم تريد حلا ثوريا . لذلك لا بد من الاستفسار عن دوافع طرحكم لمثل هذا المطلب خاصة انه قد يقع ، كما يبدو لي ، في شراك الخط الرسمي للحزب الشيوعي وما يسمى بالحل الدبلوماسي للمشكلة .
أولا نحن لا نعتقد أن الانسحاب الاسرائيلي من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧ سيؤدي الى حل أية مشكلات حقيقية . أن كل ما نقوله بهذا الصدد هو أن مثل هذه الخطوة هي شرط ضروري للعمل السياسي ولكنها غير كافية على الاطلاق . نحن لا نعتقد انه بالامكان حل المشكلة على أساس الوضع القائم كما كان قبل حرب ١٩٦٧ . بينما يرى الحزب الشيوعي ان الوضع السابق يمكن أن يكون أساسا لتسوية النزاع . ان مطلب انسحاب القوات الاسرائيلية يعني شيئا مختلفا بالنسبة للحزب الشيوعي عما يعنيه بالنسبة لنا .
فيما يتعلق بما ذكرتيه عن احتمال وقوعنا في شراك موقف الحزب الشيوعي أقول انه لا يمكن لأي انسان يقوم بالعمل السياسي في اسرائيل أن يستغني عن مطلب الانسحاب . بالنسبة لأي اسرائيلي يعتبر نفسه ثوريا ان رفع شعار الانسحاب كمطلب حد أدنى وليس كمطلب نهائي هو أمر ضروري وملح للغاية . انا لا أوهم نفسي بأن تحقيق هذا المطلب سوف يحل المشكلة التاريخية ولكن علينا ان نعلن ، على أقل تعديل ، موقفنا المناوىء للاحتلال العسكري . ان أي اسرائيلي لا يعلن موقفه ضد الاحتلال يصبح مشاركا فيه . اما بالنسبة لكيفية مقاومة الاحتلال فقد أعلنا موقفنا بهذا الصدد أكثر من مرة .
هل استنتج مما قلته بأن الطاقات الثورية الكامنة للطبقة العاملة الاسرائيلية لن تتحقق على صعيد الواقع الا تحت تأثير عوامل خارجية ( مثل حدوث ازمة في اسرائيل مصدرها خارجي ) ستكون نابعة على الارجح من نمو القوى العربية الثورية وتطورها ؟
نعم ، أوافق مع اني قد لا أعبر عن الاستنتاج بنفس كلماتك ، اذ انني لا اعتقد بوجود مؤثرات «خارجية» بحت لان نمو الأشياء يتم دوما بأسلوب ديالكتيكي . أعني أن تحول الطبقة العاملة الاسرائيلية على النحو الذي ذكرناه سيأتي نتيجة نمو يشمل عوامل خارجية وداخلية مجتمعة معا وليس بالامكان فصلها عن بعضها ميكانيكيا . لكن في الأساس اعتقد ان العنصر الرئيسي سيكون تطور القوى العربية الثورية بالاضافة الى الوضع العالمي وظروفه أيضا .
على ضوء ما ذكرت كيف يكون موقف منظمة الماتسبين من الطبقة العاملة اليهودية في اسرائيل ؟ هل تغسلون أيديكم منها في الوقت الحاضر وتنتظرون الى ان تأتي ظروف أفضل وأكثر ملاءمة لايقاظها ثوريا ام ينبغي أن يستمر العمل في صفوفها مهما كانت الظروف ؟
أولا ينبغي أن يكون واضحا اننا لسنا جماعة تكرس نفسها لمسألة النزاع العربي الاسرائيلي فحسب . هذا ليس اهتمامنا الوحيد . نحن حزب اشتراكي ولذلك تقضي الضرورة الحيوية ان تكون لنا جذور في الطبقة العاملة . كما اننا نعتقد أن الطبقة العاملة هي طبقة ثورية على المدى البعيد . المهم في نظرنا هو أن ندرك في الوقت الحاضر ان العمل في صفوف الطبقة العاملة الاسرائيلية لا ينبغي أن ترافقه بالضرورة التوقعات الطبيعية التي ترافق العمل في أي دولة رأسمالية عادية في زماننا . وبدهي علينا أن نتدخل في الصراع الطبقي داخل اسرائيل ولكننا لا نتوقع في الظروف الحاضرة ان ننجح في رفع مستوى النضال العمالي من الصعيد الاقتصادي البحت الى الصعيد السياسي لان ذلك سوف يعني ضرب الصهيونية ، أي حدوث ثورة في اسرائيل ، أو بعبارة ادق اكتمال الوجه السياسي للثورة في اسرائيل واعني سقوط الصهيونية . طبعا انا لا أعني مجرد الثورة السياسية ، ستكون ثورة اجتماعية ولكن الناحية السياسية من الثورة ستعني في جوهرها اسقاط الصهيونية . الطبقة العاملة في اسرائيل ليست مستعدة في الوقت الحاضر للاضطلاع بمثل هذه المهمة ، ليس لأنها غير ناضجة بما فيه الكفاية بل لأنها مستفيدة من الصهيونية . سوف يتغير هذا الوضع اذا دبت عوامل الضعف في الصهيونية ومؤسساتها بسبب عدد من العوامل الخارجية والداخلية ، مثل تطور القوى الثورية في كافة انحاء الشرق الأوسط ، وضعف سيطرة الامبريالية الاميركية على العالم العربي . وواضح ان الامبريالية الاميركية تؤيد الصهيونية وتدعمها ليس بسبب الارباح التي تجنيها في اسرائيل ، ولكن لانها تستخدم اسرائيل في حماية مصالحها في منطقة الشرق الأوسط ، ومصالح النفط أشهر من ان تذكر . لذلك نرى انه لاضعاف الصهيونية لا بد من ضرب المصالح الأميركية في الشرق الأوسط . مع تبدل الظروف بالاتجاهات التي ذكرتها سيكون باستطاعة الطبقة العاملة الاسرائيلية ان تختار اختيارا جديدا ، سيتم ذلك عندما تفقد اسرائيل وظيفتها كحارس امبريالي في الشرق الأوسط لانه لا لزوم للحارس في المناطق التي ليس فيها مصالح . طبعا أن مثل هذه التطورات لا تأتي لوحدها وبصورة آلية . انها مرهونة أيضا بالعمل الذي نقوم به ويقوم به كافة الثوريين في المنطقة .
هناك نقطة يجدر بنا ايضاحها . في اية ظروف تعتقد انه يمكن للصهيونية ان تنهزم ؟ مثلا ، بما أن السيطرة الصهيونية قائمة على قوة داخلية هي المؤسسة العسكرية الاسرائيلية هل يمكن اسقاط الصهيونية بدون هزيمة عسكرية يصاب بها الجيش الإسرائيلي ؟
اعتقد أن الهزائم العسكرية في الواقع ستكون من اعراض الضعف الذي سيصيب المؤسسة الصهيونية . وليس صحيحا أن الهزيمة العسكرية هي التي ستضعف تلك المؤسسة . كما اني لم أقصد في كلامي السابق القول بأن الطبقة العاملة الاسرائيلية ستصبح ثورية بعد اسقاط الصهيونية بالتمام والكمال . الصورة التي حاولت رسمها أكثر تعقيدا من ذلك ، أن الاضعاف المستمر لقوة الصهيونية قد يعبر عن نفسه خارجيا عن طريق الهزائم العسكرية ، غير أن مصدر الضعف سيكون مجموعة عوامل خارجية وداخلية كما ذكرت في السابق . سأبين ما أعنيه : انت تقولين ان الأداة الاساسية التي تسيطر عليها الصهيونية سيطرة كاملة هي الجيش الاسرائيلي ( بينما هي لا تسيطر على هذا النحو على قوى أخرى مثل الامبريالية الاميركية أو التطورات في الدول العربية ) . لا بأس . غير أن الجيش ليس شيئا ساكنا وثابتا . يعني الجيش شيئين أساسيين : الأسلحة والرجال . كما هو معروف اسرائيل لا تنتج الاسلحة المهمة اذ ليس لديها الحديد ولا الفولاذ الضروريان لذلك . كما أن استطاعتها المحافظة على مستوى تسليحها هو تعبير واضح عن مستوى الدعم الامبريالي لها . لا يجوز طرح الموضوع اذن من زاوية هزيمة الجيش الاسرائيلي كما هو قائم حاليا لانه سيكون من اعراض ضعف الصهيونية وتدهورها في المستقبل الضعف العام للامبريالية في الشرق الأوسط مما سيؤثر على مستوى تصليح الجيش الاسرائيلي. اما بالنسبة للرجال اعتقد ان ما يسمى بتمرد الشباب في اسرائيل هو على درجة كبيرة من الأهمية ، لان هؤلاء الشباب هم الذين يقاتلون في الجيش الاسرائيلي ويشكلون عموده الفقري ، باعتبار أن الجيش الاسرائيلي جيش مواطنين وليس جيشا محترفا . لذلك أن ما يفكر به هؤلاء الشباب له اهميته . لا أدري اذا كنت مطلعة على المقال الذي نشره دايان منذ فترة قصيرة في صحيفة التايمز اللندنية . بامكاننا أن نستشف من المقال بعض الهموم التي تقلق هذا الرجل . قبل صدور المقال بيوم أو يومين شاهدت اعلانا مسبقا في التايمز يبشر بصدور المقال المعني فقلت لنفسي لن أجد فيه طبعا الا الدعاية الصهيونية العادية الموجهة الى القراء في الغرب . ولكن اتضح لي من المقال ان هناك أشياء تقلق دايان وهي على جانب من الاهمية ضمن الوضع الاسرائيلي الداخلي . يتذمر دايان في مقاله من واقع جديد يقلقه هو ان الشباب في اسرائيل لم يعد كما كان في السابق ، أي كما عهده دايان دوما . اي لم يعد الشباب يتقبلون الدعاية الصهيونية وتبريراتها ومغالطاتها كما كانوا يفعلون سابقا . كانت كل هذه الهموم واضحة في مقال دايان ، عبر عنها حتى في مقال موجه الى القاريء الانكليزي الذي لا علاقة له بها. يقول دايان : يجب علينا أن نبين للشباب في اسرائيل أن هذه الحرب التي نخوضها هي حربهم وعليهم المشاركة فيها لهذا السبب وليس لمجرد اننا نطلب منهم ذلك . هموم دایان تبين ان شيئا ما يحدث في اسرائيل وهو يتعلق بتطورات جديدة في صفوف قطاع معين من الشعب بالرغم من كونه قطاعا صغيرا نسبيا من الشباب الإسرائيلي . لا شك أنه سيكون لمثل هذه التطورات نتائجها الهامة حتما على الصعيد العسكري البحت . لذلك لا اعتقد انه من الضروري أن تصاب اسرائيل بهزيمة عسكرية شاملة كي تتحول الطبقة العاملة فيها الى وضع ثوري . طبعا انا لا اقول ان مثل هذه الهزيمة غير ذات صلة بوضع الطبقة العاملة . الذي اقوله هو أن الهزيمة العسكرية لا يمكن أن تكون الا احد الاعراض الهامة للضعف الذي سيدب في الصهيونية ويؤدي الى تدهورها . اعتقد ان سقوط الصهيونية سوف يكون نتيجة لازمة مركبة على الصعيدين العسكري والاقتصادي . أعني بالناحية العسكرية من الازمة ان اسرائيل ستجد طاقاتها العسكرية غير قادرة على تحقيق ما كانت قادرة على تحقيقه في السابق ( بسبب نمو القوى الثورية العربية وانحصار المصالح الامبريالية في المنطقة مثلا ) . الاوضاع التي ستؤدي إلى تحول داخلي في اسرائيل سوف تأني نتيجة لمثل هذه الأزمة المركبة اقتصاديا وعسكريا . وكما هو معروف هذا النوع من الازمات يشكل الوضع الكلاسيكي لاشعال الثورات وانتاجها . على سبيل المثال ثورة اكتوبر ، بالرغم من الفوارق ، جاءت نتيجة لازمة عسكرية واقتصادية .
ذكرت ان الامبريالية الاميركية سوف تتخلى من حارسها في الشرق الأوسط مع ذهاب مصالحها من المنطقة ، ولكننا نجد أنه في مناطق أخرى من آسيا حدث العكس مثل استمرار الدعم الامبريالي الأميركي لنظام تشان كاي شيك في فورموزا ( الذي ما زال يدعي تمثيل شعب الصين ويحاول استعادة سيطرته على البر الصيني ) . بعبارة اخرى ان خروج منطقة ما من مجال نفوذ الامبريالية لا يؤدي بالضرورة الى جعل الحارس عاطلا عن العمل ، بل قد يؤدي الى رد فعل معاكس كان يصبح هذا الحارس ( اسرائيل ) القاعدة الوحيدة الباقية في يد الامبريالية لشن عدوان ضد الانظمة المعادية للاستعمار أو أية انظمة اشتراكية قد تنشأ في الجوار . هذا يعني ان اسرائيل قد تصبح أكثر شراسة وعدوانية كلما ابتعد العرب عن مجال نفوذ الامبريالية ، كما قد يعني انه ما لم يتحول توازن القوى في المنطقة لصالح الدول العربية المحيطة باسرائيل لا تستطيع ان نتكلم عن اسقاط الصهيونية .
يبدو لي أن مثال فورموزا ( تايوان ) يبين أنه لو كانت المسألة في مجرد اعادة الصين الى حظيرة الامبريالية لما قامت الامبريالية الاميركية بدعم فورموزا الى هذا الحد على أقل تعديل . بعبارة أخرى أمريكا تدعم فورموزا ليس لاستعادة الصين وانما لحماية مصالحها في الشرق الاقصى وجنوبي شرقي آسيا .
لذلك تكون المقارنة التي ينبغي أن نركز عليها هي هل ستستمر الامبريالية الاميركية بدعم اسرائيل إلى هذا الحد لو فقدت أمريكا مصالحها في الشرق الاوسط كله ؟ اعتقد أن الجواب المرجح هو النفي . طبعا اني موافق انه مع حدوث أي تحول ثوري في المنطقة اي في العالم العربي ستستخدم اسرائيل في أول الأمر والى أقصى حد من قبل الامبريالية . ان توازن القوى العسكرية هو موضوع هام لا شك ومن النتائج التي ستفرزها ثورة اجتماعية في العالم العربي هو بالضبط تغيير ميزان القوى العسكري لصالح الجانب العربي واعتقد أن هذا من الدروس التي أوضحتها حرب ١٩٦٧ بمعنى فضحها لضعف الانظمة العربية الحاضرة علما بأن هذا الضعف لا يقاس بمقاييس تقنية فقط ، اذ أن الضعف في الاساس هو تعبير عن الواقع الاجتماعي والسياسي العربي . من النتائج الهامة التي نتوقع أن تؤدي اليها ثورة شعبية في الشرق الاوسط تحرير تلك الطاقات العربية الكامنة ، بما فيها الطاقات على الصعيد العسكري ، التي ستغير ميزان القوى لصالح الثورة . بطبيعة الحال ستضطر الطبقة العاملة الاسرائيلية لاتخاذ قرار جديد وذلك في ظروف لا تكون فيها الصهيونية في الوضع الممتاز الذي تحتله حاليا . لا شك أن هذا التحول سيكون أحد النتائج المباشرة للثورة العربية ، واشدد هنا على تولي الثورة العربية وليس الثورة الفلسطينية وحدها لانه من الواضح تعذر تحقيق مثل هذه النتائج الكبيرة عن طريق تفاعلات تبقى محدودة ضمن اطار الشعب الفلسطيني . لا يمكن تحويل ميزان القوى في المنطقة الا عن هذا الطريق . لذلك نحن نشدد دوما بأنه ليس بالامكان حل المشكلة الفلسطينية ضمن نطاق الوضع الفلسطيني البحت . المطلوب هو اطار ثورة أوسع تشمل الشرق الاوسط كله : اي ثورة عربية . في الواقع هذا استنتاج بدهي بالنسبة لنا . اذا نظرنا الى الموضوع من زاوية أخرى يبدو لنا أن تطور الثورة العربية سيؤدي إلى نتيجة مزدوجة : ضرب المصالح الاميركية في المنطقة وطرد السيطرة الاجنبية مما سيجعل الامبريالية الاميركية مضطرة إلى استخدام اسرائيل ضد الثورة . ولكن بالمقابل ستولد هذه الثورة القوى الكافية ، كما نأمل ، لمواجهة هذا التدخل ، ونتيجة لمثل هذه التطورات قد تتولد أزمة عسكرية واقتصادية في اسرائيل نفسها خاصة اذا تمكنت قوى الثورة العربية من مواجهة التدخل بنجاح ، مما قد يبين لقطاعات من الجماهير الاسرائيلية بأن الدولة تسير في طريق مسدودة . طبعا هناك احتمالات التدخل الأمريكي المباشر ولكن هناك أيضا أمثلة على تراجعات امبريالية فرضت فرضا على أمريكا من قبل القوى الثورية. باختصار ان أهم عامل في المجموعة المعتدة من العوامل المؤثرة على تطور الصراع مع الصهيونية هو تطور الثورة العربية ونمو طاقتها على مواجهة اعدائها في الداخل والخارج بما في ذلك التدخل الصهيوني.
أريد ان انتقل الى الكلام عن حركة المقاومة الفلسطينية وبروزها كقوة فاعلة بعد حرب ١٩٦٧ . هل من الممكن أن تبدأ باعطاء رأيك بالمقاومة عامة وتأثيرها على منظمة ماتسبين نفسها ؟
لا اعتقد أن بروز المقاومة قد أثر كثيرا على منظمتنا بحد ذاتها . طبعا لا اعني اننا لا نعتبر المقاومة ظاهرة في غاية الأهمية . ما أعنيه هو اننا كنا على يقين بأنها ستبرز . كان لا بد للمقاومة من ان تأني . واذكر هنا انه عندما اجتمعنا في خريف عام ١٩٦٧ بأحمد خليفة ، ذكرنا له اننا نتوقع بروز حركة مقاومة ولم نفاجأ بها عندما اتسعت وكبرت . من ناحية أخرى لقد أعلنا موقفا حول موضوع المقاومة يتلخص بأن الكفاح المسلح ضرورة حيوية وأداة مشروعة في مواجهة الاحتلال . ويختلف موقفنا هذا عن وجهة نظر الحزب الشيوعي باعتباره يرفض مبدأ الكفاح المسلح . نحن لنا موقف مبدئي عام وواضح في ما يتعلق بالكفاح المسلح . نعتبره أداة مشروعة وضرورية في النضال . ولكن هذا لا يعني اننا نجعل منه « فيتيشا » كأن نعتبره الاسلوب الوحيد للكفاح . أن نضال القوى الثورية الفلسطينية سوف يشمل بالضرورة الكفاح المسلح ونحن واعون تماما لهذه الحقيقة ، في الواقع ادركناها قبل انتشار حركة المقاومة على نطاق واسع .
مع ان الاحتلال هو الذي اعطى المقاومة دفعتها الرئيسية باعتبار أنها نمت بسرعة في ظله ، غير ان حركة المقاومة لا تنظر الى وظيفتها ضمن حدود انهاء الاحتلال والا وقعت في شراك مواقف الحزب الشيوعي الذي تعارضونه . تعتبر المقاومة نفسها حركة تحرير وطنية تكافح ضد المؤسسة الصهيونية ودولتها على ارض فلسطين . السؤال اذن ذو شقين : 1. ما هو موقفكم من موضوع الكفاح المسلح في المنطقة العربية الذي يهدف إلى تدمير الدولة الصهيونية ( يقول الماركسيون : تدمير الدولة البرجوازية المضطهدة ( بكسر الهاء ) هناك ) . ۲. هل تتصورون أن منظمة ماتسبين ( او اليسار الثوري الذي قد ينمو داخل اسرائيل ) قد تتطور الى مستوى حمل السلاح والمشاركة في تطوير الثورة في المنطقة عن طريق القتال ضد المؤسسة الصهيونية في اسرائيل وكل من يدعمها ؟
سأجيب على الشق الثاني من السؤال لان الاجابة بسيطة وواضحة : نعم ، وبدون أي تردد . نحن لسنا ثوريين برلمانيين كما أوضحت سابقا . ان الدافع الكامن خلف تأسيس ماتسبين كان شعورنا بأن الحزب الشيوعي تبنى النظرية القائلة بالطريقة السلمية الى الاشتراكية مما يشكل بالنسبة لنا تحولا في الحزب يعطيه جوهره غير الثوري . لذلك اقول بوضوح اننا نضع ضمن الوسائل الضرورية لاسقاط اي نظام بورجوازي ، وبالتخصيص النظام البورجوازي في اسرائيل ، اسلوب الكفاح المسلح . اما بالنسبة للشق الأول من السؤال فان اجابتي مستمدة مما ذكرت . نحن لا تعترض ، من حيث المبدأ ، على القول بأن اسقاط الصهيونية سوف يتطلب الكفاح المسلح ولا شك في ضرورة ذلك على ارض الواقع . الذي أريد أن أبينه بالنسبة للكفاح الفلسطيني المسلح هو أنه لن يكون قادرا بحد ذاته على تحقيق هذه النتيجة وحده . السؤال لا يطرح نفسه ، بالنسبة لنا ، فيما اذ كان استخدام الكفاح المسلح ضد الصهيونية مشروعا لأن الجواب هو بالايجاب ولان العنف الثوري مشروع في مواجهة اي نظام قمعي . السؤال الذي نحن بصدده هو اذا كان الكفاح الفلسطيني المسلح وحده يكفي للوصول إلى النتائج المطلوبة ، ولا اعتقد انه يكفي ، لان توازن القوى قائم على صورة ستدفع بالكفاح المسلح الفلسطيني بالضرورة كي يتحول الى مجرد مقاومة ضد الاحتلال . اي ما لم يصبح الكفاح المسلح الفلسطيني جزءا من حركة أوسع هي الثورة العربية فانه لن يحقق أكثر مما ذكرت . ولقد اوضحنا هذه الحقيقة في المقال الذي نشر في مجلة « الحرية » حيث ذكرنا أن الاتجاه الذي يفصل القضية الفلسطينية ويعزلها عن حركة الثورة العربية هو بالضرورة اتجاه اصلاحي لانه سينتهي تحت ضغط الظروف ، الى موقف يحاول تسوية النزاع على أساس الانظمة القائمة .
علينا ان ندرك بهذا الصدد أن التحرك الفلسطيني حتى لو تمت تعبئته الى أقصى ما يمكن لن يتمكن من ضرب الصهيونية حتى ضمن حدود اسرائيل كما كانت قبل حزيران ۱۹٦٧ . أما أسباب ذلك فيمكن تلخيصها كما يلي : أولا ، الحجم الذي يمكن أن تصل اليه الحركة الفلسطينية حتى في أحسن ظروف التعبئة يبقى صغيرا نسبيا . ثانيا ، نحن نعلم من تجارب حروب العصابات أن من ضرورات نجاحها كسب تأييد السكان حيث يعمل مقاتلو العصابات . هذا الشرط متحقق من حيث المبدأ في الضفة الغربية بالنسبة لحركة المقاومة ( بمعنى أن التأييد للمقاومة كامن في الضفة الغربية مع انه لم يتحول كليا الى حيز الفعل ) . أما في اسرائيل فان قضية حرب العصابات تطرح نفسها على صعيد آخر تماما باعتبار أن السكان هناك ليسوا عربا او فلسطينيين . فاذا حصرنا انفسنا ضمن حدود حركة الكفاح الفلسطيني المسلح وحده لا بد وان يكون النشاط الذي يمكن ان تقوم به مثل هذه الحركة في تل أبيب مثلا محصورا ضمن اطار الاعمال « الارهابية ». وانا لا استعمل عبارة « ارهابية » بأي معنى أخلاقي او قدحي وانما بالمعنى التقني فقط . كما اني لا اقول بأن الارهاب غير مشروع في كل الحالات . اني أتساءل عن النتائج التي يمكن ان يحققها هذا النوع من الارهاب في مثل الظروف المذكورة وبالنسبة لحركة تحرير هدفها شن حرب عصابات ناجحة ، اذ لا يمكن اسقاط الصهيونية في تل أبيب وحيفا ( أي في اسرائيل كما كانت قبل حرب ١٩٦٧ ) عن طريق الاعمال الارهابية بالمعنى الذي حددت . بعبارة أخرى السؤال المطروح بالنسبة لنا ليس استخدام الكفاح المسلح أو عدم استخدامه لاننا كثوريين نعتقد بأن الكفاح المسلح هو جزء من الكفاح لاسقاط الانظمة القمعية بما فيها النظام الصهيوني في اسرائيل واسقاط الامبريالية في الشرق الأوسط .
السؤال الذي نركز اهتمامنا عليه هو اذا كان بالامكان تحقيق مثل هذه النتائج ضمن الاطار الفلسطيني المحض . كذلك ينبغي الا نقع فريسة الاعتقاد الخاطئ بأن كل ما يمكن أن يقدمه العمل الفلسطيني الى الثورة العربية هو استخدام السلاح في الكفاح ليس الا . الكفاح المسلح هو جزء من عملية النضال او الكفاح السياسي الشاملة ، والعمل الفلسطيني ينبغي الا يشذ عن هذه القاعدة . من النتائج السلبية التي ظهرت للنزعة التي لا ترى في الكفاح الفلسطيني الا قعقعة السلاح اضمحلال النضال الذي تصاعد في فترة سابقة في الضفة الغربية ضد الاحتلال الاسرائيلي . ان السبب في ضمور هذا النضال واضمحلاله لا يرجع الى القمع الاسرائيلي وحده ، بل يرجع ايضا الى الجو الذي خلقته حركة المقاومة الفلسطينية في التشديد الكلي على حمل السلاح والتخفيف الشديد ( حتى حدود الازدراء ) من شان النضال السياسي وأهميته الجماهيرية .
لقد وصف البعض منظمتكم بأنها تروتسكية وقالوا ان لها روابط بالاممية الرابعة . ما هو رأيك في ذلك ؟
ان مصدر هذا التصنيف هو انتماء بعض أعضاء المنظمة الى خط الأممية الرابعة وذلك قبل انتسابهم الى الماتسبين . ولا يشكل هؤلاء جماعة كبيرة داخل المنظمة . منظمة ماتسبين ككل لیست تروتسكية ، والاتجاه العام لمعظم أعضائها ليس اتجاها تروتسكيا بالمعنى السياسي ، واعتقد ان اغلبية الأعضاء سوف يرفضون تصنيفهم كتروتسكيين وينطبق هذا علي شخصيا بالتأكيد . توجد وجهات نظر أوافق عليها في الخط التروتسكي ولكن هناك أمورا أخرى كثيرة اختلف فيها معهم تماما . على سبيل المثال اذكر أن أحد أعضائنا ، سعيد [جبرا نقولا] ، كانت له صلات قديمة بالاممية الرابعة . وبما أن منظمتنا هي التنظيم الثوري الوحيد في اسرائيل لا بد وان تتمثل فيها عدة اتجاهات . في الواقع كان في المنظمة اتجاهان تروتسكيان صغيران جدا ، وقد انفصل احدهما وهو الاتجاه « اللومبارتيست » ، علما بانه ليس لهذه الجماعة اي ارتباط بالاممية الرابعة . أما المجموعة الأخرى المؤيدة للاممية الرابعة فما زالت داخل المنظمة ولكن عدد افرادها قليل . ولم نعان من أية متاعب كبيرة داخل المنظمة بسبب هذه المسألة لان الخلافات بين التروتسكيين وغير التروتسكيين حول قضايا الشرق الأوسط قليلة . أما بالنسبة لقضايا عالمية أخرى مثل الطبيعة الطبقية للمجتمع في الاتحاد السوفياتي فهناك خلافات ولا تلتزم منظمة ماتسبين ككل بالاجتهاد التروتسكي في هذه القضايا .
لقد طرحتم فكرة « حق تقرير المصير بالنسبة للشعب الاسرائيلي » ضمن سياق انتصار الثورة الاشتراكية على المدى البعيد في منطقتنا . وقد أثيرت بعض التساؤلات حول مضمون هذا الموقف من جانبكم . لذلك أريد المزيد من الايضاح حول النقطة التالية : معروف ان مطلب حق تقرير المصير يخص الشعوب المضطهدة ( بفتح الهاء ) ، كما انه واضح ان الشعب الفلسطيني هو الشعب المضطهد في ظل الظروف السائدة في الشرق الأوسط والشعب الاسرائيلي ، بقيادة طبقته الحاكمة ، هو الشعب المضطهد ( بكسر الهاء ) . فما هو معنى مطالبتكم بحق تقرير المصير بالنسبة للشعب الاسرائيلي ؟
يجب أن يكون واضحا أن مسألة حق تقرير المصير في الشرق الأوسط لا يمكن أن تعني في الوقت الحاضر الا تقرير المصير بالنسبة للشعب الفلسطيني الواقع تحت الاضطهاد الاسرائيلي والسيطرة الاسرائيلية كما تقولين . هذا هو المحتوى الواقعي حاليا لمسألة حق تقرير المصير . في الواقع كانت هذه القضية من العوامل الهامة التي أدت الى ابتعادنا عن التعاون مع أوري افنيري ومجموعته في عام ١٩٦٦ . طرحنا يومها قضية مهمة تتلخص بتثبيت مطلب حق تقرير المصير للعرب ، اي كنا واعين لهذا الحق حتى قبل حرب ١٩٦٧ . بالاضافة الى ذلك كنا نعتبر أن التنفيذ الصحيح لمضمون الشعار لا يعني خلق دولة فلسطينية منفصلة أو دمج الشعب الفلسطيني في المجتمع العربي على اساس الوضع الراهن وتوازن قواه ، بل يعني قيام دولة اتحادية اشتراكية في الشرق الأوسط . في الواقع هذا هو الاطار الذي ننظر من خلاله الى مستقبل الشعب الاسرائيلي نفسه . بعبارة أخرى نحن نؤيد حق تقرير المصير لعرب فلسطين ولا خلاف بيننا حول هذا الموضوع على الاطلاق . اما بالنسبة لما نعنيه بحق تقرير المصير للشعب الاسرائيلي فان نقطة البدء في تفكيرنا هي اننا لا نرى اي حل تاريخي ممكن للقضية الفلسطينية الا من خلال قيام جمهورية اشتراكية في الشرق الأوسط تضم بالضرورة تقسيمات داخلية وقرعية لأسباب عديدة منها وجود أقليات قومية غير عربية في الشرق الأوسط . حتى لو لم تكن هذه الاقليات موجودة ستضم الدولة المذكورة بالضرورة تقسيمات داخلية تتناسب مع السمات الخاصة لاجزاء الامة العربية وتأخذ تنوعها بعين الاعتبار . ولا شك أن الفلسطينيين هم مجموعة معينة داخل الامة العربية . لكن بالاضافة الى ذلك توجد القوميات غير العربية التي نعتقد بأنه يجب ان تكون جزءا من هذه الجمهورية الاشتراكية التي ستكون جمهورية عربية بمعنى ان الاكثرية الساحقة من سكانها هم من العرب .
ان الفكرة التي حملناها ولا نزال نحملها تتلخص بالقول ان الحل الصحيح للقضية الفلسطينية هو الاقرار بوجود عنصر يتكلم العبرية داخل هذه الجمهورية الاشتراكية الموحدة في الشرق الاوسط . ويفترض هذا الحل منذ البداية سقوط الصهيونية . لذلك ان الكلام عن حق تقرير المصير لليهود الاسرائيليين لا يشكل مطلبا آنيا ولا معنى له في الوقت الحاضر وفي ظل الظروف القائمة . مع ذلك ينبغي اثارة الموضوع على المدى البعيد وكجزء من تخطيط عملنا السياسي للمستقبل ، لان اثارة قضية حق تقرير المصير للشعب الاسرائيلي هي وسيلة اخرى لطرح السؤال التالي والحصول على جواب واضح له : هل نريد الوصول الى وضع يصبح فيه الشعب الاسرائيلي مضطهدا ( يفتح الهاء ) بدلا من أن يكون مضطهدا ( بكسر الهاء ) بعد سقوط الصهيونية وانتصار العرب عليها مثلا ؟ أي ان طرح قضية حق تقرير المصير هنا هي وسيلة لاستخلاص الجواب الثوري السليم على هذا السؤال . في الواقع بامكاننا طرح المسألة بصيغة لا تأتي على ذكر حق تقرير المصير ابدا وذلك على النحو التالي : أولا ، هل نعترف بأن الشعب الاسرائيلي يتمتع بكيان قومي بدلا من أن ننظر اليه كجماعة دينية ؟ ثانيا ، اذا أقرينا ايجابا بمضمون السؤال الأول هل نريد أن نحول الشعب الاسرائيلي في المستقبل الى قومية مضطهدة ( بفتح الهاء ) ؟ اذا قلنا بأننا سوف نمنع عن هذه القومية حقها في تقرير المصير في المستقبل نكون كمن يقول بأننا سنجعل منها قومية مضطهدة .
أردت أن أحصل على ايضاح لهذه المسألة لانه أسيء تفسيرها واستخدامها في بعض الاوساط . على سبيل المثال حدث منذ فترة قصيرة أن استغل بعض الفرنسيين ممن يدعون اليسارية ، وهم في الحقيقة مناصرون للصهيونية ، بعض الاقوال المنسوبة الى الجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين حول حق تقرير المصير ليتوصلوا الى الاستنتاج التالي : الموافقة على مبدأ حق تقرير المصير تعني الموافقة على دولة اسرائيل كما كانت قبل حرب ١٩٦٧ لان الشعب الاسرائيلي اختار دولته ومصيره على هذا الاساس وعلى تلك الصورة .
الارجح ان الكتاب الفرنسيين المشار اليهم هم من انصار المابام . وبطبيعة الحال نحن لا نقبل هذه الفكرة على الاطلاق لما فيها من تشويه واضح لمبدأ حق تقرير المصير . لا شك ان « اليسار» الصهيوني يستخدم فكرة حق تقرير المصير كي يبرر وجود دولة اسرائيل على حالها . ولكن نحن بعيدون كثيراً عن هذه المواقف . في رأينا ، عند نشوء وضع ثوري في المنطقة كلها قادر على اسقاط الصهيونية ينبغي ان يكون حل القضية الفلسطينية على أساس الاعتراف بأن الشعب الاسرائيلي يشكل مجموعة قومية وليس مجرد جماعة دينية كما ترى منظمة فتح مثلا . اذا نظرنا الى الاسرائيليين كجماعة دينية فقط يمكن تسوية المشكلة عندئذ على اساس اقامة دولة علمانية ، قد تكون دولة فلسطينية أو دولة شرق أوسطية أو دولة اتحاد اشتراكي عربي ويكون المطلب الوحيد عندئذ هو ضمان الحريات الدينية وينتهي كل شيء عند هذا الحد . لكن هذه المشاريع والحلول لا تنطبق على الواقع لان الشعب الاسرائيلي ، أي الشعب الذي يتكلم العبرية في المنطقة ، ليس جماعة دينية ، وانه لمن السذاجة الاعتقاد بأن هذه القضايا المعقدة تنحل بمجرد اعتبار الاسرائيليين جماعة تعتنق دينا معينا . ان أي حل واقعي للمسألة لا يريد أن يغرق بالأوهام عليه أن يأخذ بعين الاعتبار حقيقة معينة هي ان الشعب الاسرائيلي يتصف بالخصائص المشتركة للقومية وروابطها .
هل يمكن القول أن الاسرائيليين هم قومية في طور التكوين اي ان الخصائص المشتركة والمتعارف عليها في تحديد الأمة أو القومية لم تكتمل بعد عندهم ؟
هذا صحيح الى حد كبير كما أنه ينطبق نعم ايضا على الامة العربية التي لا تشكل بعد امة مكتملة كليا .
ألا ترى انه مع استمرار الكفاح والصراع في المنطقة سوف تنضج عمليات التكوين هذه أكثر فاكثر ؟
طبعا وبكل تأكيد . هنا اريد ان اعود لايضاح نقطة مهمة : نحن لا ندعو إلى فكرة الوجود المنفصل أو الدولة المنفصلة للشعب الاسرائيلي كما اننا لا نؤيد أي من هذه الاتجاهات . على العكس من ذلك ، نحن نعتقد انه ينبغي على الاسرائيليين الاندماج في جمهورية اشتراكية كبيرة في الشرق الأوسط وقد توصلت منظمة ماتسبين الى هذا الاستنتاج عام ١٩٦٦ – ١٩٦٧ وقبل اندلاع الحرب الأخيرة . أضيف الى ذلك ان تحقيق هذا الحل لا يمكن أن يأتي عن طريق فرضه بالقوة أو بالقصر على الشعب الاسرائيلي ، بل يأتي عن طريق دعوته للمشاركة فيه طوعيا والمشاركة في بناء الاشتراكية في المنطقة مع الطبقات العربية صاحبة المصلحة الجذرية في بناء الاشتراكية هنا . بعبارة أخرى نعتقد ان الوسيلة العقيمة لتحقيق هذه الأهداف هي فرضها بالقوة على الشعب الاسرائيلي ومع اننا نعتقد ان اسقاط الصهيونية هو واجب ضروري مفروض على القوى الثورية ( وهذا يعني استخدام العنف بطبيعة الحال ) لكننا لا نعتقد أن دمج الشعب الاسرائيلي في الجمهورية الاشتراكية للشرق الأوسط يجب أن يتم عن طريق فرضه بعنف مماثل لعنف اسقاط الصهيونية . لو كانت الظروف الثورية أفضل في منطقتنا لما اضطررنا لمناقشة هذا الموضوع بل لاكتفينا بنشر الدعاية والتثقيف في صفوف الجماهير الاسرائيلية لصالح الاندماج في العالم العربي . ولكن العامل الذي يضطرنا لفتح هذا الموضوع ومناقشته هو أن قطاعات واسعة جدا من حركة الثورة العربية غير واعية لهذه المسألة وابعادها . بالاضافة الى أن جزءا هاما من الحركة الفلسطينية نفسها يشعر أنه لا يوجد ثمة شيء اسمه الكيان القومي العبراني مثلا او ان الاسرائيليين لا يشكلون أي تجمع قومي على الاطلاق بل هم مجرد تجمع ديني . ونحن نعتقد أن هذا التقدير خاطيء تماما وكل ثوري يعمل على غير هذه الاسس سيصدمه الواقع بحقائقه في يوم من الايام . لأكون واضحا اقول انني لا اتكلم الآن عن المسألة القومية للفلسطينيين العرب لانه لا خلاف حولها اصلا كما بينت ، اني اتكلم عن مستقبل الشعب الاسرائيلي لأبين ان هذه القضية هي مسألة قومية ايضا . وبما أن الوعي لهذه الحقيقة مفقود أو ضعيف جدا في الأوساط الثورية العربية نجد أنفسنا مضطرين للتشديد عليها في مخاطبتنا لرفاقنا الثوريين في العالم العربي ولفت انتباههم الى وجود مشكلة عليهم أن يفكروا بها . هذا هو تفسير اثارتنا لموضوع حق تقرير المصير بالنسبة للشعب الاسرائيلي لا أكثر . لنفترض الان ان الصهيونية قد سقطت . ماذا سيحدث للشعب الاسرائيلي ؟ هنا اعتقد ان الجواب الثوري الصحيح هو أن يندمج الشعب الاسرائيلي في العالم العربي على النحو المذكور وأن يقبل الشعب العربي بهذا الاندماج ويطالب به بدون ممارسة أي ارغام او قهر على الإسرائيليين .
يعني منح حق تقرير المصير ، من ضمن ما يعنيه ، حق الانفصال وليس الاندماج فقط وكلامك يركز على الاندماج وكانك تريد الغاء الاحتمال الآخر . ماذا يحدث مثلا لو ان اكثرية اليهود الاسرائيليين اختاروا الاستقلال الذاتي أو الدولة المنفصلة ؟
ان استخدام العنف كوسيلة لاسقاط الصهيونية مشروع ومبرر تماما ولكن استخدامه كوسيلة لفرض اي حل ، حتى لو كان الحل الصحيح ، على الشعب الاسرائيلي بعد اسقاط الصهيونية هو غير مبرر بالتأكيد . لنفترض الان ان تبدلا جذريا طرأ على ميزان القوى في الشرق الأوسط واصيبت اسرائيل بهزيمة عسكرية وبأزمة داخلية طاحنة جاءت بحكام جدد قاموا بتنفيذ ما يلي : الغاء الطابع الصهيوني للدولة ، الغاء كافة القوانين الصهيونية بما فيها قانون العودة ، التوقف عن كل دعاية أو عمل من شأنه ان يشجع على هجرة اليهود ، رفع كل اضطهاد لاحق بالعرب ، اعادة كافة اللاجئين الذين يريدون العودة والتعويض على الذين لا يريدون العودة ، التنازل عن كافة الأراضي التي يشكل العرب فيها اكثرية السكان اذا اختاروا الانفصال ، تنفيذ سياسة معادية للامبريالية بالتحالف مع القوى التقدمية في العالم العربي . كل ذلك ولكن مع الاصرار على المحافظة على سيادة منفصلة لدولة اسرائيل . هل نعتبر هذا حلا مرضيا ؟ الجواب هو بالنفي وانا ضد مثل هذا الحل وسأشترك في كل نضال سياسي لكسب الجماهير الاسرائيلية لصالح فكرة التنازل الطوعي عن السيادة المنفصلة ولكنني سأكافح بقوة أيضا ضد اية محاولة لفرض ذلك على الجماهير الاسرائيلية بالقوة والقهر الخارجي . سأفسر وجهة نظري كما يلي : عندما نقرأ كتابات لينين حول المسألة القومية نجد انه يقول بوضوح بوجود خط مختلف للدعاية الثورية في صفوف الأقلية وخط آخر للعمل في صفوف الأكثرية. عندما نقوم بالعمل السياسي ضمن صفوف الاكثرية علينا أن تشدد على الناحية الطوعية في الاندماج ، اي على الاعتراف بحق الاقلية في الاختيار . عندما نعمل داخل صفوف الاقلية علينا ان نشدد ، في كثير من الحالات وان لم يكن في مجموعها ، على قضية الاندماج . طبعا لا يوجد أي تناقض بين هذين الخطين . انه بكل بساطة الفارق في أسلوب الدعاية بين الجماهير الاسرائيلية والجماهير العربية حول الموضوع المطروح .
اي انك تريد تطبيق تقسيم العمل كما اقترحه لينين.
طبعا ، وهذا يعني وجود فارق صغير بين الدعاية الموجهة الى الجماهير العربية وبين الدعاية الموجهة إلى الجماهير الاسرائيلية . أسرائيليا ينبغي على الثوري أن يشدد في عمله وتثقيفه على مسألة الدمج الذي يفترض انه سيأتي طوعيا وليس قهرا وارغاما . عربيا يكون التشديد على فكرة منح حرية الاختيار للاقلية القومية المعنية . لذلك نعتقد أن الاساس الوحيد للاندماج هو التأكيد على امكانية الاختيار الحر من حيث المبدأ ، علما بأن مبدأ حق تقرير المصير لا يعني دوما وبالضرورة الانفصال لان نتائجه على أرض الواقع وفي المستقبل تعتمد الى حد كبير على طبيعة العمل السياسي الذي نقوم به الان . وظيفتنا في العمل بين الجماهير الإسرائيلية لا تتطلب منا التشديد على مسألة حق تقرير المصير ، أن دورنا الاساسي هو التشديد على الرغبة في الاندماج في العالم العربي على النحو المذكور . هنا أريد أن أضرب مثلا بالموقف الذي وقفه الحكم الوطني الجديد في السودان من قضية جنوبي السودان ونزعته الانفصالية . واضح أن النظام الوطني لا يريد انفصال الجنوب ولكنه يدرك ايضا ان الوسيلة السليمة الوحيدة لمنع ذلك من الحدوث هي دعوة سكان الجنوب الى الانضمام طوعيا الى بقية البلاد وعلى اساس الاختيار الحر . لقد قال النظام السوداني للجنوبيين نحن تعترف بكيانكم الخاص وندعوكم للاشتراك في الكفاح معنا . نحن نعتقد أن هذا هو الموقف السليم تجاه قضية الاقلية القومية الاسرائيلية وهذا ما نعنيه بكلامنا عن حق تقرير المصير بالنسبة للشعب الإسرائيلي . مرة أخرى اقول ان عملية الدمج ينبغي أن تتم عن طريق دعوة عربية توجه للشعب الاسرائيلي للمشاركة في دولة اشتراكية واسعة وليس عن طريق الارغام ، ويبدو لنا ان الانموذج السوداني يشكل ، من حيث المبدأ ، مثلا يحتذى لانه يريد على ما يبدو بناء سیاسته على مثل هذه الدعوة الحرة الموجهة لسكان الجنوب والعمل على انجاحها .