(صدر هذا البيان في 22/3/1968 ونشر بالعبرية في عدد أيار من جريدة "متسبين")

-----------

كشفت حرب حزيران 1967 عن التناقضات والتيارات الرئيسية فى أقطار الشرق الاوسط ، وعبرت عنها تعبيرا مركزا.

‏ففي اسرائيل بارز الطابع الصهيوني للدولة والقيادة . وظهرت للعيان ميول ا‏لضم والتوسع التي كامنة منذ حرب السويس . كذلك الروابط بين النظام الصهيوني القائم في اسرائيل والاستعمار قد برزت وازدادت قوة وتوثقا .

‏اما في الاقطار العربية ، ولا سيما في مصر ، فقد وضح وتأكد ان ألثورة القومية ضد الاستعمار لم تبعد في تقدمها أكثر من نصف الطريق .

حتى قبيل حرب حزيران كان حكام اسرائيل يصرحون ان ليس لهم أية مطامع توسعية ، وانهم لا يطالبون بشبر من الأرض زيادة ‏عما في أيديهم . ولكن غداة تلك الحرب تنوسيت تلك التصريحات كلها . وبتذوق الطعام ازدادت الشهية . والحقيقة هي أن ميول ااتوسع والطمع في ضم أقاليم جديدة كانت دائما كامنة لدى كل التيارات الصهيونية السياسية ، وليس لدى "حيروت" فحسب - وهو الحزب الذي كان يصرح بذلك جهرا - بل لدى التيارات الأخرى ، الأكثر اعتدالا ، التي لم تكن تجاهر بذلك لاعتبارات السياسة والدعاية ، اذ لم يكن الوقت مناسب في نظرها .

‏وبعد حرب حزيران غدت اسرائيل تسيطر على كل مساحة فلسطين التي كانت تحت الانتداب ، وعلى قسم كبير من الاراضي المصرية وقسم من جنوب سوريا .

في البداية زعم قادة اسرائيل انه في هذا الوضع ، اذ "كل الأوراق في أيدي اسرائيل" ، في وسعهم ان يفرضوا على العرب تسوية تلائم اسرائيل ويرغمونهم على قبول شروطها . الا ان الواقع قد أثبت أن هذه الآمال كانت اوهاما . فالانتصار في الحرب لم يحل القضية الاسرائيلية العربية ، بل زادها حدة .

‏فالتناقض التأريخي بين الحركة الصهيونية ودولة اسرائيل في شكلها الراهن من ناحية والعالم العربي من ناحية أخرى ، يرجع الى أن "المشروع الصهيوني" كان من بدايته عملية ‏مبرمجة ، عملية استيطان واستعمار ، يقوم بها مستوطنون قادمون من الخارج ، يتوطنون في هذه البلاد ، بأن يزحموا ويبعدوا الشعب المقيم فيها ، وذلك بلارتكاز على الاستعمار والوقوف الى جانبه ضد التطورات الثورية في العالم العربي . ومن الأسباب الرئيسية لرفض العرب التسليم بقيام دولة اسرائيل ان هذه الدولة قد ظهرت لهم ليس مجرد ثمرة الاستيطان الصهيوني ، بل كذلك أداة لمواصلة هذه العملية وتوسيعها على حسابهم.

واسرائيل ، بتصرفاتها منذ الحرب ، تثبت صدق أسوأ مخاوف العرب ، وهي بذلك انما تعمق ذلك النزاع التأريخي .

وتنقديرات المهيونية قصيرة النظر ، التي تحاول على أساسها استغلال "الفرصة المناسبة" لضم أقاليم جديدة وفرض شروطها على العرب ، ستنتقم ، دون شك ، من اسرائيل نفسها في المدى البعيد.

‏كذلك الافتراض بأن سيطرة اسرائيل على مساحات واسعة تؤدي الى تحسين أوضاع الامن ، قد ثبت انه خاطيء.

‏فالانتصار في الحرب لم يضع حدا لاعمال التخريب والمقاومة ، بل على العكس ، في الوضع الجديد اتسع نطاق هذه الاعمال. ولئن الرأي العام العالمي قبل الحرب قد أبدى تحفظا من هذه الاعمال ، فاليوم أخذت تتسع الأوساط التي ترى فيها تعبيرا عن مقاومة طبيعية ومشروعة يقوم بها شعب احتلت أراضيه.

‏ان الشعب العربي الفلسطيني ، الذي كان الضحية الرئيسية والمباشرة للاستيطان ألصهيوني ، والذي قسم كبير من أبنائه قد تحول في سنة 1948 وما بعدها الى لاجئين معدمين ، وقسم آخر منه يعيش منذ عشرين عاما في اسرائيل في أوضاع اضطهاد وتمييز قاسية ، هذا الشعب قد أصبح الان كله شعبا تحت الاحتلال ، قد حرم ليس من الحقوق السياسية الأولية فحسب ، بل الكيان القومي والانساني. فالمشاريع التي تقترحها الأوساط المختلفة في حكومة اسرائيل لهذا الشعب تتراوح بين ضم هذه الأقاليم كلها لاسرائيل (مع دفع العرب الى الهجرة من هذه الأقاليم) بل وتحديد نسلهم "كي لا يتكاثروا فيقووا") واقامة حظيرة سياسية له على شكل "‏دولة محمية" صعلوكة ، باسم "اتحاد فيدرالي" بين المسيطر الاسرائيلي والمسيطر عليه العربي.

ان من حق وواجب كل شعب تحت الاحتلال ان يقاوم ويناضل من أجل حريته . اما الوسائل والطرق والاشكال الصحيحة واللازمة لهذا النضال فانما يقررها هو بنفسه ، ومن الرياء والنفاق ان الغرباء – ولا سيما اذا كانوا من الشعب المسيطر – بوعظه ونصحه بأن يعمل هذا ‏ولا يعمل ذاك.

‏ونحن اذ نعترف دون شرط بحق من هم تحت الاحتلال في مقاومة المحتل ، لا نستطيع ان نؤيد الا تلك المنظمة أو المنظمات التي مع مقاومتها للمحتل تعترف بحق تقرير المصير للشعب الاسرائيلي. فعلى هذا الاساس يمكن نضال الشعب الفلسطيني أن يمتزج في نضال مشترك يشنه العرب واليهود في هذه المنطقة من أجل مستقبل مشترك.

‏هناك أمر واحد واضح - أثقال نير الكبت ، وأعمال العقوبات الجماهيرية ، ونسف البيوت وغارات المجازر ، مثل الغارة على كرامة في 21 آذار – ليس في وسعها القضاء على المقاومة.

ولكن أولئك الذين يبدون تزعزعا ومرارة حيال الضحايا الاسرائيلية البريئة التي تقع من جراء أعمال التخريب ، نقول: تزعزعكم ومراراتكم حق هما. فهذه المأساة ينبغي ان تنتهي حالا - والسبيل الى ذلك هو: الجلاء حالا عن كل ا‏لأراضي المحتلة. فمن هذه الناحية فقط يمكن التقدم نحو حل تام للنزاع الاسرائيلي تاعربي وللقضية الفلسطينية.

*     *     *

‏انهيار الجيش المصري في حرب حزيران قد كشف للعيان كل التناقضات الاجتماعية الخطيرة التي تمزق المجتمع المصري . فهذه التناقضات انما انعكست بشكل مكبر في الجيش.
יن الانقلاب الذي قام به ‏الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر ، قد أقام في مصر نظاما برجوازيا صغيرا. ولقد كان ذلك "‏ثورة حتى منتصف ااطريق". فهذا النظام بحكم طبيعته يحاول دائما ايجاد توازن بين الاتجاه المقاوم للاستعمار والميل نحو مهادنته ؛ بين اليسار واليمين ؛ بين ضغط الجماهير ومصالح فئات مميزة : البرجوازية والبيروقراطية والضباط .
‏لقد حقق هذا النظام سلسلة من الاصلاحات الهامه ، وبعضها بعيدة المدى ، وكذلك فصم الى حد بعيد روابط مصر بالاستعمار. ولكنه ‏لم يحقق آمال الجماهير ، لم يحقق مصالحهم . فهو لم ينتقل الى ثورة اشتراكية ، ولم يحول العاملين من محكومين الى حاكمين في الدولة . والطبقات المستغلة من النظام القديم قد ضربت ولكنها لم تسحق . فقسم كبير منها لا يزال قائما والى جانب هذا القسم قامت فئة بيروقراطية عسكرية جديدة ذات روابط عائلية وفكرية بتلك الطبقات .

وفي أعقاب الحرب أحدت التنقضات في داخل النظام المصري . فاضطر الرئيس المصري الى ان يبعد عن مراكز السلطة وقيادة الجيش قسما من العناصر اليمينية التي ظهرت مساوئها ، وبهذا أضعف عبد الناصر جناحه اليميني ، وعملية الموازنة بين اليسار واليمين ازدادت صعوبة.

والى هذا فقد اشتد ضغط الجماهير على نظام الحكم . وفي نهاية شباط خرج عمال مصر الى الشوارع ، ولأول مرة منذ سنين عديدة أعلنوا مطالبهم . فاضطر ألرئيس المصري في خطابه في 3 ‏آذار الى التراجع تحت ضغط الجماهير ، وبعد ذلك باسبوعين شكلت حكومة جديدة ، ذات طابع أكثر يسارا من سابقتها.

‏وفي أقطار عربية أخرى ينشب صراع داخلي عنيف . وهذا الغليان الذي اشتد من جراء الوضع الناجم عن الحرب ، يضع قضية التغييرات الاجتماعية في العالم العربي على بساط البحث.

ونحن نعتقد ان حل قضايا األشرق الأوسط الأساسية ، بما في ذلك القضية الاسرائيلية العربية ، يقتضي تغييرا أساسيا في نظام كل أقطاره ، ثورة اشتراكية تضع الحكم في أيدي طبقة العاملين ، وتطلق الطاقات العظيمة الكامنة في جماهير هذه المنطقة ، وتوجهها نحو العمل في سبيل التقدم الاجتماعي والاقتصادي . وهذا التغيير ضروري ليس في الأقطار ذات النظام الاقطاعي الملكي فحسب ، بل هو ضروري كذلك في الأقطار المتقدمة نسبيا التي يسودها نظام برجوازي صغير يدعي الاشتراكية. وتغييرات اشتراكية في الأقطار العربية تؤثر دون شك في شكل نضال الشعب العربي الفلسطيني وتطبعه بطابع يساري واضح .

أما في اسرائيل فيقتضي ثورة اشتراكية تغير طابع الدولة كليا ، وتحولها من دولة صهيونية هي اداة لمواصلة عملية الاستيطان الصهيوني ، وحليفة طبيعية للاستعمار ، الى دولة اشتراكية تعبر عن مصالح الجماهير الاسرائيلية الحقيقية ، دولة وجهها نحو ألمنطقة المحيطة بها تنشد الامتزاج بها وتكون أهلا لذلك .

*     *     *

ونحن نعتقد انه حتى في الأوضاع الجديدة الناجمة عن الحرب لا يزال صحيحا الحل الاشتراكي الثوري للنزاع الاسرائيلي العربي ، بل انه ازداد صحة ، وهو: تجريد اسرائيل من طابعها الصهيوني ، وانطواؤها في اتحاد اشتراكي مع الأقطار العربية المجاورة .

‏فبدل الشوفينية والعداء القومي ، اللذين يدفعان الشرق الأوسط الى حروب لا نهاية لها ولا جدوى منها ، نحن نشير للفريقين - العرب واليهود - الى المستقبل الاشتراكي ، مستقبل الرخاء الاقتصادي ، والتقدم الاجتماعي ، والاخوة بين الشعوب .

‏22/3/1968

‏المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية (متسبين)
-----------
طبع في مطبعة الاتحاد التعاونية حيفا