إفتتاحية – بيان :
كل السلطة للمجالس

قرن وربع بعد أوربا بدأ شبح الشيوعية يراود ربوع العالم العربي . الحسن الثاني وقابوس يطارداتها على أنها صينية – وما أبعد صين ماو عن الشيوعية – والقذافي يشهر عليها سيف الجهاد المقدس على انها يهودية – بينما لا يتورع هو عن ايداع أموال ليبيا الطائلة في البنوك اليهودية – والسادات ( قراقوش مصر ) يلاحقها على انها مؤامرة كورية، بينما كيم إيل سونج لا يقل عنه قراقوشية .

ولكن الحقيقة التي يتعامى عنها جميع الحكام العرب وبوليسهم هي بداية عهد جديد للصراع الطبقي الحقيقي في المجتمع العربي . من ثوار ظفار وعمان الى اضرابات حلوان، ومن انتفاضات الدار البيضاء الى معتقلات بغداد، ومن مذابح السودان والاردن الى مظاهرات لبنان، نفس الصوت يملا ارجاء العالم العربي : أن زولوا يا حكام ! أن زولي يا حدود ! أن « كل الديموقراطية للشعب » ! أن لا تعايش مع الطبقات السائدة !

لقد آن الأوان لكي يعلن ثوريو الأقطار العربية مفاهيمهم وأهدافهم ونزعاتهم، ليعطوا هذه الحركة الجماهيرية العفوية معناها التاريخي الحقيقي . أن للحركة البروليتارية العربية الناشئة أن تجد تعبيرها النظري، حتى تكون رايتها العليا، فيلتف حولها كل من يناضل ضد الأوضاع العربية القائمة لقلبها قلبا لا يبقى منها ولا يذر !

*

إذا كانت، على حد قول ماركس، الجوانب السيئة للاشياء هي التي « تنتج الحركة التي تصنع التاريخ »، أمكننا القول أن التاريخ العربي المعاصر لم يتقدم الا بفضل اسرائيل، وأن « عصا موسى » كانت أحدى محركاته الاساسية . « نكبة ١٩٤٨ » آذنت بسقوط « تحالف رأس المال والاقطاع » وهزيمة يونيو ١٩٦٧ بشرت بنهاية الدكتاتوريات العسكرية وامتداداتها الحزبية . اما مذبحة المقاومة على يد العرش الهاشمي فقد جاءت بمثابة ثأر رهيب أخذه التاريخ من أبناء فلسطين جزاء تحالفهم، من موقع الضعف، مع من كانوا سببا في مصائبهم ولا يرغبون الا في قبرهم، لان ذلك هو « الحل النهائي للمشكلة الفلسطينية » ما داموا عاجزين عن مواجهة الدولة التي خلقت المشكلة . لقد كانت مجزرة أيلول ١٩٧٠ ثأرا متأخرا نالته الطبقات المهزومة عام ١٩٤٨ لنفسها من الحركة القومية العربية هذه الحركة التي بعد أن ثأرت عليها وشهرت بخيانتها في الاسواق العربية والدولية محطمة معظم قلاعها، عادت لتتعايش معها وتتغزل بـ « وطنيتها » . ومرة أخرى تقدم التاريخ بفضل جانبه السيء فتعلمت الجماهير العربية والشعب الفلسطيني أن الانقلابات العسكرية البيروقراطية جاءت لترسخ اضطهادا جديدا مكان القديم لا لتحرر الشعب من كل اضطهاد، ولتقيم سلطة طبقة ظالمة جديدة، لا لتحرر الأمة من جميع الطبقات ومن كل استغلال، وأكثر من ذلك لتعقد صفقات رجعية، مع الثالوث الذي ادعت الثورة ضده ( الرجعية والامبريالية والصهيونية ) على حساب « الوحدة والحرية والاشتراكية »، هذا الشعار الذي جعلت من تحقيقه مبرر ظهورها ذاته .

لقد أوضحت هزيمة يونيو في بضعة أيام، وبشكل بديهي ونهائي مـا لـم تقدر على ايضاحه سنوات من الثورة المضادة والنكسات المتعددة : فشل الأنظمة والحركات التي ادعت تحمل أعباء « الثورة العربية » فشلا كاملا، ونهاية فترة تاريخية غامضة سادها الكثير من الكذب والادعاء والقليل من الانتصارات الحقيقية من ناحية، والحتمية التاريخية لظهور حركة عربية جديدة واعية لأهدافها ولوسائل تحقيقها وتنطلق من الأرض الصلبة، أرض الصراع الطبقي وتسير بالمجتمع العربي نحو التحرير الشامل من جميع الاغلال الدينية والدنيوية التي كبلته وما تزال .

ان تاريخ المجتمعات العربية الحديثة لم يكن سوى تاريخ صراعها ضد الاحتلال والاستغلال الأجنبي . من الاستعمار العثماني الى الاستعمار الأوروبي ومن الاستيطان الصهيوني الى الامبريالية الغربية، واصلت الأقطار العربية مسيرتها فتشكلت فيها طبقات جديدة، ودول جديدة، وانهارت طبقات اخرى وولاءات أخرى . غير أن الظاهرة الأساسية التي تميز الأقطار العربية اليوم هي ان أي تحليل اجتماعي لتاريخها انما هو تحليل لحاضرها . فبحكم التجزئة التي فرضت عليها، ومنعت بذلك تشكلها في وطن قومي موحد، تتواجد على أرضها فسيفساء من جميع الطبقات التي عرفها التاريخ الوسيط والحديث عربيا وعالميا .

وهكذا نجد كل فترة من فترات تاريخنا القومي ممثلة داخل العالم العربي من النظام العتيق المتعفن الى الدولة البيروقراطية الحديثة، كأن التاريخ اراد ان يكون كنس القديم جدا لا يتم الا على يد الجديد جدا . فالطبقات، عبر تناحرها وتعارضها فيما بينها وصراعها ضد الاجنبي، يتراكم بعضها فوق بعض دون أن تقضي واحدة منها على الأخرى قضاء حاسما فتعود الى التعايش باسم « الوحدة القومية المقدسة » داخل وخارج حدودها اي الى استغلال الطبقات المنتجة واضطهادها . حتى البيروقراطية العسكرية، آخر من وصل الى السلطة، عقدت تسوية مع التحالف الطبقي المهزوم، كأنها خشيت ان تدخل وحدها عصر الصناعة فتجد نفسها وجها لوجه ودون حليف مع منتوجها التاريخي الأساسي : البروليتاريا .

في تاريخ مصر الحديث يتلخص تاريخ المجتمعات العربية الحاضر والمقبل، وكل بلد عربي يتقدم لا يفعل سوى تتبع خطوات مصر، حذو النعل بالنعل .

لقد كان فشل محمد علي في انشاء « مملكة عربية » موحدة وفشل دولته الاستبدادية الموروثة عن بونابارت في بناء صناعة وطنية مصرية بعد اتفاقية ١٨٤٠ التي حولت مصر الى مزرعة تمد مصانع مانشستر بالقطن ايذانا بأن « البورجوازية » المصرية لن تنشأ من المدينة ولكن من الريف، أي من ملكية الارض لا من التجارة، وبالتالي فانها لن تقوم ويشتد ساعدها عبر نضالها ضد طبقة عليا ولكن عبر هيمنتها الرجعية على جهاز الدولة الاوتوقراطية تسخره لاستغلال الفلاح حتى العظم ولقمع الحركة التقدمية التي يمتاز بها « شعب المدن » والذي عبر عن وجوده، منذ عام ١٧٩٥، في انتفاضة عمر مكرم ضد استبداد المماليك، ثم في مقاومته لغزوة بونابارت .

ان محاولة محمد علي وابنه ابراهيم لتوحيد البلاد العربية بالقوة – اربعين سنة قبل بسمارك في المانيا – لم تكن بداية لوعي قومي جديد أو تعبيرا عن طموحات طبقة جديدة، وانما كانت آخر محاولة لتكوين امبراطورية شرقية . وقد فشلت لان الامبريالية الحقيقية قد نشأت ولم تعد تسمح بمثل هذه المغامرات الا للذين يحملون ختمها الاوروبي . فالجيوش الفاتحة التي سيطرت على تاريخ الاقطار الاسلامية منذ ظهور محمد أصبحت غير قادرة في عهد محمد علي على بسط سلطانها حيث شاءت سيوفها لان قوى هائلة جديدة بدأت تحكم تاريخ الأمم اسمها : الاقتصاد البورجوازي والبورجوازية الأوروبية . وهيهات ان تكون هذه القوى قد دخلت أرض مصر . فاذا كان نابليون الابن الشرعي للطبقة البورجوازية وثورتها، فان محمد علي هو الذي سيخلق هذه الطبقة بإصلاحاته . لقد جاء هذا الرجل الوحيد الذي استبدل عمامة المشرق المفتخرة الجوفاء برأس حقيقي مبكرا في تاريخ مصر ومتأخرا على التاريخ العالمي، لان الذي كان يمسك بزمام التاريخ في ايامه هو الطبقة البورجوازية والتي لم يكن يعلو على سلطانها يومئذ سلطان .

ان طبقة الملاك الكبار والتجار هي الطبقة السائدة الوحيدة التي عرفها المجتمع العربي طوال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وهي التي ستقود الحركات « الديمقراطية » و« الوطنية » ضد الاتراك ثم ضد الاستعمار الاوروبي، بفضل ابنائها المتعلمين . ورغم هزال هذه الطبقة واستعدادها المستمر للتنازل للخصم الخارجي خوفا من نمو الحركة الجماهيرية باستقلال عنها فانها استطاعت خلال فترات قصيرة، تمثيل ارادة الأمة كلها في صراعها من أجل الانعتاق من بعض قيود العصور الوسطى المحلية ومن بعض اغلال الاستعمار الاجنبي .

غير ان هذه الطبقة التي رضيت بأن تكون الواسطة بين الفلاح المصري والرأسمال الأوروبي، ورضيت بأن تكون قيمة على دولة ابناء محمد علي الاوتوقراطية، كانت أعجز من أن تقود حركة ديمقراطية وطنية الى نهايتها . ولهذا فانها تركت احمد عرابي وجيشه يقاتلان ويهزمان شر هزيمة وحدهما، عندما رأت انهما تجاوزا حدود « ثوريتها » . ان « ثوريتها » ضد خصومها لا يحددها تصميمها او جوهرها وانما يرسم حدودها مقدار قوة العدو ومقدار تنازلاته . ولا يبقى في الميدان عندما تحتدم المعركة الا الفئات الدنيا من هذه « البورجوازية » مدعومة ومدفوعة من جماهير الفلاحين وفقراء المدن .

بعد هزيمة الثورة العرابية – التي احتاجت فيها البورجوازية الى وصي سرعان ما تخلت عنه – عادت الطبقة السائدة الى الاغتناء في ظل الحماية الانجليزية لتقف على رجليها صباح الحرب العالمية الأولى وتطالب باستقلالها . ان ثورة ١٩١٩ المصرية هي أول حركة استقلالية عصرية عرفتها الشعوب العربية وسوف الدخول عصر التصنيع تتبع خطواتها قطراً بعد قطر . وهي التي ستفتح الباب أمام البورجوازية المصرية لدخول عصر التصنيع .

اما الحركة القومية العربية الأولى التي قادت بالتحالف مع الانجليز والهاشميين، سوريا الكبرى ( لبنان والأردن وفلسطين ) والعراق الى التخلص من النير العثماني فيما سمي « بالثورة العربية الكبرى » فأنها كانت كذلك من صنع نفس الطبقة ، كبار الملاك والتجار ورغم انها كانت تحمل فكرة « الوحدة » ، فانها كانت متخلفة فكريا عن الحركة الديمقراطية التي عرفتها مصر، ولهذا فانها ستقنع بمبايعة بني هاشم ملوكا وبالانجليز أوصياء عليها ولن تدخل في صراع « قومي » الا ضد فرنسا واستعمارها العتيق وضد « اليهود » الذين جاءوا يهددون وجودها في فلسطين ، دون أن يصل هذا الصراع الى الحد الذي كانت تصبو اليه الجماهير الفقيرة . وقد استطاعت هذه الطبقة « القومية العربية » التي تربت قياداتها في الجيش التركي ان تحافظ على مسحتها « الوطنية » في سوريا وفلسطين، ولم تكشف « خيانتها » الا في العراق والأردن، حيث كانت السيطرة البريطانية متسترة وراء « استقلالها » المزعوم .

وهكذا توحدت في مطلع العشرينات معظم اقطار المشرق العربي تحت السيطرة الامبريالية المتحالفة بشكل أو بآخر مع الطبقة « البورجوازية » العربية الصاغرة وتوحدت كلها في تخلصها من بعض ظلمات القرون الوسطى، ولكن دون أن ترى شعوبها النور بعد . وقد جاءت « ثورة » قبائل العراق (۱۹۲۰) و« ثورة » سلطان الاطرش في سوريا ( ١٩٢٥ – ١٩٢٧ ) و« ثورة » عبد الكريم الخطابي ( ۱۹۲۱ – ١۹٢٦ ) في المغرب ، كآخر محاولة لصمود الهياكل العشائرية القروية العتيقة أمام الغزو الأجنبي، فكتبت صفحة رائعة في فن النضال، ولقنت بفشلها الاجيال القادمة أن مقاومة المستعمر لن تكون بالوسائل المحتظرة ولكن بسلاحه هو ، لا « بالجهاد في سبيل الله » ولكن باسم الوطنية الحديثة وقيمها الديمقراطية، فكانت نهاية الحقبة تاريخية وفاتحة لأخرى، وكما فتحت ثورة عرابي الباب لحركة الوفد وسعد زغلول فان هذه الانتفاضات الريفية – العشائرية مهدت الطريق للأحزاب الوطنية البورجوازية التي ستملأ ارجاء العالم العربي وتقوده نحو الاستقلال السياسي .

غير أن الحركات الوطنية، مثلها مثل الانتفاضات العشائرية، لم تغير شيئا من الأوضاع الاقتصادية – الاجتماعية السائدة، ولكن القوى التي أحدثت تغييرا يذكر ولعبت دورا « ثوريا » رغم انفها، فهي الرأسمال البورجوازي الامبريالي والدولة المسخرة لخدمته . ذلك أن البورجوازية الاستعمارية، رغم محافظتها المطلقة في مستعمراتها مضطرة حتى تنظم استعبادها واستغلالها، الى ادخال تغييرات كبيرة على نظام الانتاج ووسائله وبالتالي إلى أن تخلق، من حيث لا تشعر قوى اجتماعية جديدة ستعمل على التخلص الى هذا الحد أو ذاك من المستعمرين . فالبورجوازية « الوطنية » العربية التي ترعرعت خلال الحكم الاستعماري أصبحت « وطنية » بفضل المنهم الذي اصابها امام الخيرات التي يستخرجها المستعمر من ارضها فهبت مطالبة بها، وكانت بهذا تعبر عن مصالح القطر كله، ومرة أخرى تكشف هذه الطبقة اللقيطة عن حدود وطنيتها بالتنازلات التي تتركها للمستعمر في كل مرة يعترف فيها بحقها « المشروع » في فائض الانتاج المنهوب من عمل الكادحين .

بل أن نمو قوى اجتماعية جديدة – ملايين الفلاحين الفقراء وعمال الزراعة وعمال الصناعة – وتعبيرها عن نفسها خلال الانتفاضات الدموية والاضرابات الجماهيرية كان من الأسباب التي دفعت المستعمرين الاذكياء – بريطانيا – وارغمت البلداء منهم – فرنسا – على تسليم أجهزة الدولة القمعية الى البورجوازيات « الوطنية » واقتسام المصالح الاقتصادية معها، حتى تكون كلب الحراسة الأمين والشرس في الدفاع عنها . وليس غريب اذن ان يكون البلد العربي الوحيد الذي عرف حربا تحريرية طويلة وعنيفة : الجزائر، هو البلد الوحيد الذي انعدمت فيه الطبقة البورجوازية المحلية اذ عوضتها طبقة المعمرين الفرنسيين في المدن والارياف، ولم يكن امام هذه الطبقة الفرنسية من أحد سوى الذين لا يطالبون بأقل من موتها .

باعلان الاستقلال « السياسي » للأقطار التي تحكم فيها ، أسرعت البورجوازية « الوطنية » الى اعلان استقلالها عن الجماهير التي أوصلتها إلى السلطة والى ربط ارقى العلاقات مع عدو الأمس، الذي عاد من باب التعاون الاقتصادي بعد ان طرد من نافذة السلطة السياسية، وهكذا بفضل البورجوازية الوطنية وتحت حمايتها، يعود الأسياد المطرودون إلى بيوتهم آمنين .

أن أول مهمه أساسية تقوم بها البورجوازيات المستقلة – والاستقلال البائس الذي ترضى به هو مقياس طموحاتها التاريخية – هي القضاء على كل حركة شعبية جماهيرية بقوة السلاح باسم « الوطن » و« الدين » وغيرهما من المزابل التي ترك فيها كل نبي وكل دجال بورجوازي شيئا من برازه . أن أول ما فعله « الوفد » حتى قبل ان يرسخ سلطته امام الملكية العميلة، هو محو الحزب الشيوعي المصري الفتي من الوجود في حملة ارهابية رهيبة، وأول ما فعله بورقيبة حتى قبل أن يقلع الجيش الفرنسي من تونس، هو تحطيم النقابة العمالية التي كانت أكبر قوة جماهيرية في البلاد .

اذا كانت البورجوازية الأوروبية قد لعبت في التاريخ دورا ثوريا، فان البورجوازية العربية لعبت دورا هزيلا حتى التعاسة في تاريخ المجتمع العربي : فلا هي اتمت تحریر أقطاره تحريرا شاملا، ولا هي وحدت شتاته في أي شكل من أشكال الوحدة، ولا هي اقامت نظما ديمقراطية في مستوى العصر .

فهي حينما استولت عن السلطة عملت على سحق جميع النزعات والحركات الديمقراطية، حتى التي نشأت من صلبها، وحطمت دون رأفة الروابط التي شدتها في وقت ما الى الجماهير العاملة، ولم تبق على صلة بينها وبين هذه الجماهير صلة سوى القمع ولغة البوليس، واحلت محل الحريات، التي كانت تتغنى بها قبل استقلالها والتي بذلت في سبيلها دماء الجماهير الفقيرة بسخاء، حريتها الغاشمة في النهب والاستغلال، فعوضت استعباد المستعمر الاجنبي « الكافر » باستعبادها الوطني المسلم، ووصمت كل من تسول له نفسه بالاحتجاج عليها بأنه « خائن مرتد ».

وصارت هذه البورجوازية التي كان ينتمي معظم رجالها الى الأحزاب القومية العربية الأولى اشد الناس تمسكا بالحدود التي رسمها لها المستعمر تدافع عنها بكل ما اوتيت من سلطان، وراحت تخلق لنفسها « أمما » زائفة لا تليق الا بها . ( مثل الأمة السورية، والأمة المصرية والأمة التونسية الى آخر القائمة التي لا آخر لها ما دام الباب مفتوحا أمام شيخ الأمة الكويتية وبعير الأمة القطرية ! ). وتبحث عن مستندات تاريخية لترسيخ خلودها فغرقت في مستنقعات البلقنة وجنت على الاحزاب « الشيوعية » الغلبانة، التي ظنت الشحم فيمن شحمه ورم، رأت في البورجوازية العربية قوة تاريخية ذات شأن، فراحت تدافع عنها وعن « منجزاتها » الاقليمية دفاع الكلب عن سيده، غير انها كانت كلبا مكروها، فخسرت « الدنيا والدين » ونالت عداء الطبقة السائدة واشمئزاز الطبقات المسودة .

وعادت البورجوازية العربية الى وحل الدين الاسلامي في أقذر مظاهرة تبحث لها عن ايديولوجيا عريقة، بعد أن تعرف بعض رجالها على ارقى افكار البورجوازية الثورية وبشروا بها، فعادت بالامة العربية الى عهد الغزالي وابن تيمية وغيرهما من حراس المواخير السلطانية .

ذلك أن هذه البورجوازية الهجينة والكسيحة لم تخلق شيئا، بل اكتفت باستغلال ما وجدته من الأراضي التي ورثتها عن عهد السلاطين أو عن المعمرين، وبالمساهمة في البنوك التي أدخلت نظامها الامبريالية الأوروبية، وببعض الصناعات الخفيفة التي لا تسمن اقتصاد البلاد ولا تغني فقراءها من جوع . فهي طبقة طفيلية أولا، لانها تتعيش من الفتات الذي يجود به عليها الرأسمال العالمي وثانيا لانها تقتات من دم جماهير الفلاحين المعدمين والعمال المفقرين وعرقهم . فلا هي بنت اقتصادا وطنيا قويا ولا هي اقامت المصانع الحديثة، ولا هي ادخلت اي تغيير ثوري على وسائل الانتاج، ولذلك حافظت على التخلف المزمن ورسخته، وعلى علاقات الانتاج وجمدتها، فالطبقة البورجوازية العربية جزء ميت من العالم القديم لا تعيش الا به، بينما السمة الاساسية والتاريخية للطبقة البورجوازية الاصيلة هي قلب هذا العالم رأسا على عقب، وتثوير انتاجه بصفة متتابعة، وزعزعة علاقاته الاجتماعية زعزعة دائمة والقضاء على موكب معتقداته واديانه وافكاره وتحاريمه ومقدساته قضاء مبرما .

فالبورجوازية العربية لم تدخل السوق العالمية الا مشترية، تنفق فيها اموال الوطن وتبددها، بينما هي تفتح سوقها للامبريالية تبيع فيها ما تشاء، وتنهب ما تحت وما فوق الأرض العربية من ثروات فاسهمت بكلتا العمليتين في افقار الاقتصاد المحلي، وفي تجريد الجماهير حتى من لقمة العيش قاطعة الطريق امام عملية التراكم البدائي التي لا مستقبل لاقتصاد متخلف بدونها .

أن طبقة تنشأ وتترعرع من مجرد تغييرات فوقية ولا تولد من ثورة اقتصادية عميقة تضرب بجذورها في قاع التاريخ الحديث، مثل هذه الطبقة لا تستحق حتى اسم الطبقة ولا هي قمينة بالحياة . فهي دون ماض ودون مستقبل ولا حول لها ولا قوة . ويمكن هزيمتها باسرع مما يهزم به الجيش الاسرائيلي الجيوش العربية ولولا بؤس العالم العربي وتفاهة تاريخه المعاصر لما امكن لهذه الطبقة المسخ ان تعمر فيه وتفرض هيمنتها عليه ولا أن تظل قائمة على جزء كبير منه !

ولكن هذه « البورجوازية » العربية، التي كانت تستمد قوتها من ضعف المجتمعات التي تتحكم فيها سرعان ما انهارت عندما جاءها التاريخ بقوة خارجية شابة ومحاربة : الصهيونية وجيشها الذي التهم جيوش الجامعة العربية التهام النار للهشيم . وثبتت مقولة سعد زغلول عن الدول العربية، متفرقة ومجتمعة من انها « مجموعة اصغار تساوي صفرا » . ان هزيمة ١٩٤٨ هي الهزيمة التاريخية لحكم « البورجوازية » في المشرق العربي، وما عاشته بعد هذا التاريخ كان وقتا ضائعا على شعوبها وعلى الثورة . لقد كان مثل الانظمة العربية وشعوبها غداة النكبة، مثل اشجار قائمة القيت بينها فأس دون عود، فما أن دخل عود من هذه الاشجار في الفأس حتى بدأت تتهاوى . وما أن خرج الجيش من صلب الطبقة الحاكمة وتحرك باسم الجماهير الشعبية حتى هوت العروض والطبقات المستندة اليها .

ورغم أن المنطقة العربية عرفت عدة انقلابات عسكرية منذ الثلاثينات، فان انقلاب عبد الناصر في ٢٣ يوليو ١٩٥٢ هو أول حركة طبقية يقوم بها جيش عربي ضد الأوضاع القديمة الموروثة عن تاريخ مغبر، واذا اعتبرنا ما قام به الاستعمار الغربي و« البورجوازية » المحلية من تغييرات، بوعي أو رغم انفها، نصف ثورة فان الجيش وما يجره وراءه من طبقات وفئات اجتماعية جاء ليتم النصف المتبقي من الثورة البورجوازية « الديمقراطية الوطنية » والذي اصبح يصرح بضرورة انقاذه من النصف الأول الذي تحول الى ثورة مضادة على يد الطبقة الحاكمة في عهود الاستقلال .

لقد خرج الجيش ومعه جماهير الشعب – أي كل ما ليس بالطبقة الحاكمة – لاكمال نصف الثورة المغدورة والثأر لها من الذين « خانوها » . لهذا كانت اللغة الرسمية التي تكلمت بها الحركة العسكرية لغة اخلاقية مملوءة بعبارات « التطهير » ومحاربة « الخيانة » ومقاومة « الفساد ». ولهذا حظيت رغم تعثراتها وتردداتها بتأييد جماهيري واسع، أعطاها مظهر « ثورة » . ذلك أن الطبقة الجديدة، التي ولدت من صلب القوات المسلحة، التي كانت حزبها وطليعتها، كانت مضطرة إلى تحريك الطبقات السفلى بأجمعها ما دامت مطالب الجميع في ظاهرها واحدة، وهكذا كانت البروليتاريا وجماهير الفلاحين المعدمين يحاربون بقايا « الاقطاع » والبورجوازية الارستقراطية لا لحسابهم هم بل لحساب الطبقة الصاعدة التي لم تفضح بعد كامل هويتها لهم، وهكذا كانت الحركة التاريخية كلها مركزة في يد هذه الطبقة، وكل الانتصارات التي تحققت اذ ذاك كانت انتصاراتها .

فهي التي اخرجت الانجليز من منطقة القناة – رغم التنازل البشع لاتفاقية ١٩٥٤ – وهي التي أممت قناة السويس بعد أن كسرت الحصار العسكري والاقتصادي وهي التي « هزمت العدوان الثلاثي »، وقاومت التدخل الاميركي، وهي التي حققت أول وحدة عربية معاصرة طالبت بها ودعمتها بحرارة وحماس نادرين شعوب الامة العربية كلها، وحطمت الحكم الهاشمي، الارهابي العميل في العراق ونسفت حلف بغداد وارست حجر الاساس لاقتصاد صناعي حديث .

وما ان قامت الحركة العسكرية حتى اعلنت حربها على « الاقطاع » وأصدرت قوانين « الاصلاح الزراعي » لتصفية علاقات الانتاج القديمة في الريف، فكانت أول خطوة اقتصادية اجتماعية، تقطعها الطبقة الجديدة . ثم أممت على أثر الاعتداء الثلاثي جميع المصالح الأجنبية في مصر، وبعدها أصدرت قوانين يوليو ١٩٦١ التي كانت في حقيقتها وثيقة ميلاد الطبقة الجديدة .

فهذه الطبقة التي لم تأت الى السلطة عبر ثورة شعبية عارمة، كانت تستطيع عبرها ان تكنس كنسا جذريا كل رواسب المجتمع القديم وتقيم سلطتها صافية، تقدمية ديمقراطية، فظلت أسيرة للشكل الذي قفز بها الى مركز الصدارة في المجتمع : التآمر والجيش . فظلت تناور بين الطبقات جميعا، تخاف منها جميعا وتعمل على ترويضها جميعا . تتعاون معها جميعا وتتنازل مرة لهذه وأخرى لتلك، لكن الذي لم يتغير في سلوكها من ٢٣ يوليو ١٩٥٢ الى يومنا هذا هو خوفها من العمال واحتكارها المطلق للسلطة السياسية عبر الدولة التي صارت ملكها الخاص، بل ملكها الوحيد وصك ميلادها، الا أنه ملك من نوع خاص اذ انه يحتوي على جميع الاملاك، بل هو الذي يحدد معاني الملكية وقوانينها، فطوبى للقوة الاجتماعية التي تفوز به، فانها تفوز بالمجتمع كله . فكما ان المال هو البضاعة التي تحتوي على جميع البضائع ، وتتحكم بالتالي في قوانين المجتمع البورجوازي الذي تحول كل شيء فيه الى بضاعة، فان الدولة في المجتمعات التي لم تتشكل فيها طبقة بورجوازية حقيقية تخضعها لمصالح اقتصادها، تصبح سيدة المجتمع والاداة التاريخية التي تتكون عبرها الطبقات . وما تاريخ الطبقة الجديدة العربية بشيء سوی تاریخ التغييرات التي طرأت على نظم واجهزة الدولة ومهماتها في المجتمع الغربي منذ ربع قرن .

وحتى لا تنسى البروليتاريا العربية، ولو لحظة، الطبيعة الطبقية للبيروقراطية العسكرية عليها أن تتذكر أن هذه الطبقة عمدت ميلادها بدماء عمال كفر الدوار، يوم ۱۲ اغسطس ١٩٥٢، عندما اطلقت نيران عساكرها على العمال المضربين وشنقت اثنين من قادتهم . ففي غمرة فرحهم بسقوط الحكم الرجعي المتعفن ظن العمال أن حركه ۲٣ يوليو قامت من أجلهم، فهبوا مطالبين بـ « اسم الثورة » ببعض حقوقهم . فماذا كان جواب « الثوار » ؟ بأن هذه الثورة ليست ثورتكم يا عمال، واعتصامكم انتهاك لقوانينها المقدسة . ولا تنس البروليتاريا العربية أن الحكم العسكري المصري خاطب الطبقة العاملة بعبارات الحجاج السيئة الذكر : « اني ارى رؤوسا قد اينعت وحان قطافها، واني لصاحبها »1 حتى قبل أن يصدر قوانين الاصلاح الزراعي ! وحدد هويته سلبيا ضدها، قبل أن يبرز من ايجابياته شيئا .

راحت الطبقة الجديدة تناشد البورجوازية العقارية والمصرفية أساسا علها تنهض بالاقتصاد تحت وصاية دولة لم تعد دولتها وتحقق بالتالي المهمة التي لم تحققها في عز دولتها . لكن الحكم العسكري لم يجد اذنا صاغية . ففي كل مرة حاول فيها تحرير المجتمع والاقتصاد من القيود القديمة كان يجد طبقة الملاك والمصارف عقبة كأداء في طريق مسيرته . وهكذا لم يسعه في النهاية الا ان يشتبك معها، حفاظا على وجوده وترسيخا لجذور سيطرته الطبقية، تحت تصفيق الجماهير الكادحة . وفي ١٩٦۲ وجدت الطبقة البيروقراطية انها تملك ٨٠ بالمئة من الصناعة و ۱۰۰ بالمئه من البنوك وشركات التأمين . ولكنها كانت تملكها عبر ملكية الدولة التي باتت أكبر رأسمالي جماعي في المجتمع .

وهكذا نشأت الطبقة التقنو – بيروقراطية كطبقة سائدة في المجتمع المصري وعلى نفس المنوال نشأت في سوريا والعراق، وبشكل آخر في الجزائر، وتكلمت باسم « الثورة العربية » واختلقت لنفسها ايديولوجيا « الاشتراكية العربية » ( «الديمقراطية التعاونية » ثم « العلمية » الخ ) حتى يتحلى لونها العسكري الباهت ببعض « الشعبية » وتتهذب اخلاقها الخشنة بشيء من « النظرية » . غير أن هذه الطبقة الجديدة، وقد أصبحت سيدة البلاد بفضل سيطرتها السياسية والاقتصادية، وبفضل امتصاصها للكوادر البورجوازية أو التي كانت في خدمتها، احتفظت بجزء لا بأس به من الطبقة المالكة وتحديدا البورجوازية الصغيرة والمتوسطة اطلقت عليها اسم « الرأسمالية الوطنية » وقررت بقرار جمهوري انها « غير مستغلة »، في محاولة يائسة لتغطية استغلالها الخاص، ولتغطية الواقع الطبقي الذي يفقأ عين الفلاح المعدم في الريف والعامل في المدينة، فضلا عن ملايين من العاطلين، ما اقتاتوا ولا انتعلوا .

وكما ان « البورجوازية » العربية كانت صورة ممسوخة بالقياس الى مثالها : البورجوازية الأوروبية، فان الطبقة البيروقراطية العربية البيضاء جاءت صورة مسخا بالقياس الى مثالها : الطبقة البيروقراطية الحمراء التي تحكم روسيا والتي غدت نموذجا للبيروقراطيات الحاكمة في الصين أو كوبا أو فيتنام الشمالي وكوريا الشمالية .

البيروقراطية الروسية تشكلت على انقاض الثورة البروليتارية المجالسية التي هزمها الحزب البلشفي، في شروط عالمية مؤاتية على رأسها تأخر ثم هزيمة الثورة الالمانية، هذا الحزب الذي شرع في اعادة ترميم ما هدمته البروليتاريا من جهاز الدولة القديم، كما شرع في بسط سيطرته، بعد تصفية المجالس بالحول والحيلة، على الاقتصاد بجميع قطاعاته . وهكذا اقامت البيروقراطية الروسية أول نموذج لسلطة طبقية جديدة تاريخيا، سوف يكون لها ما بعدها، قوامها السيطرة التوتاليتارية على الاقتصاد، السياسة والايديولوجيا معا وجميعا .

لم يكن ظهور الطبقة البيروقراطية، كثورة مضادة صفت ثورة البروليتاريا الروسية في الدم، مصادفة تاريخية بل كان عملية تاريخية : في روسيا مطلع القرن كانت البورجوازية ضعيفة وتخشى الثورة أكثر مما يخشاها القياصرة انفسهم، وكانت البروليتاريا قوية نوعيا وضعيفة كميا وكانت الثورة البروليتارية في أوروبا الغربية قد أخلفت وعدها . لكن التاريخ الحديث كان قد قضى على روسيا ثم على العالم المتخلف بورجوازيا، بأن يلتحق، عبر طريق آخر لكنه يؤدي الى روما البورجوازية، بنمط الانتاج الرأسمالي العالمي . وهكذا كانت الثورة البيروقراطية، التي لحقت على صعيد الانتاج السلعي وانتاج البروليتاريا بنمط الانتاج العالمي السائد، هي آخر الثورات البورجوازية في أوربا الشرقية والجزء الاعظم من آسيا على الأقل . لقد انتجت البيروقراطية حفار قبرها : البروليتاريا الروسية التي تتربص بالطبقة البيروقراطية التي سلبتها ثورتها منذ أكثر من نصف قرن، واخضعتها لأبشع استغلال وأرهب استبداد وأقظع استعباد عرفه تاريخ الطبقات المظلومة . وما ان تزأر البروليتاريا الروسية من جديد في وجه سادة اليوم : كل السلطة للمجالس ولا شيء للحزب ! حتى يشرق فجر جديد في تاريخ الانسانية، هو فجر الثورة البروليتارية الجديدة التي ستشرق شمس انتصارها على العالم كله كما سجا ظلام هزيمتها في ۱۹۱۷ على العالم كله شرقا وغربا .

كذلك فان الثورة الوطنية الصينية – التي صارت نموذجا لجميع ثوار العالم المتخلف – لم تكن من صنع البروليتاريا، بل قامت على انقاض هزيمتها سنة ١٩٢٧ من قبل الحزب الوطني ( الكوميتطانغ ) الذي تحالف معه الحزب الشيوعي الصيني بأمر من ستالين . فالحركة الماوية ، لا علاقة لها بالبروليتاريا، ولكنها في جوهرها حركة فلاحية – بيروقراطية يناضل فيها الفلاحون من أجل التحرر الوطني وتحرير أنفسهم من رق القرون الوسطى والاستيلاء على الأرض التي يعملون عليها، اما البيروقراطية – أي الجهاز العسكري والسياسي الذي قاد ثورة الفلاحين – فانها كانت تناضل من أجل الاستيلاء على الدولة واقامة مجتمع جديد بمضمون قديم يضمن سيطرتها الكاملة . مجتمع صيني من الطراز الذي كان سائدا في روسيا ستالين، وهكذا كان كلا طرفي التحالف يناضل من أجل أهدافه الخاصة، غير أن الطرف الاضعف هو الذي كان يجهل أهداف الطرف الثاني، أي الفلاحون الذين لم يعرفوا عبر تاريخ ثوراتهم الطويل، ثورة واحدة ظافرة . وما أن انتصرت الثورة الفلاحية – البيروقراطية، حتى تحول الجهاز القائد : الحزب الستاليني الى نواة الطبقة الجديدة، التي سارعت الى ترسيخ أقدامها بتصفية سلطة وملكية المالكين العقاريين والبورجوازية الكومبردورية، وتأميم الصناعة والبنوك، والقضاء التدريجي على « البورجوازية الوطنية » بعد أن أعلنت نظامها « اشتراكيا » وهو في الحقيقة نظام عهد الثورة المضادة الروسية : نظام رأسمالية الدولة البيروقراطية .

غير أن أنظمة الثورات البيروقراطية الفلاحية في آسيا قضت نهائيا على السيطرة الاستعمارية وقضت على البورجوازية المحلية، في الريف وفي المدينة، التي رأت فيها مزاحما خطرا على هيمنتها وتكذيبا ملموساً لاشتراكيتها . وشرعت في بناء اقتصاد وطني عصري – عمدته : « تشييد الاشتراكية » – بكلمة فانها حققت في بضع سنوات ما عجزت عن تحقيقه الهيمنة البورجوازية الاقطاعية الاستعمارية : نتائج الثورة البورجوازية التاريخية ناقص الليبرالية، وبالتالي ارتفعت بمجتمعاتها الى مستوى ثورات العصر، مستوى الصراع الطبقي الصافي بين طبقة المنتجين التي لا تملك شيئا وطبقة المستغلين التي تملك كل شيء .

اما الطبقة البيروقراطية العربية فانها لم تولد من صلب ثورة مضادة بيروقراطية من الطراز الروسي ولا ولدت من رحم مسيرة طويلة لثورة فلاحية بقيادة حزب ستاليني على الطريقة الصينية . وذلك يعود أساسا الى كون الأحزاب الستالينية العربية المتخلفة حتى عن تخلف الاحزاب الستالينية الأخرى، وقعت، بسياستها الذيلية للبيروقراطية الروسية الى درجة انها باتت مجرد مكتب للعلاقات العامة ملحق بوزارة الخارجية الروسية، قطيعتها الحاسمة مع الجماهير، هذه الجماهير التي ما كانت يوما على رأسها الا كغراب : فهي لا فقط لم تشاطر الجماهير نضالها ضد الاستعمار بل كانت تلومها كما فعل حزب بكداش الذي رأى في النضال ضد الاستعمار الفرنسي احراجا للجبهة الشعبية في فرنسا واضعافا للجبهة المعادية للفاشية في العالم . ولم تشاطرها نضالها ضد غرس الدولة الصهيونية بل رأت فيها، بعيني ستالين العشوائيتين تاريخيا، خميرة للتقدم ومعقلا للثورة « الاشتراكية » القادمة في العالم العربي . اما موقفها المعادي للوحدة العربية، امتثالا لسياسة أسياد الكرملين الذين كانوا يخشون الوحدة العربية على الاقل بقدر ما كانت تخشاها الامبريالية الغربية، فانها كانت رصاصة الرحمة التي اجهزت على آخر امكانيات لقاء الاحزاب الستالينية العربية بأوسع الجماهير العربية ولو لفترة تاريخية قصيرة .

عجز الستالينية العربية على اللقاء بجماهير الفلاحين، ككتائب لا غنى عنها، وعلى استيعاب المثقفين، كقيادة اركان لا بد منها، لخوض وقيادة مسيرة ثورة بيروقراطية حمراء ظاهرة خلق فراغا تاريخيا لم يكن من ملئه بد : طبقة المالكين العقاريين الكسيحة وامتدادها المديني كانت عاجزة عن الاحتفاظ بالساطة لانها كانت عاجزة عن تحقيق أي من المهام الاقتصادية الاجتماعية المطروحة بالحاح على جدول اعمال الحقبة التاريخية، والطبقة العاملة العربية كانت وليداً ضعيفا، لضعف التصنيع وقوة جميع المنوعات الايديولوجية السابقة للرأسمالية، وضائعا في بحر من الفلاحين المبعثرين . والفلاحون العرب، وهم الكثرة الكاثرة من الامة العربية، الذين كانوا، نظرا لتشتتهم وسيادة الاساطير الخرافية والدينية بين صفوفهم، اعجز من أن يخوضوا ويقودوا لحساب أنفسهم حركة ثورية مستقلة عن البورجوازيين أو البيروقراطيين، لذلك بقوا كما مهملا في الحياة والتاريخ العربيين المعاصرين . وباختصار فان ايا من هذه القوى الاجتماعية كانت عاجزة عن « ملء الفراغ » . الجيش، بكوادره البورجوازية الصغيرة وضعا وتطلعات، كان هو القوة المنظمة والمسلحة والحديثة والمتماسكة الوحيدة في مجتمع أعزل، هرم ومفكك . وكان اذن هو الذي سيملأ العروش نصف الشاغرة .

هكذا خرجت البيروقراطية العربية من الجيش وتنظيمه الهرمي كما خلقه وخلفه محمد علي وكما استعمله وطوره حكم « تحالف رأس المال والاقطاع » والاستعمار . فكانت تحمل منذ ولادتها دمغة عسكرية جعلتها لا تتجاوز حدودا معلومة هي حدود تاريخها . ذلك أن الجيوش التي رشحت نفسها لتغيير كل شيء كانت تشخيصا حيا لكل ما يناقض التغيير . لانها خلقت لتحافظ على النظام القائم وعلى الايديولوجيا الدينية المتخلفة والمخلفة للناس وشروط حياتهم معا . وباستيلائها على الدولة الهرمة فانها حرصت على الا يمس مؤسستها أي تغيير جدي . وعلى ان تكون هذه المؤسسة البالية النواة التي تنطلق منها حركة التغيير في المجتمع . وهذا هو مفتاح تخبط الطبقة البيروقراطية العربية بين الادعاءات « الثورية » والممارسات المحافظة بل حتى الرجعية .

فهي جاءت الى السلطة وحازت على تأييد سواد الشعب باسم برنامج بسيط الخصته في ثلاث كلمات : الوحدة، الحرية، الاشتراكية .

فالام تحولت هذه الشعارات على يد الطبقة البيروقراطية العسكرية ؟

كانت الوحدة السورية – المصرية هي التجربة اليتيمة التي أقدمت عليها هذه الطبقة، تحت ضغط الجماهير الشعبية التي رأت فيها تحقيقا لأحلامها : ولكن سرعان ما تحولت هذه الأحلام الى كابوس بوليسي رهيب ( السراج )، وعندما تحركت فرقة الهجانة واسقطت دولة الوحدة لم تحرك الجماهير ساكنا للدفاع عنها، وكان في طليعة الموقعين على وثيقة الانفصال نفس الرجال الذين وقعوا على وثيقة الوحدة . فالبيروقراطية المصرية، لم تكن كلها عبد الناصر – الذي قامت الوحدة « من أجل عينيه » – وتصرفت في سوريا تماما كما يتصرف الغزاة، لانها لم تكن ترى الوحدة الا وسيلة لتوسيع هيمنتها وتعميق جذورها، فهي بالأساس طبقة قطرية لان قاعدة سيطرتها هي دولة القطر . ولانها لم تكن تثق في الطبقة العسكرية السورية الناشئة فانها دفعت هذه الطبقة التي لم تكن شيئا قبل الوحدة الى أن تصير كل شيء بعد اصلاحات الوحدة، وبالتالي أن تطالب، باسم الشركة الخماسية في بداية الانفصال، ثم لنفسها بعد ذلك بنفس السلطة والهيمنة التي تتمتع بها البيروقراطية في مصر وهكذا لم تكن الوحدة بالنسبة لحزب البعث ولجيشة « العقائدي » الا وسيلة ومناسبة لتشكل الطبقة البيروقراطية واضعاف القوى الاجتماعية التي كانت تمنعها من ذلك، فكانت الوحدة بالنسبة لأكبر حزب وحدوي وسيلة لترسيخ سلطته قطريا . وهكذا فان ايديولوجية الوحدة، ليست الا أيديولوجيا أي اكذوبة تتخفى وراءها البيروقراطية العسكرية للوصول الى غاياتها الطبقية الانفصالية . وليس أدل على ذلك من المعارك الضارية التي خاضتها مختلف اجنحتها ضد بعضها البعض ( الناصرية ضد عبد الكريم قاسم، الناصرية ضد البعث، البعث العراقي ضد البعث السوري الخ … ) والتي تفوق في ضراوتها المعارك التي خاضتها مجتمعة أو متفرقة ضد الرجعية، بل ضد الامبريالية، بل ضد الصهيونية .

زعمت البيروقراطية العربية أن الوحدة ضد الرجعية العربية، واذا بها تتحالف مع هذه الرجعية في السعودية والكويت والاردن الخ ضد « المد الشيوعي » في العراق : نفس هذا « المد الشيوعي » يتحالف مع الرجعية العراقية والانجليز لمحاربة « القوميين المتآمرين » الذين هم من نفس طينته الطبقية . وزعمتها سلاحا ضد الامبريالية، واذا بها تستعدي الامبريالية الاميركية ضد شيوعي العراق، واذا بحزب البعث يصل الى السلطة « في قطار اميركي » اما شعار « الحرية » فهو الصخرة التي تحطمت عليها البورجوازية، وظل الصخرة التي تحطمت عليها البيروقراطية . فاذا كانت البيروقراطية تعني بالحرية مجموع « الحريات الديمقراطية » التي كسبتها الثورة البورجوازية، فانها لم تفعل سوى ترسيخ بل تطوير العبودية السابقة، فقد قلمت اظافر جميع المعارضين وقصت السنة جميع المعترضين محولة اقطارها الى سجون كبرى لا تقل بشاعة عن سجون السلاطين . اما اذا كانت تعني بها « التحرر الوطني » و « تحرير فلسطين »، فانها اصبحت على يدها تعني « الاحتلال الوطني » واحتلال فلسطين « من البحر الى النهر ». وهي اليوم ليست عاجزة وحسب عن تحرير فلسطين من احتلال الدولة الصهيونية بل انها تتأهب لتوقيع الصلح معها ودفن التحرير الوطني لفلسطين الى الابد .

ففضلا عن جميع تنازلاتها ومساوماتها ايام عزها، أصبحت البيروقراطية بعد هزيمتها الكاسحة تتمسح على اعتاب الرجعية والامبريالية . باعت اليمن الجمهوري لسعودية مقابل ملايين الجنيهات، وباعت ثوار ظفار والخليج للمشايخ وأسيادهم . ومن قبلها وبعدها تحالفت مع لقيط بني هاشم ثم ضحت بالشعب الفلسطيني وطلائعه المسلحة . وما زالت الى اليوم تبحث عن تأييد الامبريالية الأميركية والأوروبية علها تخرجها من المأزق التاريخي الذي وقعت فيه . فتغازلها بالبترول تارة وبتذبيح الشيوعيين طورا، وقمع الحركات الشعبية دائما . ان حكم البيروقراطية والحرية نقيضان لا يصلح أحدهما مع وجود الآخر .

لقد بات اليوم واضحا، الا لمن له عينان ولكن لا يرى، أن انجاز مهام التحرر الوطني : احتلال المصالح الامبريالية واحتلال الدولة الصهيونية، لا سبيل اليه الا سبيل التحرر من احتلال الطبقات الحاكمة لحياة جماهير الأمة العربية . وفي صياغة أخرى فان الشعارات القومية، الاديولوجيا القومية، الأحزاب القومية والصراع القومي هي اليوم رواسب حقبة خلت . اما المهام القومية فستحققها، بعد تغيير مضمونها وبشكل نوعيا ارقى، البروليتاريا العربية عبر صراعها الطبقي الذي سيكون طويلا ومريرا ضد مجموع أعدائها داخل العالم العربي وخارجه .

اما شعار الاشتراكية، الذي استوردته هذه الطبقة من البيروقراطية الستالينية فانه لم يعن يوما لا عندها ولا بالأحرى عند سميتها ومربيتها وملهمتها تسيير المنتجين المباشرين المباشر للمجتمع كله، وانما عنت به مجرد بناء اقتصاد قومي حديث . لكن البيروقراطية العربية عجزت حتى عن تحقيق هذه المهمة البورجوازية أساسا . فاصلاحها الزراعي فتت الأرض وأضعف انتاجيتها من ناحية، وخلق طبقة من اغنياء الفلاحين المتحالفين مع البيروقراطية الادارية والمستغلين جميعا لفقراء المزارعين والعمال الزراعة . عشرين عاما بعد « الإصلاح الزراعي »، ما زال الريف المصري يعج بملايين العاطلين، وبالملايين من عمال التراحيل الذين لا يتجاوز دخل الفرد في عائلاتهم خمسة جنيهات في السنة ! بينما يهيمن على الارياف و« يمثلها » في « التعاونيات » وفي « الاتحاد الاشتراكي » وفي « مجلس الشعب » طبقة الكولاك، معقل الرجعية الاجتماعية والثقافية ( البورجوازية الريفية المحافظة والاسلام في أبغض اشكاله واحقرها هما ركنا البيروقراطية العسكرية الدائمين ) . وهكذا تبقى المسألة الريفية مطروحة برمتها في المجتمعات البيروقراطية تماما كما هي في مجتمعات « تحالف الاقطاع ورأس المال »، ولن تحلها سوى ثورة اجتماعية جديدة تقضي على الملكية الخاصة والدولوية وتعيد تنظيم الانتاج على أساس الملكية الجماعية وتسييرها المباشر من قبل المنتجين أنفسهم . اما التصنيع البيروقراطي فقد ظل محدودا ومترددا . فهو أساسا موجه نحو الصناعات الخفيفة والاستهلاكية التي تلبي متطلبات الطبقة السائدة ورغبات ذوقها البورجوازي المتخلف . وهكذا بذّرت فائض الانتاج وفتحت الباب على مصراعيه امام العطالة الهائلة التي غزت معظم المدن العربية، حيث أصبح العاطلون عن العمل وعائلاتهم يشكلون سواد السكان، تماما كما فعلت الطبقة البائدة التي ورثت عنها الطبقة الجديدة معظم عيوبها الاجتماعية وتخلفها الثقافي والديني والتكنولوجي .

فقد عجزت اذن البيروقراطية العربية، تماما كما عجزت قبلها البورجوازية العربية، عن تحقيق التراكم البدائي لرأس المال وعن تخريج الكوادر التقنية القادرة على ادارة المشاريع الصناعية بكفاءة . ومرة أخرى يحمل التاريخ العربي البروليتاريا مهمة لم تكن في الأصل من مهامها، وستحققها بعد تغيير مضمونها : فالتراكم الذي ستحققه البروليتاريا لن يكون على حساب الاستغلال المكثف للبروليتاريا الصناعية والزراعية كما حققته البورجوازية في القرن التاسع عشر والبيروقراطية الحمراء في القرن العشرين، بل سيكون أولا وأخيرا على حساب الشركات النفطية وما لف لفها : اغتصاب املاك وثروات الذين اغتصبوا ثروة وحياة الشعب نفسها من المستغلين المحليين . والتراكم لن يكون كما كان بورجوازيا وبيروقراطيا، مراكمة للسلع بل مراكمة للقيم الاستعمالية المرصودة لارضاء الحاجات الفعلية للجماهير الشعبية المتحررة من القمع والاستغلال .

الانجاز الوحيد للطبقة البيروقراطية العربية، التي لم يكن يساوي كذب شعاراتها الا حقيقة فشلها، هو عبد الناصر . فقد كان هذا الزعيم – البرنامج ثورتها، اقتصادها واديولوجيتها، سلطانها وقرآنها، وحدتها وحريتها واشتراكيتها في آن . يكفي ان تلوح به للجماهير كوعد ووعيد في وقت واحد حتى تقتنع هذه، تحت مفعول الخوف والأمل ممتزجين، أن ليس في الامكان أبدع مما كان .

مثل عبد الناصر الذي كان يغطي التناقضات بين الظالمين والمظلومين في مصر والعالم العربي بظله، القناع الذي اخفت وراءه طبقته هويتها « كرأسمالية ( خاصة ودولوية ) غير مستغلة » . لكن – وذلك ما حدث مرارا في التاريخ – الطبقات المظلومة لا يسعها، قبل أن تعي اسباب ظلمها وهوية ظالميها، الا أن تبحث لاهثة عن عزاء وسلوى، عن اديان جديدة وانبياء جدد كأمل كاذب في الخلاص من ليلها الطويل . ولا عجب اذن ان وجدت الجماهير العربية المحرومة من كل شيء، ابتداء من الكرامة الى الخبز، في عبد الناصر مهديها المنتظر الذي جاء مرة أخرى – وبعد انتظار دام قرونا – بعدها بأنه سيملأ الأرض عدلا بعدما امتلأت ظلما وجورا . لذلك اتخدته امامها لهذا الزمان واسلمت له قيادها واعطته قوتها متوهمة ان ارادته هي ارادتها وان قوته هي قوة لها . لقد كانت الطفل وكان الأب، له كل السلطة وعليها كل الطاعة، لطبقته الغنم وعليها الغرم .

لقد كان عبد الناصر معبود الجماهير التي خلقته بخيالها الخلاق ووهمها المذهل ثم خرت له ساجدة . لقد كان دين الشعوب العربية وعلى يديه اسلمت واستسلمت من جديد، انه أفيون الشعوب التي يقول لسان حالها :

يا مانعي لذة الدنيا بأجمعها
اني ليقنعني من وجهك النظر !

وفجأة ذات يوم من أيام يونيو، سقط الأب، وافتضح أمر المهدي وانكشف دينه، وتمرغت كرامته وكرامة الأمة التي اسلمته كرامتها في الوحل على يد … « اليهود »، وحسنا فعل التاريخ ! لأن استرداد الجماهير لقوة فعلها، وامتلاكها القدرة على التدخل لم يكن ليحدث قبل أن يموت الأب – الاله، فمات مرتين : مرة في يونيو ٦٧ ومرة في سبتمبر ١۹۷۰، وكل الدموع التي انهمرت في كلتا المناسبتين غير كافية لغسل عار فضيحته وفضيحة طبقته، التي أصبحت عيوبها وعورتها عارية امام عيون الجماهير العربية التي باتت اكثر فصائلها وعيا ترى فيها طبقة شاخت قبل أن تكتهل، فانضمت الى نادي الطبقات الهرمة التي استنفدت كل امكانية خلاقة ولم تعد تجد مكانا مناسبا الا في مزبلة التاريخ حيث يبحث القذافي، الاست الذي تضرط به البيروقراطية العربية في عصر انحطاطها، عن مثله العليا عن قيم ثورته الثقافية وقرآنه « الاحمر » الذي يأمر بقطع الايدي والارجل من خلاف ويرجم الزاني والزانية …

ان البيروقراطية العسكرية، وقد أصبحت عجوزا، تتعلق بـ « شباب » القذافي عله يعيد لها بعضا من مفاتنها . ولكن هذا العشيق الأهبل لا يزيدها الا قبحا ليجعلها اضحوكة بين الأمم، لان تحت بزة « العقيد الشاب » جسما هرما تنز من جميع مسامه رائحة تزكم الأنوف : رائحة السلفية الاسلامية التي اكل عليها الدهر وشرب ثم خرى وبال حتى قبل أن تولد البيروقراطية نفسها .

غير أن هذه البيروقراطية التي لم تعرف كيف تحقق مهام طبقتها التاريخية، لم تعرف كيف تمنع نشوء القوة الجديدة التي سوف تدك معاقلها . فكما أن الاستعمار خلق رغم انفه الفئات والطبقات الاجتماعية التي أودت بحضوره القديم، فان البيروقراطية العسكرية والمدنية بفضل الاصلاحات والتغييرات التي ادخلتها لتركيز قاعدتها الاجتماعية – الاقتصادية، خلقت الرجال الذين سيستعملون ضدها – وبراديكالية لا تبارى – الاسلحة التي استعملتها البيروقراطية يوما ضد أعدائها . هؤلاء الرجال هم البروليتاريا التي ستشق لا محالة للمجتمع القديم قبرا .

ان البروليتاريا العربية التي اشرفت على ولادتها نصف الثورة الاستعمارية -البورجوازية لم تعرف الوجود الا كقوة ضمنية، كقوة في ذاتها . وما زالت لم تعلن بعد عن وجودها لذاتها في حركة تاريخية مستقلة . ولكنها منذ نشأتها دخلت في صراع مستميت ضد الرأسمال الاستعماري والوطني . وقبل أن يأخذ هذا الصراع بين الطبقة البروليتارية والطبقة البورجوازية شكلا محسوسا ثم واعيا واخيرا معلنا بصوت عال من الجانبين، فانه برز عبر صدامات جزئية ومؤقتة وعبر أعمال تخريبية، أو انفجارات اجتماعية عنيفة، ومنذ نصف قرن لا يخلو أي قطر عربي من انتفاضات عمالية محلية انتهت كل مرة بحمام دم .

وليس أدل على وجود الطبقة العاملة العربية كقوة فاعلة من حضورها في جميع المعارك السياسية التي عرفها العالم العربي منذ ثورة ۱۹۱۹ في مصر الى انتفاضة الشعب الجزائري سنة ١٩٥٤. فهي التي دشنت النضال ضد المستعمر في تونس منذ عام ١٩٢٤ وهي التي ستشكل العمود الفقري للحركة المسلحة في المغرب منذ ١٩٥٢ . غير أن هذه الطبقة التي دخلت المعركة الوطنية ببرنامج البورجوازية لم تكن واعية كل الوعي لوجودها كطبقة متمايزة لها مصالحها الخاصة وأهدافها التاريخية البعيدة، وبالتالي فانها ناضلت تحت راية الطبقة المالكة وتبنت بكل براءة جميع شعاراتها . ورغم أن « البورجوازية » تخلت عن العمال في عدة مناسبات، بل كثيرا ما خانتهم وقمعتهم أو تركتهم فريسة للقمع البشع، فانهم ظلوا تابعين لها وجنودا في أحزابها، أي عديمي الوجود كطبقة مستقلة . وبقيت الوطنية هي وعيهم المزيف الدائم الذي تحتويهم عبره الطبقات السائدة في كل مرة . اذ ان التاريخ العربي والعالمي المعاصر لم يسجل حادثة واحدة جرؤت فيها هذه الطبقات على التضحية ببعض مصالحها امام الرأسمال الاستعماري ، بينما هو مليء بالوقائع الدامية التي ضحى فيها الكادحون من أجل مصالح مستغليهم الوطنيين . غير أن البروليتاريا لم تشعر، في غمرة نضالها ضد الاستعمار، الذي انهمكت فيه بكل جوارحها، الا بآلام ظنتها عرضية ومؤقتة، معللة نفسها « بالغد الزاهر » في ظل « سعادة الاستقلال » الموعود . ورغم ضعفها الكمي والنوعي وتشتتها الجغرافي وعلى صعيد الوعي، فان الطبقة العاملة العربية كانت اداة سياسية وقتالية فعالة في يد البورجوازية ضد الاحتلال الأجنبي . وهكذا لم تكن البروليتاريا تحارب أعداءها المباشرين بل أعداء أعدائها، وكان لا بد من الاستقلال الوطني لكي يلتقي العمال بأعدائهم الحقيقيين في ساحة الحرب الاجتماعية .

ولكن على قدر عزم الأسياد تكون عزائم عبيدهم . فالطبقات المالكة العربية بمجرد ما عقدت تسويتها – الاستقلال الوطني المزعوم – مع الاستعمار لترسيخ وجودها ولانقاذ الجوهري من مصالحه، تخلت عن أي دور اقتصادي – اجتماعي تقدمي، وبالتالي جمدت حركة المجتمع العربي وتركته يتخبط في سديم بدائيته الفلاحية . ولم يتم حجم الطبقة العاملة الا بالقدر الذي يتطلبه وجود البورجوازية نفسها . لان أي تخلف اقتصادي يعنى في نفس الوقت تخلف الطبقة التي يبنى عملها الاقتصاد . وهكذا مرت الطبقة العاملة من تبعيتها للبورجوازية الى التبعية للبورجوازية الصغيرة حالما وقفت هذه الطبقة في وجه الذين سخروا الاستقلال الوطني لخدمة اغراضهم الرجعية على حساب بقية الفئات الاجتماعية .

ومما زاد البورجوازية الصغيرة – أو على الأقل تنظيماتها السياسية – جاذبية في عين البروليتاريا خاصة في الشرق، هو دعوتها إلى توحيد العالم العربي المفكك الأوصال، كبداية ضرورية لبناء اقتصاد عصري متقدم، والذي يعني بالنسبة للطبقة العاملة أن تصبح قوة اجتماعية حاسمة في الدولة العربية الموحدة . فرمت بكل ثقلها في كفة هذا الحليف الطبقي الجديد، وكان تأييدها له عاملا حاسما في السحق النهائي للطبقة البورجوازية – الاقطاعية المهزومة . ومرة أخرى تكتشف الطبقة العاملة، في لحمها ودمها، أن حليف اليوم لا يختلف أساسا عن عدو الأمس … وان السيد الجديد لا يقل سوءا وعجزا وعداوة لها عن السيد القديم . ولكن في هذه المرة تعرفت البروليتاريا على ذاتها عبر صراعها مع البيروقراطية العسكرية والمدنية التي استولت على المتاح من الخيرات بعد أن استولت على الدولة، فتعلمت انها تشكل طبقة على حدة ذات اغلال شاملة وأهداف لا تقل شمولا وذات مصالح متميزة كما تعلمت ان خسرانها هو في ركضها وراء غيرها من الطبقات . بل انها تعلمت مع الاسياد الجدد ان وجود البيروقراطية كطبقة تاريخية جديدة يتنافى مع وجودها هي كطبقة مستقلة، وأن سلطة هذه الطبقة تعنى حرمان العمال من أدنى حقوقهم التي اعترف بها ومن زمان بعيد لرفاقهم في بلدان البورجوازية المتطورة، كما تعني تسخيرهم لخدمة الرأسمال والموت في سبيله ( وعسى أن يكون في هذا الدرس الكريه بلاغ للعمال العرب لكي يمنعوا، بكل ما أوتوا من قوة، التاريخ من أن يسخر منهم هم أيضا مرة أخرى فيرميهم بدولة « بروليتارية » مزعومة قد تتقدم بنا على صعيد الاقتصاد خطوة الى الامام لكي تتراجع بنا القهقرى على صعيد الحياة الحرة خطوتين ) .

كما أن البيروقراطية العربية، رغم تخلفها، خطت خطوات اقتصادية جديدة ساعدت من حيث لا تدرى، على تقوية الطبقة العاملة، على تزايدها العددي وعلى تراكمها في « المدن العمالية» وفي المصانع، أي على التراكم البدائي لوعيها الطبقي . فجعل العمال يتحركون لحساب أنفسهم، بعد أن انكشفت أوراق حكامهم . فبعد الاضرابات والمظاهرات الوطنية التي كانت تنتهي بخطبة « عصماء » يلقيها سياسي محترف من الطبقة السائدة أو بالضحايا من الكادحين، بدأت اليوم الاضرابات البرية المرفقة أحيانا باحتلال المصانع واعتقال قادة النقابة البيروقراطية بصفتهم ممثلى الدولة لدى العمال ( حلوان ، سبتمبر ۱۹۷۱ ) . لقد بدأت البروليتاريا العربية الفتية الانطلاق من اخر ما اكتشفته البروليتاريا الأممية في الدول الصناعية المتطورة من ارقى أشكال الصراع الطبقي ( الاضراب البري واحتلال المصانع ) ومن ان الصراع الطبقي ذاته هو مدرستها الوحيدة التي تجذر فيها وعيها وتمتحن فيها قواها وتكتشف فيها وسائل انتصارها التي هي انتصارها ذاته .

اذا كان تشكل العمال في طبقة واعية ومستقلة هو شرط لا بديل له لاندلاع وخاصة لانتصار الثورة البروليتارية، فان النضال المستميت ضد أعداء استقلال الطبقة المعاملة عن جميع الطبقات المالكة هو الشرط الأساسي لأي نضال بروليتاري ثوري حقا .

لقد وعى جمهور الكادحين، الا قلة منهم، عبر هزائمهم ويفضل هزائم وفضائح الطبقة السائدة التي تكاد تكون يومية، أن العدو الأساسي لاستقلال البروليتاريا هو، زيادة على الطبقة المالكة لسلطة الدولة والمالكة لوسائل الانتاج، التنظيمات والنقابات البيروقراطية التي تدعي انها ادوات للدفاع عن مصالح العمال وتنشيط صراعهم .

ان العمل النقابي الذي كان عند نشأته أول تجمع طبقي صنعه العمال للصمود أمام الاستغلال الرأسمالي البدائي ولتحسين أحوالهم في ظل المجتمع البورجوازي بافتكاك بعض الحقوق السياسية والاقتصادية، لم يكن في البلدان المستعمرة، ومنها البلاد العربية، الا وسيلة لتنظيم العمال وتعبئتهم لخدمة اغراض البورجوازية الوطنية في صراعها مع الاستعمار . ولم تتردد البورجوازية في القضاء بالقوة، أو باستعداء قوى القمع الاستعمارية، على أي حركة نقابية حاولت ان تخرج من الطريق « الوطني » الذي رسم لها الى الطريق الطبقي الأكثر ملاءمة لطبيعة الطبقة العاملة، كما انها فرضت على جميع هذه النقابات اما قيادات عمالية متبقرطة اذن منصاعة لأوامرها ومطواعة لتقلباتها أو زعماء بورجوازيين عرفوا « بعطقهم » على القضية العمالية، مدسوسين لخدمة مصالح طبقتهم . وهكذا بمجرد ما حصلت البورجوازية على استقلالها سارعت الى اخضاع هذه النقابات لحكمها والى تكييفها مع الوضع « الوطني » الجديد ، فأصبحت أجهزة متمحضة لقمع الطبقة العاملة وترويض وعيها من داخل صفوفها لتسخرها، بالحيلة والحول، لخدمة « الرأسمال الوطني » و « غير المستغل » وايضا لخدمة الرأسمال العالمي الذي تستضيفه الأقطار العربية . من تنظيمات يفترض فيها أن تعبر عن مطالب العمال الملحة واليومية تحولت فعليا الى تنظيمات تناضل لمنعهم من ممارسة أي نشاط معاد للطبقة المالكة للدولة أو المالكة لوسائل الانتاج واصمة الطلائع العمالية المناضلة « بالخيانة » و « الشيوعية »، هذا اذا لم تسلمها الى البوليس وتخرجها مباشرة من المصنع الى السجن .

اذا كانت النقابات في البلدان الغربية نخاسة لبيع العمل المأجور في سوق العمل ومرتبطة عضويا بالرأسمالية تعيش منها وبها، فان النقابات في البلدان البيروقراطية هي مجرد شرطة غير مسلحة داخل المصانع الدولوية تحرض العمال قولا بــ وترغمهم فعلا على زيادة الانتاجية وتجميد الأجور . وقد ابتليت البروليتاريا العربية بهذين الصنفين من الوباء النقابي : فالنقابة الهامة الوحيدة المستقلة عن الدولة وحزبها : الاتحاد المغربي للشغل، مدينة بوجودها الشرعي للخدمة التي تقدمها قياداتها البيروقراطية باخلاص العرش الحسن الأخير بابعاد البروليتاريا المغربية عن السياسة وارغامها على ان لا تمد بصرها الى ما هو أبعد من « الخبز » البائس . اما النقابات في الجزائر، تونس، مصر، سوريا، العراق فهي بوليس مكشوف لا يشعر حتى بالخجل من نفسه، مهمته أن يشجب، في كل مناسبة مبادرات العمال ونضالهم لحساب أنفسهم، وان ينكل، كمساعد لأجهزة القمع الداخلي، بالعناصر « المشوشة » و « المخربة » و « المدسوسة » و « المضللة » من العمال ويحطم اضراباتهم « غير المشروعة » التي يواجهون بها مستغليهم دون علم أو موافقة البوليس النقابي . أن مهمة البوليس النقابي، أي جميع النقابات العربية، هي الوقوف الى جانب الدولة والرأسمال ضد العمال . ولهذا، فان الخروج من النقابات وفضح قادتها، والتشهير بهم وبجرائمهم في كل مناسبة نضالية، هو الخطوة الأولى نحو تحرير الطبقة العاملة من القيود التي تكبلها اليوم، وتحطيم التنظيمات النقابية البيروقراطية ضرورة لا بد منها لتدشين عهد التنظيمات البروليتارية الحق .

أن مهمة العمال الثوريين هي تشكيل لجان عمالية في كل مصنع وكل مزرعة كبيرة وكل مؤسسة تعبر عن ارادة الطبقة العاملة وتنسق كفاحها ضد الرأسمال، تتصل فيما بينها على الصعيد المحلي وعلى صعيد المحافظات ثم الوطني ( القطري ) والقومي ( العربي ) كخطوات نحو تشكل الطبقة العاملة العربية الموحدة على انقاض الحدود وعلى رقاب الساهرين عليها . وبتنظيم هذه اللجان – التي ينبغي أن تنتهي بانتهاء الحدث الذي اقتضى ظهورها حتى لا تتحول هي الأخرى الى نقابة، الى جهاز متبقرط ومحافظ، وان تعود للظهور بعودة النضال وهكذا دواليك الى انفجار الصراع الشامل والنهائي مع المجتمع القديم كله – وبالتنسيق بينها تستطيع الطبقة العاملة، في غمرة صراعها الطبقي، أن تتغلب على تشتتها، ومتحدة تستطيع أن تقهر جميع أعدائها : النقابات والأحزاب البيروقراطية والطبقات السائدة وان تحافظ على استقلالها عن كل وصاية حزبية أو نقابية . لان اللجان العمالية ليست وسيلة للنضال الطبقي الواعي ضد رأس المال بل انها أيضا النواة الثورية للسلطة البروليتارية القادمة، الدكتاتورية البروليتاريا المعادية للدولة . وكما ان سلطة البروليتاريا في مجالسها لا يمكن ان تكون الا جماعية أو لا تكون، فان نشاط اللجان العمالية لا يمكن الا ان يكون جماعيا، معبرا عن وعي الاغلبية المفاضلة، يتعلم فيها جميع العمال كيف يكافحون، كيف يكشفون أعداءهم، كيف يتغلبون على تخلفهم، كيف يمارسون مسؤولياتهم، بكلمة : كيف يصبحون أسيادا لمصيرهم في المجتمع كله، ولتاريخهم. ذلك أن الطبقة العاملة كالخمر، خير دوائها منها بها، وتحريرها لن يكون الا من صنعها، وكل من يرغب في « تحريرها » من الخارج بتنصيب نفسه وصيا عليها، احد اثنين : اما بيروقراطي واع يطمع في الحلول محل اسياد اليوم ويستحق عداء الطبقة العاملة وضرباتها، واما ثوري ساذج من الجيل القديم، جدير باحتقار العمال الذين هم خير مدرسة لتلقين المثقفين « الثوريين » المغترين …

ان تحرر الطبقة العاملة العربية من النقابات العميلة للدولة ولرأس المال يجب أن يتواكب مع تنظيم نفسها بنفسها في منظمات من صنعها، لا هي اقتصادية اصلاحية ( النقابات )، ولا هي سياسية محترفة ( الأحزاب )، بل تنظيمات بروليتارية تعبر عن وعي الفصيل المناضل والطليعي من الطبقة وتعمل على تعميمه وتجذيره، تنسق بين النضالات العمالية وتبرز مضمونها الثوري، تنشر برنامج البروليتاريا ولا ترضى عن تحريها الشامل بديلا .

ولكن الطبقة العاملة العربية التي نشأت في ظل تحالف رأس المال و « الاقطاع » لم تنعم بأي من مكاسب الثورة البورجوازية التي ترعرعت في ظل حكمها البروليتاريا الغربية . ولهذا بقيت منذ ظهورها خاضعة لارهاب الدولة الاستبدادية، التي تعيش من عملها وتجلد ظهرها بالسياط . حتى في البلدان التي عرفت حكومات « ديمقراطية » برلمانية، مثل مصر وسوريا ما بعد الاستقلال، ظلت هذه الديمقراطية الشكلية وقفا على الطبقة الحاكمة، محصورة داخل مؤسساتها، وحرمت على العمال، تماما كما كانت ديمقراطية اثينا محرمة على العبيد . و « الحريات » التي تفضلت بها البورجوازية على عبيدها الجدد هي دعوتهم في كل 4 او 5 سنوات الى اختيار أحد السادة الحاكمين لتمثيلهم في البرلمان، أي الى اختيار الجلادين الذين سيرسلون لهم زبانية الدولة عند أول تحرك لهم . ان الحريات الديمقراطية مهما كانت بورجوازية، حق من حقوق الطبقات الكادحة، لا يمكنها الاستغناء عنه . فالتحرر من عبادة السلطة ومن الخنوع لبوليسها، شرط أول للنضال ضد الدولة ومؤسساتها، وتعويد العمال العرب على التمرد ضد أي مظهر من مظاهر التسلط ضد الطغيان والسلطان هي خير سنة يمكن أن تسنها التنظيمات الثورية المقبلة، وأفضل فضيلة يجدر تحريضهم على التحلي بها . ان عصيان « أولي الأمر » يجب ان يصبح بندا من بنود السلوك اليومي للعامل العربي كما كانت طاعتهم بندا من بنود الاسلام .

ولكن لكي تمسك الطبقة العاملة بزمام أمورها بين يديها، عليها أن تتحرر من الجهل المفروض عليها ومن الأمية التي تكيل عقلها ووجدانها . فكما أنه لا كرامة لمن ينهش الجوع احشاءه فانه لا حرية ولا حول لمن يعشش الجهل والخرافة في دماغه . ان دكتاتورية « أهل العلم » تعيش من جهل الأغلبية الامية، كما يعيش أصحاب الملكية من عمل الاغلبية التي لا تملك . ولهذا كذلك فان النضال من أجل تعميم التعليم، وانشاء الجمعيات الثقافية العمالية – التي يشرف عليها العمال أنفسهم لا الدولة وعملاؤها الذين يجب طردهم بالعصي – جزء من المهمات الثورية الملحة، وعودة الى التقاليد البروليتارية التي قضت عليها البيروقراطية، زعيمة التجهيل المنظم . في هذا الاطار يمكن للمثقفين الثوريين أن يلعبوا دورهم كاملا ودون أي عقدة من عقد النقص أو الغرور .

غير أن البروليتاريا العربية الصناعية والزراعية ليست وحدها في ميدان الصراع الاجتماعي امام الطبقة المالكة، اذ يقف الى جانبها الفلاحون الفقراء والجماهير العاطلة التي تملأ المدن . ولكنها هي وحدها القادرة على قيادة ثورة اجتماعية جذرية إلى منتهاها، لانها وحدها المهيأة لان تقضي على آخر حضارات الرق : نمط الانتاج الرأسمالي، اذ هي وحدها وليدة مباشرة له . لهذا فستبقى ثورة البروليتاريا ناقصة، أو بالأحرى فاشلة، ما لم تكسب الى صفها هاتين القوتين الاجتماعيتين اللتين تمثلان معا الأغلبية الساحقة في المجتمع . أن الفلاحين الفقراء يمثلون الطبقة الأساسية في المجتمع العربي المتخلف، على أكتافهم قامت الحركات الوطنية المسلحة وباسمهم وقعت الانقلابات العسكرية، ولكن لا الاستقلال السياسي حررهم من البؤس ولا « الاصلاح الزراعي » البيروقراطي انقذهم من جحيم الاستغلال . فما زال عشرات الملايين من المعذبين في الأرض يعيشون كالسوائم، اشباه بشر ولا بشر، يمثلون التخلف والانحطاط، ويشكلون النبع الذي تغرف منه الصناعة الهزيلة تارة وتغرق وسط سيله المدن طورا . مستقبل الفلاحين المعدمين ليس في اريافهم الجدباء التي لا تدر الا المزيد من الجوع والجائعين، وانما في الصناعة المتوازنة والعقلانية المرصودة لتلبية الحاجات الحقيقية للجماهير الشعبية لا لتلبية طلبات السوق . هذا النمط من التصنيع لا يمكن أن يحققه الا البروليتاريا العربية الظافرة .

ان حياة الحقول ليست جديرة بالاعجاب ولكن بالتثوير . والمثقفون البله الذين يعجبون « ببساطة » الفلاحين ويرون فيها معينا لثورة هم وحدهم يؤمنون بها، انما يرغبون، بوعي أو دون وعي، في ركوب اعناق الجماهير البائسة لتسلق سلم الدولة، للاستيلاء على الحكم لصالحهم وحدهم . لان الفلاحين شكلوا عبر تاريخهم الطويل الاداة المثالية في يد الفئات الاجتماعية السائدة لاستبدال دولة بأخرى . لا شيء في الريف يستحق أن يعاش، لأن حياة الريف اليوم هي نقيض الحياة : الجوع، الجهل، الخرافة، الشعوذة الدينية والمرض . أما عن الذين يتغنون بخصال الفلاحين، فاننا نسألهم عن نسبة الفلاحين الذين عادوا الى الارياف بعد أن هجروها الى المدن ليعرفوا احساس الفلاح نفسه نحو حياته السابقة . ان اقصى ما يطمح اليه الفلاح المعدم هو قطعة أرض تملكه اياها الدولة، وقد جرب الفلاح العربي في أكثر من قطر هذه الملكية البائسة مع الإصلاح الزراعي المشؤوم وعلم أن حالة اليوم لیست أفضل منها بالأمس، لهذا فان مستقبل الفلاح العربي هو تبني برنامج البروليتاريا في سبيل تحررها الذاتي واقامة مجتمع متحرر من الملكية وجميع أشكال السيطرة، أي النضال من أجل الغاء ملكية الأرض وتحويلها الى ملكية جماعية للمنتجين، يستثمرونها ويسيرونها جماعيا .

أما البروليتاريا الرثة التي يشكلها عاطلو المدن، فانها أصبحت قوة ضخمة متفجرة لا بد للطبقة العاملة أن تكسبها الى جانبها، وأن تسهر على تنظيمها حتى لا تصبح جيشا معاديا تناور به الطبقات الرجعية ضد حركة البروليتاريا . أن الجماهير العاطلة أو شبه العاطلة تشكل قوة لا تعوض لتخريب مؤسسات الدولة ولبث الفوضى في حكمها ونظامها، وبالتالي يجب أن يكون عنف هذه الجماهير موجها وجهة بروليتارية لتحطيم دولة الاستغلال واقامة سلطة العمال، والا فان هذا العنف سيبقي عشوائيا ويرتد ضد الذين مارسوه وضد العمال أنفسهم . ان العاطلين ليسوا اليوم حثالة المجتمع كما يحلو لبعض البورجوازيين أن يسميهم، بل عمال بالقوة، طردهم التنظيم الحالي للاقتصاد من عملية الانتاج وتركهم على هامش المجتمع . وشعار العاطلين عن العمل يجب أن لا يكون « الحق في العمل » الذي هو ليس الا حق البورجوازية والبيروقراطية في استغلالهم من جهة ولان اقتصاد البورجوازية والبيروقراطية الهزيل سيبقى دائما عاجزا عن استيعابهم من جهة أخرى . واذا قدر له في ظل وضع جديد : توظيف عائدات النفط لتصنيع العالم العربي، أن يستوعبهم فسيحولهم، كما فعل بمن سبقهم الى جحيم العمل المستغل، الى آلات صماء . واذن فشعار العاطلين عن العمل لا يجب أن يقل عن المطالبة بكل السلطة للمجالس العمالية والشعبية لقلب نمط الانتاج السائد واستبداله بنمط انتاج انساني حقا يقوم على تخفيض ساعات العمل أي تحرير الجزء الأكبر من وقت المنتجين المباشرين واشراك الجميع في عملية انتاج القيم الاستعمالية الضرورية لرفاهية المجتمع الثوري . لكي لا يبقى هناك من يعيش من عمل الغير . ومكان الثوريين من العاطلين عن العمل، اثناء الهبة الثورية، هو لجان الاحياء التي ينتظم فيها كل الذين ينخرطون في الصراع الدائر جنبا الى جنب مع البروليتاريا في المدن والأرياف .

على البروليتاريا العربية وقد أصبحت قوة فاعلة في المجتمع، تحسب لها الطبقات السائدة حسابها، أن تحسب حساب نفسها وأن تقيم لأول مرة في تاريخها حركة طبقية مستقلة عن البورجوازية والبيروقراطية، لانه مهما كان حجمها ومهما كانت قوة اعدائها فان مهمتها التاريخية ستبقى واحدة : الثورة على وضعها، الثورة على المجتمع الطبقي لبناء عالم جديد لانسانية لا تقل عنه جدة . لان انهيار الطبقات وتحرير البروليتارياً لا ينفصلان . ولا تحرير للانسانية بدون تحرير الطبقة العاملة . ان النضالات العمالية التي تهز مختلف الأقطار العربية تنبىء أن البروليتاريا العربية قد أصبحت قوة طبقية لا وطنية . لان الوطنية انتهت مع البيروقراطية العسكرية . لقد تحدث الفلاحون الفقراء طوال تاريخهم الثوري بلغة الدين، وتحدثت الطبقة العاملة طيلة طفولتها بلغة الوطنية : لغة البورجوازية، لكن هذه اللغة ليست الا الوعي المزيف الذي تدخل عبره الطبقة العاملة التاريخ وتثور على الموضع الذي أوجدها وأوجد بؤسها، فأوجد بنفس العملية الشروط الموضوعية لحركة ثورية تتحدث لغة الواقع وتنظر اليه بعين صاحية من كل وهم أرضي أو سماوي .

المجالسيون والبروليتاريا

اذا كان الوعي الثوري لا يمكن أن ينتج الا من شروط حياة البروليتاريا ذاتها، فان النظرية الثورية وهي التعبير الثوري عن حركة الواقع، لم تنشأ في رؤوس المثقفين ولا من عبقرية الزعماء البيروقراطيين، بل من جدل حياة البروليتاريا الخاضعة للاغتراب في جميع مظاهر وجودها . لهذا فان النظرية الثورية التي يحملها المجالسيون، افرادا، مجموعات وتنظيمات، ليست الا جزءا من وعي البروليتاريا المناضلة ضد شروط وجودها، منها ولدت واليها تعود . فهي لا تشكل علما منفصلا عن الحركة البروليتارية يقدم اليها من خارجها ولا ايديولوجيا ثورية « جاهزة » كالكتب المنزلة على البروليتاريا أن تؤمن بها وتسترشد بهديها ان هي ارادت الخلاص، كما هو الحال في الايديولوجيات الكاوتسكية – اللينينية التي تعبر عن مصالح الفئات البيروقراطية الطامحة للوصول الى السلطة على اكتاف وجثث الطبقة العاملة . فكما انه ليس للبروليتاريا دين ولا وطن ولا اخلاق ولا اقتصاد خاصة بها بل نقد للدين والموطن والاخلاق والاقتصاد، فليس للبروليتاريا ايديولوجيا خاصة بها، لان الايديولوجيا هي دائما تعبير عن الأفكار الموظفة فد خدمة السادة، سادة اليوم وسادة الغد، وعن الانفصام القائم بين حركة الواقع التاريخي ووعيها، بين الممارسة والنظرية. والطبقة العاملة، الخاضعة للانفصام الدائم في حياتها، عدوة لجميع أنواع الانفصام ونضالها من أجل انعتاقها يجب أن يبدأ بمحاربة الانفصام في ذاتها، فهي بحكم كونها أول طبقة في التاريخ قادرة على امتلاك الوعي الشامل للواقع الاجتماعي ولصيرورته التاريخية لانها آخر طبقة يعرفها تاريخ الانسانية المغتربة والقوة الوحيدة القادرة على اخراجها من ليل ما قبل التاريخ القدري المفروض على حياة الناس الى فجر التاريخ الانساني حقا والذي يصنعه الناس الذين صمموا على أن لا يبقى في الحياة شيء موجود باستقلال عن ارادتهم .

لهذا فان المجالسيين لا يشكلون حزبا منفصلا عن البروليتاريا الثورية، وليس لهم مصالح متميزة عن مصالح البروليتاريا ككل، وليس لهم وصفة ثورية يريدون تكييف الحركة العمالية عليها وصبها في قالبها . بل انهم يعبرون عن المصالح العليا للبروليتاريا المستقلة عن القومية، لان البروليتاريا هي جوهريا طبقة أممية لا بحكم اختيار ايديولوجي مزعوم، بل بحكم طبيعة عدوها، الرأسمال، الذي لا يقنع بدون العالم ميدانا لهيمنته . وفي مختلف مراحل النضال الذي تخوضه البروليتاريا ضد البورجوازية والبيروقراطية القوميتين والعالميتين، يضع المجالسيون في المقدمة ويغلبون المصالح الأممية للحركة الثورية على المصالح القومية .

ليس للمجالسيين هدف منفصل عن هدف الحركة العمالية الثورية : التشكل الذاتي للبروليتاريا في طبقة واعية لذاتها، قلب السيطرة البورجوازية والبيروقراطية والاستيلاء على كل السلطة عبر مجالس المصانع والمزارع والاحياء واماكن العمل الأخرى، تحطيم الدولة بجميع أجهزتها القمعية، الغاء الاقتصاد السلعي بدءا بالغاء بيع سلعة قوة العمل واقامة المجتمع الثوري الذي قوامه التسيير الذاتي المعمم والذي تكون حرية الفرد فيه هي الشرط الذي لا بد منه لحرية الجميع .

بدلا من أن يحكم القرية عمدة ليس لأهل القرية رأي في تعيينه، يحكمها مجلس منتخب من سكان القرية … ذكورا واناثا . ويعين هذا المجلس خفراء القرية وقاضيها ومهندسها وطبيبها .
سلامة موسى ( ۱۹۱۳ )

ان تكون طلائعيا هو أن تتقدم بخطى الواقع التاريخي، لهذا فان مهمة النقد الثوري هي أساسا كشف الوعي الزائف الذي دوره تغطية الواقع المغترب الذي تقوم عليه سيطرة الطبقات المالكة، وكذلك طمس الوقائع التي تشكل تحديا يوميا لهذه السيطرة، وبالتالي تعرية عالم الاستغلال والاستبداد حتى يبدو كما هو في بشاعته لعين البروليتاريا المصممة على قلبه رأسا على عقب . واصل مجتمع الاستغلال والاستعباد هو تقسيمه إلى طبقات أي بكلمة الملكية الطبقية وموكب أدوات القمع التي انتجتها وطورتها هذه الملكية : الدولة، العائلة، الدين وباقي المنتوجات الفكرية المنفصلة عن الحياة الحق .

لهذا فان مهمة الثورة البروليتارية الشاملة هي تحرير الانسانية من هذه الكوابيس المخيمة على « حياتها » وارساء قواعد الحرية الملموسة التي تدخل عبرها البشرية التاريخ . غير أن هذه الثورة التحريرية الشاملة لا تحمل برنامجا اعتباطيا تريد تكييف المجتمع عليه وصبه في قالبه، بل لا تفعل سوى تنفيذ الحكم الذي اصدره المجتمع الحالي على نفسه .

فالغاء الملكية الخاصة الذي يرعب البورجوازية، ليس في حقيقته الا الغاء ملكية هذه الطبقة التي حرمت بملكيتها السواد الأعظم من أعضاء المجتمع من ان يملك . وعندما تلغي البروليتاريا الثائرة هذه الملكية فانها لا تتجاوز تعميم وضعها على المجتمع بأكمله، فتنفذ على صعيد المجتمع الحكم الذي نفذته البورجوازية عليها، مع هذا الفارق الجوهري ان الغاء الملكية الطبقية في المجتمع هو في ذات الوقت تحرير للمجتمع كله من قيود الملكية .

ليس هناك شكل واحد خالد للملكية هو الملكية البورجوازية، بل هناك أشكال تاريخية متعددة حددها صراع الطبقات، والملكية البورجوازية ذاتها التي ظنت نفسها الشكل الآخر والاخير للملكية، الشكل الطبيعي الذي هو من مقومات الانسان وظنت اشتراكية القرن التاسع عشر أن القضاء عليها كاف للدخول في المجتمع الشيوعي، ليست اخر ملكية مستغلة ، ان اظهرت ثورات القرن العشرين المهزومة ملكية طبقية جديدة هي ملكية الدولة البيروقراطية . كما اطاحت الطبقة البورجوازية بالملكية الاقطاعية لصالحها فان البيروقراطية استطاعت عبر استعمال العمال الاطاحة بالملكية البورجوازية لصالحها . فهي تختلف عن البورجوازية لملكيتها جماعيا – « كرأسمال جماعي » – لوسائل الانتاج عبر ملكيتها للدولة . البورجوازي يسيطر على المجتمع لانه يملك جزءا من الرأسمال الاجتماعي يستغل به قوة عمل البروليتاريا ويستخرج به ما امكن من فائض القيمة . اما البيروقراطي كفرد معزول عن طبقته فهو لا يملك لحساب نفسه وسيلة واحدة من وسائل الانتاج، لكنه يملك، كعضو في طبقة سائدة جميع وسائل الانتاج، ويملكها عبر طبقته التي تملك الدولة المالكة وتنهب دون حسيب او رقيب فائض قيمة عمل الطبقة العاملة العزلاء حتى من اسلحة الدفاع المطلبي المرصود لتلطيف حدة الاستغلال . أن تكون البيروقراطية طبقة فهو واقع يفقأ العيون ويعيه عمال العالم البيروقراطي بوضوح وقسوة . لكن بعض البيروقراطيين الذين لم يجدوا بعد مكانهم في دولة بيروقراطية مالكة ما زالوا، بشيء من الحرج والحق يقال، يشككون في واقع ان البيروقراطية طبقة، فقط، لانها لا تملك حقوقيا وسائل الانتاج أي أنها لا تستطيع بيعها أو هبتها2، كما لو كانت الملكية الحقوقية لوسائل الانتاج هي وحدها التي تحدد هوية الطبقات . لقد فاتهم تجاهلا لا جهلا أن ما يحدد الطبقات ليس العلاقات الحقوقية للملكية، بل هو اساساً ملكية سلطة تقسيم العمل أي توزيع الادوار في عملية الانتاج، تحديد نصيب كل طبقة من الدخل القومي واخيرا التصرف في فائض قيمة عمل البروليتاريا من وراء ظهرها . وهكذا – وطبقا لأكثر المعايير الماركسية كلاسيكية – تشكل البيروقراطية طبقة رأسمالية تماما كالطبقة البورجوازية من حيث الجوهر لا من حيث شكليات الملكية . ولا يلو من احد سلطة البروليتاريا القادمة اذا حطمت في نفس الوقت وبضربة واحدة الملكية البورجوازية الخاصة والملكية البيروقراطية الجماعية . اذ أن الطابع المميز لكلا الملكيتين، مثل جميع اشكال الملكية التي عرفها التاريخ، هو استغلال الانسان للانسان وتقسيم المجتمع الى طبقات متناحرة، والثورة البروليتارية تهدف أولا وأخيرا الى الغاء جميع أشكال الاستغلال وانهاء كل تناحر طبقي، والاطاحة بجميع الأشكال القانونية التي تحميها والأشكال الاقتصادية التي تقوم عليها .

تستعدي البورجوازية على البروليتاريا صغار ملاك المدن والأرياف الذين كسبوا ملكيتهم بعمل ايديهم، بالاستغلال العائلي أو باستغلال العمل المأجور، موقعة في روعهم أن البروليتاريا لن تثور الا لتجريدهم من ملكيتهم البائسة، متناسية أن تطور الاقتصاد الرأسمالي الخاص والدولوي هو الذي يسلب جماهير البورجوازية الصغيرة ما تبقى لها من ملكية . أن دفاع البورجوازية عن الملكية الصغيرة البائسة يهدف أساسا الى ابقاء صغار التجار وصغار الفلاحين خاضعين لنهب المكوس والضرائب الذي تمارسه عليهم الدولة مستخدمة سلاح الاعتقال والمصادرة، وخاضعين لنهب كبار الملاك وكبار التجار والمصارف المرابية ولابتزاز الدركي والموظف المرتشي والمحامي ومن لف لفهم من العفاريت الادارية التي تعيش من امتصاص دمائهم . هذه الملكية الصغيرة البائسة، التي تدافع عنها البورجوازية نفاقا لتكسب اليها البورجوازية الصغيرة ضد البروليتاريا كما تدافع عنها الأحزاب البيروقراطية التي تخطب ود البورجوازيين الصغار لكي تصل الى السلطة على أكتافهم، لم تعد تسمن أو تغني من جوع حتى أصحابها الذين بدأوا يتخلون عنها وينزلون الى سوق العمل حيث رفاقهم العمال . ان الفلاح الفقير الذي يهجر اليوم ارضه و « وطنه » نفسه، والتاجر الصغير الذي يبيع أو يباع دكانه، لن يرفضا غدا التخلي طوعا واختيارا عن ملكية وهمية بائسة ليشاركوا كمنتجين احرار في تسيير منظمات المنتجين المباشرين المتشاركين والمتساوين . ولا شك ان مصالح صعار التجار وصغار الفلاحين الفعلية والمدركة ادراكا صحيحا تكمن في مشاركتهم البروليتاريا ثورتها ضد الرأسمال والدولة . ونحن الثوريين الذين نحرض بظهور سلطة المجالس العمالية والشعبية، لا يفوتنا أن نذكر العمال وصغار الملاك معا بواقعة تاريخية ينبغي أن لا تتكرر : ذلك ان أصحاب الدكاكين وملاك الفدادين ابتلعوا منذ ١٨٤٨ في فرنسا ، طعم البورجوازية ولم ينظروا أبعد من أبواب دكاكينهم وحدود فدادينهم . ولذلك كانوا في جميع الثورات البروليتارية تقريبا هم الحذاء الذي انتعلته البورجوازية لتدوس على اعناق العمال . فهل سيبرهن صغار التجار والملاك العرب على انهم أذكى من أسلافهم المنقرضين في أوروبا القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وانهم خاصة أقدر منهم على رؤية تاريخهم المقبل والنضال جنبا لجنب مع البروليتاريا للوصول اليه ؟

ان الألمان هو اناس واقعيون من الرصانة والاتزان بحيث أن جميع رغباتهم وأعظم تحليقاتهم الفكرية، لا تذهب أبعد من البحث عن الوجود الفظ في حالة عريه . والذين يحكمونهم يتقبلون هذا الموضع كما هو . لانهم هم أيضا واقعيون وأبعد ما يكونون عن كل حياة فكرية وعن كل عظمة انسانية . انهم ضباط مبتذلون وملاك عاديون غير انهم لا يخطئون والحق دائما معهم وهم كما هم صالحون بما فيه الكفاية ليحكموا وليستغلوا عالم الحيوانات هذا، لأن السيطرة والاستغلال هما، هنا كما في كل مكان، اسمان لمسمى واحد . هؤلاء الذين يحرق البخور على أعتابهم وهم ينظرون من عليانهم الى هذا البحر المتلاطم من الرؤوس الجوفاء، كيف لا تخامرهم نفس الفكرة التي خامرت نابليون وهو على ضفاف نهر بيريزينا، والذي، على ما يقال، قد اشار بأصبعه الى الجموع التي كانت تغرق تحت قدميه، صارخا على مسمع من مرافقيه : « انظروا الى هذه الضفادع ! ». ربما كانت هذه الرواية اختلاقا ولكن ذلك لا يمنعها من أن تكون حقا . ليس للاستبداد سوى فكرة واحدة هي احتقار الانسان، الانسان الذي سلبت انسانيته، وتمتاز هذه الفكرة على جميع الافكار الأخرى بكونها هي أيضا حقيقة . المستبد يرى الناس دائما جديرين بالازدراء . انهم يغرقون من أجله وتحت بصره في وحل الحياة المبتذلة التي لا يفتأون يطقون منها باضطراد، تماما كالضفادع .
ماركس، رسالة الى روجه، ١٨٤٣

الدولة في مجتمعنا العربي هي دولة النطع والسيف، دولة الاستبداد المطلق، دولة الامام الذي ملك نفسه أموال الناس ورقابهم، له عليهم حق الطاعة وليس لهم عليه حق العدل . فالسلطان جائر ولا يسأل عما يفعل والرعية تسأل حتى عما لا تفعل . وقد ورثت الدولة العربية الحديثة جل كوابيس الدولة في استعباد الناس واذلالهم حتى السحق . ولم تكتف بارثها الخاص بل زاوجت في باب تحديث القمع بين الاستبداد العربي والاستبداد الاوربي الذي تعلمته، وبأي نباهة ! من المستعمرين الأوروبيين . الدولة تعني اهانة المواطن التي لا يرضى بها الا العبيد الصاغرون ولا يحتاج اليها الا مجتمع قائم على تقسيم الناس الى طبقة أسياد وطبقة عبيد ليفرض على الثانين سلطان الأولين . وهذا ما أدركه وروج له جميع مشايخ السوء وعلى رأسهم سادن دولة نظام الملك . الغزالي الذي حدد وظائف الدولة العربية الاسلامية، التي ما تزال راهنة الى اليوم في « الذب عن حوزة الدين » وحراسته بالمحافظة على النظام القائم . هذا النظام الذي « لا يستمر على الدوام الا بمترصد يكلأ الخلق بالعين الساهرة وكلما اشرأبت فئة للثوران وكشرت عن نابها واشرفت على الاستحكام بادر الى تطفئتها وحسم غائلتها ( ۰۰۰ ) والا صارت الامور شورى وبقي الناس فوضى ( ۰۰۰) متهافتين على مسالك الهوى ومناهج المنى، وعند ذلك ( ٠٠٠ ) تتنازع الشهوات وتقضي أخيرا الى استيلاء الرذائل على الفضائل . وتواثب الطغام على علماء الاسلام والاماثل وتمتد الايدي الى الاموال والفروج . ولأصبحت الايدي السائلة عالية » . من الواضح أن الغزالي يصف هنا الثورة التي هي « حل عصام الأمور الدينية والدنيوية »3 والتي ستحققها البروليتاريا الثورية . والبروليتاريا وحلفاؤها ليسوا في حاجة الى أي دولة أولا لان جميع نماذج الدولة التي عرفها التاريخ كانت دائما جلادهم وثانياً لان وجود الدولة ملازم لتقسيم المجتمع الى طبقات متصارعة، والثورة القادمة – التي لن تكون ثورة مضادة أخرى – ستضع نهاية حاسمة للتناحر الطبقي لتحل محله الفوضى، بمعنى الغاء استغلال الانسان للانسان وانهاء سيطرة الانسان على الانسان، كأرقى تعبير عن النظام، نظام الشيوعية الاباحية، منشدة :

بل يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سراة لهم اذا عمالهم سادوا

بهذا يحرص منذ الآن الثوريون المجالسيون الذين ستتعرف البروليتاريا على نفسها فيهم يوم تقرر الغاء نفسها كطبقة والغاء المجتمع الذي اختزلها الى بروليتاريا مستغلة ومستذلة .

يأخذ جميع أنصار الدولة من بورجوازيين وبيروقراطيين عرب ( ستالينيين وغيرهم ) على الشيوعيين المجالسيين تحريضهم ضد الدين والوطن . والشيوعيون المجالسيون لا ينحطون الى حد انكار عدائهم للدين والوطن .

الأديان الراهنة تتدخل في أمور العالم وتعرقل سير الترقي لان الترقي يقتضي التغيير … ولا تغيير بدون بدعة جديدة … لكن الاديان للصفة المقدسة التي تتصف بها تقف جامدة لا تقبل تغييرا فتعمل بذلك لجمود الامة .
سلامة موسى ( ۱۹۱۰ )

البروليتاريا المعاصرة لا دين لها لانها لن ترضى بعد الآن بأفيون يسليها في جحيم حياتها اليومية، بجنة لن تدخلها هيهات بعد موتها بل لن تدخلها الا بعد أن تكتب بثورتها الموت للمجتمع الطبقي الذي قدم لها افيون الدين واضطرها لتعاطيه . لقد أعطى الدين للمعذبين في الأرض كل شيء في عالم الغيب وحرمهم من كل شيء في عالم الشهادة . وهم لا يسعهم، بعد أن جعلت حقائق الحياة الحديثة الدين كذبة مفضوحة، الا ان يسخروا من عالم الغيب ويطالبوا بامتلاك عالم الشهادة .

نقد الدين من وجهة نظر البروليتاريا ليس نقد الخرافات التي لم يعد يصدقها أحد – كما يفعل البورجوازيون انصاف العقلانيين – بل هو نقد أرض العمل المأجور، نقد الحياة اليومية المغتربة، نقد النظام الاجتماعي القائم الذي يحتاج الى الدين كتبرير للبؤس ويحتاجه المعذبون كعزاء عن البؤس وفي أحسن الحالات كاحتجاج على البؤس .

البروليتاريا الحديثة لا دين لها . وثورتها على شروط حياتها المهيئة تبدأ بثورتها على الدين الذي يغطي بعبيره الروحي نتن حياتها اليومية الميتة .
يتهم البورجوازيون والبيروقراطيون ورجال الدين ومن لف لفهم من أعضاء حزب « حب الوطن من الايمان » الشيوعيين الاباحيين بانهم يريدون أيضا الغاء الوطن والقومية .

العمال لا وطن لهم فلا يمكن اذن سلبهم ما لم يملكوه قط . والوطن اليوم هو وطن الدولة المالكة والطبقات المالكة . الوطن اليوم هو مجموعة الامتيازات التي يتمتع بها أغنياء وبيروقراطيو جميع البلدان . أي وطن هذا الذي يحرم العمال في العالم العربي حتى من أبسط وأدنى الحقوق التي اعترفت بها للعمال بورجوازيات القرن التاسع عشر مثل حق تأسيس الجمعيات والأحزاب المستقلة عن الطبقات الحاكمة، حق اصدار الصحف، حق عقد الاجتماعات وتنظيم المظاهرات، حق المساومة على بيع قوة العمل وحق الاضراب ؟! ليس الوطن بالنسبة اليهم الا سجنا يعج بالخفراء . وأي وطن للعمال العرب ( وعددهم في أوربا وحدها مليونان ) الذين تصدرهم كسلعة أوطان « هم » مع ما تصدر من مواد خام الى السوق العالمية ليستغلهم الرأسمال العالمي في شروط مادية ونفسية لا مثيل لقسوتها ؟! ليس الوطن بالنسبة اليهم الا جحيم يهربون منه ثم مقبرة يعودون اليها، بعد أن يذوي شبابهم وتتهدم اجسادهم، ليدفنوا فيها . لجميع هؤلاء العمال ليس وطن « هم » العربي الكبير الا مقبرتهم العربية الكبيرة، الا سجنهم العربي الكبير . ويحق لكل واحد منهم أن ينشد :

« بلادي، اذا جارت علي، مقيتة
وقومي، اذا ضنوا علي، لئام ».

*

لقد كانت الأوطان في اوروبا الى عهد قريب علة الحرب يشنونها بينهم لأقل سبب . واما اليوم فقد قل الميل الى اضرام نارها لأجل ذلك ولا سيما بعد أن عرفت الأمم ان الحروب لا تخدم مصالحها غالبا وانما تخدم اغراض الناس قليلين من المتولين قيادها، بل الامم اليوم ميالة الى التصافح من فوق حدود الأوطان سعيا وراء مصالحهم . والاشتراكية الصحيحة ليس لها غاية أخرى .
شبلي الشميل

والجماهير الكادحة الأخرى في الأرياف والمدن لا وطن لها أيضا، لان شروط الحياة الغبية والمستبدة المفروضة عليها داخل حدود أوطانها المزعومة التي تطالبها الطبقات السائدة بالدفاع عنها قد جعلت ابناء الشعب الكادحين غرباء بأتم معنى الكلمة عن كل ما يجري فيها بعد أن جعلتهم غرباء عن أنفسهم .

لقد وحد الاقتصاد البورجوازي العالم وجعل منه وطنا رأسماليا واحدا، هو وطن الانتاج والتبادل السلعي، وجعل بالتالي من عماله عبيدا لسيد واحد هو رأس المال الخاص أو الدولوي، نفس الشركات والمؤسسات تستغل العامل في أمريكا، في روسيا، في العالم العربي، في الصين وفي اسرائيل … على حد سواء، وبذلك آخت بينهم في نضالهم ضد الاستغلال والسيطرة ووحدت مصير تحررهم المشترك وجعلت منهم طبقة أممية بروليتارية عليها الآن أن تكون ثورية اذا ارادت ان تخوض عمار ثورة اممية ظاهرة ضد الرأسمال الذي أصبح الان سيد العالم كله بمنطقتيه المتقدمة والمتخلفة .

لن يكون هناك تحرر وطني خارج الثورة البروليتارية الأممية التي تحرر الانسانية من جميع أنواع القهر الطبقي والقومي ومن جميع أنواع الاغتراب .

هدم العائلة : حتى أشد البيروقراطيين تطرفا تثير سخطهم نية الشيوعيين الاباحيين هذه الفاضحة المرذولة .

فما هي وظيفة هذه العائلة الأبوية العربية التي ينتحب البورجوازيون والبروقرطيون لاننا نحرض الشباب والعمال بهدمها ؟ انها اعادة انتاج العلاقات السائدة في المجتمع العربي الغبي والمستبد بين الحاكمين والمحكومين .

اذا كانت العائلة البورجوازية في العالم الصناعي قائمة على الرأسمال والربح الفردي، فالعائلة البورجوازية العربية، بحكم تخلف مجتمعها صناعيا، ظلت وكرا لجميع القيم الاخلاقية البالية، وعلى رأسها الشرف وتقديم حماية العرض على حماية الارض، الموروثة عن تقاليد الاقطاع القبلي، هذه القيم التي باركها الاسلام ورسخها .

ليست العائلة اليوم الا المؤسسة الرجعية التي يحكم بواسطتها الأموات من وراء قبورهم حياة الاحياء . أنها خلية الاساس للدولة القمعية ولهذا فالثوريون حقا يوجهون أول ما يوجهون مدفعيتهم الثقيلة اليها، الى الأبوين اللذين يقمعان فضول الطفل ورغباته ويريدان للجيل الصاعد أن يكون على صورة الجيل الذي آذنت شمسه بالغروب، واللذين يلقنان الأطفال منذ نعومة أظفارهم تقديس جميع التحاريم الجنسية واحتقار الجنس ويروضانهم على كبت مشاعرهم العفوية وعصيان غرائزهم الراسخة، ومن ثم يروضانهم على الخضوع لسيطرة من هو أكبر منهم سنا ومنزلة : لسيطرة رب العائلة، رب العمل ورب الدولة .

هل تأخذون علينا اننا نحرض الشباب والنساء بالقضاء على قمع واستغلال الاباء للأبناء والرجال للنساء ؟ نعم، نحن نعترف ونعتز باقتراف هذه الجريمة .

ما زالت المرأة العربية – حتى عندما تشارك في قمع الأطفال بصفتها اما – تعاني اضطهادا لا مثيل له في العالم الصناعي الذي، رغم ان المرأة ما زالت فيه لا تساوي بالمعنى البورجوازي الرجل، تحررت المرأة نسبيا من سيطرة الرجل عليها . اما في العالم العربي فحتى عندما تنتقل المرأة من المنزل الى العمل ( في المصانع أو الادارات ) تظل عبدة للشؤون المنزلية المضجرة ويظل مردود عملها وجسدها ملكا مطلقا لرجلها الذي أعطاه الاسلام، الدين الرجالي بأتم معنى الكلمة، حق ضربها، حق هجرها في الفراش، حق تطليقها متى استنزف جسدها بالقهر والتشغيل والولادة وحق الزواج عليها بثانية وثالثة ورابعة فضلا عما ملكت ايمانه من اماء العصور القديمة او بغايا العصر الحديث . ليست المرأة في العائلة العربية الاسلامية الا سلعة يبيعها الرجل كأب ويشتريها كزوج .
ستنهار هذه العائلة بانهيار المجتمع الذي انتجها وبتحقيق هذا الانهيار المزدوج يحرض الشيوعيون الاباحيون جميع المضطهدين في العائلة والمجتمع العربيين .

ومنذ الآن بدأ الانهيار يدب الى صرح هذه المؤسسة الهرمة بحكم تطور الاشياء الاقتصادية التي تتحطم على صخرتها أشد القيم رسوخا . فالغنى الفاحش الذي تمتاز به الطبقات العليا في المدن العربية الكبرى والبؤس الفاحش الذي ترزح تحت وطأته الطبقات المسحوقة جعلا بنات البروليتاريا وأولادها ينزلون الى سوق اللذة لبيع أجسادهم بعد أن عجزوا عن بيع قوة عملهم في سوق العمل الراكدة . لقد صارت الحرة العربية تأكل بثدييها عندما تجوع، وأصبح النساء قوامون على الرجال ! وهو نسف عملي لقيم « الشرف » و « الحريم » التي تقوم عليها ايديولوجيا العائلة العربية، وتكذيب يومي للمدافعين عليها من البورجوازيين والبيروقراطيين الذين تعج بهم سوق البغاء كزبائن اوفياء .

وهكذا فان تشدق هؤلاء البورجوازيين والبيروقراطيين المنافق بصلة الرحم وبالصلات الحميمة التي تشد الولد الى والديه، أصبح الآن أكثر اثارة للقرف من أي وقت مضى، فنحط الانتاج الصناعي الذي يغزو العالم العربي بسرعة متزايدة بدأ يهدم وسيهدم كل يوم أكثر جميع الصلات العائلية عند البروليتاريا وسيحول الأولاد أكثر فأكثر الى مجرد سلع تجارية ومجرد ادوات للعمل المغترب .

اذا كان الطفل في العائلة، قاعدة المجتمع التسلطي، تكيف رغباته، تضبط وتقمع عفويته ليهيأ نفسيا للعب دور المنفذ السلبي للأوامر الفوقية، فان المدرسة تتسلم هذا الطفل لاتمام ما بدأته المؤسسة العائلية، لتجهز على ما تبقى له من الابداعية اليومية، من العفوية، من الفضول، من الاعتداد بالذات ومن الرغبة العنيدة في اباحة كل متاح .

ينتقل الطفل، وقد أصبح شابا، من المدرسة الى الجامعة التي ستعطي لما غرسته المدرسة فيه، للخوف من التغيير ومن الثورة اللمسات الاخيرة، لتصبه نهائيا في قالب المجتمع الغبى القائم باقتلاعها منه ما قد يكون تبقى له من عقل نقدي، من حساسية ضد السيطرة ولتقدم له معارف بالية مفصولة عن المشاكل الفعلية لحياة الشباب اليومية، لتقدم له مشوها ومزورا تاريخ الثورات الراديكالية القديمة والحديثة، لتقدم له، كعلم محايد، اداتي القمع الايديولوجي المفضلتين في جامعات الرأسمالية الصناعية : علمي النفس والاجتماع، لتبرر له القمع والبؤس المعاشين، لتدمر ذكاءه، لتموه علاقات السيطرة القائمة في كل خانة من خانات المجتمع وأخيرا لترسخ في وجدانه طاعة الله والرسول وأولي الأمر من الطبقات السائدة .

الهدف الأول من مؤسسة التعليم هو فصل الشباب المتعلم عن البروليتاريا « الجاهلة » . ولأمر ما تمتلىء الكتب المدرسية بأحاديث وآيات التبرير ديكتاتورية أهل العلم على الشعب : « انما يخشى الله من عباده العلماء » و « قل لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون » الخ . أن دور الشبيبة المتعلمة الثورية هو رد كيد الطبقات الحاكمة إلى نحرها : محاربتها بنفس سلاح المعرفة الذي ارادت منه محاربة الشعب العامل، محاربة الانسانية المتألمة، دورها هو قلب الآية : هجر المدرسة – الثكنة إلى حياة الشوارع للتعلم في مدرسة المظاهرات والصدام اليومي مع وقائع القدم البوليسي والديني اليومي ومقاطعة الجامعات الرجعية للارتباط حالا ومآلا بالبروليتاريا في العالم العربي لتدمير المجتمع القائم الذي يدمر شخصية الفرد ويكيل حرية الملايين .

لیکن شعار الشباب العربي الثائر وهو يقاطع مؤسسة التجهيل : تريدون منا ان نكون معلمين لنساعدكم على تغبية اطفالنا بسموم برامجكم التجهيلية، وهيهات ان نمكنكم مما تريدون، تريدون منا ان نكون قضاة لتنفيذ قوانينكم الجائرة، وهيهات ان نقدم لكم جلادينا بايدينا، تريدون منا في النهاية أن ننخرط في خدمة طبقاتكم ودولها وهيهات ان نقترف مثل هذه الخيانة .

ها نحن نسمع البورجوازيين والبيروقراطيين يصيحون بملء حلوقهم ومن أعالي جميع السطوح، انكم « أيها الشيوعيون الاباحيون تريدون اباحة النساء وتحرضون بانتهاك جميع الحرمات والمحرمات الجنسية » !

نعم اننا نحرض بما ستحققه الثورة البروليتارية القادمة : اشاعة النساء على الرضى منهن، واشاعة الرجال على الرضى منهم، تحرير الجنس من التشييء البضاعي لتعيده فعلا انسانيا حرا يقوم على الاعتراف المتبادل بين الرجل والمرأة، على المتعة المشتركة المتحررة من عقدة الذنب بعد أن تحررت من اهانة البيع والشراء، من علاقة السيد بالعبد ومن تحقير الدين الحقير لها .

الثورة القادمة، التي ستنزل نزول الكارثة على رأس آخر حضارات الرق الطبقي القائمة، تبدأ بشائرها بانتهاك الحرمات والمحرمات الجنسية أي برد الاعتبار للجسد الانساني الذي أحتقر واستعبد منذ ظهور الملكية الخاصة ونظام الطبقات ومواكبهما الكتيبة من اديان واخلاق كانت مهمتها الأولى ان تعلم الانسان الخجل من نفسه، أن تغرس فينا ذلك الشعور الحقير والمدمر بالاثم بعد كل مرة يسترد فيها الجسد بعض حقوقه خلسة، من وراء ظهر العائلة والدولة والدين، هذا الدين الذي ساعد الملكية الخاصة والدولة المالكة على امتلاك الجسد وتحويله من اداة للذة الحرة الى اداة للعبادة والانتاج في خدمة السادة : مالكي العبيد ، بيروقراطيي الدولة الشرقية، الاقطاعيين الرأسماليين . ولهذا، وعكسا للاية، فجميع الانحرافات الجنسية، التي تنحرف بالجسد عن الغاية التي حدد له الدين والدولة كوسيلة في خدمة مالكيه من الهة السماء والأرض، الى غايته الأصلية كاداة للذة لا يملكها الا صاحبها الذي يقرر وحده كيفية استخدامها، هذه الانحرافات هي معاول تعمل تخريبا وتهديما في نمط اللاحياة والانتاج السائدين .

لن يستطيع الشباب العربي التقدم قيد ذراع نحو التمرد على المجتمع العربي القائم على الحرمان، على الكبت والقهر، ونحو الثورة الاشتراكية الشاملة ما لم يناضل للتحرر فعلا من كابوس الكبت الجنسي الرهيب، من عبودية العائلة، من اغلال مؤسسة الزواج .

ممارسة الحرية الجنسية يجب أن يفتكها افتكاكا الشباب الذي صمم على ان يحيا فعلا وان يثور على الموت البطيء الذي ينخر حياته الميتة المعادة والكتيبة . واذا كانت التنظيمات الثورجية البيروقراطية تعيش من الطاقات التي يحركها التصعيد البائس للشهوات المقموعة فان تحقيق هذه الشهوات سيحرر طاقات الشباب المتمرد من الركض الحيواني الخاوي داخل الحزب – المصنع ويحولها باتجاه الثورة فيزيد هذه التنظيمات كساحا على كساحها .

*

أخيرا يحاول البعض انقاذ الفن من النقد الجذري الموجه للايديولوجيات السائدة، بدعوى أنه يمثل أثرا انسانيا « خالدا » ومستقلا عن المجتمعات التي نشأ فيها، كما يحاول بعض البيروقراطيين اخضاعه لخدمة « ثورتهم » المزعومة . ولكن هيهات !

فالفن وان كان يحتل، في موكب الافكار التي انتجها الصراع الطبقي عبر التاريخ، مكانة خاصة تميزه عن بقية التعبيرات الايديولوجية، يشكل مثلها، بصورة او بأخرى الوعي الزائف الذي ترى عبره الانسانية المقسمة الى طبقات نفسها . غير أنه مثل الدين لا يعدو أن يكون تعبيرا جماليا عن البؤس وتمردا خياليا على هذا البؤس كعلم بالتخلص من جحيمه .

وقد لعب الفن في فترات متعددة دورا ثوريا بافصاحه عن الرغبات والاهواء البشرية التي يحاربها الدين والدولة، ولمحاولاته خلق مشروع انسان متحرر . الا انه، كقطاع فكري منفصل عن الحياة، بقى مفصولا عن الحركة الفعلية التي تنقد الحياة . والفنانون الثوار هم الذين عاشوا كثوريين في حياتهم لا في فنهم . من الشعراء الصعاليك الذين تمردوا على قبائلهم إلى الشعراء والكتاب والمغنين من الزنادقة والمجان الذين تمردوا على محرمات الدين وهزئوا بها وحقروها في أعين الناس . عرف التاريخ العربي فنانين ثوريين، الا ان تخلف العالم العربي عن التقدم البورجوازي جعله يتبع خطى اوروبا منذ عصر نهضته خطوة بخطوة، فوصله تراثها الثقافي لا كثورة بل كثورة مضادة . فقد عرفت أوروبا المتقدمة بعد الحرب العالمية الأولى مدارس فنية نادت بنهاية الفن كفن وضرورة تحقيقه في الحياة، وهي الدادائية والسريالية . ولتحقيق الفن في الحياة كان لا بد من قيام ونجاح ثورة بروليتارية، هي وحدها القادرة على هدم صرح معاقل المجتمع القديم التي تمنع الناس من ان يعيشوا كفنانين، أي كبشر مبدعين متحررين . غير أن فشل الثورات البروليتارية في العشرينات جعل السريالية والدادائية ترتدان إلى ممارسة الفن المنفصل وانتاجه من أجل السوق الرأسمالية، حيث يشكل اليوم احدى وسائل القمع اللامرئية التي يستخدمها المجتمع المشهدي – البضاعي لتخدير الوعي الثوري وتزييف الحياة . ولم يعرف العرب العاصرون الا هذا النوع من الفن المنحط المضاد للثورة . والفنانون العرب قد تحولوا كلهم – أو جلهم – الى أبواق دعائية لترويج القيم البالية وللحفاظ على المجتمع القديم . وهكذا فان العرب الذين لم يعرفوا ( النظرية الثورية ) الا من خلال الثورة المضادة الستالينية : فانهم لم يعرفوا الفن الثوري الا بعد احتوائه من طرف المجتمع السائد .

لقد انتهى عصر الفن مثلما انتهى عصر الدين وعصر الفلسفة، وكل ما يأتي في هذا المجال لا يعدو أن يكون سوى تكرار ممل لما قيل أو فعل . لم يعد هناك مجال لفن ثوري لأن المطلوب هو تحقيق الفن في الثورة لا تحقيق ثورة في الفن .

اذا كانت الحركات الفنية المتمردة القديمة عملت وما تزال على تسخير الفن لخدمة الثورة : اسطورة الفن الملتزم، مزبلة الواقعية الاشتراكية، مطالبة لينين فناني حزبه بأن يتحولوا الى مجرد براغي في الجهاز الحزبي الهائل الخ، فان الثورة البروليتارية تهدف إلى تسخير الثورة لتحقيق الفن وتحقيق الفلسفة، أي، انهاء الفصل بين الحلم والواقع في مشروع الانسان الكامل الذي لا سلطان له على احد ولا سلطان لأحد عليه .

في المجتمع الثوري القادم ينتهى عصر التعب ليبدأ عصر اللعب، ينتهي العمل ذاته عندما يصبح فنا أي ابداعا مستمرا يغني حياة الانسان الشيوعي، بعد ان كان وسيلة مضنية لمراكمة الرأسمال الميت . بظهور هذا المجتمع الجديد حقا تبدأ الانسانية مسيرتها نحو حضارة اللا – عمل، لأن ملكوت الحرية الحقيقية يبدأ حيث ينتهي ملكوت الضرورة، وعالم العمل هو دائما عالم الضرورة .

الاتمتة والتقدم العلمي والتقني الذي حققته الانسانية اليوم جعل امكانية تحقيق ملكوت الحرية راهنة، جعلت الخيال قادرا على المطالبة بحقوقه . أما الذين ما زالوا يعدون هذه الامكانية الراهنة عالميا في عداد الطوباويات فهم حملة اقلام الثورة المضادة الذين يضعون دائما تحقيق الممكن التاريخي في رف الاحلام المستحيلة .

لقد نضب معين التجديد والابداع – وهما قوام الثقافة – في الثقافة العالمية والعربية . فالمثقفون اليوم سواء كانوا شعراء، فنانين أو ادباء ينتجون – أو يعيدون انتاج – ثقافة زائفة ومزيفة مجندة في خدمة التفكير السلطوي، لمباركة الثنائية والفصل بين الثقافة والحياة الحق، لزخرفة اغلال المجتمع القائم بالزهور الصناعية . لذا لم يعد اليوم أمام الشعراء، الفنانين والمثقفين الا هذا الخيار : أما أن يظلوا منفصلين عن الحركة التاريخية، مجرد شعراء وكتاب دول، مجرد باعة لسلعة الشعر والثقافة، مجرد قوة رجعية تعيد انتاج ماضيها الكالح في حقبة تتمخض عن ثورة لم يسبق لها مثيل، واما ان يلتحموا بالحركة التاريخية الفعلية : حركة الشباب المتمرد والبروليتاريا الثورية الجديدة التي يشكل المثقفون الراديكاليون جزء لا يتجزأ منها ليصبحوا شعراء ومنظري الثورة القادمة .

الاشتراكيات الزائفة

الاشتراكية العربية :

عبرت الاشتراكية العربية التي حمل لواءها حزب البعث في الخمسينات عن انتقائية قطاع كامل من الانتليجانسيا العربية متحدر من أصول بورجوازية صغيرة مدينية أو ريفية لم يتح له التحالف الطبقي الحاكم يومئذ أن يجد مكانا لائقا بطموحه في الدولة التي كانت احتكارا لأبناء الذوات . لقد كانت محاولة بائسة للتوفيق بين طموح الجماهير الكادحة الى التحرر القومي والاجتماعي وجاذبية الاشتراكية البيروقراطية التي كانت ما زالت تثير عند هذا القطاع من المثقفين مزيجا من الاعجاب خاصة بانجازاتها الاقتصادية، والخوف خاصة من الحادها وعدائها المزعوم للقومية . اما الاشتراكية العربية التي حمل لواءها عبد الناصر، التي غدت بعد الميثاق ملهما لجميع المنوعات الاشتراكية في العالم العربي بما فيها البعثية، فقد كانت، على الصعيد الايديولوجي، مزيجا من تقاليد الاسلام البدائي، رغم أنها لم تصل أبدا الى راديكالية أبي ذر الغفاري الاجتماعية، ومن انجازات وادعاءات الاشتراكية البيروقراطية بنموذجيها الروسي والصيني . وكانت، على الصعيد السياسي، تعبيرا عن البونابارتية الناصرية التي جندت جميع الاساطير القديمة والحديثة لمحاربة استقلال الطبقة العاملة العربية وعيا وتنظيماً عنها، لمحاربة الصراع الطبقي باسم التصالح الطبقي والوحدة الوطنية المقدسة بين العمل ورأس المال الوطني الذي أصبح بقدرة قادر « غير مستغل »، ولمحاربة امكانية ظهور ديكتاتورية البروليتاريا بفضل وجود وتدعيم ديكتاتوريتها الخاصة التي تسهر على « منع أي طبقة من فرض ديكتاتوريتها على باقي الطبقات »، وكانت، على الصعيد الاقتصادي، تعبيرا عن الطريق العربي الى رأسمالية الدولة البيروقراطية أو المختلطة . والاشتراكية العربية في النهاية ليست الا تأميم البؤس وتعميم القمع .

الاشتراكية البيروقراطية :

بعد أن هزمت الثورة البروليتارية في روسيا على يد الحزب البلشفي الحاكم قام على انقاضها نظام اجتماعي جديد اساسه ملكية الدولة لجميع وسائل الانتاج : الانتاج البضاعي والعمل المأجور، سمته الطبقة البيروقراطية التي تشكلت عبر الحزب وعبر ملكية الدولة، اشتراكية، بينما هو في حقيقته وجه جديد للتطور الرأسمالي، وبرهان على امكانية ازدهار الرأسمالية حتى بعد القضاء على الملكية الخاصة .

تزعم الاشتراكية البيروقراطية، اخفاء لهويتها، أن اشتراكيتها تحقيق للنظرية الماركسية . وحسبنا، دحضا لهذه الفرية، أن تقيم هذا التوازي السريع .

تهدف الاشتراكية عند ماركس الى تحطيم نمطي الانتاج والاستهلاك البورجوازيين، اما الاشتراكية البيروقراطية فهي تطمح الى اللحاق بهذين النمطين السائدين في الغرب . تحقيق الاشتراكية، عند ماركس، يمر حتما بتحطيم آلة الدولة، أي دولة، وانهاء سيطرة الانسان على الانسان . اما تحقيق الاشتراكية البيروقراطية فهو يمر حتما بتعزيز جبروت الدولة، التي لا تجد لها مثيلا الا في طراز دولة الاستبداد الشرقي القديم . ديكتاتورية البروليتاريا تعنى، عند ماركس – انجلز، الغاء البوليس والجيش والاستغناء عنهما بتسليح الشعب كله، القضاء على البيروقراطية بمواكب رتبها ورواتبها واستبدالها بالاتحاد الحر للمنتجين المباشرين الذين اخذوا مصيرهم بأيديهم، أما الدكتاتورية البيروقراطية فهي تعنى تعزيز الجيش المراتبي وتنصيب البوليس رقيبا على جميع مظاهر الحياة الجماعية والفردية، وحرية البيروقراطية في السيطرة، كسلطة وحيدة ومطلقة، على المنتجين .

الاشتراكية، عند ماركس، تعنى الغاء نظام العمل المأجور والقضاء على الانتاج والتبادل السلعيين، أي القضاء على قانون القيمة والنقود، اما الاشتراكية البيروقراطية فقد حافظت على النقود، قانون القيمة والسلعة، بل انها اختزلت العامل نفسه إلى سلعة محرومة حتى من حق المساومة على بيع نفسها . الثورة البروليتارية، عند ماركس، هي ثورة على جميع صور الاغتراب، اما الاشتراكية البيروقراطية فقد عمقت جميع أشكال الاغتراب القديمة وأضافت اليها الأشكال الخاصة بنمطي انتاجها وسلطتها .

وبكلمة فبقيام الثورة الاشتراكية، عند ماركس، ينتهي استعباد المنتجين من قبل وقت ووسائل عملهم، تنتهى سيطرة الاشياء على البشر وبالتالي تنتهي سيطرة الانتاج على منتجيه . اما بناء الاشتراكية البيروقراطية بله الشيوعية فيمكن تلخيصه في كلمة : سيطرة السلعة على الانسان وبالتالي ديكتاتورية الانتاج على المنتجين، كل ذلك باسم « ديكتاتورية البروليتاريا » . لان البيروقراطية تنكر، شأن كل الطبقات الظالمة، هويتها الاستغلالية . فحتى كونها بيروقراطية فهو «لصالح ومن أجل البروليتاريا » .

تبنت جميع الأحزاب الستالينية الشيوعية زعما والبيروقراطية فعلا الاشتراكية البيروقراطية وراحت تدافع عنها كنموذج وحيد لديكتاتورية البروليتاريا، بينما هو احدى نماذج الدكتاتورية على البروليتاريا . ولكن اشتراكية الثكنات التي كانت سائدة في روسيا المتخلفة لم تكن لتجد صدى لدى البروليتاريا الغربية التي تطمح الى التحرر الكامل لا الى العودة الى عصور الاستبداد، بل في الهياكل الاجتماعية – الاقتصادية المتخلفة السائدة في بعض المجتمعات المستعمرة التي استطاعت الأحزاب الستالينية فيها قيادة حركات فلاحية – وطنية مسلحة استلمت عبرها الحكم وبسطت سلطانها المطلق على المجتمع كله ، متبعة خطى البيروقراطية الروسية الأم في استعباد العمال والفلاحين واستغلالهم خطوة خطوة .

هذا النموذج من « الاشتراكية » البيروقراطية السائدة في الصين وفيتنام وكوريا وكوبا ويوغوسلافيا، هو ما تحاول بصورة أو بأخرى الشلل والمجموعات البلشفية – الماوية – التروتسكية – الكاسترية العربية جر البروليتاريا والفلاحين العرب الى تحقيقه لصالح الفئات البيروقراطية التي لم تجد مكانها في ظل نظام الاستغلال القائم، تحت شعار « تحرير الطبقات الكادحة » وباسم « دكتاتورية البروليتاريا » .

هناك ثوريون حقيقيون في التنظيمات البيروقراطية العربية، ولكنهم بوجودهم فيها، يخدمون من حيث لا يشعرون مصالح الثورة المضادة، ولن يمكنهم بعد اليوم ادعاء جهل ذلك .

*

حتى تكون الحقيقة ثورية فعلا، يجب لا ان تعلم وتقال وحسب، بل أيضا ان تمارس . ان الحركة الثورية المناضلة من أجل سلطة المجالس على صعيد العالم، لا يليق بها أن تنحط الى حد اخفاء أي وجه من وجوه الحقيقة، أو أي مشروع من مشاريع ثورتها . فكما هي لا تخفي عداءها لجميع الأنظمة السائدة في العالم العربي، فانها تعترف انها تكن نفس العداء لجميع الأنظمة التي تتقاسم العالم شرقا وغرباً . وهي تعترف أيضا أن سلطة المجالس لا يمكن أن تتحقق بنجاح الا بقلب جميع هذه الأنظمة .

لقد بدأت دابة الأرض تأكل عكاز الأنظمة العربية، بعد أن قضى عليها التاريخ بالموت، وعندما تخر جثة سليمان سيتبين العمال أنهم لو كانوا يعلمون مدى قوتهم ما ليثوا كل هذه السنين في العذاب المهين .

فلترتعد فزعا فرائص الدول المالكة والطبقات الهرمة في كل مكان، ولتمت كلاب حراستها رعبا امام مشروع الثورة الشيوعية المجالسية الأممية التي ستخسر فيها البروليتاريا جميع أغلالها وتربح عالما جديدا بكامله .

ولتعش السلطة الامعية المطلقة لمجالس العمال !

  1. وهي نفس الكلمات التي فاه بها رئيس المحكمة العسكرية انذاك ! ↩
  2. عندما قررت في ۱۹۷۲ الطبقة البيروقراطية الحاكمة في الصين تحويل جميع القروض التي قدمتها لباكستان يحيى خان الاقطاعي العسكري – الذي، كما اعترف بذلك خلفه الحالي، حول مع زمرته أموال الدولة، ومن بينها هذه القروض، لحسابه الخاص في البنوك الغربية – الى هدية للبورجوازية الباكستانية الحاكمة فانها لم تطلب موافقة البروليتاريا الصينية شبه الجائعة، على التصرف بفائض قيمة عملها، لانها تعي أنها لا تملك حق التصرف المطلق بفائض القيمة وحسب بل وتملك حتى الطبقة التي انتجته . ↩
  3. انظر فضائح الباطنية . ↩