
تقديم :
ليس من السهل كتابة تاريخ المجالس عامة وسوفياتات ١٩٠٥ خاصة نظرا لما اعتراها من تشويه وتزييف وأكاذيب . فقد تعرض هذا التنظيم، الذي كان من ابداع البروليتاريا وحدها، حال ظهوره لحملات « الثوريين المحترفين » لانه تجاوز مفاهيمهم التنظيمية، ولهجمات كل القوى المضادة للثورة البروليتارية، كما ضاعت حقيقتها التاريخية بين أيدي المؤرخين الأجيرة أقلامهم .
ومما يزيد الموضوع صعوبة هو أن البيروقراطية كطبقة جديدة، بعد أن أقامت سلطتها على جثث المجالس المقهورة، وفرضت سيطرتها على كل مظاهر الحياة أدركت خطر رجوع السوفياتات فسرعت في ترويج أكاذيبها بعد أن استحوذت على الوثائق التاريخية وحاولت تزييف التاريخ لصالحها، وتشويه الوعي الطبقي بتقديم نفسها كنموذج أوحد للثورة . ولكن الحركة الفعلية للبروليتاريا تكفلت بنفسها بالقضاء على كل هذه المحاولات والرد عليها، معيدة المجالس العمالية الى الحياة كل مرة حاولت فيها الانعتاق وخلق شروط حياتية جديدة . لقد ظهرت المجالس كقاسم مشترك لانتفاضات البروليتاريا ضد النظام الرأسمالي البورجوازي ( روسيا ١٩٠٥ – ١٩١٧ ، المانيا ۱۹۱۸ – ۱۹۱۹ ، ايطاليا ۱۹۲۰ ، اسبانيا ١٩٣٦ ) وضد نظام رأسمالية الدولة البيروقراطية التوتاليتارية ( روسيا : كرونشطاط ۱۹۲۱ ، المجر ١٩٥٦ ) .
ان المجالس العمالية كتنظيم مباشر للبروليتاريا الثورية، قد حققت عمليا مبدأ الأممية الأولى : أن تحرير الطبقة العاملة هو من صنع العمال انفسهم، وهذا ما يجعل منها البديل التاريخي الأكثر جذرية لهذا العالم القديم، والصيغة التنظيمية الملائمة لمفهوم ديكتاتورية البروليتاريا كطبقة أخيرة سائدة، قبل أن تتجاوز نفسها بتحقيق المجتمع الشيوعي، « ذلك أن ديكتاتورية البروليتاريا هي نفسها ليست الا انتقالا إلى الغاء كل الطبقات والى المجتمع الذي لا طبقات فيه » ( ماركس : صراع الطبقات في فرنسا ) .
كانت سوفياتات ۱۹۰٥ وخاصة سوفيات بيترسبورغ أول تجربة مجالسية حققتها البروليتاريا الروسية خلال انتفاضتها الأولى، فكانت مساهمتها هذه في تطوير الحركة العمالية العالمية مساهمة ايجابية قدمت عناصر جديدة لاشكالات الثورة : الصيغة التنظيمية ( مجالس العمال ) . التسيير الذاتي للصراع الطبقي . اللجوء الى الاضراب العام كوسيلة فعالة للنضال الخ …
وبما أن البروليتاريا العربية جزء لا يتجزأ من البروليتاريا العالمية وتاريخها واحد، رأينا من واجبنا كثوريين تعريف القاريء العربي بهذا التاريخ واطلاعه على التجارب الثورية السابقة وذلك في سلسلة من المقالات نفتتحها بتجربة ١٩٠٥ .
سوف نحاول تقديم صورة صادقة لهذه التجربة كما وقعت فعلا، ووضعها في اطارها التاريخي مثبتين أهميتها دون اهمال نواقصها وأسباب فشلها .
روسيا ١٩٠٥ :
لقد طرحت الثورات المتعاقبة التي هزت روسيا في أوائل هذا القرن مشاكل عديدة على الثورة العالمية اختلفت الآراء في تقييمها وانقسمت الأحزاب الاشتراكية في الحكم عليها .
باركها الكثير على أنها ثورات بروليتارية ووقف منها آخرون موقفا نقديا يقيمونها تاريخيا ويضعونها في اطارها الحقيقي على ضوء انجازاتها ومدها وجزرها . خاصة بعد ظهور البيروقراطية الستالينية وفشل الحركة الثورية العالمية تحت « رعاية » ستالين والأممية الثالثة .
ولئن درست ثورة ۱۹۰٥ من وجهات نظر عديدة فان أهم ابداعاتها، السوفياتات، قد تم تجاهلها عن وعي أو عن جهل . بهذا المقال نريد أن نسهم في التعريف بها مركزين على أهميتها التاريخية، خاصة في منطقتنا التي تكاد تجهل كل شيء عنها .
يقول تروتسكي في كتابه القيم (۱۹۰٥) :
« لقد قضت هذه الثورة على الفكرة السائدة والقائلة أن روسيا شعب على حدة ».
الواقع الروسي :
« لقد قام الغرب بثوراته البورجوازية اما الشرق فلم يصل الى ذلك بعد » ( لينين ) .
خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر طرحت الثورة الصناعية البورجوازية تاريخيا على البلدان الأوروبية التي أصبحت ناضجة للقيام بها . فقد استنفد النظام الاقطاعي كل امكانياته وأصبح عاجزا عن تقديم حلول للتناقضات التي كانت تكبل المجتمع كله . فعلاقات الإنتاج الخاصة بالمجتمع الاقطاعي علاقات متحجرة، أساسها الخضوع المطلق للسيد الاقطاعي صاحب الأرض والرقاب بينما تحتاج الثورة الصناعية الى أناس « أحرار » للعمل في المصانع، كما تحتاج الى تحطيم الحدود الضيقة الخاصة بالنظام الاقطاعي والتي تمثل عائقا كبيرا لتنقل البضاعة وحرية السوق .
ان تحطيم هذه العلاقات المتحجرة اذن شرط أساسي للثورة الصناعية الفتية ولتطور البورجوازية الصاعدة والثورية آنذاك . يقدم لنا التاريخ مثالين نموذجين للثورة البورجوازية : انجلترا ١٦٤٠ – ١٦٨٨ وفرنسا ۱۷۸۹ – ۱۷۹۲ ۰
في انجلترا حافظت الثورة البورجوازية على شكل الحكم التقليدي، غير أن ذلك لم يمنعها من ارساء أسس المجتمع البورجوازي كنتيجة حتمية لتغير علاقات الانتاج تغيرا کاملا . أما في فرنسا، حيث كانت التناقضات أكثر تطورا وأشد عنفا، فكانت الثورة أكثر تطورا والصراع أشد عنفا .
هذا بالنسبة للغرب الذي أنجز ثوراته البورجوازية، فما هو واقع الشرق الذي لم يصل الى ذلك بعد وخاصة في روسيا التي هي موضوع هذا المقال :
حوالي ١٨٥٠ كانت روسيا القيصرية تمثل عالما مغلقا بل سجنا شاسعا جدرانه حدود الامبراطورية التي تحتضن ٦٠ مليون ساكن تقريبا . وكانت الهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية متحجرة لم تتغير منذ اصلاحات القرن ۱۸، التي قام بها كل من بطرس الكبير وكاترين الثانية .
وكانت قاعدة هذا النظام الهرم : الأوتوقراطية التي يمثلها القيصر حاكم الامبراطورية المطلق والذي يباشر سلطته معتمدا على جيش كبير ( أكبر جيش في أوربا ) وعلى بوليس نشيط وبيروقراطية جاهلة مستبدة . أن رؤساء المكاتب هم الذين يحكمون روسيا ( نيقولا الأول ) ويشكلون أهم ركائز النظام وكذلك الكنيسة الارثوذكسية ورجالها .
في ظل هذا الحكم الاستبدادي كانت روسيا في معزل عن العالم الخارجي . فلا يحق لأي روسي مغادرة البلاد دون ترخيص القيصر نفسه . كما كانت الرقابة شديدة حول الأجانب وحول كل ما يأتي من الخارج . أما الحياة الفكرية فقد كانت مراقبة بشدة لا مثيل لها . وكانت سياسة الجهل والتجهيل تفرض الحدود الخانقة حول حرية الفكر والصحافة والتجمع . فالقانون لم يكن يسمح لأي جامعة بأن يتجاوز عدد طلابها ۲۰۰ ( ۲۹۰۰ طالب في عامة روسيا ) كما كان يمنع تدريس التاريخ والفلسفة والحقوق وكانت برامج المدارس والجامعات لا تحتوي سوى تعاليم الدين الارثوذكسي وما يتفق ومصلحة السلطة والنظام . أما الصحف، وهي قليلة وشبه رسمية فلا توزع قبل اجتيازها مخابر ۲۲ رقيبا مختصا .
أما الحالة الاقتصادية فكانت على غاية من التأخر المزمن، فهي تعتمد على الفلاحة كنشاط رئيسي ( ۹/۱۰ من سكان روسيا يعيشون في الأرياف ) . وكانت هذه الفلاحة معرقلة بسبب عجز الاقطاع عن تطويرها وكانت طرقها بالية وآلاتها عتيقة لم تتغير منذ قرون بعيدة .
أما الصناعة الحديثة فتكاد تكون معدومة . وكانت تقتصر على بضع فبريكات للنسيج وأخرى لصناعة الحديد والصلب .
وكانت وسائل النقل تعوز البلاد، ما عدا ٥٠٠ كلم من القنوات التي تتوقف عن كل نشاط خلال فصل الشتاء حين يغطيها الجليد لعدة أشهر .
ورغما عن كل هذا كانت روسيا تلعب دورا كبيرا في السياسة الخارجية الأوروبية وكانت محاطة بأوهام القوة والعظمة . فقد لعب جيش نيقولا الأول دورا حاسما في القضاء على ثورات ١٨٤٨ التي اجتاحت أوروبا . « كانت روسيا تمثل في تلك الفترة الاحتياطي الضخم للرجعية الأوروبية »، كما يقول البيان الشيوعي .
شاركت روسيا في حرب القرم سنة ١٨٥٥ وكان عليها أن تواجه الدول الغربية وكانت النتيجة هزيمة ساحقة كشفت بقساوة عن افلاس نظام سياسي واجتماعي متداعي الاركان عاجز عن مواجهة نظم متحفزة فتية .
أدرك القيصر الجديد، الاسكندر الثاني أن ضعف روسيا ناتج عن التأخر الاقتصادي . وأنه لا بد من ادخال اصلاحات على النظام القائم ولا بد من تطوير الاقتصاد . وتمكين روسيا من جهاز اقتصادي عصري خاصة وسائل النقل الجديدة التي أعوزت روسيا في حربها الأخيرة .
لكن أي اصلاح كان مستحيلا داخل الهيكل الاجتماعي الروسي وأصبح من الضروري ادخال تعديلات عليه قبل الشروع في تطوير الجهاز الاقتصادي . وكان من الطبيعي لايجاد اليد العاملة الضرورية لكل نهضة صناعية، أن يتم تحرير الاقنان، فكان قانون ١٨٦١ الذي حرر ٥٠ مليون قن تقريبا . كما ادخلت تعديلات على الجهاز الاداري والقضاء والتعليم، وكانت كل هذه الاصلاحات عبارة عن حلول وسطى بين الغرب الحديث وروسيا العتيقة خاصة وأن النظام الاوتوقراطي والبنى التي يقوم عليها بقيت على حالها دونما تغيير .
التطور الاقتصادي ونتائجه :
لم يكن القيصر يفكر أبدا في القضاء على أسس النظام القائم ولا في قلب المراتبية الاجتماعية التي هي قاعدة سلطته، بل كل ما في الأمر هو محاولة تحديث روسيا في ظل النظام وتحت رعاية القيصر نفسه . وبما أنه لا توجد في روسيا تقاليد صناعية بورجوازية ورؤوس أموال كافية فقد لجأ الحكم إلى الرأسمال الأجنبي والفنيين الأجانب .
فتح القيصر أبواب روسيا أمام رؤوس الأموال الأوروبية وساعدها على التوظف والاستثمار بأن قدم لها تسهيلات كبيرة وامتيازات لا حدود لها، كما قامت الدولة بفتح قروض للاكتتاب، خاصة في فرنسا (۱۸۸۸) انقلبت روسيا بذلك إلى مشغل كبير وشملتها حركة صناعية نشيطة أدت إلى تطوير سريع لوسائل الانتاج ومكنت البلاد من الجهاز الأساسي للصناعة الحديثة .
لكن روسيا كانت تحتاج الى أكثر من ثورة لتلتحق بركب القرن التاسع عشر وتنظيمات الاسكندر الثاني كانت أقل من ثورة بورجوازية، لكنها كانت كافية لخلق بروتسيس اجتماعي قادر على تجاوزها وتعريض النظام برمته للخطر .
لم تكن نتيجة هذا التصنيع السريع سيادة النمط الرأسمالي للانتاج بل كما عبر عنها لينين : « كانت الرأسمالية الحديثة في روسيا مغلفة بشبكة متماسكة من علاقات ما قبل الرأسمالية ».
من أهم ميزات الصناعة الروسية هو تجمعها الجغرافي في مراكز صناعية كبيرة ( باكو – الدونيتز – موسكو – الأورال – سان بيترسبورغ ) وتمركزها كذلك على مستوى المؤسسات ( مصانع بوتيلوف وابوخوف ) وهذا الجدول يصور هذه المركزية بوضوح :-
| حجم المؤسسات | عددها | عدد العمال بالآلاف |
| من ٥ الى ٥٠ عاملا | ١٤١٨٩ | ٢٢٤٠٥ |
| من ٥٠ الى ٥٠٠ عامل | ٤٢٩٨ | ٦٢٨٠٩ |
| أكثر من ٥٠٠ عامل | ٧۲٦ | ٩٩٩٠٨ |
| الجملة | ۱۹۲۱۳ | ۱۸٦۳۰۲ |
كانت هذه الصناعة الحديثة تعايش عالم الاقطاع الفلاحي الأكثر تأخرا في أوروبا . وبقي الفلاح الروسي على حالة من الفقر والجهل والتآخر تتناقض تناقضا كليا والحياة العصرية التي بدأت توجد في المدن . فهذه الحركة الاصلاحية لم تشمل الريف الذي لم يتغير . وبقيت الأراضي في حوزة كبار الملاكين وقد عبر لينين عن هذا الوضع برسم طريف نورده فيما يلي :-

« حسب آخر إحصاء رسمي لتوزيع الأراضي في روسيا الأوروبية، الذي نشرته وزارة الداخلية لسنة ١٩٠٥ كان هناك ٢٠٠٠٠ ملاك عقاري كبير تقريبا من الذين يملكون أكثر من ٥٠٠ ديسياتين . وكان مجموع الأراضي التي يملكونها يساوي ٧٠ مليون دیسپاتين تقريبا . بينما كان ١٠ ملايين عائلة من الفلاحين الفقراء تقريبا لا يملكون في مجموعهم الا نفس المقدار .
ففي المعدل كان يقابل كل ملاك عقاري كبير ٢٢٠ عائلة من الفلاحين الفقراء . وكل عائلة فلاحية لم تكن تملك سوى ما يقارب 7 ديسياتين في حين أن كل ملاك كبير يملك ٢٤٠٠ ديسياتين .
وقد عبرنا عن هذا الوضع بالرسم الموضوع اعلاه . يمثل المستطيل الكبير الذي يتوسط الرسم أرض ملاك كبير ، وتمثل المربعات الصغيرة المحيطة به أملاك الفلاحين الصغار . هناك ٢٢٤ مربعا صغيرا ويعد المستطيل الكبير ٣٢٠ مربعا صغيرا .»
( لينين )
الطبقة العاملة عشية ثورة ۱۹۰٥ :
« تبعا لتطور البرجوازية، أي التطور الرأسمال، تتطور البروليتاريا، طبقة العمال العصريين الذين لا يعيشون الا اذا وجدوا عملا . ولا يجدونه الا اذا كان عملهم هذا ينمي رأس المال . وهؤلاء العمال المجبرون على بيع أنفسهم يوميا هم بضاعة، هم سلعة تجارية كغيرها، ترتد عليهم المزاحمة ويعانون من تقلبات السوق .» ( البيان الشيوعي )
لم تكن روسيا لتشذ عن هذه القاعدة فتراكم رأس المال وتطور الصناعة قد أنتجا بالضرورة : البروليتاريا .
تكونت هذه البروليتاريا من الفلاحين المعوزين ومن الاقنان المعتوقين الذين انتقلوا من حياتهم الريفية الوديعة إلى صخب المدينة الصناعية، من الحقول الهادئة إلى قوقعة المصانع ومن المحراث القديم إلى جهنم الآلات الجديدة . فقد اقتلعوا من حياتهم البسيطة الساذجة ورمي بهم في خضم حياة معقدة صاخبة فتعرضوا بذلك إلى الاغتراب والفقدان الكامل لانسانيتهم . وهو شيء لا مفر منه في ظل العالم البورجوازي المعقد . كما كان نصيبهم من الفقر والانحلال كذلك الذي أصاب رفاقهم في انجلترا والدول الغربية والذي وصفه انجلز بدقة واسهاب في كتابه « وضع الطبقة العاملة في انجلترا » ( وهو كتاب أساسي لفهم واقع العمال المركب ) نقتطف منه هذه الأسطر : –
« أن الصناعة الكبيرة خلقت الطبقة العاملة الحديثة كعنصر منزوع عن انسانيته، ومحطم جسديا ومنحل فكريا وأخلاقيا الى حد الحيوانية » .
وبالفعل كانت البروليتاريا الروسية الناشئة عرضة لأبشع وأقسى ظروف الاستغلال والقهر . ليست تملك أي وسيلة للذود عن حياتها والدفاع عن أبسط حقوقها في التنظيم والمطالبة بتحسين شروط عملها وحياتها الشاقة . فقد كانت تعاني معاناة شاملة وتكايد الظلم كل الظلم . وكانت أحسن تعبير عن الفقدان الكامل لانسانيتها، انها كانت تجسيما مكتملا للبروليتاريا التي هي « انحلال المجتمع » على حد تعبير ماركس .
وكان لهذا الانقلاب الجذري في حياة العمال الروس أثر كبير على نفوسهم لم يركنوا له وثاروا عليه بالأشكال البدائية المعروفة فحطموا الآلات التي رأوا فيها سبب تعاستهم وتشاجروا بعنف مع رؤسائهم في العمل بصفتهم المتسلطين عليهم مباشرة، وأتلفوا المنتوجات وأحرقوها . لقد غابت عن أنظارهم هذه القوى الخفية وهي رأس المال . كان لا بد لهذه الاشكال العلوية الأولى أن تتجاوز نفسها داخل حركة أوسع، تشمل عددا أكبر من العمال داخل حلبة الصراع التي لن تلبث أن تتضح معالمها فيصير الصدام شيئا فشيئا صراعا بين العمل ورأس المال، بين البرجوازية المستغلة وطبقة حفاري قبرها، البروليتاريا .
وهذا ما بدأ فعلا في روسيا أواخر القرن 19، وكانت فاتحة هذا الصراع الذي شرعت فيه البروليتاريا الروسية الاضراب العام الذي شل كل حركة في بيترسبورغ سنة ۱٨٩٦ . والذي شنه العمال ردا على شروط حياتهم التعيسة . فقد كانت أجورهم ضعيفة جدا وساعات العمل المضني تتراوح بين ١٣ و ١٤ و ١٥ ساعة يوميا .
وطالب العمال اثناء هذا الاضراب الجريء ڊ :-
- دفع أجور أيام التنويج1 .
- تخفيض ساعات العمل الى ١٠ في اليوم .
- زيادة الأجور .
يعتبر هذا الاضراب، في ظرف روسيا الاستبدادية انذاك، « ثورة صغيرة » فكان رد السلطة والطبقات الحاكمة في مستوى خوفهم ورعبهم وقوبل هذا التحدي بالقمع الوحشي والطرد والابعاد لأكثر العناصر التي لمعت اثناء هذا التحرك الأول وقضي على الاضراب بشراسة .
عرفت البروليتاريا « الهزيمة » ولكنها فتحت بهزيمتها هذه صفحات الصراع وبدأ عمال روسيا تمردهم على العبودية وشرعوا في ملحمة انعتاقهم .
بدأت الحركة وكان لا بد لها ان تتطور داخل جدلية التجاوز الستمر لكل التجارب السابقة مستوعبة الهزائم والانتصارات وهذا ما اثبته عمال بيترسبورغ حين أعادوا الكرة سنة ۱۸۹٧ محققين هذه المرة نصرا كبيرا تمثل في الحصول لهم ولكافة عمال روسيا، على تخفيض ساعات العمل الى ١١ ساعة ونصف الساعة في اليوم .
وتوالت الاضرابات بعد ذلك، وتطورت الحركة كما ونوعا فشملت المدن الصناعية الاخرى خاصة خلال الأزمة الاقتصادية التي أصابت البلاد سنة ۱۹۰۲. فقد أضرب عمال القوقاز وتظاهرت البروليتاريا في كل من باتوم ونيجني نوفغوود وسراتوف كما شن عمال سكك الحديد بروستوف اضرابا حازما سرعان ما تحول الى اضراب عام حيث تحرك عمال القطاعات الاخرى تضامنا معهم وانقلبت المدينة الى مسرح لاجتماعات عمالية كبيرة اكتشف خلالها العمال نوعا جديدا من الاتصال والتخاطب وتحولت هذه الاجتماعات الى منابر سياسية اقتلع فيها العمال حرية الاجتماع والتعبير .
ومرة أخرى تصدت السلطة والطبقات الحاكمة الى تحدي العمال وتصرفت معهم بقسوة شديدة وشراسة وحشية ودفع العمال مرة أخرى، ثمنا باهظا لحرية لم ينعموا بها طويلا .
لم يأت هذا التصدي الوحشي على تصميم الطبقة العاملة على مواصلة الصراع من جل أهدافها وتحقيق مطالبها العادلة . فقد تحطمت محاولات القضاء على الحركة على صخرة الاضرابات العنيفة التي شنها العمال ربيع ۱۹۰۳ والتي عمت كل من باكو، تيفليس، باطوم، أوديسا، كييف ونيقولاييف .
ولم تكن هذه الاضرابات ردا على شروط العمل السيئة والأجور التعيسة فحسب بل تطورت في أماكن عديدة إلى حركة تضامنية واسعة والى مظاهرات سياسية كبيرة كما حصل في كييف مثلا .
قرر عمال سكك الحديد بهذه المدينة الاضراب مطالبين بتحسين شروط العمل وبزيادة الأجور . وكان رد السلطة زيادة على القمع والاستخفاف بالمطالب ايقاف ممثلين من العمال . لكن أخفقت السلطة في تقديرها اذ وقف العمال صفا واحدا مطالبين باطلاق سراح رفاقهم معززين مطالبهم بالتجمع مع نسائهم وأطفالهم على خطوط السكة الحديدية مانعين القطارات من مغادرة المدينة . امام هذا الرد الحاسم وهذا التضامن القوي ردت السلطة باطلاق النار على العمال والنساء والأطفال متسببة في قتل أكثر من ٢٠ شخصا .
آثار هذا الحادث سخط الطبقة العاملة في كييف . وعبر العمال عن سخطهم بايقاف العمل وبتنظيم مظاهرات شعبية طاقت شوارع المدينة حاملة على الأكتاف جثث قتلى رأس المال المستبد . وعاشت المدينة جوا ثوريا تحولت فيه الى مسرح لاجتماعات شعبية كبيرة ولاصطدامات عنيفة بين العمال الساخطين والسلطة القاهرة .
هذا هو الجو العام الذي ساد جنوب روسيا في صيف ۱۹۰۳ . وقد وصفه مراسل جريدة الاسفوبودينيا2 بهذه الكلمة : « عناق اخوي . صيحات النشوة والحماس . اغاني الحرية وضحكات الفرح . هذا ما كان يسمع وسط الجماهير التي كانت تجوب شوارع المدينة من الصباح الى المساء . كانت المشاعر نبيلة وكنا نشعر أن حياة جديدة أفضل قد بدأت تشع على الأرض » .
انتبهت السلطة والطبقات الحاكمة إلى خطر هذه الحياة الجديدة عليها وانتبهت الى أن البروليتاريا هي التي تحمل بين احشائها هذا الجنين، فحاولت القضاء عليه بكل الوسائل، وبعد أن جربت العنف دون جدوى ألجأت الى محاولة احتواء الحركة والاشراف عليها بأن خلقت عن طريق البوليس والكهنة تنظيمات عمالية توجهها في الاتجاه الي تريده والمعاكس بالضرورة لمصالح العمال الطبقية .
لكن هذه المحاولات باءت بالفشل واكتشف العمال بسرعة حقيقتها والخيوط التي مقود دعاتها أمثال الشرطي زوباطوف3 . كما اكتشف العمال اثناء الاضرابات تنظيمات عفوية خاصة بهم كصناديق الاضراب ولجان الاضراب المنتخبة والتعاونيات العمالية وقاموا بمحاولات لخلق النقابات الى غير ذلك من أشكال التنظيم العفوية والتي فرضتها الحركة نفسها بقوة واستماتة خاضت البروليتاريا الروسية نضالاتها الأولى ودخلت طريق الصراع العنيف، طريق الصراع الطبقي وما يخفي من الهزائم المؤقتة والتضحيات الكبيرة من أجل الخلاص .
الوضع السياسي قبل اندلاع الثورة
لقد أصيبت الطبقات الحاكمة بالقلق والتردد أمام هذه التحركات العمالية المتعددة وتصاعد الاضطرابات وقد تمثل هذا التردد في مواقف متضاربة . لقد كان بليف Plheve وزير الداخلية الرجعي يرى ان حل الأزمة لا يمكن أن يكون الا خارجيا وكان يردد دوما : « أن حربا صغيرة ظافرة يمكن أن توقف المد الثوري »، في حين أن فيت Witte رئيس الوزراء وباعث النهضة الصناعية وتطور وسائل النقل كان من أنصار سياسة خارجية حذرة .
لكن القيصر نيقولا الثاني سلك مع اليابان حول مسألة منشوريا سياسة متهورة ادت الى هجوم الاسطول الياباني على بور أرثر يوم ٨ فبراير ١٩٠٤ دون اعلان الحرب والى تدمير قسم كبير من الاسطول الروسي .
وجدت السلطة في هذا الهجوم مناسبة للقيام باستعراضات « وطنية » نظمتها لاستهواء العمال وتوجيههم نحو الشوفينية والدفاع عن الوطن المهدد . كان القيصر يعتقد انه سيتمكن من النصر بسهولة ويستعيد بذلك هيبة النظام المفقودة .
لكن خلافا لما كان يتوقع جرت الرياح بما لا تشتهي سفنه . ففي ٢٧ مايو في عرض جزر تسو – شيما، تمكن الاميرال توجو Togo من تدمير العديد من وحدات الاسطول الروسي ولم يبق للروس بعد هذه الهزيمة، أي أمل في السيطرة على البحر، وبالتالي على النصر، خاصة وان الجيش قد هزم كذلك في معركتي موكدن وشا – هو Cha-Ho .
ارغمت روسيا بعد هذه الهزائم على التفاوض ووقعت في ٥ سبتمبر ١٩٠٥ معاهدة بورتسماوث Portsmouth التي مكنت اليابان من السيطرة على القسم الجنوبي لجزيرة سكالين وعلى بور أرثر التي أصبحت قاعدة بحرية يابانية .
الثورة :
غيرت النهضة الصناعية وجه سان بيترسبورغ وجعلت منها مدينة صناعية كبيرة ومركزا عماليا من أهم المراكز الروسية . وقد ساعدت هذه المركزة الكبيرة على تجمع العمال واحتكاكهم ببعضهم بعضا في أماكن العمل ( مصانع بوتيلوف مثلا كانت تعد حوالي ۱۲۰۰۰۰ عامل ) وفي أحياء السكن . كما ساعدت على تقوية شعورهم بالانتماء الى طبقة واحدة .
فالطبقة العاملة في بيترسبورغ هي التي فتحت سجل الصراع باضرابات ۱۸۹٦-۱۸۹۷ وحملت مشعل النضال منذ بدايته وتعرضت للقمع وأشتي أساليب العنف .
وأمام تطور الحركة وخوفا من تجذرها لجأ الحكم الى أسلوب القمع الخفي فأنشأ المنظمات « الشرعية » لاحتوائها وتحريف خط سيرها . وعهدت السلطة بهذة المهمة الى الكاهن جابون حتى تتمكن من ذر الرماد على العيون بطريقة ناجعة، خاصة وان الشرطي زوباتوف قد افتضح أمره في موسكو وفشلت محاولته المماثلة .
تمكن جابون من القيام بمهمته بنجاح نسبي اذ استهوى العديد من العمال ونظمهم في فصائل عمالية، بلغ عددها سنة ١٩٠٤ ۱۱ فصيلة .
وفي شهر ديسمبر ١٩٠٤ قام عمال بوتيلوف بأول عمل شرعي تمثل في كراس مطالب حرروه مع جابون وقدموه الى ادارة المصانع، فكان جواب الادارة طرد عاملين ينتميان إلى الحركة الجابونية وتجاهل ما جاء في الكراس .
وهكذا باءت أول حركة « شرعية » بالفشل وخابت امال العمال في الوصول إلى مطالبهم بطريقة سلمية، ولم يبق أمامهم الا العنف للرد على عنف مستغليهم …
وقد تمثل ردهم على تعسف الادارة في اللجوء الى الاضراب لارغامها على ارجاع الرفيقين المطرودين .
كانت بقية الفصائل الجابونية تتبع عن كتب تحركات عمال بوتيلوف شاعرة بأهمية الحركة وواعية بأن نجاحها سيكون له اثر كبير على مصيرهم وعلى النضالات المقبلة . وما أن علمت باضرابهم حتى تحركت تضامنا معهم كما قرر عمال القطاعات الأخرى الاضراب . لم يكن في وسع جابون الا الموافقة على الحركة وأصبح الاضراب عاما في بيترسبورع .
خلافا لما كان يتوقعه جابون، انساقت الحركة في منطق التجاوز المستمر وتخطت الحدود « القانونية » التي رسمها لها قائدها الذي أصبح يسير تحت رايتها . لم يقف العمال عند الاضراب بل قرروا السير في مظاهرة كبيرة نحو قصر الشتاء وتقديم عريضة للقيصر . وعهد العمال بتحرير العريضة الى جابون ففعل، ونوقشت مسودتها في اجتماعات متعددة تدخل العمال اثناءها وضبطوا الصيغة النهائية للعريضة واتفقوا على أن تكون المسيرة يوم الأحد ۲۲ يناير ۱۹۰٥ . وكتب جابون الى القيصر يعلمه بقرار العمال ويطمئنه . كما تعهد بضمان سلامته اذا هو ظهر أمام الشعب .
العريضة :
لقد نوقشت العريضة وادخلت عليها تغييرات واضيفت لها مطالب لم يذكرها جابون في مسودته . وينسب فولين Voline هذه التغييرات الجذرية على نص العريضة الأول الى العمال الذين كانوا يترددون على حلقات الاشتراكية -الديمقراطية وعلى حلقات الفوضويين . وحتى بعد التغييرات بقيت العريضة في جملتها بسيطة، ساذجة، تشرح ظروف العمل الصعبة وشروط الحياة العمالية البائسة وتطلب من القيصر التدخل لتغييرها والاقتصاص لهم من أعرافهم ومن موظفي الدولة .
وتبدأ العريضة بهذه الكلمات :
« نحن عمال ومواطني بيترسبورغ، نلوذ بك . فنحن عبيد اشقياء . اذلاء اضنكنا القهر والاستبداد . وحين بلغ صبرنا حده أوقفنا العمل وطلبنا من أعرافنا أن يمنحونا القليل الذي بدونه تنقلب الحياة الى جحيم وعذاب . ولكن هذا أنكر علينا وأدعى أصحاب المصانع انه مخالف للقانون . فنحن الاف مؤلفة محرومون من جميع الحقوق الانسانية، شأن عامة شعب روسيا التعيس، استرقأنا موظفوك واستعبدنا الأعراف ».
وتنتهي بهذا التضرع :
« يا صاحب الجلالة ! لا ترفض اعانة شعبك، ازج الحائط الذي يفصل بينك وبينه، حقق مطالبنا . اقسم على ذلك فتصير روسيا سعيدة . والا فاننا مستعدون للموت هنا لاننا لا نملك سوى واحد من اثنين : اما الحرية والسعادة واما الموت ».
وشملت العريضة المطالب التالية :
- حرية الفكر والتعبير والصحافة .
- حق العمال في التنظيم المستقل وحقهم في الاضراب .
- اجرة « معقولة » وقانونية .
- دعوة مجلس تأسيسي ينتخب بالاقتراع العام .
- تسليم الأراضي تدريجيا الى الشعب .
لم يدرك العمال أن مطالبهم هذه اليست سوى دعوة الى الانتحار يقدمونها الي القيصر، وانها اذا تحققت سترمي بالنظام في مزبلة التاريخ . ما زالت الاسطورة القيصرية القائلة أن القيصر هو أبو الشعب مسيطرة على العقول وهذا ما يفسر التضارب الموجود بين ما جاء في العريضة والواقع الحقيقي للحكم .
لم يدرك العمال بعد هذا الواقع وكان لا بد من تجربة عملية لتصيره ملموسا وكانت هذه العريضة هي فاتحة هذه التجربة التاريخية الضرورية .
المسيرة : الأحد الدامي
يوم الأحد ٢٢ يناير، في الصباح الباكر، بدأت جموع العمال تتوافد من الاحياء الشعبية تحو وسط المدينة . وما راع هؤلاء العمال المسالمين الا وجود الجيش على كل الجسور وفي كل الشوارع المؤدية الى قصر الشتاء وقد كانوا في حالة استعداد تام للصدام والتفريق الجموع . وبعد عناء ومشقة كبيرين تشكلت المظاهرة وسارت نحو القصر تتقدمها الايقونات ويقودها جابون، وما أن اقتربت من قصر القيصر حتى حمل الجنود والكوزاك على العمال وأطلقوا نيران أسلحتهم على الشعب الاعزل محدثين الموت والفزع . تفرقت المظاهرة تاركة وراءها حسب تقارير البوليس الف قتيل وضعفها من الجرحي .
لم يظهر القيصر، بطبيعة الحال، وعوض أن يزيح الحائط الذي يفصله عن « شعبه » طلاء بدماء العمال فصار أكثر وضوحاً وظهرت حقيقته عارية . انقرضت الاسطورة واختفى دعاتها وعلى رأسهم جابون الذي فر تاركا وراءه البروليتاريا وقد أعلنت على مواصلة النضال، نضالها هي، واعية أن لا أحد يمكن أن يحل محلها .
نحو تاسيس سوفيات بيترسبورغ
أدت المظاهرة والمجزرة التي تلتها الى اندلاع حركة عمالية كبيرة شملت كل المراكز الصناعية الروسية . تعددت الاضرابات وعمت روسيا موجة من الأحداث الثورية توجت بعد عدة أشهر بنشأة السوفياتات . وقبل البحث في السوفياتات وخاصة سوفيات بيترسبورغ لا بد من تتبع الحركة التي سبقت نشأته ومن ذكر أبرز الأحداث ولو باختصار لأنها تحتوي على عناصر ساعدت على ظهوره :
- آخر يناير : موجة من الاضرابات السياسية تجتاح الامبراطورية وتعم كل المدن الصناعية ردا على ما وقع في بيترسبورغ .
- مايو : اضرابات في كل من موسكو – تولا – ايفانوفو – القوقاز … الخ بمناسبة عيد الشغالين .
- مايو – يونيو : اضراب ۷۰۰۰۰ عامل من عمال النسيج في ايفانوفو، اجتماعات عمالية وانتخاب مجلس مندوبي العمال في المدينة .
- ۹ – ۱۱ يونيو : اضراب سياسي في لودز واصطدام العمال مع السلطة، دام ٣ ايام .
- ١٣ يونيو : اضراب سياسي في اوديسا – صدام مع السلطة ومتاريس في الشوارع .
- ١٤ يونيو : انتفاضة المدرعة بوتمكين .
- يوليو : اضراب عام في كوستروما . انتخاب مجلس عمالي وتكوين ميليشيا شعبية في المدينة .
- يوليو – أغسطس : اضراب عام للعمال الزراعيين في لتونيا .
- ٣١ يوليو : تكوين « اتحاد الفلاحين ».
- ١ أغسطس : بيان القيصر وعزمه على دعوة دوما الامبراطورية ( بالاقتراع المحدود وتمييز كبار الملاكين والبرجوازية الكبيرة ).
- اخر أغسطس : عزم العمال على مقاطعة الدوما في كل من بيترسبورغ، موسكو، فورونيج … الخ .
- ۲٣ أغسطس : نهاية الحرب مع اليابان .
- سبتمبر : اضراب عمال الطباعة والتبغ والخبازين في موسكو .
- سبتمبر – اكتوبر : اجتماعات عمالية جماهيرية وصدام مع السلطة في بيترسبورغ .
لم تكن هذه الأحداث مظاهرة منفصلة عن بعضها بعضا لا يربطها أي قانون بل كانت حصيلة سنوات من النضال داخل بروتسيس ثوري تتفاعل عناصره تفاعلا كاملا ويخضع لديالتيك الحركة .
انطلقت الحركة الاخيرة من نقطة بداية تكاد تكون واهية ( طرد عاملين ) لتنقلب الى حركة ثورية عانية هزت أركان المجتمع الروسي القديم . لم يكن لها مخطط مسبق وفقدت « قائدها » بعد أول صدام لكنها واصلت طريقها حسب قوانينها وأشكالها الخاصة .
أدت هذه الحوادث الى تحول عميق في مفاهيم الممارسة الثورية بدخول ملايين العمال في الحركة ووصولهم الى الوعي السياسي، لا عن طريق الورقات « الثورية » والأوصياء بل من الحركة الحية وداخل النضال الملموس والصراع الدائم .
وكان الاضراب العام هو المصهر الذي قلب عمال روسيا « الناعسة » الى ثوريين يخوضون نضالاتهم بقوة واستماتة لم يكن في حسبان الثوريين المحترفين الذين فوجئوا به ولا في رزنامة الطبقات الحاكمة التي ارتعدت من الرعب الذي أدخله العمال على قلوبها . كان المعدل السنوي للعمال المضربين في روسيا خلال العشرة أعوام التي سبقت الثورة ٤٣٠٠٠ مضرب أي ٤٣٠۰۰۰ لجملة الفترة وفي شهر يناير بلغ عدد المضربين ٤٤٠٠٠٠ .
لم تكن هذه الاضرابات كالتي كانت تقع في أوروبا والتي يقررها مركز قيادة يوجهها الوجهة التي يرسمها لها مسبقا على علم من السلطة والاعراف الشيء الذي يفقدها كل قوة وكل تأثير .
كانت الاضرابات في روسيا ١٩٠٥ تحركا عفويا شاملا ومتجددا وكانت في نفس الوقت اضرابات اقتصادية وسياسية أي ثورية .
لم توجد في روسيا نقابات بيروقراطية يمكن أن توقف الحركة أو تحتويها . فكان أن أمسك العمال وحدهم بزمام الامور وباشروا بأنفسهم جماعيا مسؤولية
تقرير مهامهم وتنفيذها . لقد تحققت في هذه الاضرابات شروط النجاح والتجذر والتي تمثلت في :
- مشاركة أكبر عدد ممكن من العمال فيها .
- صمود المضربين، رغم كل الصعاب ومواصلتهم الاضراب والسير به الى أقصى حد ممكن .
- استقلال الحركة عن الأجهزة .
- تجاوز أرضية الصراع الاقتصادي .
كل هذه الشروط المتوفرة جعلت من الاضرابات اضرابات تتطور الى حركة عمالية ثورية واسعة، دائمة التجاوز متجددة المهام . كانت البروليتاريا – وقد أصبحت ثورية – هي العنصر المحرك، ارتقت بسرعة فائقة الى مستوى مهامها في ذلك الوقت فتدخلت كل مرة تدخلا شاملا حازما .
Puttkamer بوتكامر : « كل اضراب يحوي هدرة الثورة » .
كتبت روزا لكسمبورغ بصدد هذا الاضراب العام في كتابها المخصص له تقول :
« كانت هذه الاضرابات سياسية واقتصادية تارة في شكل حركة جماهيرية عامة وطورا جزئية محدودة اضرابات نضالية، صدام عنيف مع السلطة، متاريس ومعارك في الشوارع . كل هذه الظواهر تختلط، تتمازج في بحر دائم الحركة والتجدد . كان الاضراب العام هو محركها الأكثر قوة والشكل المواتي لتحرك الجماهير العمالية وصيغة نضالها الثوري » .
كان الاضراب العام هو أول ابداع لعمال روسيا وصيغة المواجهة التي لجئوا اليها في صراعهم ضد رأس المال وضد النظام . وكان هذا الاضراب يحوي ككل اضراب جذري « هدرة الثورة » على حد تعبير وزير رجعي بروسي4 .
تطور الاضراب وأصبح حركة ثورية طرحت على البروليتاريا مهام جديدة منها ضرورة تنظيم ثوري عمالي لمواصلة النضال وتنسيق العمل المشترك . لم يكن للعمال تنظيمات مسبقة ولا قيادة بل كانت حركتهم عفوية، مستقلة أملتها الظروف التي يعيشونها ومن هنا وجب عليهم، بحكم تصاعد الحركة، خلق تنظيم جديد ينبثق من أرضية الصراع القائم .
لقد وجد العمال أثناء الاضرابات أشكالا متعددة لمواصلة النضال ففي ايفانوفو تم انتخاب مجلس مفوضي العمال لتسيير الاضراب والاشراف على الحركة . وقد ضم هذا المجلس ٢٥ عضوا من بينهم عدة نساء . وفي شهر يوليو ١٩٠٥ انتخب عمال كوستروما المضربين مجلسا عماليا كما نظموا ميلشيا شعبية، أما في الحالات الأخرى فقد تم في أغلب الأحيان، انتخاب لجان اضراب للتنسيق بين المضربين والاشراف على صندوق الاضراب والتعاونيات العمالية التي ظهرت لمواجهة المشاكل اليومية كالأكل واللباس …. الخ .
كل هذه المجالس واللجان كانت تظهر مع اندلاع الاضرابات ويتم انتخابها من طرف العمال المجتمعين في أماكن العمل وكانت مهامها تنحصر في تنفيذ القرارات التي يتخذها المضربون.
كان لهذه الاجتماعات أثر كبير على تطور الحركة . فقد مكنت العمال من الدخول في بروتسيس ثوري قضى على الجمود داخل الطبقة العاملة وحرر مواهب العمال من عقال العمل الاجباري .
لقد انقلب كل عامل داخل هذه الحركة الشاملة، الى عضو ناشط يناقش ويقرر داخل جو ديموقراطي، ينتخب ممثليه ويراقب نشاطهم ويحاسبهم على أعمالهم وبذلك فهو الذي ينفذ . كل هذه الأشكال والأساليب العملية : الانتخاب المباشر . مراقبة المنتخبين . وامكانية عزلهم . كانت ضمانات كافية تمكن العامل من المشاركة الحقيقية في التنظيمات التي بعثها للوجود عن طريق الانتخاب .
ظهور مجلس سوفيات مندوبي العمال بسان بیترسبورغ
في أواخر شهر سبتمبر كانت الحركة تسير نحو أوجها . فالتطور المطرد جعل البروليتاريا واقعا حيا وقوة جبارة أثبتت قدرتها على تسيير نضالها ومواجهة مهامها وتشكلت بذلك كطبقة محركة للثورة واعية مسؤوليتها التاريخية ومستقلة بذاتها .
لم تكن الحركة تحت قيادة أقلية « واعية » بل كانت تقوم بها الأكثرية الساحقة لمصلحة الأكثرية الساحقة ولكن العدد لا يصبح، كما يقول ماركس، « ثقلا في الميزان وعنصر نجاح الا اذا توحد العمال في منظمة وساروا نحو هدف واع ».
كان هذا التنظيم هو المهمة الملحة والضرورية لتوحيد العمل وتنسيق النشاط .
ففي ١٩ سبتمبر قرر عمال مطبعة ستين بموسكو الاضراب وصادقوا على لائحة تطلب منهم انشاء مجلس عمالي . لم تمض أيام قلائل على هذا القرار حتى انضم كل من عمال التجارة والميكانيك والتبغ إلى عمال ستين وتم تشكيل : المجلس العام لعمال موسكو .
كانت هذه المبادرة التي قام بها عمال موسكو حافزا جديدا على تطور الحركة . أن تحرك الجماهير العمالية في روسيا ١٩٠٥ لم يكن خاضعا لوصفة دعائية معينة بل كان أساسه الحقيقي هو الحركة الدائمة المتصلة اتصالا وثيقا بالأحداث يثيرها وينطلق منها . فما أن علمت جماهير سان بيترسبورغ بمبادرة عمال موسكو حتى تحركت .
- ٢٠ سبتمبر : اجتماعات شعبية كبيرة في المدارس العليا وجامعات العاصمة .
- ٣ اکتوبر : قرر عمال الطباعة الاضراب تضامنا مع رفاقهم في موسكو .
- ۱۲ اکتوبر : دخل عمان سكك الحديد الحركة الاضرابية واستعملوا تنقلاتهم الأخيرة الدعاية والاعلام حول ما وقع ويقع في موسكو وسان بيترسبورغ وهكذا اجتاحت البلاد موجة من الاضرابات .
منذ البداية اتخذت هذه الاضرابات طابعا سياسيا وطرحت المطالب الآتية :
- الحريات الفردية .
- الدستور .
- العفو عن المساجين السياسين .
وكان المطلب الرئيسي والأكثر ورودا هو المجلس التأسيسي .
وهنا لا بد أن نلاحظ أن كل هذه المطالب، هي في حد ذاتها من مطالب ومهام الثورة البرجوازية .
ان البرجوازية الروسية التي كان يجب عليها أن تشارك في الثورة وتقودها من أجل مصالحها الطبقية قد تخلت عن مهامها . كانت تريد الثورة – ثورتها – كما هو طبيعي أن تريدها لكنها خافت أن تدفع هي ثمنها . خاصة وأن المبادرة كانت بين أيدي البروليتاريا . كانت البرجوازية تتبع قلقة تحرك العمال وعدلت عن أي مبادرة ثورية لأنها كانت ترى وراء ثورتها في ذلك الحين شبح ثورة أخرى موجهة ضدها .
أثبتت موجة الاضرابات الأخيرة أن الطبقة العاملة هي المحرك الأساسي للثورة، وحققت بعضا من تصريح بليخانوف في المؤتمر الاشتراكي المنعقد في لندن سنة ١٨٩٥ : « ان الحركة الثورية في روسيا ستنتصر كحركة عمالية أو لا تنتصر ».
تطورت الحركة كما وكيفا إلى حد أنه صار من مهام الساعة توفير عنصر النجاح والمتمثل في خلق مركز مشترك للنضال القائم . كان وعي العمال بضرورة تكوين هذا المركز كبيرا، وقد كانت التصريحات الصادرة عنهم تشير إلى هذه الضرورة كما يظهر ذلك في تصريح عمال الطباعة مثلا :
« أخذا بعين الاعتبار أن الصراع السلبي في حد ذاته غير كاف وأن الاضراب هو حد أدنى من النضال تقرر :
أنه يجب تحويل فرق الطبقة العاملة إلى جيش ثوري، يعني تنظيم فرق مصادمة في الحال .
أن تهتم هذه الفرق بتسليح جماهير العمال وان لزم الأمر تهب مصانع ومتاجر الأسلحة وانتزاعها من البوليس والجيش كلما أمكن ذلك ».
اما عمال مصانع أوبوخوف فقد عبروا عن عزمهم على مواصلة النضال بكل ما أوتوا من قوة « حتى يتم تأسيس الجمهورية الديموقراطية في روسيا » .
حرصا على القيام بخطوة عملية في هذا الاتجاه انعقد اجتماع يوم ۱۳ اكتوبر في معهد التكنولوجيا بسان بيترسبورغ حضره حوالي ٤٠ مندوبا عماليا . تم خلال هذه الجلسة التي رأسها المنشفي زبورفسكي درس التطورات الأخيرة للحركة والمهام الملحة الملقاة على عاتق البروليتاريا وكانت النتيجة ان حرر الحاضرون نداء5 الى الطبقة العاملة ينادون فيه كل العمال الى انتخاب مندوبين عنهم ويحددون كمهمة أولى للمجلس الذي سيتكون من مجموع مندوبي تسيير الاضراب .
كانت هذه الجلسة وهذا النداء نقطة تحول كبير في الحركة ففي الايام القليلة التي ثلث سارع العمال في كل مصنع إلى انتخاب مندوبيهم وارسالهم إلى مجلس المندوبين .
١٤ اکتوبر : افتتحت الجلسة الثانية وكان عدد الحاضرين من المفوضين قد ارتفع الى ٩٠ يمثلون ٤٠ مؤسسة من أكبر مؤسسات المدينة .
۱٥ اکتوبر : افتتاح الجلسة الثالثة وقد ضمت ٣٢٦ مندوبا عن ٩٦ مصنع وقد صادق الحاضرون على لائحة تطلب بالسماح للأحزاب الاشتراكية الثلاثة : المنشفي – البلشفي – والاشتراكي الثوري – بحضور الجلسات . وقد تقرر أن يكون لكل حزب ثلاثة مندوبين .
أصيبت الطبقات الحاكمة والسلطة بالرعب أمام هذا الابداع الجديد الذي أدركت فورا خطورته وسعت الى اجهاضه قبل أن يصبح قوة يصعب القضاء عليها .
في ١٤ أكتوبر أصدر تريبوف الحاكم العسكري لسان بيترسبورغ مرسوما الى الجيش جاء فيه :
« لا تطلقوا بالفراغ ولا تقتصدوا في الخراطيش ».
لكن رد العمال على هذا المرسوم كان التحدي والتصميم على المضي قدما .
في ١٥ اكتوبر حاول تريبوف أن يقضي على الحركة بطريقة أخرى وهي أن تخرج الجماهير التي كانت تجتمع في المدارس العليا لما تتمتع به من حصانة . وصرح أنه نظرا لان « هنالك في أوساط الشعب حاجة ماسة للتجمع » فهو يضع تحت تصرف العمال ثلاثة مباني عمومية لاجتماعاتهم .
لم تنطل هذه الحيلة على العمال ورد السوفيات عليها بقوة :
« اننا نعلن مواصلة اجتماعاتنا في الجامعات وفي المصانع وفي الشوارع وفي كل مكان يتفق لنا فيه الاجتماع ».
وفي اليوم التالي عين السوفيات وفدا وكلفه بالتدخل أمام الدوما البلدية لتقديم المطالب الآتية :
- اتخاذ تدابير عاجلة لتموين العمال المضربين .
- السماح للجماهير بالاجتماع وفتح المحلات اللازمة لذلك .
- حرمان الشرطة والدرك من المؤن والمحلات والاموال .
- تخصيص المصاريف اللازمة لتسليح بروليتاريا سان بيترسبورغ التي تناضل من أجل الحرية .
لم تكن للسوفيات اية أوهام حول طبيعة هذه الدوما ولا حول الأشخاص الحاضرين فيها ولكنه عمد الى ذلك وغايته الوحيدة هي الدعاية لهذه المطالب وتحريض العمال واثارتهم .
۱۷ اکتوبر : يوم حاسم في حياة السوفيات
بدأ السوفيات، ولم تمض على ظهوره أيام ثلاثة يأخذ شكل المركز الذي تدور حوله الثورة . هذه الثورة التي وحدها . فقد انضمت له كل لجان الاضراب والتفت حوله النقابات ودخلت تحت حمايته تنظيمات عديدة . وأصبح السوفيات كما يقول تروتسكي : « البروليتاريا منظمة خلافا للأحزاب ( الاشتراكية ) التي هي تنظيمات داخل البروليتاريا » .
لم تعد الثورة شبحا يؤرق الطبقة الحاكمة بل أصبحت قوة مادية، لبؤة تتوثب .
أمام هذه القوة الصاعدة ردت السلطة المرتعشة باحتلال المدينة وأمرت جيش تريبوف بتفريق جلسة السوفيات .
تمكن السوفيات من مواصلة الجلسة في مكان آخر وقرر :
- مواصلة الاضراب .
- حث العمال على عدم دفع الايجار وثمن السلع مدة الاضراب .
أما أهم قرار فهو تمكين السوفيات من لجنة تنفيذية للاشراف على سير اشغال المجلس وتنفيذ القرارات المصادق عليها . ان التطور السريع الذي اتسمت به الأحداث الأخيرة، كان يتطلب من المجلس اتخاذ قرارات عاجلة، ومن هنا ظهرت ضرورة اللجنة التنفيذية التي عهد لها باتخاذ القرارات الفورية ثم طرحها على مجموع المجلس للمصادقة عليها .
وهكذا أخذ السوفيات شكله النهائي تدريجيا مكان تكوينه أخيرا كما يلي :
الجمعية العمومية :
وتضم كل المفوضين وعددهم ٥٦٢ يمثلون ١٤٧ مصنعا ومؤسسة، ٣٤ حرفة و ١٦ نقابة . كانت جميع الحرف والمهن ممثلة . لكن أغلبية المفوضين (٣٥١) كانوا يمثلون الصناعات الثقيلة .
اللجنة التنفيذية :
وتقسم ٣۱ عضوا، ۲۲ مندوبا عماليا يتمتعون بحق التصويت والتقرير و ٩ أعضاء يتمتعون برأي استشاري فقط . وهم ممثلو الأحزاب الاشتراكية .
الرئيس :
يختار من بين المندوبين في اللجنة التنفيذية لتسيير الاشغال . أهم الذين تعاقبوا على هذا المركز : كروستاليف نوسار، بارفوس، وتروتسكي .
وقد وجدت في بعض السوفياتات الأخرى هيئات ولجان مختصة بمهام معينة كالاشراف على صندوق الاضراب والمسائل العسكرية … الخ .
وفي ١٧ أكتوبر أيضا تم الاتفاق على تسمية السوفيات ب :
سوفيات مندوبي العمال
وعلى تمكينه من جريدته الخاصة حتى تتم لم مخاطبة العمال بصفة منتظمة، وظهر العدد الأول يحمل اسم :
اخبار سوفيات مندوبي العمال
وفي نفس اليوم أصدر القيصر بيانا يعلن فيه عزمه على منح الدستور ويعد باقرار :
- كل الحريات المدنية .
- حق الدوما في التشريع .
- توسيع حق الانتخاب .
كانت كل هذه الوعود محاولة أخرى من محاولات الحكم لضرب الحركة المتصاعدة والقضاء على الثورة قبل استفحالها . لكن هذه الحيلة لم تنطل على السوفيات الذي قابلها بالتحدي، طارحا مطالب جذرية يعصر على القيصر الوعد بها . ففي ۱۸ أکتوبر صادق السوفيات على لائحة نشرت في الجريدة، وتقول بالخصوص :
« ان البروليتاريا الثورية لن تتخلى عن النضال ما لم يتمتع الشعب الروسي بحقوق سياسية ذات قواعد متينة . ما لم توجد الجمهورية الديمقراطية التي تمثل الطريق الملائمة لتوسيع صراع الطبقة العاملة من اجل الاشتراكية » .
نشاط السوفيات
كان السوفيات يستمد قوته أولا وبالذات من كونه التنظيم الأكثر تمثيلا للطبقة العاملة . فقد رأى فيه العمال المكان الوحيد الدي يقررون فيه هم وحدهم كل شيء . ويمارسون فيه سلطتهم . فقد كان السوفيات من ابداعهم اثناء النضال فجاء تعبيرا منظما عن ارادتهم كطبقة ثورية مناضلة تقوم بـ « حركة واعية لذاتها وتستقل بها الأكثرية الساحقة لمصلحة الاكثرية الساحقة » .
فرضت الحركة ظهور السوفيات كما املت عليه الأحداث مهامه وحددت نشاطه .
فأول مهمة حددها لنفسه، والتي جاءت في النداء الأول، هي توحيد قيادة الحركة وتسيير الاضراب . كانت هذه المهمة عاجلة وضرورية ومع تطور الأحداث ظهرت مهام جديدة اكسبت السوفيات قوة كبيرة وحولته الى مركز الثورة القائمة والى محور تدور حوله الأحداث .
فقد تمكن شيئا فشيئا من توحيد الصراع الاقتصادي، أي ضد الاعراف، والصراع السياسي، أي ضد السلطة القائمة والمجتمع الذي ترتكز عليه .
فكان بذلك اداة دفاع وهجوم : الدفاع عن حقوق العمال والهجوم على المجتمع القائم لتحطيمه .
في ۱۸ اكتوبر كان الجو العام تغلب عليه الحيرة والتردد وذلك لان بيان القيصر، رغم موقف السوفيات الصريح، قد احدث الشك والأوهام في النفوس . فقد فهمه الكثير على انه استسلام وتراجع من القيصر أمام الثورة ما دام يعد بتحقيق مطالبها واحدث كل هذا تشوشا في صفوف البروليتاريا . وامام خطورة الوضع كان على السوفيات ان يتدخل لشرح الوضع بكل وضوح وليضمن للحركة قوتها ونجاحها .
خرجت الجماهير العمالية الى الشوارع سعيا للاستفسار وفهم ما حصل وتجمعت امام الجامعة تنتظر أعضاء السوفيات لتتلقى تعليماتهم .
تكلم العديد من الخطباء الذين شرحوا الموضع مبينين الأهداف التي يسعى اليها القيصر ببيانه وكان تروتسكي من بين الذين اخذوا الكلمة وألقى خطابا نقله فيما بعد في كتابه : ۱۹۰٥ ، نقتطف منه هذه الفقرات :
« ايها المواطنون ! الان وقد وضعنا ارجلنا على صدر قطاع الطرق الذين يحكموننا ها هم يعدوننا بالحرية ( ٠٠٠ ) اننا بنضالنا قد أرغمنا السفاح المتربع على العرش على الوعد بالحرية . فما معنى هذا الانتصار بالنسبة لنا ؟ لا تفخروا بهذا النصر، انه منقوص . ان الوعد بالدفع لا يساوي قطعة نقد واحدة . هل تعتقدون أن الوعد بالحرية يعني الحرية ؟ انظروا فيما حولكم، هل تغير شيء ؟ هل فتحت أبواب السجون ؟ هل ان معقل بييروبول6 لم يعد شامخا يشرف على العاصمة ؟ هل عاد اخواننا الموجودون في مجاهل قفار سيبيريا الى ديارهم ؟ .
الجموع تصيح : العفو ! العفو ! العفو !
(۰۰۰) ايها المواطنون ! فلنطالب باقصاء الجيش عن سان بيترسبورغ فورا . ان المواطنين الأحرار يتكفلون وحدهم بالسهر على الأمن . فالشعب يضع الجميع وكل واحد تحت حمايته .
الجموع تصيح : ابعدوا الجيش عن سان بيترسبورغ .
( ٠٠٠ ) ايها المواطنون : ان قوتنا تكمن فينا نحن . فلتشهر سيوفنا دفاعا عن الحرية . اما بيان القيصر فهو كما ترون ( يمسك تروتسكي بالورقة ) خرقة، أعطوها لنا اليوم ليأخذوها غدا ويمزقونها كما أمزق أمامكم الآن ورقة الحرية ! …»
أنهى كل الخطباء كلامهم بدعوة الجماهير الى التجمع، في الساعة الرابعة، أمام كاتدرائية كازان والتوجه بعد ذلك، الى السجون للمطالبة بالعفو .
في الموعد المحدد كانت الساحة تعج بالاف المتظاهرين . عين السوفيات ثلاثة من أعضائه لقيادة المظاهرة، وانضم باقي الأعضاء الى الجماهير التي كانت تصيح : « العفو ! الى السجون ! » رافعة الرايات الحمراء .
وما ان اقترب المتظاهرون من أول سجن حتى علموا أنه محاصر بالجيش وان أوامر حازمة قد صدرت لمنعهم من الاقتراب .
بعد مشاورات سريعة قرر أعضاء السوفيات تفريق المظاهرة لتلافي صدام محتمل تسعى اليه السلطة لضرب الحركة نهائيا، لكنهم دعوا الجماهير الى اليقظة الدائمة طالما لم يدخل قرار العفو حيز التطبيق .
في ۲۲ اكتوبر نشرت الحكومة مرسوم العقو .
تحول السوفيات الى سلطة عمالية تتصرف تصرفا مستقلا . ففي ۱۹ اکتوبر أصدر السوفيات مرسوما أقر حرية الصحافة وطالب دور النشر والصحف يتجاوز الرقابة وتجاهلها وذلك في نداء يقول فيه : « ان السوفيات قرر منع كل الجرائد التي تعرض نفسها على لجنة الرقابة وان عمال الطباعة لن يستأنفوا العمل الا اذا أثبت المحررون عزمهم على جعل حرية الصحافة أمرا واقعا . أن الجرائد التي تخالف هذه القرارات سيتم حجزها وتحطيم مطابعها » . وطالب كذلك بكتابة عبارة « طبعة غير مراقبة » على كل الصحف التي تظهر .
أحرز هذا القرار نجاحا كبيرا الى درجة أن الجرائد البورجوازية نفسها لجأت الى السوفيات طالبة السماح لها في الظهور وقدمت تعهدات كتابية بعدم احترام الرقابة .
في ٢٢ أكتوبر صدرت الجرائد الروسية، لأول مرة في تاريخها، متحررة من عقال الرقابة اللعينة . عرفت الصحف، خلال هذه الفترة، ازدهارا كبيرا وحققت الجرائد الثورية خاصة نجاحا لم يسبق له مثيل . فقد تحولت الورقات المنشفية والبلشفية والاشتراكية الثورية الى جرائد تصدر الاف النسخ كل يوم ( بين ٥۰٠٠٠ و ۱۰۰۰۰۰ ) . اما الازفستيا، جريدة السوفيات، فقد كانت تطبع مجانا عن طريق مجموعات من عمال الطباعة تحتل المطابع وتقوم بالطبع .
ان هذه المعركة، معركة حرية الصحافة، كانت من أروع المعارك التي خاضها السوفيات .
النضالات الاخيرة :
في يومي ۲٦ و ۲۷ أکتوبر، تمرد بحارة كرونشطاط وقادوا حركة جماهيرية كبيرة . في ٢٨ أكتوبر أعلنت حالة الحصار في المدينة وقطعت كل الاتصالات بباقي البلاد . وهكذا تم القضاء على الحركة .
رد العمال على هذه الحملة القمعية باجتماعات كبيرة في كل مصانع بيترسبورغ وطالبوا السوفيات بتدخل حازم في هذه القضية، فقد أدرك العمال أهمية تحرك الجيش الذي سيمكنهم من نصير ضروري النجاح الثورة . في ١ نوفمبر، بعد مناقشات حادة، وافق السوفيات بالاجماع على النداء التالي :
« ان الحكومة ما زالت تمشي فوق الجثث . وها هي تسلم جنود وبحارة کرونشطاط البواسل، الذين هبوا للدفاع عن حقوقهم وعن حرية الشعب، الى المحاكم العسكرية، كما تضع في رقبة بولونيا حبل حالة الحصار »، « ان سوفيات مندوبي العمال يدعو بروليتاريا سان بيترسبورغ الثورية الى التظاهر عن طريق الاضراب السياسي العام، هذا الاضراب الذي نعرف قوته، وباجتماعات كبيرة للتعبير عن تضامنها مع جنود كرونشطاط الثوريين وبروليتاريا بولونيا الثورية » .
« غدا، ۲ نوفمبر، في منتصف النهار، سيتوقف عمال سان بيترسبورغ عن العمل على صيحات : لتسقط المحاكم العرفية ! ليسقط حكم الإعدام ! لتسقط الاحكام العرفية في بولونيا وفي روسيا ! » .
لاقى هذا النداء نجاحا باهرا، فقد فاق عدد المضربين في ٢ نوفمبر ما كان عليه في يناير وأكتوبر .
ارتعدت الحكومة لهذا التصاعد الجديد في النضال، وكانت تعتقد أن الحركة أشرفت على نهايتها . بعث الكونت فيت، رئيس الوزراء، ببرقية الى العمال يقول فيها : « اخواني العمال، عودوا إلى عملكم، تخلوا عن الفتنة . ارحموا نساءكم وأطفالكم . أعطونا الوقت الضروري حتى نحقق ما أمكن من رغائبكم . أتبعوا نصائح رجل يريد لكم كل خير ويتعاطف معكم . الكونت فيت ».
في ٣ نوفمبر رد السوفيات على صفاقة هذه البرقية بنص قدمه تروتسكي وصودق عليه بالاجماع :
« ان سوفيات مندوبي العمال بعد الاستماع الى نص برقية الكونت فيت الى « اخوانه العمال » يعبر أولا عن الدهشة البالغة التي أحدثتها وقاحة أحد مفضلي القيصر الذي يسمح لنفسه بتسمية عمال بیترسبورغ « اخوان ». أن العمال لا تربطهم أي صلة قرابة بالكونت فيت .
« اما في خصوص جوهر المسألة فان السوفيات يعلن :
۱ – ان الكونت فيت يدعونا إلى الرحمة بنسائنا وأطفالنا . يدعو السوفيات، كرد على هذه الدعوة، كل العمال الى احصاء عدد الأرامل واليتامى الجدد الذين لحقوا بصفوف الطبقة العاملة منذ تسلم الكونت ليت الحكم .
۲ – (۰۰۰ )
٣ – ان الكونت فيت يدعونا إلى اعطائه « الوقت الضروري » ويعدنا بتحقيق كل « ما هو ممكن » للعمال . فسوفيات مندوبي العمال يعرف أن الكونت فيت قد وجد الوقت لتسليم بولونيا الى جلاديها العسكريين، ولا يشك السوفيات في أن الكونت فيت سيقوم « بكل ما هو ممكن » لخنق البروليتاريا الثورية .
« يعلن سوفيات مندوبي العمال انه ليس في حاجة الى تعاطف مفضلي القيصر . انه يطالب بحكم شعبي أساسه الاقتراع العام المتساوي، المباشر والسري » .
اصيب الكونت فيت عند قراءة رد اخوانه المضربين بنوبة اختناق .
يوم ٥ نوفمبر عدلت الحكومة عن محاكمة بحارة كرونشطاط امام محكمة عسكرية .
كانت انتفاضة بحارة كرونشطاط والتحركات الأخرى داخل الثكنات بالغة الأهمية . اتصل السوفيات بعدة وفود عن الجنود جاؤوا لطلب المعونة . لكن تبعثر هذه الحركات داخل الجيش وعدم تماسكها وغياب التنسيق بينها كان العائق الوحيد أمام وحدتها وتشكلها كقوة قادرة على تمكين العمال من حليف لا بد منه، حتى ان النداء7 الذي وجهه السوفيات للجيش لم يلق الصدى الذي كان يأمله العمال .
في مساء ٥ نوفمبر دعت اللجنة التنفيذية العمال الى أنهاء الاضراب .
النضال من أجل الـ ٨ ساعات :
شعر العمال أن الحركة بدأت تدخل مرحلة جزرها وانهم لم يحصلوا في نهاية الأمر الا على وعود زائفة . لقد كانت مطالب الثورة، حتى هذه الفترة، مطالب سياسية عامة استماتت البروليتاريا وحدها في الدفاع عنها وخاضت أروع النضالات من أجلها . وخلافا لما كان يعتقده لينين، فان البروليتاريا قدمت طيلة قيام الثورة مطالب سياسية، تاركة جانبا مطالبها الاقتصادية الخاصة . ولكن حين أشرفت الحركة على النهاية قدم العمال، باستقلال عن السوفيات، مطالب اقتصادية وتبنوا الدفاع عن يوم الثماني ساعات وتحقيقها بطريقة ثورية .
في يوم ٢٦ أكتوبر قرر عمال أحد احياء العاصمة أن يوم العمل سيكون في المستقبل ٨ ساعات، وصادق عمال مصنع الكسندرو فلسكي بأغلبية ساحقة ( ١٦٦٨ ضد ١٤ ) وبالاقتراع السري على تحقيق نفس المطلب .
ابتداء من يوم ۲۸ أكتوبر انضمت كل المصانع الكبيرة الى الحركة وعندئذ فقط دعا السوفيات كل العمال الى تحقيق هذا المطلب بأنفسهم .
نهاية الحركة :
كانت جلسة ۱۲ نوفمبر بداية النهاية، وهي الجلسة التي أظهرت أكثر من أي وقت التناقضات الموجودة بين القاعدة واللجنة التنفيذية . فقد دعت هذه الأخيرة العمال الى العودة الى العمل في ظل الشروط القديمة لكن العمال رفضوا هذا الطلب خاصة وأنهم لم يحصلوا على شيء ملموس .
لا بد أن نلاحظ هنا أن السوفيات وان كان يمثل البروليتاريا مباشرة، فقد حد من هذا التمثيل حين عهد الى اللجنة التنفيذية باتخاذ أهم القرارات وحين تنازل للأحزاب بأن قبل تمثيلها في هذه اللجنة التي كانت في احيان عدة تعبر عن رأي الاحزاب لا عن رأي القاعدة.
أظهرت جلسة ١٢ نوفمبر هذا التناقض اذ تصدى مندوبو المصانع لقرار اللجنة التنفيذية فتفتت الوحدة الموجودة واختلفت الآراء حول المهام . فقد عبر الكثير من المندوبين عن عزم العمال على مواصلة الحركة خاصة عمال النسيج الذين عارضوا عن طريق ممثلتهم قرار اللجنة وهاجموا عمال بوتيلوف الذين قبلوا هذا القرار . فقد جاء في كلمة هذه المندوبة :
« انكم عودتم نساءكم بالأكل الحسن وراحة البال وهذا ما يجعلكم تخشون على عملكم . أما نحن فلا نخشى هذا . اننا مستعدون للموت من أجل الثماني ساعات – النصر أو الموت ! عاش يوم الـ ٨ ساعات ! » .
بعد أربع ساعات من المناقشات الحادة صادق السوفيات على قرار اللجنة التنفيذية لكن العديد من العمال لم يستسلموا لهذا القرار واختاروا الطريق الذي أشارت اليه عاملة النسيج . حاول هؤلاء العمال اقناع الآخرين بموقفهم وذلك في نداء وجهوه الى السوفيات جاء فيه :
« أيها الرفاق، يا عمال المصانع والمؤسسات الأخرى، نعتذر عن تصرفنا هذا، لكنه لم يعد بامكاننا احتمال هذا الارهاق ( العمل ) المنهك لقوانا البدنية والعقلية . سنواصل الصراع حتى القطرة الأخيرة من دمنا …» .
وجدت السلطة في هذا التفتت فرصة ثمينة لشن هجومها المضاد . فقد افتتحت ذلك باعتقال رئيس السوفيات خروستالوف نوسار يوم ٢٦ نوفمبر، ثم تتابعت الأحداث بسرعة خاصة وأن السوفيات قد أصبح في عزلة عن العمال . ففي جلسة ٢٧ نوفمبر لم يحضر سوی ۳۰۲ مندوبا .
انتخب السوفيات في هذه الجلسة ترونسكي كرئيس وصادق على لائحة تدعو العمال الى الانتفاضة المسلحة ووجه نداءا الى الجيش، لكن النتائج كانت دون المستوى المأمول .
٣ ديسمبر حاصر الجيش مقر السوفيات واعتقل كل أعضاءه الحاضرين .
١٩ سبتمبر ١٩٠٦ : افتتاح محاكمة السوفيات .
الأحزاب والسوفيات :
أهم الأحزاب الاشتراكية الموجودة في روسيا ۱۹۰٥ هي الحزب العمالي الاشتراكي الديموقراطي الروسي بجناحيه البلشفي والمنشفي والحزب الاشتراكي الثوري . كان وضع هذه الأحزاب على غاية من الصعوبة نظرا للسرية التي تحيط بنشاطها ولعزلتها عن الجماهير . وصف لينين هذا الوضع قائلا :
« كان الحزب الثوري الروسي قبل ۲۲ يناير ١٩٠٥ عبارة عن حفنة من الاشخاص … بعض مئات من المنظمين الثوريين، بعض آلاف من المنخرطين في المنظمات المحلية، بضع ورقات ثورية تظهر، في أحسن الحالات، مرة كل شهر، تصدر في الخارج ويتم تسريبها خفية، وبصعوبة فائقة الى روسيا ۰۰۰»8
الحزب الاشتراكي – الديموقراطي :
فاجأت ثورة ١٩٠٥ الاشتراكية – الديموقراطية وهي تعاني نتائج الانقسام، غارقة في مجادلاتها حول التنظيم والبرنامج .
كانت كل هذه الصراعات والمناقشات تدور في حلقات ضيقة من المثقفين بعيدا عن الصراعات الحقيقية للبروليتاريا والتي بدأت خوضها منذ أواخر القرن الماضي . كانت النزاعات تدور حول قيادة الحركة العمالية الروسية، هذا « للولود الجديد الأكثر شرعية ( من الاحزاب ) لحركة التاريخ، وقد بدأ يرسي، بنجاح، أسس ارادة شعبية حقيقية . لكننا نرى « أنا » الثوري الروسي يسرع ليحلق فوق رأس هذا المولود، معلنا أنه القائد العلي القدير للتاريخ لكن هذه المرة في شخص صاحبة السمو : اللجنة المركزية للحركة العمالية الاشتراكية – الديموقراطية . أن هذا البهلوان الماهر لم يدرك أن « الذات » الوحيدة التي ترجع لها قيادة الحركة هي « الانا » الجماعي للطبقة العاملة التي تطالب مصممة بحقها في الغلط وفي ممارسة ديالكتيك التاريخ »9 .
هذا ما وقع فعلا سنة ١٩٠٥ . لقد تحرك « الانا » الجماعي للطبقة العاملة محدثا مفاجأة بعد أخرى وابداعا تلو آخر .
فما كان موقف « أنا » الثوري الروسي ؟
المناشفة :
حين اندلعت الثورة وجدت الحزب لا يملك أي استعداد عملي أو نظري لمواجهة الأحداث .
كان الجناح المنشفي يرى أن الثورة القادمة ستكون بورجوازية في شكلها وفي مضمونها وان مهمة البروليتاريا أثناءها يجب ان تنحصر في الدفاع عن الديموقراطية كاطار ضروري لتأسيس حزب اشتراكي – ديموقراطي قوي ونقابات عمالية كبيرة .
وفرت الثورة، لكل الأحزاب، امكانيات العمل الواسع، وحررتها من عقال السرية الخانق، لكن سيرها كان مخالفا لتكهنات الأحزاب . في ظل هذه الشروط الجديدة وجه الجناح المنشفي كل مجهوداته نحو احتواء الحركة سعيا وراء تحقيق أهدافه . اقترح المناشفة أول الأمر بعث منظمات ادارة ذاتية للثورة يمكنهم استعمالها لتأسيس الحزب المأمول . لكن خط سير الأحداث كان مخالفا لهذا الاقتراح اذ بادرت الطبقة العاملة بعد الاضراب العام بتأسيس مجلس مندوبي العمال . رأى المناشفة في هذا التنظيم الجديد تحقيقا لاقتراحهم وهذا ما يفسر دخول بعضهم فيه، لكن سرعان ما تبددت أوهامهم حين أصبح السوفيات محور الثورة وتصرف كسلطة عمالية مستقلة . عدل المناشفة موقفهم بأن ادرجوا السوفياتات في برنامجهم وأعزوا ظهورها لغياب حزب اشتراكي – ديموقراطي قوي لكن بعد فشل الحركة عادوا إلى مواقفهم الأولى ودعا قائدهم مارتينوف الاشتراكيين الديموقراطيين الى تحويل حزبهم السري الصغير الى حزب شرعي قوي، « قادر على أن يشمل منظمات كالسوفياتات أو على جعلها عديمة الفائدة » .
البلاشفة :
اختلف موقف البلاشفة من السوفيات عن موقف الجناح الآخر . كانت حيرتهم كبيرة أمام حركة الجماهير العفوية، هذه الحركة التي بخرت كل تخيلاتهم ورمت عرض الحائط بقناعاتهم القائلة بأن العمال « ما زالوا لا يستطيعون الوصول الى الوعي الاشتراكي الديموقراطي . هذا الوعي لا يمكن أن يأتي اليهم الا من الخارج … من خارج أرضية الصراع الاقتصادي » ( ما العمل ؟ ) وبأنهم لا يستطيعون وعي أهدافهم الطبقية، وبأنه ليس « أمامهم للخلاص من كابوس وضعهم الا الدخول تحت مظلة مخلصيهم : المثقفين الاشتراكيين والانضباط تحت وصاية قيادة أركان يشكلها الثوريون المحترفون الذين يقودون الحزب والطبقة والشعب جميعا »10 .
اثبت العمال، وقد أصبحوا ثوريين، أنهم قادرون على قيادة حركتهم وتجاوز أرضية الصراع الاقتصادي الى النضال السياسي الشامل وعلى تنظيم أنفسهم خارج الاحزاب . عجز الثوريون المحترفون عن فهم هذا التحرك العمالي الذي خالف كل ما تعلموه في انجيلهم « ما العمل ؟ »، وناقض كل ما بشروا به من آيات بينات، فكان « ابداعهم » الوحيد هو معارضة السوفيات حال ظهوره . يعترف تروتسكي نفسه في كتابه « حياتي » في خصوص بلاشفة سان بيترسبورغ أنذاك . قد عارضوا بشدة هذه المنظمة المنتخبة والمستقلة عن الأحزاب « خوفا من مزاحمتها الاشتراكية الديموقراطية ( ٠٠٠ ) ان الدوائر البلشفية العليا تصرفت بتعصب فئوي ازاء السوفيات وذلك حتى قدوم لينين ( ٠٠٠ ) انهم في غيابه قد اظهروا عجزا مذهلا » .
اعتبر بلاشفة سان بيترسبورغ السوفيات « جسما أجنبيا » عن الثورة وأعلنوا انه لا يمكنه قيادة الحركة السياسية للطبقة العاملة . ففي مؤتمر استثنائي عقده بلاشفة الشمال قدم مندلييف تقريرا طالب فيه « الاشتراكيين الديموقراطيين بلاشفة كانوا أو مناشفة بمغادرة مجلس مندوبي العمال باعتباره تنظيما سياسيا مضرا بالحركة الاشتراكية الديموقراطية » أو باتخاذ الموقف التالي :
أولا : « على الاشتراكيين الديموقراطيين ان يحاولوا ارغام المجلس على قصر مهامه على النشاط النقابي لا غير » .
ثانيا : في صورة فشل هذه المحاولة، على المجلس، اذن، أن يعلن خضوعه الى قيادة الحركة الاشتراكية – الديموقراطية .
ثالثا : اذا تم ذلك يجب على المجلس أن ينحل في أقرب وقت ذلك أن وجوده بجانب الحزب يصبح غير مبرر .
( نوفايا جيزن، ٦ نوفمبر ١٩٠٥ )11
ان رائحة المناورة الاحتوائية تفوح من هذا التقرير، ولا غرابة في ذلك ما دام صادرا عن ثوري محترف استوحى موقفه من طبيعة حزبه، حزب النخبة المزعومة، الذي تحدثه البروليتاريا ولم تعترف له بالقيادة . ان الحركة الفعلية للجماهير كانت لحظة الحقيقة للثوريين المحترفين، فقد دفعتهم بجدية الصراع الى أن يكشفوا القناع عن جوهرهم اليعقوبي البلانكي . ظهر هذا الجوهر عاريا في تقرير آخر صادر عن لجنة الشمال تقول فيه :
« على مجلس مندوبي العمال أن يصبح الجهاز الذي بواسطته يقود الحزب الجماهير . ولهذا يجب الاستيلاء عليه وارغامه على تبني برنامج الحزب الاشتراكي – الديموقراطي والدخول تحت قيادته السياسية . أن الحركة السياسية للبروليتاريا لا يمكن أن يقودها غير حزب طبقي صارم يسهر على نقاوة شعاراتها فهذه القيادة لا يمكن أن تترك لهذا الخليط السياسي، هذه المنظمة المشوشة والمترددة التي يمثلها السوفيات ولا يمكن أن يمثل غيرها ».
( نوفايا جيزن، ۷ نوفمبر ۱۹۰٥ )
أن هذه المواقف ناتجة عن التضارب الحاصل بين قناعات الثوريين المحترفين والممارسة البروليتارية . فقد عجز الثوريون المحترفون عن فهم ومسايرة الحركة لان فكرهم كان بعيدا عن الفكر الديالكتيكي وهذا سيفسر تشبثهم بتعاليمهم المتحجرة وسعيهم الى جعل الحركة تسير حسب معتقداتهم .
كانوا يقولون أن الثورة ستكون بورجوازية واذا بها بروليتارية في شكلها وفي قسم كبير من مطالبها .
كانوا يؤمنون بأن البروليتاريا عاجزة عن خوض صراع سياسي مستقل واذا بها تخوضه بعنف واستماتة، وأصبحوا هم الذين سيطالبونها بترك الصراع السياسي – لأنه من اختصاصهم – والاكتفاء بالنضال النقابي .
كانوا يتامرون سرا باسمها واذا بها تفعل « علانية كما تتامر الشمس على الظلام، وبوعي كامل الحقيقة أن ما من قوة مشروعة توجد خارج مدارها »12 .
كانوا يرون أن حزبهم هو التنظيم الوحيد المؤهل لقيادة البروليتاريا واذا بالبروليتاريا تثبت قدرتها على قيادة ثورتها وتنظيم نفسها في منظمة تشمل كل الطبقة وتمكن الجميع من المشاركة الفعلية في الحركة .
امام هذه التحديات، كانت مواقف محترفي الثورة، المعارضة الشديدة مثلهم في ذلك مثل عمال حرفة من الحرف هددوا بالصرف فنهضوا للدفاع عن حرفتهم .
انتبه لينين الى الخطر الذي تشكله مواقف رفاقه في سان بيترسبورغ فأسرع ليعدلها وينقذ بذلك الحزب من سقوط محقق . كانت للينين مقدرة كبيرة على فهم الحركة الفعلية واتخاذ المواقف المناسبة لمسايرتها . فأول موقف اتخذه سنة ١٩٠٥ هو مساندته لكل ما وقع ومسايرته للأحداث حتى التي ناقضت تحليلاته ومواقفه السابقة .
فقي نداء وجهه من جنيف حث لينين الجماهير قائلا : « أطلقوا العنان للكره والغضب المتراكم في قلوبكم نتيجة قرون من الاستغلال والعذاب والشقاء » وما هذا سوى اعتراف بعفوية الجماهير التي يعد لينين من أكبر أعدائها . لقد ذهب لينين، تحت تأثير الحركة أبعد من ذلك ان تخلى عن مقولته الأساسية في « ما العمل ؟ » التي تقول أن العمال « ما زالوا غير قادرين على الوصول الى الوعي الاشتراكي – الديموقراطي . هذا الوعي لا يمكن أن يأتي اليهم الا من خارج صفوفهم … وان الطبقة العاملة لا يمكن لها أن تصل بقواها الخاصة الا الوعي النقابي » بأن قال : « ان الطبقة العاملة اشتراكية – ديموقراطية فطريا، عفويا ». واعترف كذلك، في رسالة وجهها للعمال ونشرت في النوفايا يزين، بمبدأ الانتخاب13 الحر داخل السوفيات ودعا العمال الى ذلك قائلا : « انت عامل ؟ تريد النضال لتخليص روسيا من حفنة الطغاة الجائرين ؟ فانت رفيقنا . انتخب مندوبك . انتخبه حالا وكما يحلو لك فاننا نقبله عن طيبة خاطر » . كما اعترف بالسوفيات حين رد في مقاله : « مهامنا وسوفيات مندوبي العمال » على مواقف رفاقه قائلا: « طرح رادين السؤال: الحزب أو السوفيات ؟ انه مخطيء في طرحه بهذا الشكل، لأنه يجب أن تصل الى النتيجة التالية : السوفيات والحزب معا . أن أهمية المسألة تكمن في معرفة كيفية تقسيم المهام وتنسيقها بين السوفيات والحزب ».
وعارض لينين تقرير مندلييف وأكد على وجوب استقلال السوفيات عن الأحزاب : « يبدو لي أن السوفيات يخطىء اذا انضم دون تحفظ، الى حزب من الأحزاب ( ٠٠٠ ) وانه لا فائدة من مطالبته بتبني برنامج الاشتراكية الديموقراطية ». وسلم في نهاية الأمر بقدرة الطبقة العاملة على خوض الصراع السياسي : « خرج السوفيات من صلب الاضراب العام . من قاد هذا الاضراب الى النجاح ؟ كل البروليتاريا . ما هي الأهداف التي يسعى الى تحقيقها ؟ سياسية واقتصادية معا ».
ما هو، اذن، تفسير هذا التناقض الصارخ في صفوف البلاشفة من جهة ثم بين لينين ۱۹۰۲ ( ما العمل ؟ ) ولينين نوفمبر ١٩٠٥ من جهة أخرى ؟
التناقض بين البلاشفة ناتج عن اختلاف موضع كل منهم في سلم مراتبية الحزب . فعجز المناضلين المذهل عن فهم الحركة الثورية القائمة ناتج عن خروج الحركة عما تعلموه وتشبثهم الاعمى بمعتقداتهم، وافتقارهم لقدرة قائدهم على فهم الواقع .
أما تناقض لينين فناتج عن قوة الحركة وسعيه للخروج بحزيه من العزلة التي وقع فيها ولم يكن ذلك ممكنا الا بالاعتراف بما وقع ومسايرة الحركة تكتيكيا . أن هذا الموقف التكتيكي يتضح أكثر اذا ألقينا نظرة على مواقف لينين بعد نهاية الحركة وسقوط السوفيات .
لم تمض على سقوط السوفيات أيام قليلة حتى تهجم عليه لينين واعتبره تنظيما شاذا ولم يرى فيه سوى اداة يمكن للحزب أن يستغلها لقيادة الجماهير .
- في ۲۰ نوفمبر ۱۹۰٥ عارض البلاشفة بشدة رغبة عمال تاراتوف في تأسيس مجلس عمالي .
- أواخر شهر نوفمبر دعى لينين البلاشفة الى « تجديد جهاز الحزب » حتى يتمكن من احتواء الطاقة الجديدة التي وجدت داخل البروليتاريا وتوق العمال الى التنظيم . « يجب أن تغتنم الفرصة الآن والا فسوف تفلت من ايدينا وتأخذ هذه الطاقة أشكالا شاذة وخطيرة ».
- ربيع ١٩٠٦ أسس العمال العاطلون سوفياتا ضم ۲۰۰۰۰ عاطل فعارض لينين هذا السوفيات .
- قدم لينين في المؤتمر الخامس للحزب ( ۱۹۰۷ ) لائحة انتقد فيها بشدة كل الذين يطالبون – خارج الحزب أو داخله – بدعوة مؤتمر عمالي وقال في نفس اللائحة : « اننا لا نقبل مشاركة المنظمات الاشتراكية – الديموقراطية في مجالس مندوبي العمال ولا نقبل تأسيس منظمات كهذه الا عند الضرورة وبشرط أن يخدم ذلك مصلحة الحزب ويقوي الاشتراكية – الديموقراطية ».
لم يعد لينين للحديث عن السوفيات الا حين فرضها العمال مرة ثانية في فبراير ۱۹۱۷ وبلغت درجة من القوة جعلته ينادي : كل السلطة للسوفيات .
في ۱۹۰٥ تحققت مقولة ماركس14: « ان المربي هو نفسه بحاجة الى التربية » .
ملاحظات ختامية :
سنة ١٩٠٥ ظهرت البروليتاريا الروسية الناشئة لأول مرة كـ « ذات » تاريخية ودخلت عفويا عالم الثورة كطبقة مستقلة، فوجدت نفسها امام مهام تاريخية عظيمة .
جاءت ثورة ۱۹۰٥ بعد حقبة من الانحسار الثوري دشنتها مجزرة كومونة باريس التي تبعها مد رجعي قوي تمكن من ضرب الحركة العمالية ( القانون المضاد الاشتراكية في المانيا . قمع البروليتاريا في النمسا … الخ) . وقد انعكس هذا الانحسار على النظرية والممارسة الثوريتين، فتحولت الماركسية من نظرية ثورية الى ايديولوجيا اصلاحية رافضة للثورة وظهرت الأحزاب العمالية الكبيرة بممارستها الاصلاحية الطامحة في دخول البرلمان وفي المشاركة في الحكومات ( البورجوازية ) .
قطعت ثورة ١٩٠٥ مع الماضي القريب للحركة العمالية الاصلاحية وربطت الصلة من جديد بالماضي الثوري للطبقة العاملة وباخر فتراته الراديكالية : كومونة باريس .
تمت القطيعة حين لجأت البروليتاريا الروسية الى أشكال نضالية عنيفة : الاضراب العام، المظاهرات الشعبية الكبيرة، صدامات الشوارع والمتاريس وتوجت أخر الأمر بظهور السوفياتات .
كانت الاشتراكية – الديموقراطية ( الأممية الثانية ) تعارض هذه الأساليب، لكن قوة الحركة في روسيا فرضت نقاشا حادا وأصبح الحديث يدور حول الثورة وحول أساليب النضال الجديدة . « أن شبح الثورة خيم على كل المناقشات، بل على كل المؤتمر»15 . قال اوغست بيبل في هذا المؤتمر : « لم أشهد قط مناقشات دار الحديث فيها حول الدماء والثورة بهذا المقدار » .
وجد الجناح اليساري المناهض للاصلاحية داخل الاشتراكية – الديمقراطية فرصة ثمينة از قدمت له البروليتاريا الروسية حججا قوية ضد مشايخ الأممية . لكن اليسار لم يع كل ابداعات هذه الثورة وركز حملته حول الاضراب العام، فخصصت له روزا الكسمبورج كتابها « الاضراب العام ، الحزب والنقابات » حيث اختزلت كل الثورة الى الاضراب العام : « أن تاريخ الثورة الروسية هو تاريخ الاضراب العام » وأهملت الابداع الأكثر جذرية : السوفيات . ساعد هذا الاهمال قادة الاشتراكية – الديمقراطية على ایجاد صيغة تسوية بأن ادرجوا الاضراب العام في تكتيكهم لكن كوسيلة دفاع يلجأ اليها الحزب اذا اضطرته الطبقة الحاكمة الى ذلك، لكن قادة النقابات عارضوه بشدة قائلين ان « الاضراب العام حماقة عامة » .
انتبهت روزا لكسمبورج الى الخطر الذي تشكله النقابات وطرحت كذلك بعض المشاكل الحقيقية دونما الحاح في خطابها في مؤتمر يينا : « أن ثمن الثورات التي شهدها التاريخ كان الدم، فالفرق الوحيد هو أن هذه الدماء اريقت، حتى يومنا هذا، من أجل ولفائدة الطبقات الحاكمة . والآن، ونحن نستشف امكانية سكب الدماء من أجل أهدافنا الطبقية، نرى الاشتراكيين الديمقراطيين المزعومين يصيحون لا ! فالدم جد ثمين ( ٠٠٠ ) ».
وتوجهت كذلك الى قادة النقابات قائلة : « يجب الا تكون النقابات هدفا في حد ذاتها فتصبح عائقا أمام تحركات العمال . فمتى ستستخلصون دروس الثورة الروسية ؟ ففي روسيا، حيث لا وجود للنقابة، دخلت الجماهير خضم الثورة وشيئا فشيئا، خلال النضال، أسس العمال منظماتهم . ان الاعتقاد بوجوب خلق منظمة قوية مسبقا ( قبل الدخول في النضال ) هو ادراك ميكانيكي وليس ادراكا ديالكتيكيا . فبالعكس تظهر المنظمة اثناء الصراع، اثناء عملية توضيح الصراع الطبقي ».
أحدثت البروليتاريا الروسية ثغرة في تقلص الحركة العمالية التي كانت أسيرة البرلمانات والأحزاب الاصلاحية والنقابات، فركزتها في المصانع وخرجت بها الى الشوارع . فقوتها تكمن في طاقة الخروج على الماضي بمفاهيم جديدة وممارسة جديدة، طاقة خروجها عن العادة والرتابة والسهولة أي على الآلية التي كانت تفتخر بها الأممية الثانية . وهكذا ارتبطت بينبوع الكومونة الحي، لا بتقليده، بل بما اضافت اليه من حياة وبفروقها الجوهرية، لان كل ثورة جديدة تكشف عن شكل جديد ومضمون جديد .
ان اوجه الشبه عديدة بين الكومونة والسوفيات . فاللجنة التنفيذية لسوفيات سان بيترسبورغ تذكرنا، في شكلها، باللجنة المركزية للحرس الوطني في باريس ۱۸۷۱ . فكل منهما تم انتخابها من طرف جميع أعضاء القاعدة : عبر مندوبي المصانع بالنسبة للسوفيات وعبر مندوبي الثكنات بالنسبة للحرس الوطني . وكان مبدأ عزل المندوبين قاسمهما المشترك . كما يذكر السوفيات المكون من جميع المندوبين بالكومونة، ذلك المجلس الشعبي الكبير . لقد عبر السوفيات كما عبرت الكومونة عن الحركة العفوية للبروليتاريا الناشئة وعزمها على تحرير نفسها بنفسها . فكما أن ظهور البروليتاريا الباريسية على مسرح التاريخ قد قوض الافكار البلانكية والبرودونية فان البروليتاريا الروسية قد قضت على ما كان يعبر عنه داخل الاشتراكية – الديمقراطية الالمانية بـ « السديم الروسي » أي على المجموعات الارهابية واوهامها، وتجاوزت بحركتها الشاملة مفهوم حزب النخبة الثورية المحترفة .
اما الفروق بين السوفيات والكومونة فهي فروق تاريخية . أولها اختلاف المهام واختلاف البرنامج . فالكومونة استطاعت أن تحطم جهاز الدولة، فهي كما جاء في برنامجها البياني : « نهاية العالم القديم، عالم الحكومة والكنيسة، عالم العسكريتاريا والوظيفة، عالم الاستغلال والبنوك والاحتكارات والامتيازات التي هي أساس عبودية البروليتاريا »16 .
اكتشف عمال باريس ان سلطتهم اما ان تكون هي السلطة الوحيدة واما ان لا تكون : « … ان البروليتاريا قد أدركت بأن من واجبها الأكيد ومن حقها المطلق أن تأخذ مصيرها بأيديها وان تضمن انتصارها باستيلائها على السلطة »17 . استطاعت البروليتاريا الباريسية أن تخطو هذه الخطوة الحاسمة لأن وراءها تاريخ هزائمها (۱۸۳۰ – ١٨٤٨ ) استخلصت دروسه وتجاوزته، ذلك ان كل ابداع هو نقد للماضي وتغيير للحاضر .
اما البروليتاريا الروسية، في شروط روسيا وفي شروط وعيها، فقد قامت بأول تجاربها فهي « لا تستطيع أن تبدأ بتنفيذ مهمتها قبل أن تقضي على كل احترام خرافي للماضي »18 .
قضت ثورة ١٩٠٥ على الأوهام الخرافية التي كانت متغلغلة في عقول البروليتاريا الروسية وفضحت اسطورة « القيصر اب الشعب ». عاشت روسيا وخاصة طبقتها العاملة أول تجاربها الديمقراطية حاولت فيها البروليتاريا ارساء قواعد سلطتها واخذ مصيرها بأيديها مثبتة أن الثورة ثورتها وانها كطبقة تتحمل مسؤولية كل أعمالها ونضالها من أجل انعتاقها . أثبتت البروليتاريا ان « تحرير الطبقة العاملة هو من صنع العمال أنفسهم، وذلك أثناء الصراع وبعده أي عند محاكمة ممثليها في السوفيات، فقد بعث العمال بلوائح جماعية عديدة الى المحكمة احتجاجا على التهم الموجهة الى السوفيات نورد احداها وهي لائحة عمال مصانع اوبوخوف :
« نحن، الممضين اسفله، عمال مصانع اوبوخوف، علما أن الحكومة تريد محاكمة سوفيات مندوبي العمال أمام محكمة تعسفية نعبر عن عظيم سخطنا على محاولة هذه الحكومة تقديم السوفيات على انه عصابة من المتأمرين يسعون لتحقيق أهداف غريبة عن الطبقة العاملة ! نحن عمال مصانع اوبوخوف نصرح أن السوفيات لا يتكون من عصابة من المتآمرين بل من ممثلين حقيقيين لكل بروليتاريا بيترسبورغ، نحتج على تعسف الحكومة ضد السوفيات، هذا التعسف المتمثل في اتهام رفاق انتخبناهم نحن ونفذوا في السوفيات كل اراداتنا ونعلن للحكومة انه اذا كان رفيقنا ب. ا. زليدنيف، الذي نحترمه جميعا، مذنبا، فنحن كذلك مذنبون . هذا ما نثبته بامضاءاتنا ».
الامضاءات
يمثل هذا التصريح الحقيقة الجوهرية للمجالس العمالية التي، كما يقول غرامشي «… تكمن اصالتها في كونها، في عالم لا وجود فيه الا لعلاقات اقتصادية بين استغلالي ومستغل، بين ظالم ومظلوم، تمثل الجهد المتواصل لتحرير الطبقة العاملة لنفسها بنفسها، بوسائلها الخاصة وانظمتها الخاصة، من أجل أهداف لا تشاركها فيها طبقة أخرى بدون وسطاء وبدون تفويض سلطتها لموظفين وسياسيين محترفين . هذه هي الأسباب التي تدفعنا إلى أن نقول بأن ميلاد المجالس العمالية يمثل حدثا تاريخيا عظيما يدشن عهدا جديدا في تاريخ الجنس البشري »19 .
عبدان القداح
وثيقة عدد (١)
النداء الأول للسوفيات بيترسبورغ
۱۳ اکتوبر ۱۹۰٥
ان الطبقة العاملة بعد أن طالبت بكل حزم بمجلس تأسيسي ولم تحصل على شيء قانوني، تلجأ الى الاضراب العام كآخر وسيلة فعالة تملكها الحركة العمالية العالمية .
ايها الرفاق : ان مندوبي مصانع بيترسبورغ، بعد دراستهم للوضع الراهن، ينادون كل العمال لمساندة النضال العظيم القائم حاليا من أجل سعادة الشعب وحريته . كما ينادونهم الى الالتحاق بالاضراب في عموم روسيا .
ان هذا المجهود يتطلب من الطبقة العاملة توثيق صفوفها ومشاركتها كقوة منظمة واحدة . يتحتم علينا أن لا نترك الاضراب يفشل حال انفجاره في المصانع . لذا فاننا قررنا توحيد قيادة الحركة وتفويضها الى لجنة عمالية مركزية .
اننا ندعو كل مصنع وكل حرفة الى تعيين مندوبين بنسبة مندوب لكل ٥٠٠ عامل فمجموع مندوبي المصانع سيشكل اللجنة العمالية المركزية لبيترسبورغ .
أن هذه اللجنة ستمكن حركتنا من الالتحام والوحدة والقوة . كما انها ستكون المعبر عن حاجات ورغبات عمال بيترسبورغ امام الطرف المقابل من المجتمع، وستقرر كذلك سلوكنا اثناء الاضراب وتعيين الوقت المناسب لانهائه .
نظموا أنفسكم ايها الرفاق، سارعوا بتعيين مندوبيكم . ان أحداثا حاسمة ستحصل قريبا في روسيا وستقرر مصير البروليتاريا لمدة طويلة . علينا أن نكون في مقدمة هذه الأحداث وان نتسلح لها وأن نعي تماما واجبنا متحدين وراء اللجنة العمالية المركزية رافعين راية البروليتاريا العالمية المجيدة وعمال كل القوميات .
وثيقة عدد (٢)
| نوع الطلبات التي عبر عنها الفلاحون خلال اجتماعاتهم | عدد القرارات التي احتوت هذه الطلبات |
| ١ – الطلبات الاقتصادية | |
| – الغاء الملكية الخاصة للأرض، تسليم أملاك الاقطاع والقيصر والاراضي التابعة للكنيسة والأديرة … الخ الى الشعب. | ١٤٦ |
| – ضبط ظروف تسليم الأراضي الى الشعب يتم : اما من طرف دوما الدولة أو من طرف المجلس التأسيسي . | ١١٤ |
| – دفع تعويضات عن الأراضي المصادرة . | ۲ |
| – اسناد أراضي اضافية للفلاحين حسب حاجياتهم . | ٦ |
| – الغاء العمل المأجور في القطاع الفلاحي . | ٨٦ |
| – اقرار نظام يعتمد المساواة في استثمار الأرض . | ٤ |
| – الغاء قانون دفع التعويض بالنسبة للأقنان المعتوقين . | ١١٥ |
| – الغاء الضرائب غير المباشرة وابدالها بضرائب مباشرة على المداخيل . | ١۲٣ |
| – تسليم الآلات الفلاحية للفلاحين . | ۲ |
| ۲ – الطلبات السياسية | |
| – دعوة مجلس تأسيسي . | ٥٠ |
| – دعوة دوما الدولة مع اعطائها سلطة تشريعية . | ١۲٣ |
* * *
- في مايو ١٨٩٦ تم تتويج القيصر نقولا الثاني، فأجبر الاعراف العمال على الراحة ايام دون أجرة . ↩
- Osvobojdénié . جريدة ليبيرالية يرأسها الماركسي السابق ستروفي (Struvė) . ↩
- زوباطوف س . كولونيل درك . المنظم والمشرف على « الاشتراكية البوليسية »، التي حاول عبرها ابعاد العمال عن السياسة وتوجيه حركتهم . ↩
- Puttkamer بوتكامر : « كل اضراب يحوي هدرة الثورة » . ↩
- انظر نصه في نهاية المقال . ↩
- باستيل روسيا . ↩
- انظر النداء الى الجيش في آخر المقال . ↩
- من محاضرة ألقاها لينين في ٢٢ يناير ۱۹۱۷ في جنيف بمناسبة الذكرى الثانية عشر لثورة ١٩٠٥ . ↩
- روزا لكسبورج : مسائل تنظيم الاشتراكية – الديموقراطية الروسية ١٩٠٤ . ↩
- انظر من كومونة باريس الى مجازر عمان ( دار الطليعة ) دراسة العفيف الاخضر : المدلولات التاريخية للكومونة . ↩
- نوفايا جيزن : الحياة الجديدة، جريدة بلشفية . ↩
- من بيان للمجلس العام للأممية الأولى ۱۸۷۰ . ↩
- لم يكن مبدأ الانتخاب معمولا به داخل الحزب البلشفي . ↩
- أطروحات حول فورباخ . ↩
- من رسالة روزا لكسمبورج الى هنريات رولاند – هولست (۲ أكتوبر ١٩٠٥ ) تتحدث عم مؤتمر الحزب الاشتراكي – الديمقراطي الالماني المنعقد في يينا ١٧ سبتمبر ۱۹۰٥ . ↩
- البرنامج البياني لكومونة باريس، ۱۹ ابريل ۱۸۷۱ . ↩
- (بيان اللجنة المركزية للكومونة، ١٨ – ٣ – ١۸۷۱ . ↩
- ماركس ، ۱۸ برومير لويس بونابرت . ↩
- اورديني نيوفو، عدد ۱۹، ۱۹۲۰ . ↩