
نقد الدين : الدنيا ضد الدين – ابو طاهر القرمطي
دع المساجد للعباد يسكنها
وهيا بنا للخمار يسقينا
ما قال ربك ويل للذي سكرا
بل قال ربك ويل للمصلين
ابو نواس
اذا كان نقد الدين في المجتمع الغربي المصنع مهمة قد انتهت أساسا، فان هذه المهمة ما زالت في مجتمعنا العربي لم تنجز حتى الآن . وبما أن نقد الذين هو الشرط الأساسي لكل نقد، فان أول ضربة معول للاطاحة بصرح الأوضاع العربية البالية يجب أن توجهها للايديولوجيا الاسلامية .
من البديهي أن تقدنا للاسلام ليس نقدا نظريا مجردا بل يرمي الى التخلص من الاسلام كقوة معادية للثورة مثل جميع الايديولوجيات الدينية . ومن هنا فان مكافحة الايديولوجيا الاسلامية هي مكافحة كل الأوهام التي خيمت على عقول الجماهير العربية طيلة أربعة عشر قرنا، وكل أشكال الاغتراب التي ترزح تحت نيرها الطبقات الكادحة العربية .
ان تعرية الأوهام الدينية وكشف القناع عن سعادتها الزائفة لا تهدف الا الى حمل الجماهير المستغلة على وعي واقعها البائس وتحطيم الاغلال التي تكبلها باسم الدين وطرح الجنة الخيالية التي يعدها بها كهان الدولة تعويضا عن شقائها في هذا العالم . لكي تشيد على وجه الأرض جنة حقيقية وتجني الزهور البائعة الآن وفورا . وهكذا تنتقل من نقد السماء الى نقد الأرض ومن نقد الدين الى نقد السلطة التي تصنعه والمجتمع الطبقي القائم على استغلال الانسان للانسان، ومن نقد اللاهوت إلى نقد الاستبداد الذي تسلطه الطبقات الحاكمة في البلاد العربية على شعوبها .
وهكذا فان الغاء الدين كسعادة وهمية للانسان يفرض بالضرورة المطالبة بسعادته الحقيقية . ولا نكون مبالغين اذا قلنا ان شروط تحقيق هذه السعادة أخذت تظهر اليوم هنا وهناك في البلاد العربية في تمردات الشباب في المعاهد والكليات، وفي الانفجارات العمالية والانتفاضات الشعبية التي لم تعد تبحث عن خلاصها في اطار الايديولوجيات الغيبية ولا ضمن انجيل البيروقراطيات النقابية والحزبية .
ان بروز هذه الحركة الجديدة في البلاد العربية في السنوات الأخيرة نجد انعكاسه ارقا وحيرة في عيون جميع الحكام العرب الذين يفزع احلامهم شبح الشيوعية والالحاد و « الايديولوجيات المستوردة » كما يقولون . وهكذا نراهم جميعا يسخرون ترسانتهم الدعائية لمحاربة « الأفكار الهدامة » والدعوة للرجوع الى القيم الاسلامية والى الاصالة القومية وغيرها من الترهات .
ان قيام قيامة الطبقات السائدة العربية والحمى الجنونية التي اصابتها ازاء الصراع الذي تواجهها به الحركة الثورية العربية الجديدة ولجوءها الى المؤسسات الايديولوجية البالية ان عبرت عن شيء فانما تعبر عن افلاس الايديولوجيا القومية التي ظلت هذه الطبقات تحكم بها الجماهير الى اليوم .
ان الديانات اقلت بيننا احنا
وعلمتنا الفانين العداوات
وهل ابيحت نساء الروم
للعرب، الا باحكام الديانات !
ابو العلاء المعري
وهكذا أصبحت الدول العربية التي تعيش من الحقارات وليست هي نفسها الا الحقارة مجسمة أصبحت تعمل دائبة على تحقيق التراكم البدائي للايديولوجيا الدينية ( بدلا عن التراكم البدائي لرأس المال وهو فوق مستواها بكثير ) لتغطية واقعها الزري وتغليف عورتها بضباب من الأوهام . ولنا في دولة القذافي الاسلامية أحسن تعبير عن فراغ الايديولوجيا العربية التي أصبحت كرحى المثل السائر تسمع لها جعجعة ولا ترى طحنا …
لكن اللجوء الى افيون الدين كمسكن لالام الانسانية العربية المعذبة في عصر التقنية والاتمتة لن يكون له المفعول الذي يرجوه حكامنا ولن يمنعهم من السقوط في الهاوية التي تنتظرهم .
أن كل خطوة تخطوها الجماهير العربية للتخلص من مالكي رقابها، من جلاديها، سوف تخلصها في آن واحد من اغلالها الايديولوجية لان التمرد على أولي الأمر هو في نفس الوقت تمرد على سلطتهم الروحية .
ولو عقل حكامنا لعلموا أن شبح الالحاد الذي يؤرقهم ويقض مضاجعهم ليس من فعل « الايديولوجيات الأجنبية » كما يدعون بل هو من صنع التاريخ نفسه . انه ليس شيئا آخر غير شبح الحرب القادمة التي ستحررنا من سلطتهم المادية ومبرراتها الكهنوتية . الحرب التي ستلغي المجتمع والدولة اللذين ينتجان الدين ويعيشان به .
وفي انتظار ان توجه الجماهير الى الايديولوجيا الدينية نقد السلاح علينا أن نستل عليها نحن سلاح النقد حتى نكشف عن حقيقتها ونزيد العار معرة بفضحه .
ان مهمة نقد الاسلام ملقاة على عاتق الحركة الثورية العربية الجديدة لان احدا لم يجرؤ على نقده حتى الآن نقدا جذريا بنقد الأوضاع المتعفنة التي تصنع الدين باستمرار وتغذيه .
لقد تخلى « الشيوعيون » العرب مبكرا عن نقد الاسلام لانهم تخلوا عن كل نقد وظلوا يلهثون وراء الأحزاب القومية ويزايدون عليها في الاصلاحية والانتهازية . ولم تعرف المنطقة العربية في تاريخها الحديث حتى النقد البورجوازي للدين لانها لم تشهد تاريخيا ثورة بورجوازية . أن عجز الطبقة البورجوازية البيروقراطية في بلداننا عن القيام بالمهمة التاريخية للبورجوازية يخطرها الى تغطية ضعفها بالأوهام الدينية . وكلما كان نمط الانتاج بدائيا متأخرا وكلما كانت الدولة غير مكتملة المقومات كان الدين هو التكملة الضرورية لها .
في هذا الجو من التخلف وامام تأخر الشروط الذاتية عن الظروف الموضوعية في العالم العربي لم تفرز الأوضاع العربية كنقيض لها الا شراذم بيروقراطية قاسمها المشترك هو الطمع في الاستيلاء على تركة الطبقة البورجوازية .
ان كل هذه الشراذم والتجمعات ( مهما كانت نوعيتها : ماوية، تروتسكية، قومية مقنعة الخ ٠٠٠ ) لا تعير مسألة الدين اهتماما وفي أحسن الأحوال فهي تنتظر حلها من الثورة البيروقراطية التي تترجاها .
وهل من حاجة الى القول بأنه من العبث أن تنتظر انحلال الدين بعد ثورة بيروقراطية . فالمزبلة البيروقراطية هي بالعكس خير بيئة لانتعاش الدين وترعرعه لان الدين هو الجواب الوحيد المتماسك على الاغتراب الذي تعانيه الجماهير في الجحيم البيروقراطي، وليس ادل على ذلك من ازدهار الدين في السنين الأخيرة في الاتحاد السوفياتي وفي المجتمعات الأخرى عامة فحيثما وجدت الدولة وجد الانفصام وحيثما وجد الانفصام نشأ الدين وترعرع .
من هنا يتضح أن نقد الدين نقدا راديكاليا يجب أن يكون نقطة انطلاق كل حركة ثورية جذرية، ونحن بصفتنا جزء من التيار الثوري الجديد في العالم العربي علينا أن نبدأ بتصفية حسابنا مع الميثولوجيا الاسلامية على قاعدة جديدة .
لقد آن الأوان لكي تلقي بالاسلام دين الخضوع والخنوع في سلة مهملات التاريخ كما ستلقي بالدول العربية تلك البقايا البائدة المناقضة لواقع عصرها في مزبلة التاريخ .
لقد آن الأوان لكي تعيد مكة الى ما كانت عليه قبل الاسلام أي دار زني ومجون كما ذكر المؤرخ الطبري1 ونحن نتحدى اله محمد أن يمسخنا حجرا !
لقد أن الأوان لكي يتحرر الانسان العربي من اغلال سعادته الوهمية ويحقق فوق الأرض وعلى انقاض كل اشكال العالم العربي البانية سعادة حقيقية . هذه السعادة الأرضية ما فتىء الخاضعون لدين محمد يناضلون من أجلها على امتداد القرون رغم كل القمع الوحشي المسلط عليهم . وما تاريخ الاسلام منذ قيامه إلى اليوم الا تاريخ الكفاح ضده للتحرر من عبوديته .
لم يستطع الاسلام منذ ظهوره إلى اليوم أن يكسب قلوب « المؤمنين » ولا أن يمنعهم من اظهار احتقارهم له وعدم اكتراثهم به . فبعد مضي أقل من نصف قرن عن وفاة محمد أصبحت مكة والمدينة من أكبر مراكز اللهو بالامبراطورية العربية . وكانت هاتان المدينتان المقدستان، تزودان باقي مدن الامبراطورية بالقيان والمغنين . أما مسجد محمد فقد جعل منه شباب المدينة ملتقى وناديا يجتمعون فيه لسماع قصائد الغزل ينشدهم اياها حسان بن ثابت شاعر النبي !2
ويحدثنا المستشرق ادم ماتز في كتابه « الحضارة العربية في القرن الرابع الهجري » ان المساجد في البلاد الإسلامية كانت دائما تحتضن لقاءات العاشقين وكانت على الخصوص وكرا لمواقعة الغلمان3 .
وقريبا منا، عبر رجال الفرقة الدينية بالمسجد الجامع بالجزائر العاصمة عن مدى استخفافهم بالدين واستهتارهم به عندما انشدوا بحضور رئيس الدولة الاخواني بو مدين وبمناسبة ليلة القدر اناشيد دينية على انغام اغنية فرنسية شهيرة تدعى « بجانب حبيبتي الشقراء » ! لقد ثارت ثائرة صحيفة « المجاهد » لهذا التحدي الصارخ « لحرمة الدين الحنيف » وهذا « الاعتداء » على مقام أكبر مسجد في العاصمة الجزائرية وختمت الجريدة مقالها ناصحة رجال الدين بأن ينسوا « الشقراوات الاستعماريات » والا فان العاقبة ستكون وخيمة4 .
وهكذا فان حب الحياة والاستمتاع بها كانا دائما أقوى من التقاليد الكهنوتية التي يفرضها الدين بحد السيف . وكما أن الدين يعيش وينمو من الكذب ومن قتل الغرائز والشهوات والشعور بالاثم، فان الحركات الجذرية التي قامت ضده كانت دائما تؤكد على اطلاق هذه الغرائز من عقالها وتحليل ما حرم الاسلام والتخلص من براثن الطقوس المميتة والتمتع بكل ما يلذ للعين وتشتهيه الانفس .
ان السجل الذهبي الذي يكون تاريخ الحركات الهرطقية في الاسلام يشهد على ذلك بوضوح . ففي كل هذه الحركات تقريبا نجد مبدأ الاباحة كأحد الركائز التي يقوم عليها البرنامج الثوري للفرقة الثائرة إلى جانب التأويل « المادي » للاسلام .
كان الشيعة الأولون مثلا يجيزون شرب الخمر وترك الفرائض من صلاة وصيام بحجة ان طاعة الامام هي أهم شيء بالنسبة « للمؤمن » وان ما عدا ذلك حلال . وقد سارت على هذا المنوال جميع فرق الغلاة مستنتجة من تأويلها للقرآن ضرورة ابطال كل الطقوس الظاهرية للدين ومنادية بالتمتع بكل ما هو لذيذ في الحياة .
ولعل أقصى ما بلغته هذه الموجة العارمة للتخلص من اغلال الدين خلال التاريخ الاسلامي كان على يد الاسماعيلية والقرامطة والحشاشين .
لم تكتف الثورة القرمطية بالغاء فرائض الاسلام وطقوسه وانكار الرسل والشرائع كلها، بل عمدت الى تحقيق ذات الانسان على هذه الأرض، الآن وفورا، كما نلمحه في انجازات القرامطة في البحرين وكما جاء في كتابات منظريهم . فنحن نقرأ مثلا في الرسالة المنسوبة إلى القيرواني « وهل الجنة الا هذه الدنيا ونعيمها وهل النار وعذابها الا ما فيه اصحاب الشرائع من التعب والنصب في الصلاة والصيام والجهاد والحج »5. وفي قصيدة منسوبة الى قرامطة اليمن نجد نداء الى نبذ الشريعة الاسلامية وتحريضا على التمتع بكل ملان الحياة :
خذي الدف يا هذي واضربي
وغني هزاريك ثم الطربي
اذا الناس صلوا فلا تنهضي
وان صاموا فكلي واشربي
ولا تمنعي النفس من معرس
من الاقربين أو الأجنبي
وما الخبر الا كماء السماء
حلال فقدمت من مذهب
وهذه شهادة أحد الدعاة القرامطة عند استنطاقه من طرف الوزير علي بن عيسى تقدم دليلا آخر على أن المشروع القرامطي كان يرمي إلى تحرير الانسان من الاستغلال المادي والايديولوجي والى تحقيق سعادته . جاء على لسان هذا الداعي « لقد أمرت بأن ادعو الناس لكي أخرجهم من ظلمات الجهل الى نور المعرفة ومن الضلال إلى الصواب ومن الشقاء الى السعادة ولكي أنقذهم من العبودية والفقر واجعلهم يكسبون ما يريحهم من العمل المرهق »6 .
بماذا واجه الدين اندفاع الجماهير العفوي نحو الحياة وارادتهم في العيش بدون قيد ؟ بالقمع طبعا، لان القمع يكمن في جوهر كل الاديان وفي الاسلام خاصة لان الدين والدولة متلازمان منذ البداية، فالاسلام المطلق من ظهوره كدين ودولة يحكم بالسوط والسيف .
قال محمد « بعثت بالسيف والخير في السيف والخير بالسيف » . وسواء كان هذا الحديث حقيقيا أو موضوعا فالنتيجة واحدة لان الغاية منه هي تبرير بطش الدولة واضفاء الطابع الديني على السلطة الدنيوية وضمان سلطان الحكم بقداسة دين الله وسنة رسوله …
من هنا نستطيع أن نقول أنه لم يكن هناك، خاصة في فترات الازدهار، الا مسلمون، مستسلمون طمعا في السلطان أو خوفا منه أو ضعف عقل منهم .
وللتأكد من ذلك يكفي المرء أن يسأل التاريخ ليرى كيف كانت جميع كنائس العالم وسلطاته الدينية تحارب بضراوة لا مثيل لها كل الحركات الهرطقية المعارضة لها وكيف كانت هذه بدورها حالما تنتصب وتبني دولة تقوم بقمع التيارات الشعبية الراديكالية التي تتجاوزها . ذلك أن كل من يضع الدين الى جانب البندقية لا يمكن الا ان يكون عدوا للحرية . أن كلمة فريري Fréret تأخذ هنا كل معناها « ازيلوا من تاريخ الشعوب كل الجرائم التي ارتكبت باسم الآلهة وباسم الله وتكونوا بذلك قد ازلتم أكبر جزء من وحشية التاريخ » .
ان وحشية الدين، وهي في الواقع ليست شيئا آخر سوى وحشية السلطة الحاكمة تتجلى في الاسلام على امتداد تاريخه مند ظهور النواة الأولى للدولة حتى الساعة الراهنة وتكتسي اشكالا عديدة من التعذيب والتصفية الجسدية الى الاضطهاد الفكري والاقتصادي .
مارس الخليفة أبو بكر القمع ضد القبائل المرتدة وقتل الآلاف من اعراب اليمامة وحضرموت والبحرين لانهم اغتنموا فرصة موت محمد لخلع طاعة الدولة والخروج من بوتقة الاسلام . واضطهد عثمان جماهير الفقراء من مسلمين وأهل ذمة على السواء حتى ادى تعسفه الى قيام ثورة شاملة ادت الى مصرعه على يد الجماهير .
اما بنو امية فان استبدادهم لم يكن يعرف حدا . فقد كان حكمهم يقوم على تفوق العنصر العربي في المجتمع الاسلامي آنذاك وعلى احتكار الارستقراطية العربية لكل مقاليد السلطة . وتبعا لذلك فقد كانوا يحتقرون الموالي ويرهقونهم بالضرائب ويسبون نساءهم حتى لو كانوا يدينون بالاسلام .
للتخفيف من حدة الاستغلال الذي يتعرضون له من طرف الدولة الاسلامية7 دخل أهل الذمة في الاسلام افواجا في عهد الحجاج بن يوسف . وقد تسبب هذا الاجراء في ازمة حادة لميزانية الدولة بسبب نقصان الموارد التي تتدفق عليها من الضرائب العديدة التي يدفعها الذميون، فما كان من الدولة الا أن تنكرت لمبادئها وازاحت قناع الايديولوجية الدينية الذي يستر عورتها الدنيوية وظهرت على حقيقتها أي سلطة زمنية قبل كل شيء . وهكذا أعادت فرض الجزية والخراج على المسلمين الجدد مخالفة بذلك كل تعاليم « الدين الحنيف » . بل أكثر من ذلك، ففي بعض المناطق أمر الولاة بجلد من يعتنق الاسلام لجبره على الرجوع الى دينه حتى يبقى خاضعا لاحكام أهل الذمة أي بقرة حلوب تدر المال على خنازير دمشق الحاكمين ب « كتاب الله وسنة رسوله » .
ما فعله الحجاج بقوة السيف حققه الخليفة « الورع » عمر بن العزيز الذي تملأ اسطورته كل كتب التاريخ في بلادنا العربية8 حققه هذا الامام المنافق بحيلة شيطانية . فقد أصدر سنة ۷۱٩م فتوى تتعلق بالوضع القانوني للمسلمين الجدد أكد فيها ان من يدخل الاسلام من الذميين يصبح مسلما له نفس الحقوق والواجبات التي للآخرين، اما أرضه فتبقى كافرة ولا تدخل الاسلام معه ! واذا تبقى خاضعة للخراج . جاء في هذه الفتوى ما يلي9 « كل من يقبل الاسلام يتمتع بجميع الامتيازات التي للمسلمين ويؤدي الواجبات التي عليهم . … اما أرضه ومنزله فهي فيء انعم الله به على المسلمين جميعا ولو كان هؤلاء ( المسلمون الجدد ) دخلوا قبل أن ينعم الله على المسلمين بالفتح لبقيت هذه الأشياء ملكهم . اما الان فقد دخلت في الفيء الذي انعم الله به على المسلمين جميعا » .
لكن الفتاوى مهما بلغت مهارتها لا تستطيع طمس الواقع ولا تضليل الوعي العفوي للجماهير . ولعل هذا ما حدا بأحد أولئك المظلومين الى اطلاق صرخة احتجاج على هذه السياسة الجبائية التعسفية في قالب حديث، من نافلة القول انه موضوع : « ان الله لم يبعث محمد جابيا وانما هاديا » .
بانقراض دولة بني امية وحلول الدولة العباسية محلها لم ينقرض عسف الجباة ولا ظلم السلطة المركزية ولا استغلال الفئات الفقيرة . وعلى الرغم من أن العباسيين استعانوا بجماهير الموالي الغفيرة للوصول الى الحكم ووضعوا تحت لوائهم كل الفئات الاجتماعية الحاقدة على الأمويين فانهم ما كادوا يبلغون أهدافهم حتى تنكروا لجميع حلفائهم وكشفوا القناع عن وجههم الحقيقي كسلطة اوتوقراطية طبقية .
واذا كان العباسيون قد اتخذوا مفهوما جديدا للسلطة يقوم على اشراك الارستقراطية الايرانية في تسيير دواليب الادارة الجديدة فان سياستهم تجاه طبقة العامة من عرب وموال لم تكن تختلف عن سياسة سابقيهم بل كانت تتعداها بغيا وظلما الى درجة ان أحد أولئك المعذبين في الأرض أطلق هذه الزفرة « فليت لنا جور بني امية » مفضلا جور بني امية على ظلم بني العباس . ليس من المستغرب اذا أن يواجه العباسيون مشاكل خطيرة وان تقوم ضدهم ثورات عديدة كما انه ليس من المستغرب أن تحاول هذه الثورات نسف الاسلام والتشكيك في قيمه . ولا عجب أيضا أن تقوم هذه الثورات باسم الديانات والهرطقات التي غلبها الاسلام أو باسم مفهوم جديد للاسلام .
ان أغلب هذه الثورات كان لها برامج « اشتراكية » متلونة بثوب ديني وقد تحددت ملامحها واختياراتها في مناخ الصراع الطبقي المحتدم انذاك .
ورغم ادعاءات الكتاب الاقدمين الواهية أمثال الغزالي والبغدادي وابن الجوزي وتفسيرات المستشرقين السخيفة بأن هذه الثورات كانت تمثل جهود العقائد التي قهرها الاسلام لتندس فيه وتنسفه من الداخل لتقضي عليه وتحل محله ، أو هي حركات قومية عنصرية تمثل جهود فارس الآرية للتخلص من سيطرة العرب السامية، فان واقع هذه الثورات يفند كل هذه المزاعم ويبين انها انما كانت تقررها عوامل اجتماعية واقتصادية .
اشتعلت نار الثورة بقوة في جبال ايران وكان حملة لوائها بالدرجة الأولى جماعة بابك الخرمي وكان من جملة اعمالهم مهاجمة الملاكين الكبار من عرب وفرس وتجريدهم من أراضيهم واعطائها للفلاحين الفقراء . وقد لاقت ثورة بابك صدى عريضا لدى الطبقات المسحوقة فكان الفلاحون ينضوون تحت لوائه بالالاف . وقد علق المؤرخ السني المقدسي على هذه الظاهرة فقال : « أن الشطار وقطاع الطريق والرعاع وأصحاب الفرق الخليعة قد انضموا اليه بحيث أصبح عدد فرسانه يفوق العشرين الفا ». أما البغدادي فيضيف بأن الخرمية كانوا اباحية « وكان لهم ليلة في جبالهم يجتمع فيها النساء والرجال فيشربون الخمر ويغنون فاذا انطفأت الشموع وشب الرجال على النساء فتقاسموهن على تقدير من عز بز ».
ورغم تحامل كل من البغدادي والمقدسي على الحركة الخرمية وعدائهما السافر لها فاننا نستطيع أن تستخلص من حكمهما أن مصدر الخطر الحقيقي الذي كان يخشاه هذان المؤرخان وغيرهما من السنيين هو البعد الاقتصادي والاجتماعي للحركة الخرمية التي كانت ترمي فعلا إلى تقويض سلطة الطبقة السائدة المادية والروحية .
من بين الثورات الأخرى التي استهدفت القضاء على الايديولوجية الاسلامية وقاعدتها الدنيوية، ثورة الزنج التي انطلقت من البصرة في أواخر القرن التاسع . قلما عرف التاريخ الاسلامي باستثناء حركتي القرامطة والحشاشين حركة هرطقية كان الصراع فيها واضحا جليا وعنيفا لا هوادة فيه بين معسكر الثورة المسلحة بوعيها العفوي ومعسكر الدين والاستغلال المسلح بايديولوجيته الغيبية .
ثار الزنج على ظروف حياتهم القاسية التي كانت دون مستوى كل وصف ووجهوا ضرباتهم في آن واحد إلى مضطهديهم كبار الملاك العقاريين والى الدين الذي يبرر استغلالهم، فكانوا يحرقون المصاحف ويشعلون النار في المساجد وينتهكون حرمتها .
لقد انزعجت الطبقات السائدة من هذه الموجة العارمة التي كانت تعصف بها وبدينها فراحت تستجير بالفقهاء وتصدر الفتاوى وتكرر النداءات الى « المسلمين الصالحين » لمحاربة الكفار المارقين . ويحدثنا المؤرخون ان الصراع بين الزنج وقوات القمع الحكومية اتخذ فعلا شكل الحرب الدينية . فقد كان جيش الخليفة الموفق يضم الى جانب الخمسين الف جندي نظامي الافا من المتطوعين ممن استنفرهم ائمة المساجد كي يهبوا لنصرة الاسلام المهدد ولجهاد الكفرة .
انهزم الزنج وحلفاءهم من خدم المنازل والعمال الفلاحيين والبدو وقمعت ثورتهم في انهار من الدم ولكن لواء الثورة ضد الإسلام ودولته لم يبق طويلا مطروحا فقد حملته من بعدهم ولقرون طويلة الحركة الاسماعيلية وخاصة فرعها القرمطي وفرعها النزاري المعروف باسم الحشاشين .
لم يشهد المجتمع الاسلامي خلال تاريخه حركة هرطقية أوسع وأشمل ولا أعنف في معاداتها لدين الدولة من الحركة القرمطية . فمنذ ابتداء الدعوة القرمطية في سواد الكوفة الى قيام جمهوريتهم في البحرين لسم يفتأ القرامطة يكافحون الدين وينادون بابطال الشرائع والطقوس . كانوا يظهرون احتقارهم للمؤمنين بتلقيبهم بالحمير وبالعميان ويتهكمون من شعائرهم اللاعقلانية التي تجعلهم « يؤمنون بالغائب الذي لا يعقل » و « يقضون حياتهم في التعب والنصب بين صلاة وصيام » و «يقبلون الحجر » و « يرمون الجمار »…
ولعل أكبر ضربة كالها القرامطة للإسلام هي هجومهم على مكة سنة ٩٢٠ واستباحتهم الكعبة مدة سبعة ايام وتقتيلهم للحجيج واقتلاعهم للحجر الأسود وحمله لعاصمتهم الاحساء حيث بقي ما يزيد على عشرين عاما إلى أن استرجعه الخليفة السني مقابل مبلغ طائل من المال .
لقد كانت حجة بربرية لا تبقي ولا تذر كما قال ذلك ابو طاهر الزعيم القرمطي في ابيات مشهورة له حول هذه العملية . ولا شك ان القرامطة بانتهاكهم للكعبة أرادوا أن يحطموا رمزا من رموز الاسلام وأن ينزعوا عن مكة هالتها الغيبية وان يقيموا الدليل على انها ليست سوى بيت كآخر لا رب يحميه . وفعلا فقد نهيت الكعبة وسليت وحولت الى اصطيل الخيل ابي طاهر ولم يحرك الله ساكنا10.
ما بدأه القرامطة في القرن التاسع والعاشر استطاع الحشاشون أن يكملوه ويصلوا به الى غايته في القرون التالية فبعد ان استتب لهم الأمر في فارس وتمكنوا من بناء مجتمع حسب تعاليمهم في قلعة الموت وفي قلاعهم الأخرى أعلنوا لأول مرة في تاريخ الاسلام وامام مرأى ومسمع من سلطات الامبراطورية الغاء الشريعة الإسلامية وابتداء عهد الامام11 وحلون القيامة .
ان هذا التحدي السافر للمذهب الرسمي للدولة الإسلامية من طرف حركة الحشاشين في ايران جعل بعض المؤرخين من مستشرقين وعرب يعتقدون بأن هذه الهرطقة هي مؤامرة على السلطان العربي وعلى قاعدته الروحية لتقويض أركانه من طرف الشعوب المقهورة .
والواقع أن الاسماعيلية الثورية كانت مذهب الطبقات المظلومة من عربية وفارسية في مجتمع تيوقراطي كان الاسلام السني فيه هو المذهب الرسمي للطبقات الحاكمة العربية والفارسية على السواء – ولم يكن كره الارستقراطية الايرانية للفرق الهرطقية الفارسية بأقل من مقت الارستقراطية العربية لها. ان الحركات الهرطقية الاسلامية ليست الا حركات ثورية ما زالت، بحكم شروط عصرها، تتكلم لغة الدين . وهي، خلافا لما يزعمه المؤرخون الاكاديميون، لا تقررها عوامل نفسية12 ولا عرقية بل هي نتيجة حتمية للصراع الطبقي في مجتمع ما زال الدين يشكل نظريته الشاملة .
في هذا الاطار لا تستطيع الطبقات المسحوقة أن تتمرد على وضعها البائس بدون ان تثور على دين الدولة الذي يبرره ويزكيه لا تستطيع ان ترفض السياسة بدون ان ترفض الدين، ولا تستطيع أن تنقد الأرض بدون أن تنقد السماء . وبكلمة واحدة لكي تغير الظروف الاجتماعية الموجودة يتحتم عليها ان تنزع عنها طابعها العلوي .
وكما أن القناع الديني لا يجب أن يحجب الطابع الثوري والمعادي للدين للهرطقات الاسلامية، فان التعلق بشخص الامام والايمان برسالته لا يجب أن يخفي الطابع الرمزي لهذه الرسالة .
نشأت فكرة الامام في بادىء الأمر بين اتباع علي الذين كانوا يرون ان الخلافة يجب أن تكون في أهل البيت . ولكن انهزام علي امام معاوية والقمع المسلط على شعبيته بدد أحلام أنصاره في الوصول إلى الحكم يوما . وبقدر ما ضعفت امالهم تلاشت صورة الامام الحقيقي واصبح الامام شخصا خياليا هو المهدي المنتظر الذي سيملأ الدنيا عدلا بعدما ملئت جورا وصار الإيمان بالامام شعارا يدفع العامة إلى الثورة ولواء يسير وراءه كل المسحوقين من عرب وموال .
وهكذا ترى ثورات عديدة تقوم باسم الامام لا علاقة لها البتة بأهل البيت ولا بمطامحهم في الحكم . تذكر منها على الخصوص ثورة الموالي في الكوفة بقيادة المختار التي أعلنت انها تعمل لحساب الامام محمد بن الحنفية رغم انها لم تكن تدين له بشيء، وثورة الزنج التي أعلن قائدها انه من سلالة العلويين لكي يكسب تأييد الجماهير الغفيرة المعارضة للحكم القائم .
ان من يلقي نظرة على تاريخ المجتمع الاسلامي يلاحظ أن فكرة ظهور الامام وقرب مجيئه كانت تبرر وتتبلور في فترات الأزمة . فكلما كان شعور الجماهير بالظلم والاستغلال قويا كلما كانت حاجتها الى مجيء الامام لتخليصها من بؤسها شديدة .
وهكذا ظهرت فكرة الامام في خراسان بعد فشل ثورة زيد بن علي ومقتل صاحبها وساد البلاد هيجان كبير وكان الناس يتوقعون نهاية الدنيا وحلول القيامة وقرب مجيء الامام المنقذ الذي سيخلصهم من استبداد الطبقة الحاكمة . كما ظهرت في آخر العهد الأموي حيث كان الناس ينتظرون مجيء الامام بالرايات السوداء ليطيح بحكم بني امية ويريح الجماهير من ظلمهم وفسادهم وفي أماكن أخرى من الامبراطورية الاسلامية ظهر الائمة كلما كانت الحاجة اليهم ماسة وسارت وراءهم الجماهير تبغي الخلاص من عبوديتها . ورغما عن انهزام كل هذه الثورات فان الجماهير كانت دائما ترفض الاستسلام وتعلن أن الامام لم يمت وانه سيعود بعد غيبته ليملأ الدنيا عدلا .
وهكذا فأن فكرة المهدي المنتظر كانت المحرك لثورات الطبقات الكادحة في المجتمع الثيوقراطي العربي الذي لم تكن ظروفه لتسمح للوعي الثوري الواضح بالتغلغل وسط الجماهير .
اما البروليتاريا العربية الحديثة فستدرك بأن الامام ليس خارج الأرض ولا هو قيادة بيروقراطية منفصلة عن ارادتها، وستدرك كذلك بأن المحرك الوحيد للثورة هو فعلها الواعي لتحرير نفسها بنفسها وعندها ستلقي بالدين في مزبلة التاريخ وتقيم قيامة العالم القديم .
ابو طاهر القرمطي
افيقوا افيقوا يا غواة فانما
ديانتكم مكر من القدماء
ارادوا بها جمع الحطام فادركوا
وماتوا وباءت سنة اللؤماء
المعري
[العودة الى صفحة محتويات المجلة]
- « كان أول من ولي من جرهم البيت مضاض ثم وليت بعده بنوه كابرا عن كابر حتى بغت جرهم بمكة واستحلوا حرمتها واكلوا مال الكعبة وظلموا من دخل مكة ثم لم يتناهوا حتى جعل الرجل منهم اذا لم يجد مكانا يزني فيه يدخل الكعبة فزني فزعموا أن اسافا بغى بنائلة في جوف الكعبة فمسخا حجرين وكانت مكة في الجاهلية لا ظلم ولا بغى فيها ولا يستحل حرمتها ملك الا هلك مكانه فكانت تسمى الناسة وتسمى بكة تبك اعناق البغايا اذا بغوا فيها والجبابرة ». الطبري، ج ۲، ص ٢٨٤، دار المعارف بمصر القاهرة ١٩٦١ . ↩
- انظر بلاشير : تاريخ الادب العربي حتى العصر الأموي . ↩
- ادم ماتز : الحضارة العربية في القرن الرابع الهجري . ↩
- جريدة لوموند، بتاريخ ۱۰-۱۱-۷۲ ↩
- انظر باب : الباطنية، في « الفرق بين الفرق » للبغدادي . ↩
- انظر باب : الباطنية، في « الفرق بين الفرق » للبغدادي . ↩
- كان أهل الذمة يدفعون نوعين من الضرائب : الجزية وهي ضريبة شخصية قارة . والخراج وهو ضريبة على الأرض ويتراوح مقداره بين ۲۰ بالمئة و ٥٠ بالمئة من منتوج الأرض حسب تعسف الجباة . اما اذا دخل الذمي الاسلام فانه يعفى من الجزية ولا يدفع الا الزكاة اي 10 بالمئة من مدخوله . ↩
- لم يستطع التخلص من هذه الصورة المثالية حتى مؤرخ عقلاني مثل عبد العزيز الدوري فقد جاء في « مقدمته للتاريخ الاقتصادي العربي » : « واكد عمر العدل في المعاملة وحاول ايقاف تجاوزات بعض العمال ( ۰۰۰) نجح عمر بن عبد العزيز في اجراءاته لانه وضعها في اطار المفاهيم الإسلامية » . ↩
- عن جيب ، هـ . ا . ر.، في مجلة اربيكا جانفي، ١٩٥٥ . ↩
- انا بالله وبالله انا
يخلق الخالق وافنيهم انا … ↩ - يذكر المؤرخ رشيد الدين ان اعلان القيامة تم في يوم ١٧ رمضان من سنة ٥٥٩ (٨ اوت ١١٣٤ ) في منتصف النهار من طرف الامام الاسماعيلي الحسن الثاني المشهور باسم « الحسن على ذكره السلام » ويقول بأن الحسن بعد أن جمع رعاياه في ساحة قصر الموت تلا عليهم رسالة من أمام الزمان جاء فيها، أن الامام يقرنكم السلام ويقول لكم بأنكم عباده الاخبار ويحط عنكم عب الشريعة وبدخلكم القيامة، ويضيف رشيد الدين بأن الحسن نزل بعد ذلك من منيره ثم دعا الحاضرين الى الافطار والى الاحتفال بالقيامة . ومنذ ذلك التاريخ أصبح يوم ١٧ رمضان يسمى يوم القيامة لديهم وقد اعتادوا ان يتركوا العمل في هذا اليوم ويطربوا ويشربوا الخمر . ↩
- هكذا يفسر المستشرق البلجيكي هابيل ظهور حركة الخوارج والحركة الإسماعيلية . يقول هابيل : « ان نشأة الخوارج كانت نتيجة شعور أنصار علي بخيبة أمل كبيرة بعد ان رضي علي بالتحكيم مخالفا بذلك حكم الله ومرتكبا خيانة بشأن اتباعه ». اما الهرطقة الاسماعيلية فيعزو ظهورها إلى شعور الشعوب التي قهرها الاسلام بالحرمان بعد أن فقدت مع استقلالها السياسي دين أبائها وأجدادها الذي كان يعطي معنى عميقا لحياتها . ↩