
مصر يا ما يا سفينة
مهما كان البحر عاتي
فلاحيك ملاحيك
يزعقوا للريح يواتي
اللي عا الدفة صنايعي
واللي عالمجداف زناتي
واللي فوق المصاري
شايف كل ماضي وكل آتينجم – الشيخ امام
« لقد تأخى بعد أفظع حرب في العصور الحديثة المغلوب والغالب لينكلا معا بالبروليتاريا . ان هذا الحدث الذي لم يسبق له مثيل يبرهن، لا كما يظن بسمارك، على السحق النهائي للمجتمع الجديد الصاعد، بل على الانحلال الشامل للمجتمع البورجوازي الهرم . ان أكبر جهد بطولي يستطيع المجتمع القديم الاقدام عليه هو الحرب القومية . ولقد اقيم البرهان الآن على أن هذا ليس الا تضليلا محضا من الحكومات مرصودا لتعويق الصراع الطبقي لا يلبث أن يتناثر هباء حالما ينفجر الصراع الطبقي حربا أهلية . السيطرة الطبقية لن تستطيع بعد اليوم ان تتستر تحت بزة قومية . الحكومات القومية يد واحدة ضد البروليتاريا » .
ماركس
« ذلك ان صراع الطبقات قد اتخذ في عصر الثورة، بصورة حتمية لا مناص منها ولا مرد لها، وفي جميع البلدان، دائما شكل حرب أهلية » .
لينين
« سيكون القتال ضد البروسيين لمصلحة البورجوازية جنونا » .
انجلز
الحقبة الثورية الجديدة التي دشنتها البروليتاريا المصرية بنضالاتها المتلاحقة توجت بانتفاضة حلوان ( سبتمبر ۷۱ ) . هذه الانتفاضة، رغم قصر مدتها ومحدودية مطالبها توجت ونمت في وقت معا تحريضا ثوريا، جديدا وحيا ما زال حاضرا في وعي واماكن عمل البروليتاريا المصرية . وستكون بذلك مصدر الهام للانتفاضات البروليتارية والجماهيرية القادمة في مصر والعالم العربي، والتي ستكون أكثر راديكالية وشمولا وأعمق وعيا وأصلب عزما من انتفاضة حلوان المجيدة .
لتاريخ هذه الحقبة الجديدة، كعلامة فارقة بين عهدين، اتوجه لعمال مصر بهذه الرسالة :
أول صفحة في كتاب الصراع الطبقي
يا عمال مصر . انكم في قطر اذا ثار ثار العالم العربي كله . واذا نام نام العالم العربي كله . انكم في مصر التي قادت العالم العربي روحيا على امتداد العصر الحديث، فكل ما ساد فيها من ايديولوجيات، من اصلاحية عبده والافغاني الدينية الى اشتراكية عبد الناصر العربية، ساد بعدها بدرجات متفاوتة وعلى فترات أحيانا متباعدة في العالم العربي كله .
بعد هزيمة عبد الناصر ( يونيو ٦٧ ) التي كانت هزيمة طبقته في مصر والعالم العربي، انتقلت قيادة الثورة العربية الى حركة الشعب الفلسطيني المسلحة . حركت هذه الحركة شبه العفوية خيال الجماهير العربية وحرضتها على ترك مقعد المتفرج على الأحداث لتحتل موقع الصانع للأحداث، على التحرر من وصاية الأنظمة السائدة والاستقلال عن القيادات القديمة التي كانت، على اختلاف يافطاتها، اما تدور في فلك عبد الناصر وأما تلهث وراءه كما هو حال الأحزاب الستالينية مثلا .
لن تستطيع، بعد اليوم، مواعظ وصلوات جميع الكهنة أن تعيدها الى الوصاية من جديد . لقد عجز عبد الناصر، بفضل ظهور المقاومة، عن الاستمرار في حكم الجماهير العربية روحيا وهو وراء مكتبه في قصر القبة . وهو اليوم أكثر عجزا على حكمها من وراء قبره .
لقد علمت حركة المقاومة الجماهيرية بنجاحاتها الجزئية وبهزاءمها الساحقة، أن لا فرق بين حسين وعبد الناصر . وان الأنظمة العربية، كلها يد واحدة ضد كل حركة جماهيرية مستقلة او تحاول أن تستقل عن وصايتها القاتلة . لقد لاشت المقاومة الفلسطينية الفوارق الشكلية التي كانت قبل يونيو ٦٧ قائمة بين الانظمة العربية، وكشفت امام عيون الجميع وكل أحد تماثلها الجوهري : عجزها عن تحرير الأرض المحتلة في ٤٨ و ٦٧ من الدولة الصهيونية وقدرتها فقط على قمع الجماهير الكادحة، بمجرد أن تتحرك لطلب فواتير الحساب .
وأخيرا علمت المقاومة الجماهير العربية درسا لا ينسى : تناقضات الجماهير العربية مع الامبريالية والصهيونية لا سبيل لحلها الا بالصراع الطبقي – لا بالوحدة القومية المقدسة – مع كوابيس الانظمة العربية المستقلة كليا عن الجماهير والخاضعة كليا لهذه أو تلك من الامبرياليات الاساسية أو الثانوية او لها جميعا بدرجات متفاوتة .
وضع حسين مسنودا بالتواطؤ الفعلي من جل الأنظمة العربية ومدعوما ببدائية وعجز قيادات المقاومة التي روجت شتى الأوهام عن توجيه كل البنادق نحو العدو القومي – نهاية الحركة المقاومة . وبذلك انتهت آخر وأعظم حركة قومية راديكالية . وهكذا طويت، في سجل القومية العربية، آخر وأروع صفحاته .
لقد تسلمتم انتم، عمال مصر، قيادة الثورة العربية الجديدة . عندما فتحتم أول وأمجد صفحة في سجل الصراع الطبقي المتجدد الذي هو المحرك الأساسي للتاريخ المعاصر شرقا وغربا . لهذا فمستقبل الثورة العربية بين أيديكم، أيديكم الأمينة . انكم انتم عمال مصر مدعوون تاريخيا لتكونوا الفصيل الامامي للبروليتاريا العربية حيث كانت، لدك الطبقات، والزمر السائدة، لدك عبودية العمل المأجور دكا، لوضع جثة المجتمع العربي الملوكي الأتوقراطي والجمهوري البيروقراطي العسكري والمدني في تابوت ودفنها، لبناء حياة نوعية جديدة ومجتمع جديد، ثوري لا مكان فيه للبؤس المادي والنوعي، لا امكانية فيه للمراتب، وبالتالي لا امكانية فيه للاستغلال والبيروقراطية المضادة للثورة .
النضال في سبيل هذا الهدف الجديد الذي شرع فيه أكثر من فصيل من فصائل الطبقة العاملة العربية يعبر في وقت معا على ان الداء الذي تشكو منه الجماهير العربية واحد : سيادة الانظمة القائمة . والدواء الذي تنشده واحد : سلطتها هي، عبر مجالسها، في جميع الأقطار .
مطلوب منكم انتم، عمال مصر، أن تكذبوا عمليا أكاذيب منظري التخلف المتخلفين الذين فصلوا، في خيالهم، بجدار صيني، حقيقة ومجازا، بين العالم المتخلف اقتصاديا والعالم المتقدم اقتصاديا . وافتعلوا صراعا وهميا بين العالم المتخلف الذي يمثل جميع سكانه بروليتاريا العالم وبين العالم المتقدم الذي يمثل جميع سكانه بورجوازية العالم . وزعموا بأن الثورة في العالم الأول قومية معادية للامبريالية أساسا ومن ثم فهي من شأن جميع الطبقات « المعادية » للامبريالية . وان الثورة في العالم المتقدم اشتراكية بعد أن أحالوا سلفا امكانية هذه الثورة الى الرزنامة الاغريقية، الى أجل غير مسمى الى ما بعد تحقيق الثورة البيروقراطية الاشتراكية في عالمهم المتخلف .
فهل ستبرهنون انتم، عمال مصر، بنوعية ثورتكم الجذرية، بمضمونها الطبقي والأممي ان العالم وحدته البضاعة المراتبية، وانه ببيروقراطياته المتقدمة والمتخلفة اقتصاديا وبورجوزياته المتطورة والنامية واحد، وأن جميع الطبقات المسودة فيه خاضعة لسيطرة من طبيعة مماثلة : في الغرب تخضع البروليتاريا، سواد الشعب، لديكتاتورية الانتاج، للاستهلاك المراتبي . لمركزية الاعلام والاستبداد غير المرئية . فهي تمتلك كفاية من النقود والبضائع ولكنها لا تمتلك السعادة . أي لا تمتلك فرحة الحياة، السلطة على استخدام حياتها اليومية المتحررة كما تشاء وتريد . ان بؤس حياتها نوعي . وفي العالم البيروقراطي الستاليني الأوروبي والاسيوي تخضع البروليتاريا السائدة عدديا والمسودة سياسيا لديكتاتورية « تنفيذ المخطط »، لديكتاتورية بوليس الحزب – الدولة، ولديكتاتورية استهلاك الكذب الايديولوجي الذي يطلع النجوم في الظهيرة وينزل اقصى العقوبات بالذين لا يصدقون ما يسمعون . هنا الفكر النقدي راسب بورجوازي مضاد للثورة، يطارد كما كانت كنائس العصور الوسطى تطارد الهراطقة والشياطين . وفي العالم الثالث، تخضع أوسع الجماهير الشعبية لطاعة العصا وطاعة التجويع مثلما هو حالكم انتم في مصر حيث كانت الحرب الخاسرة التي خاضتها البيروقراطية العسكرية الناصرية وبالا عليكم .
الحرب الوحيدة المقدسة
لقد تركتم انتم وابناؤكم على رمال سيناء من ٥ الى ٩ يونيو ٦٧ حسب الاعتراف الرسمي ١٥ الف قتيل . وحسب التقديرات الاسرائيلية ٥٠ الف قتيل . وأكثر من ذلك فمنذ الحرب أصبحت مصر، أكثر من أي وقت مضى، من أوائل الأقطار العربية من حيث عمق الهوة التي تفصل بين أقلية تتمرغ في العار والبذخ وأغلبية يشكلها ملايين من العمال، الفلاحين والعاطلين تمرغ قهرا في الاذلال والبؤس الشامل . وتحت شعارات قومية مضللة : « لا صوت يعلو على صوت المعركة » و « التضحية بكل شيء في سبيل المعركة مع العدو القومي » … كتمت البيروقراطية المصرية التي تحتاج، ككل طبقة ظالمة، الى جلاد وكاهن – الى شعراوي جمعة وهيكل – أصواتكم بقوة الحديد والنار في حلوان والقاهرة ( فبراير ٦٨ ) وفي الاسكندرية والمنصورة ( نوفمبر ٦٨ ) . وبقدر ما كان نشاطكم الثوري المستقل يتعاظم في كل مدينة، في كل مصنع تقريبا على امتداد ٥ سنوات، كان جلادو البيروقراطية العسكرية وكهنتها يرددون في جوفة : المطالب العمالية كفر بالتضحية الوطنية، الاضرابات خيانة قومية طالما العدو يحتل أرض مصر و ۰۰۰ « لا صوت يعلو على صوت المعركة » . هذه المعركة التي لم يخوضوها وأكبر الظن انهم لن يخوضوها الا على موجات محطة اذاعة القاهرة وصوت العرب !1 .
انتم عمال مصر، كجميع عمال العالم، وكجميع الأمميين لا تعرفون ويجب ان لا تعترفوا الا : « بحرب واحدة مقدسة وشرعية في نظر البروليتاريا هي الحرب ضد الرأسمالية، الحرب من أجل تحرير الانسانية من عبودية العمل المأجور » ( لينين ) . الحرب التي تجعل منكم انتم عمال مصر السلطة الوحيدة، المباشرة والمطلقة في مصر، السلطة التي تعر فمتى وكيف تخوض حرب التحرير .
في الوقت بالذات الذي تطلب فيه السلطة منكم مزيدا من التضحيات حتى لم يبق عندكم ما تضحون به الا حياتكم البائسة نفسها، فأن دخل البيروقراطيين العسكريين والمدنيين وبورجوازي القطاع الخاص يتعاظم بنسب هائلة ( الفوارق في الأجور هي من ١ الى ٦٠ حسب الاحصاءات الرسمية وأكثر من ١ الى ۱۲۰ فعليا ) ، واملاك الخونة وكبار الملاك العقاريين تعاد اليهم . أعيدت في عهد السادات وحسب دفعة واحدة أملاك أكثر من ١٢ الف مالك عقاري كبير …
ردكم الوحيد على جميع هذه الاهانات المتلاحقة وعلى جميع الملاحقات المهيئة كان – ولا يمكن الا ان يكون – التمرد من أبسط تعبيراته : النكت الساخرة الى اعلاها : الاضراب الجماهيري الهجومي، الانتفاضة . وهكذا ولأول مرة في مصر الناصرية لم يعد النقد هواية يمارسها مثقفو « مقهى ريش »، ولا ثرثرة رجعية يجترها الباشوات القدامى، المستاؤون من الباشوات الجدد، بل أصبح نقدا عمليا يخوضه ملايين العمال، الفلاحين والجماهير الطلابية التي طال ليلها وعذابها .
نقدكم الجديد هو عودة الروح الى مصر الجديدة، مصر التي عاد الصحو فيها الى جميع العيون، مصر التي يعتز بها ويتعرف على أنفسهم فيها كل الثوريين الأمميين عربا كانوا أو غير عرب :
بعد يونيو ٦٧، وبشكل أكثر كثافة، بعد موت عبد الناصر، استيقظت الجماهير الريفية في طنطا، شبين الكوم، كمشيش وابو كبير وفي قرى وأمكنة أخرى .. وبدأت تذكر نفسها، عبر التمرد والعنف، بيؤسها المزمن، بمصائبها المتراكمة، بحقوقها التي لم تنلها قط الا في أكاذيب الاذاعة الرسمية .
صراخ الفلاحين المتصاعد في سبيل تحررهم الذاتي يجد ضمانة أكيدة بعدم اجهاضه ديماغوجيا واسترداده اصلاحيا بفضل صراعكم انتم، عمال مصر في المدن والمجمعات الصناعية . هذا الصراع الذي سيغطي كل البلاد ويعبر بشمول عن مطالب كل الفئات الراديكالية .
منذ خمس سنوات بدأت البروليتاريا المصرية تصعد صراعها مع البيروقراطية العسكرية وحلفائها في القطاع الخاص . وبذلك بدأت تعبر عما كان يختلج في صدور أوعى جماهير شعب مصر وجماهير الامة العربية وما يدور في رؤوسها . وهكذا دشنتم الصراع الطبقي الجديد الذي لم يعد بحاجة الى ان يخفي هويته تحت عباءة دينية أو قومية كما كان في الماضي . وتاريخ مصر، منذ القدم، هو، على العموم، تاريخ الصراعات الدينية .
ظهور نشاطكم الثوري المستقل ليس حدثا هاما وحسب بل هو بداية تاريخ جديد : بداية ثورات القاعدة، بعد أن اتضح نهائيا الا للأعين المصابة بيرقان الناصرية، أن الثورات العسكرية الفوقية التي دشنها عبد الناصر واختتمها مسخه : القذافي مضادة لا للثورة وحسب، بل للأمة والتقدم حتى بمفهومه البورجوازي الاقتصادي البحث . وهكذا دشنتم بداية التاريخ الذي ستصبح فيه البروليتاريا العربية هي نفسها الامة العربية وقد حققت ذاتها .
كامتداد لتصاعد صراعكم وصراع الفلاحين في مصر وبعض الاقطار العربية، تحركت الجماهير الطلابية في مصر عموما وخصوصا في القاهرة ( ١٤ – ٢٨ يناير ۷۲ ) . عبرت القاهرة عن وحدة الانسانية المفكرة والانسانية المتألمة التي هي شرط من بين أهم شروط الثورة العربية اليوم .
طالب الطلاب، بشيء من البلبلة الملازم لطبيعتهم، بعدد من المطالب غير المتساوية في النضج وراديكالية أهمها حل الاتحاد الاشتراكي، تسليح الشعب، انهاء الفصل بين الجيش والشعب أي بين الحرب والثورة وبالحق في الكلام .
لكن أهم وأنضج ما عبرت عنه حركة طلاب القاهرة هو تقييمها الواقعي لدور الطلبة . واعترافها بأن الثورة لن تكون من صنعهم بل من صنع الطبقة العاملة التي وضعوا أنفسهم تحت طلبها .
الحق، كل الحق، مع الطلاب الذين وعوا هذه الحقيقة الجوهرية . فالطلبة، ككل، ليسوا مادة الثورة الجديدة . بل أنهم، ككل، يشكلون عقبة امام احتمالات الثورة السوفياتية ( المجالسية ) العربية القادمة . ذلك أن الطالب بواقعه الاجتماعي : عابر سبيل بين الطبقات خلال الدراسة الجامعية . عامل جاد في سبيل الحصول على شهادة يوظفها – بديلا لرأس المال – في خدمة أجهزة الدولة القمعية القائمة . وبتطلعاته : حريص على تقسيم العمل الذهني واليدوي وعلى امتيازات السلطة المراتبية التي تقول للمرؤوس انت مرؤوس والرئيس انت رئيس . وترى في ذلك قانونا ضروريا للتوازن الاجتماعي، لا محصلة لسيطرة طبقة على باقي الطبقات . ولهذا السبب نعاين ان وعي الفصائل الأكثر راديكالية من الطلاب لم يتجاوز – ومن الصعب أن يتجاوز – ضرورة ثورة بيروقراطية تعيد انتاج العالم القديم بمراتبه، بفصله العامل عن منتوج عمله، ببوليسه، بجيشه المحترف، بقمعه وبجميع أودية دموعه ودمائه التي عرفناها وما نزال منذ أكثر من نصف قرن، تحت اسماء لم تعد تماما جديدة .
ما هو أكثر سوءا من جميع هذه الاحتمالات : أن هذه الثورة البيروقراطية لا تقول اسمها . بل تتسمى اشتراكية حتى تزيف الوعي الثوري وتخلفه وحتى تضع نهاية تعسفية لتاريخ صراع الطبقات، « كان هناك تاريخ ولم يعد هناك تاريخ » ( ماركس ) الذي يصبح تحت سلطتها مضروبا بالحرم الديني، اردت ان اقول الاشتراكي، ومقموعا بوليسيا .
مهمة الطلاب : اغلاق الجامعة من الداخل
ما هو أكثر سوءا من جميع هذه الاحتمالات : أن هذه الثورة البيروقراطية لا تقول اسمها . بل تتسمى اشتراكية حتى تزيف الوعي الثوري وتخلفه وحتى تضع نهاية تعسفية لتاريخ صراع الطبقات، « كان هناك تاريخ ولم يعد هناك تاريخ » ( ماركس ) الذي يصبح تحت سلطتها مضروبا بالحرم الديني، اردت ان اقول الاشتراكي، ومقموعا بوليسيا .
من هنا مهمة العمال الثوريين، الذين وعوا بأن الحد الاقصى، الذي هو في نفس الوقت الحد الأدنى، للثورة العربية الجديدة، لا يقف عند المهمة السلبية : تحطيم الدولة القديمة بجميع ادوات قمعها البوليسي والايديولوجي كما هو مسطور في « الدولة والثورة » ( لينين) ، بل الانتقال فورا وفي نفس الوقت الى المهمة الايجابية : اقامة التسيير الذاتي العمالي والشعبي لكل مرافق الحياة الجديدة القائم لا على مبدأ التمثيل البورجوازي أو على مبدأ التفويض الطويل الأمد البيروقراطي بل على مبدأ وممارسة الانتخاب المباشر من القاعدة للمندوبين . وعلى حق الجماهير المسلحة التي انتدبتهم في رقابتهم الدائمة، في عزلهم واستبدالهم في أية لحظة . قلت مهمة هؤلاء العمال الثوريين، بمعنى الواعين بأن الثورة التي يتعرفون فيها على أنفسهم هي الالغاء الكامل والشامل لكل أنواع الاستلاب وللأرضية نفسها التي ينبت عليها الاستلاب : الفصل بين العامل وبين منتوج عمله، بين سلطة التشريع والتنفيذ، بين المدينة والريف وبين الانسان وجوهره الذي هو حريته . مهمتهم هي أن يواجهوا بالنقد الراديكالي الحركات الطلابية لا بقصد الاستهانة بدورها التحريضي ضد الأنظمة العربية الاستبدادية التي لاشت الفوارق بين المدارس والسجون والتي تقدم لهم معارف بالية لا تفيدهم في الحياة وشهادات لا توفر لهم جميعا الاستخدام الذي ينشدون، بل بقصد مساعدة العناصر الأكثر راديكالية من الطلاب – العناصر التي تمثلت مسيرة التاريخ وتعلقت بتاريخها المقبل – على تجذير وعيها بل ودفعه نوعيا نحو تجاوز حدوده الراهنة التي هي حدود الجامعة التي ولد بين جدرانها وتغذى بتفاهاتها وسمومها وتذكيرهم بأن دور الطبقة العاملة، الصانع الرئيسي للثورة، لا بديل له .
يمكن أن يكون تحرك الطلاب، كما يمكن أن يكون تحرك آية فئة هامشية أخرى، مناسبة لانفجار البركان الثوري . لكنهم لن يكونوا، بحكم وضعهم ووعيهم، طليعة ثورية .
الدور التحريضي الذي يستطيع الطلبة الراديكاليون أن يلعبوه هو أولا في الجامعة : مقاطعة الاتحادات الطلابية المفروضة التي تزور ارادتهم، رفض اشكال التنظيم النقابي البالي الذي يكرس انفصالهم عن العمال، منع الاساتذة الرجعيين بكل الوسائل، بما في ذلك السخرية منهم والحيلولة دون القاء المحاضرات، من نشر أكاذيبهم وغباواتهم الاكاديمية وتحقير البرامج الدراسية التافهة، الكتب المدرسية المحلة والاساتذة الذين جاؤوا يعلمون ما لم يتعلموه بعد، في وعي جماهير الطلبة ومقاطعة الدروس والفحوص، وباختصار مقاطعة الجامعة المنفصلة عن الشعب والعاملة على فصلهم هم عن الشعب، والتي ليست الا معملا لاعادة المراتب والانتاج الموسع للكوادر الوسطى والعليا للانتاج والدولة . أن مهمتهم، والبرهان على فعاليتهم الثورية هي اغلاق الجامعة من الداخل، كخطوة أولى ضرورية لدخولهم الى جامعة الثورة النقدية التي لا جدران لها ولا أساتذة فيها حيث الجميع يعملون ويتعلمون، في نفس الوقت، في المتاريس المسلحة، في قتال الشوارع المنتفضة وفي مناطق الريف المحررة . هذه هي الجامعة الوحيدة التي يتاخى فيها الطلاب مع الجماهير البروليتارية ويعيدون فيها صياغة وعيهم وطموحاتهم لنزع سلطة نازعي سلطة الشعب .
يستطيع الطلبة أيضا في الجامعات التي لم يغلقوها بعد أن يكونوا صحافة الشعب العلنية في الجامعة : يكتبون على الجدران ويثيرون صراحًا، خلال المحاضرات، أنباء القمع المعنوي والدموي الذي تمارسه السلطة ضد الجماهير، أن يتحرشوا بجلاويز السلطة في الجامعة، ان يحولوا فضائح السلطة الى فضائح يومية على كل لسان وان يحتلوا الجامعات في أول فرصة ويفتحوها للعمال والزعران والجماهير الشعبية لكي يحولوها جميعا الى منبر حر بل والى محكمة شعبية مفتوحة لمحاكمة الأنظمة الحاكمة ويحرضوا منها الجماهير على أن تعمل مثلهم فتحتل المصانع، أماكن العمل والمدارس الثانوية .
التحريض الثوري = احتلال المصانع
لكي تقطعوا الطريق على الذين رشحوا أنفسهم، طلابا كانوا أو غير طلاب، داخل أو خارج مصر، ليتكلموا بالنيابة عن البروليتاريا المصرية، على العناصر الطليعية وعيا منكم انتم، عمال مصر، أن تشكل فرقها ومنظماتها العمالية المستقلة عن وصاية المثقفين الستالينيين والشعراويين والتي لا هدف لها غير هدف الطبقة العاملة نفسها : اقامتها سلطتها الجماعية المباشرة والمطلقة .
دور الفرق العمالية المستقلة : التحريض لتوسيع وتعميق كل نضال جزئي ليصبح أكثر شمولا وجذرية، دفع بداية أي نضال ساخن في المدن أو في الأرياف الى اعطاء أقصى الامكانيات الثورية، أن تقول، بدون كلل، للبروليتاريا المصرية – وبالتالي العربية – انها لن تفتل عضلاتها وتكتسب قوة هرقلية الا بمثل هذا التحريض الحي : عبر الاضرابات الجماهيرية الكثيفة والمفتوحة، عبر احتلال المصانع وأماكن العمل وتسييرها، عبر اعتقال البيروقراطيين الاداريين والنقابيين الذين هم بوليس عدوكم الطبقي داخل صفوفكم – وحسنا فعلتم، أنتم العمال في حلوان باعتقال زعيم النقابة الذي جاء لنجدة الدولة – وعبر قتال الشوارع ونهب المخازن التجارية الكبرى الدولوية والخاصة . وعبر تحقيق العمال لمطالبهم بطريقة ثورية : بأنفسهم، تماما كما فعل اسلافكم الثوريون، عمال بطرس بورج ( ۱۹۰٥ ) الذين قرروا بواسطة المجلس العام لمندوبي العمال المنتخبين مباشرة من القاعدة أن يحققوا يوم عمل من ٨ ساعات بدلا من ۹ و ۱۰ ساعات، وفي يوم متفق عليه أعلموا المعلمين انهم لا يريدون العمل أكثر من ٨ ساعات . وفعلا غادروا أماكن العمل في الوقت المحدد .
ما بادر اليه عمال حلوان : اقامة البرهان العملي على عدم جدوى – بل على مضرة – حضور المدراء البيروقراطيين في المعامل . وهكذا اعتقلوهم وواصلوا العمل بدونهم في مناخ فريد من النشاط الحر الذي جعل قدرتهم على الانتاج تزداد، يجب أن يعيد اكتشافه ويبرهن على صحته كل عمال مصر داخل المصانع وخارجها على مستوى الانتاج وعلى مستوى الدولة . ثورة الطبقة العاملة تنطلق دائما من المصانع لتشمل بنقدها المسلح كل مظاهر السلطة، كل أشياء الحياة اليومية التي تمشي على رأسها .
نكتكم النقدية على البرامج التلفزيونية والاذاعية التافهة، على تلفون النجدة المعطل، بينما عام « الحسم » الشهير يشارف على نهايته، على قذارة الشوارع، على المصاعد المعطلة على امتداد السنة، على البالوعات التي تنسد من أول « غارة مطر »، على حد قول عبارة نكتكم، فتغرق الشوارع في طوفان وتتوقف الحركة، على السلطة التي لم تصل سيارات اطفائها الى دار الأوبرا التي تحترق الا بعد بضع ساعات . وتساؤلكم الساخر : كيف تستطيع الدولة ان تطفيء عشرات الحرائق اليومية التي سيحدثها طيران العدو بمباني القاهرة غدا ؟ نقدكم هذا يشير، منذ الآن، الى نوعية مشروعكم لتنظيم الحياة اليومية المصرية الأرقي نوعيا ۱۰۰۰ مرة من فوضاها الكتيبة الراهنة . والى فعالية الدفاع الذاتي الذي ستواجه به كومونة القاهرة العمالية القادمة، مثلما تواجه هانوي اليوم، غارات العدو الوحشية .
مهما تكن الأسباب الأولى للنضال البروليتاري مطلبية – النضال المطلبي غير الموجه ينطوي، في الأنظمة الاستبدادية، بقوة الاشياء على نضال سياسي ثوري – فان هذا النضال المطلبي لن يلبث – ويجب – ان يتجاوز مطالبه الأولى تحت دفع جدليته الداخلية وبفضل تحريض العمال الطليعيين الواعين بأهداف الحركة ككل، ليتحول الى اضراب هجومي، الى انتفاضة صريحة شاملة لكل البلاد وطارحة كل المطالب في وقت واحد . مطالب تضع السلطة في عجز مزدوج : عجزها عن الاستجابة لها وعجزها عن رفضها دون أن تسقط في الحالتين .
الاضراب الهجومي هو الذي يجب أن يشكل اليوم الاداة الأساسية للعمل البروليتاري المستقل عن كل وصاية خارجية : عن النقابات الرسمية، عن الفرق الستالينية أو الشعراوية ( نسبة للسفاح شعراوي جمعة ) المعارضة .
هدف هذه الفرق العطشى للسلطة البيروقراطية : تحريك الحركة الجماهيرية ببركات عصا اشارتها، ركوب ظهرها طوعا اليوم وركوب ظهرها كرها غدا على رأس دولة بوليسية ماركة ستالين أو ماركة شعراوي تعسكر العمل وتجيش الشعب وتكم الافواه أكثر مما هي مكمومة الآن حيث تلاشت الفوارق بين المعامل والثكنات .
منذ الآن تلعب هذه الفرق على ضالتها الكمية وضحالتها النوعية، دورا كابها لعنف تمرد الجماهير الطلابية واعاقته عن بلوغ أقصى ما كان يمكن أن يعطيه . فهي، باسم « انضاج » شروط الثورة وتوقيت ساعتها، وفي انتظار« بناء الحزب »، تلعب دور بوليس النظام من داخل الحركة نفسها .
فعليكم انتم عمال مصر وشبابها المتمرد أن تدوسوا على أوامر وعلى رؤوس هذه الفرق التافهة والمؤذية التي اختزلت التاريخ الى « مؤامرة حزبية » وافقرته واقامت سد هاجوج وماجاج دون كل جديد فيه . وان تبرهنوا لها بابداعكم الثوري العملي بان : « التاريخ ككل، وتاريخ الثورات بشكل خاص، هو أكثر ثراء في مضمونه، وأكثر تنوعا، وأكثر تعددا في الاشكال . وأكثر حيوية وابداعا مما تتصوره حتى أفضل الأحزاب، وأكثر الطلائع لأكثر الطبقات تقدما » ( لينين ) .
وعلى الثوريين الأمميين في مصر أن يبرهنوا نظريا على النتائج المدمرة للأفكار الميتة التي تبعثها هذه الفرق من قبرها . وعلى حنينها الى الماضي وهوسها بالتلفت دائما إلى الوراء : الى ١٩٤٩ الصيني – ولا أقول الى ۱۹۱۷ الروسي – وعلى انها بواقعها وتطلعاتها البيروقراطية لا تستطيع أن تنظر الى المستقبل وتكتشف الجديد في الواقع والنظرية على السواء .
يبدو أن بعض زعماء تلك الفرق حالوا دون احتلال جماهير الطلبة لجريدة الأهرام، خلال حركة يناير ۷۲، بحجة عدم « الاستفزاز » وعدم « تنفير » الجماهير الشعبية باستخدام العنف !
لو احتل الطلبة الأهرام ونشروا فيها نقدهم ومطالبهم لكانوا عرفوا الجماهير في مصر والعالم العربي والعالم بمضمون حركتهم . ولحققوا بذلك في يوم واحد من التحريض ما يعجز عنه حزب قوي في سنة .
وحين انقلبت سيارة البوليس وتناثرت منها الهراوات التي جيء بها لضرب الطلبة، ظل هؤلاء جامدين كالصورة فلم يسارعوا بالاستيلاء عليها ويتسلحوا بها . فهل كانوا في حاجة للبرهنة للسلطة على انهم مسالمون بما فيه الكفاية !
على كل حال من حسن حظ الثورة في مصر أن هذه الفرق مصابة بالكساح النوعي والكمي المزمن . ومن نعم المصادفات التاريخية عدم وجود حزب ستاليني في مصر قادر على تنويم يقظة الحركة البروليتارية أو قطف ثمارها لحسابه الخاص .
مهمة سلطتكم القادمة
ايجابية الصراع الطبقي الجديد انه من جهة ينمو باستقلال عن مثل هذا الحزب الستاليني حيث هو موجود ( المغرب، تونس ۰۰۰ ) وفي غيبته حيث لم يوجد . ومن جهة أخرى انه ينشط بعد موت عبد الناصر الذي كان يغطي التناقضات المصرية والعربية بظله . لقد اختفى عبد الناصر في الوقت المناسب تاركا وراءه فراغا في طبقته لا يمكن أن يملأه أي من زعمائها الاقزام .
الصراع الحالي بين جناحي البيروقراطية الناصرية، بين السادات والبغدادي – تماما مثل الصراع الذي حسم مؤقتا بين شعراوي والسادات – شبيه بالصراع بين لصين يريد كل منهما الاستئثار بامتيازات الحكم ويتراهتان امام طبقتهما، التي ورثت عن زعيمها الراحل لا الخراب والاحتلال وحسب بل والخوف من دكتاتورية الطبقة العاملة أيضا، حول أي منهما يكون أقدر على اجهاض ثورة تحالف الشعب العامل الحقيقي وخنق صوته الذي بدأ يرتفع لتكذيب الطبقة التي كذبت عليه ونطقت وحكمت وقمعت باسمه منذ يوليو ٥٢ الى ان تشاؤوا انتم عمال مصر وضع نهاية حاسمة لها .
مهما يكن مال الصراع بين زمر الطبقة الحاكمة فان أزمتها التاريخية بدون مخرج . ولذا فان سلطتكم العمالية القادمة هي البديل الوحيد .
سلطتكم يجب أن لا تكون أسيرة الشعارات القومية الديماغوجية التي رفعها تضليلا العدو الطبقي . مهمتكم الأولى ليست شيئا آخر غير سحق الثورة المضادة المصرية وحلفائها العرب والأجانب، غير توطيد سلطتكم قبل الانتقال الى حرب التحرير الوطني .
نصيحة ماركس لعمال باريس ۱۸۷۱، وقد كانوا في وضع يشبه، مع حفظ بعض الفوارق، وضعكم2، نصيحة لكم أيضا . فبماذا نصح ماركس عمال باريس ؟ نصحهم بأن لا ينقادوا للذكريات القومية لعام ۱۷۹۲ عندما رفعت الجماهير الباريسية، ردا على هجوم الجيوش الأوروبية المضادة للثورة البرجوازية، شعار الوحدة الوطنية لـ « انقاذ الوطن من الخطر » . نصحهم : « بأن لا يكرروا الماضي وانما بأن يشيدوا المستقبل »3 . وخذوا درسا من كلمة لينين الصحيحة كل الصحة : « ليس اشتراكيا ذلك الذي لا يفهم انه من أجل الانتصار على البورجوازية، من أجل انتقال السلطة الى مجالس العمال، من أجل نشوب الثورة البروليتارية العالمية، يجب عدم التردد امام التضحية بجزء من الأرض » . لأن مصلحة الثورة الاشتراكية العربية والعالمية فوق مصلحة الوطن الذي صنعته البورجوازية والذي هو، في نهاية كل تحليل طبقي، ليس الا جملة الامتيازات التي ينعم بها أغنياء وبيروقراطيو بلد من البلدان . وليس عبثا ان البيان الشيوعي أعلن : العمال لا وطن لهم .
عرضت الطبقة البيروقراطية العسكرية على الطبقة الصهيونية « حدودا آمنة ومعترفا بها » ومفتوحة لمرور رجال الأعمال والبضائع . وعرضت عليها استلامها مقابل المحافظة على الأوضاع الراهنة المتعفنة التي تستمد منها كل من الطبقتين السائدتين العربية والاسرائيلية قدرتها على الاستمرار .
اما انتم، عمال مصر، فستسحبون، في الوقت المناسب، عروض الاستسلام وتمزقون قرار مجلس الامن الالحاقي الجائر . وستعرضون، بالمقابل، على عمال اسرائيل وشبابها الثوري مخرجا أمميا : اسقاط بورجوازيتهم، قدوة بكم، والتعايش الرفاقي مع الجماهير الفلسطينية وسلطة البروليتاريا العربية بدون حروب، بمساواة كاملة في الحقوق . وسوف تعلنون، في الوقت المناسب، عدم اعترافكم بالديون التي رهنت بها الطبقة البيروقراطية مصر، كما فعل سلفها الخديوي اسماعيل . كما ستعزقون فورا المعاهدة المصرية – الروسية التي جعلت من مصر مستعمرة روسية4 .
فلسفة ارتباط الطبقة الحاكمة باحدى الامبرياليتين هي، كما عبر عنها حامل قلمها، هيكل ( ٧٢/٥/٢٦ ) : « لم يعد في مقدور أي دولة صغيرة أن تتقدم بجسارة الى التنمية الا اذا كانت على صلة اما بالولايات المتحدة أو بالاتحاد السوفياتي » .
اما انتم، عمال مصر، فسترفضون هذا الخيار الكتيب بين الاصابة بالطاعون أو الاصابة بالكوليرا .
الطبقة البيروقراطية المصرية لا تستطيع الا ان تكون ذيلا في العربة الروسية أو الأمريكية. لانها لا تستطيع الا ان تكون بقيادة السادات أو البغدادي ومن لف لفهما . ولان هاتين الامبرياليتين تستطيعان أن تقدما، بثمن الخيانة الوطنية، المساعدات السخية على العيش الرغيد ومزيدا من الأسلحة التي لا تصلح، وعلى كل حال، لن تستعمل الا لقمع التمردات الثورية القادمة 5 .
اما انتم، عمال مصر، فسترتبطون بالبروليتاريا الروسية المكبوتة والمتململة، وبالبروليتاريا الأمريكية التي بدأ وعيها يستقيظ، ببطء ولكن بيقين، على قذارة وجرائم امبريالية«ها» في فيتنام .
ستظل ثورتكم القادمة في قلعة محاصرة اذا لم تتحرك الفصائل الأخرى من البروليتاريا العربية، الاسرائيلية والعالمية لنجدتكم . حسبكم أن ترفعوا راية شيوعية المجالس، أن تكونوا أمميين في أعمالكم، أن تكنسوا بمكنسة عملاقة كل العفش الشوفيني، القومي والديني الذي يؤثث عقول جميع الطبقات العربية من أشدها فقرا الى أشدها غنى، حتى تتعاطف معكم عفويا البروليتاريا العالمية وجميع الأمميين ويتحركوا لنجدتكم ضد التدخل الرجعي العربي الممكن والتدخل الاسرائيلي – الامبريالي المحتمل .
ثورتكم، يا عمال مصر، رغم تراكم ارهاصاتها قد لا تنفجر في بضعة أسابيع، في بضعة شهور أو في بضعة سنين . لكنها، في منظور تاريخي، حتمية . لانها خاتم سليمان غير السحري الذي سيحل، مع ذلك، تناقضات العالم العربي القديم المتراكمة والمزمنة، وستكون تحريضا أمميا حيا على الثورة الأممية في العالم كله .
احتمال الهزائم
أنتم الذين ستقررون متى وكيف ستقومون بثورتكم . ومن حقكم أن تقوموا بها حتى ولو كانت حظوظ انتصاركم ليست أكيدة . فلا أحد يستطيع أن يقرر بدلا منكم . اما الذين يعظونكم بالحكمة وانتظار « نضوج » الشروط الشهيرة المحفوظة عن ظهر قلب من كتاب الطقوس اللينينية فهم، مهما تكن نواياهم، قد انزلقوا الى معسكر الثورة المضادة : « ليس ثوريا، بل هو انسان لم يتحرر من حذلقة المثقف البورجوازي، وينزلق دوما عمليا إلى معسكر البورجوازية المعادية للثورة، من لا « يقبل » بثورة البروليتاريا الا « شرط » أن تتم بسهولة وبدون صدام، وأن تؤمن فورا الفعل المشترك لبروليتاريا جميع البلدان، وان ينتفي سلفا احتمال الهزائم » ( لينين ) .
احتمال هزيمة البروليتاريا المصرية، في الشروط الراهنة، وارد مصريا اذا لم يتأخى معها الجنود بالمشاركة الفعلية أو على الأقل بالحياد المحيد . وحتى اذا كانت ظافرة في مصر فان الثورة المضادة العربية، الاسرائيلية والعالمية لن تقف مكتوفة اليدين أمام ثورة مصرية حبلى بالعواصف الثورية التي ستهب على شطان كل البحار المجاورة، على تركيا، ايران، افريقيا والعالم العربي كله .
هزيمة ثورة البروليتاريا المصرية ستكون، بنتائجها التاريخية، معادلة لانتصارها . لانها ستجذر الوعي البروليتاري العربي والعالمي كما لم يقع ذلك حتى الآن قط . لانها ستكون الذكرى والذاكرة الأكثر عمقا والهاما للطبقة العاملة العربية والعالمية في العصر الحديث . الثورة مارد اسطوري ما أن يطرح أرضا حتى ينتصب ثانية ليطرح من طرحوه أرضا .
يكفي أن يهاجم العمال المصريون السماء ليطيحوا بكل ما كان موجودا باستقلال عن ارادتهم، ليضعوا أول حجر في اتحاد المجالس الشيوعية العربية، النقيض المباشر لفسيفساء الأنظمة العربية الجلادة، لا لمجرد ازالة الشكل البيروقراطي والبورجوازي للسيطرة الطبقية وحسب، بل من أجل ازالة السيطرة الطبقية ذاتها . يكفي أن يشرعوا في ذلك حتى يكونوا قد اتخذوا أعظم قراراتهم وابقاها على مر العصور : مجرد قيام ثورتهم في حد ذاته .
للحيلولة دون احتمال الهزائم، أو على الأقل لجعل الكومونة المصرية تحيا وتحرض باعمالها أطول وقت ممكن، أو لمجرد أن لا تكرر الأخطاء الواضحة للثورات العمالية السالفة، فان على الثوريين المصريين، على النوى التنظيمية العمالية والأممية أن تعود نقديا الى تاريخ هذه الثورات : ۱۹۰٥ و ۱۹۱۷ الروسيتين، كرونشطاط ۱۹۲۱، المانيا ۱۹۱۹، ايطاليا ۱۹۲۰، اسبانيا ١٩٣٦، المجر ١٩٥٦، ايار الفرنسي ۱۹٦۸، لاستخلاص دروسها ونشرها بين العمال على أوسع نطاق ممكن .
حجر الزاوية في كل انتفاضة هو تحديد النقاط الاستراتيجية لتوجيه الضربات القاضية منها للعدو الطبقي .
لان الجماهير المصرية لم تعرف في ٩ يونيو ٦٧ كيف تستخدم نقدها العملي للطبقة المهزومة لتجعل هزيمتها مزدوجة، فانها بعد أن حكمت جميع شوارع القاهرة لأكثر من يومين عادت الى سابق عبوديتها لتعود الطبقة المهزومة السابق سيطرتها من جديد وبشكل أكثر شراسة .
لماذا ؟
لان صوتا واحدا لم يرتفع، كهزيم الرعد، وسط الجموع المندفعة كالاعصار ليغير وجهة مسيرتها : الى مخازن السلاح، الى الاذاعة، ثم الى قصر القبة . دايان نهزمه في القاهرة. وكل السلطة المجالس العمال ومجالس الشعب .
بعض النقاط الاستراتيجية
من خلال القراءة النقدية لتاريخ الانتفاضات البروليتارية فيما حققته وفيما لم تحققه يمكن الاستنتاج بشكل عام – اما بشكل خصوصي فذلك متروك لعبقرية جماهير وثوريي البلد المعين – ان النقاط الاستراتيجية لتحقيق اهداف الانتفاضة هي :
۱ – تشکیل مجالس العمال ومجالس الاحياء فورا واعلانها . السلطة الوحيدة ، المباشرة والمطلقة .
۲ – احتلال مراكز البوليس والثكنات للاستيلاء على السلاح .
٣ – احتلال الاذاعة، التلفزيون، التلفون والصحف لتنسيق قتال الشوارع بين جميع احياء المدينة، بين جميع المدن، وبين المدن والأرياف . وجعل الجماهير الثورية في كل حي، مدينة وقرية تعرف تماما ما يجري في باقي البلاد واعلان أهداف الانتفاضة منها على الشعب وعلى العالم، ودعوة الجنود للتأخي مع العمال، والتوجه، وبكل اللغات، للبروليتاريا الاسرائيلية والبروليتاريا العالمية لشل التدخلات الامبريالية المتوقعة . ونشر فضائح حكام الطبقة على أوسع نطاق .
٤ – الغاء البوليس فورا وتحويل الجيش المحترف الى جيش تحرير شعبي (ميليشيا)6 وتصفية رؤوس الثورة المضادة المدنية والعسكرية بدون رحمة .
٥ – الاستيلاء على كل أدوات الانتاج في قطاع رأسمالية الدولة وعلى أهم أدوات الانتاج في القطاع الخاص، وتسييرها من المجالس العمالية المنتخبة مباشرة من مجموع عمال كل مصنع أو مؤسسة .
٦ – التركيز، في المرحلة الأولى للانتفاضة، على استمرار الانتاج في القطاعات الحيوية لحياة السكان ولاستمرار ونجاح الانتفاضة .
٧ – الاستيلاء على المستودعات، المخازن التجارية، والمواد الغذائية وتوزيعها مجانا على الجماهير المحرومة .
٨ – تشكيل الفرق العمالية المسلحة واحتلالها للنقاط الاستراتيجية في المدينة، توزيع السلاح على الجماهير الثورية التي تنضم للانتفاضة وتنظم نفسها في شكل مجالس احياء أو كومونات شعبية في الريف .
٩ – نقل كل ما هو ضروري لنجاح الانتفاضة الى المناطق والاحياء التي يسيطر عليها العمال . وتخريب المنشآت، تحطيم كل الادوات والمخازن – بما فيها من سلاح، ادوية ومؤن – التي يمكن أن تقدم للعدو الطبقي خدمة فعالة، والتي عجز العمال وحلفاؤهم عن الاحتفاظ بها أو الدفاع عنها بدون خسائر كبيرة .
۱۰ – الاستيلاء على كل وسائل النقل في المدينة والريف واستعمالها لمصلحة الانتفاضة وفتحها مجانا امام الشعب .
۱۱ – قطع الكهرباء والغاز والوقود عن الاحياء التي يسكنها البوليس وقادة الطبقة وحزبها .
۱۲ – اعلان مجانية المواد الضرورية لحياة الجماهير الشعبية .
على كل انتفاضة أن تأخذ الدروس من أخطاء كومونة باريس ومن أخطاء الثورة الاسبانية . الأولى سقطت في الفوضى وانعدام التنسيق بين الكتائب العمالية المقاتلة . والثانية سقطت في المركزية والمراتبية ( رواتب ورتب ) الغريبة عن طبيعة الميليشيا الثورية وجوهر سلطتها الجماعية المعادية للبيروقراطية .
تجاوز هذين الخطأين يتم – والتقدم العلمي وثورة وسائل الاعلام تعد الآن ثغرة لم تكن الشروط السابقة قادرة على سدها – باقامة التنسيق لحظة فلحظة بين جميع فرق الجيش الثوري من جهة والاعتراف الصريح للمقاتلين بعزل واستبدال المندوبين المنسقين الذين انتخبوهم .
يا عمال مصر، يا قادة الثورة الاشتراكية العربية القادمة . لقد خرجتم الآن، بفضل النشاط الثوري الذي بدأتم تخوضونه، من سلبيتكم، من ركودكم، من تفرجكم على الأحداث، لتؤكدوا أنفسكم ذوات فاعلة وصانعة للتاريخ .
ما كان يختلج في قلوبكم من مشاعر، تحت كابوس عبد الناصر، صعد الآن افكارا الى رؤوسكم . ولم يبق عليكم الا ان تفكروا بأيديكم : أن تحققوا ثورتكم، أن تحققوا تحرككم الذاتي بتحقيق حكمكم الذاتي، حكم المنتجين المباشرين، حكم المجالس الشيوعية الذي سيملأ مصر والعالم العربي عدلا بعدما ملأته الطبقات والزمر السائدة ظلما .
العفيف الاخضر
باريس ٥ – ٦ – ١٩٧٢
نشرت هذه الرسالة في كراس مستقل في صيف ۱۹۷۲
[العودة الى صفحة المحتويات للمجلة]
- أو ان تكون معركة مسرحية لتغطية مهزلة الحل السلمي . » ترى المصادر الاميركية المطلعة في واشنطن ان احتمالات الموقف في الشرق الأوسط قد تسفر عن وقوع الأحداث التالية وفقا لهذا التسلسل :
۱ – تصعيد في الموقف وتوتر .
۲ – تغيير مفاجيء في بعض الانظمة العربية .
٣ – حرب جديدة قصيرة المدى بين بعض الأطراف العربية وإسرائيل .
٤ – تدخل دولي في شكل اتفاق اميركي – سوفياتي لوقف القتال .
٥ – بداية حل سلمي .
٦ – فتح قناة السويس .
٧ – مراحل التفاوض الحقيقي .
النهار ۲۰ – ۷ – ۱۹۷۲ ↩
- « من كومونة باريس الى مجازر عمان » دار الطليعة بيروت . ↩
- « الحرب الأهلية في فرنسا »، ماركس، طبع دار التقدم بموسكو . ↩
- واضح الآن من الوقائع الاخيرة ان الكرملين أصبح حكما أعلى في شؤون مصر الداخلية . ↩
- هدف روسيا من تقديم الاسلحة « الدفاعية » للجيوش العربية هو : ابقاء هذه الجيوش متفرقة ومجتمعة أضعف من الجيش الاسرائيلي، وجعلها في ذات الوقت أقوى من الحركة الثورية العربية . ↩
- تذكروا ان الجيش الاسرائيلي ليس جيشا محترفا، بل هو ميليشيا رجعية، فكونوا انتم نقيضه : ميليشيا ثورية . ↩