يوم ٢٥ يونيو ۱۹۷۳ بدأت المحكمة العسكرية بالقنيطرة محاكمة ١٥٧ متهما في قضية « مؤامرة ٣ مارس » وهي الأحداث التي ظن بعض المتفائلين أو المغفلين انها اذنت ببداية الكفاح المسلح في المغرب .

ويوم ٣٠ يوليو بدأت بالدار البيضاء محاكمة 11 متهما من اليسار الجديد في قضية « المس بأمن الدولة ».

قضيتان منفصلتان تمثلان ما يعتمل في أحشاء المجتمع المغربي منذ بضعة سنوات وترمزان الى نهاية عهد « المعارضة الوطنية » من جهة وبداية عهد الحركة الثورية الجديدة التي ما زالت تبحث عن نفسها من جهة أخرى، ولكن القضيتين تجتمعان في خندق الممارسة الخاطئة التي تضر بتطور الحركة الشاملة الهادفة الى تحرير البروليتاريا لنفسها بنفسها .

ولكن قبل أن نتناول بالنقد والتقييم كلا الحركتين لا بد من القاء نظرة مكثفة على الأوضاع الاجتماعية – الاقتصادية وتعبيرها السياسي في المغرب المستقل .

يمكن أن نقول أن فترة ١٩٥٦ – ١٩٦١ وهي السنة التي ارتقى فيها الحسن الثاني إلى العرش كانت فترة استيلاء القصر الملكي على الحكم، أن ما أن استقر السلطان الجديد على كرسي الحكم، الذي كان جالسا عليه منذ حياة أبيه، حتى استولى على معظم السلطات، وبدأ يخطط لنظام حكم مطلق بعد أن أتم عملية اقصاء الحزبين الوطنيين ( الاتحاد الوطني للقوات الشعبية اليساري وحزب الاستقلال اليميني ) عن أجهزة الدولة، وبعد أن وضع هذه الأجهزة تحت مراقبة المباشرة وبين يدي عملائه وصنائعه المباشرين . وهكذا قام الحسن الثاني بالانقلاب الناجح الوحيد في المغرب الحديث، تحت سمع وبصر الأحزاب الوطنية التي بقيت مشدوهة أمام ممارساته، مستعملا بعضها ضد البعض الآخر بعد تفتيتها، ضاربا هذا بعصا غلبظة ومزيحا ذاك عن طريقه ببسمة صفراء، الى أن روضها جميعا واخضعها لمنطقه الوحيد الأوحد : منطق اللامنطق، منطق العسف والقمع .

ان القصر الملكي الذي كان رصيده الشعر الوحيد هو « جهاد » محمد الخامس الذي صنعه حزب الاستقلال بحذافيره، فطن الى ان ذلك غير كاف لاقامة دولة ولبناء أسسها الدائمة، فانطلق يعيد تكوين المجتمع المغربي العضوي، بحيث تكون القوى الفاعلة في الاقتصاد خاضعة له وتتحرك بارادته . ومنذ اعلان الاستقلال بدأ العرش العلوي عملية بناء مخزن1 جديد يستطيع عبره حكم المغرب المستقل كما حكمه قبل الحماية، ولكن هذه المرة بطرق عصرية في القمع اتاحتها له التجربة الاستعمارية الفرنسية، وعلى أسس اجتماعية واقتصادية أمتن، بعد أن تمت وحدة التراب الوطني وخضع جميع السكان للسلطة المركزية .

كانت أول عملية قام بها القصر المستقل هي اعادة القواد والمشايخ، الذين استعمله الاستعمار الفرنسي لحكم البلاد مدة اربعين عاما، الى مناصبهم بعد أن أبعد الذين كانت خيانتهم صارخة وتواطؤهم مع الجلاوي لا يحتمل أي تسامح معهم، فشكلت هذه الفتة من « الاقطاعيين » ( كما كان يسميهم حزب الاستقلال )، الذين كانوا في أمس الحاجة الى محمد الخامس لانقاذهم من نقمة الوطنيين، أول ركيزة اجتماعية اعتمد عليها العرش للحد من نفوذ حزب الاستقلال – حزب البورجوازية المدنية وحزب الطبقة العاملة المنتظمة داخل الاتحاد المغربي للشغل – ولسلوك سياسته الخاصة الرامية الى اخضاع جميع القوى الاجتماعية والسياسية لمشيئته . وهكذا استعمل نفس القوى التي عادت الحركة الوطنية واستعملتها فرنسا ضدها . و«خانت» محمد الخامس عندما رأى هذا الأخير أن من مصلحة عرشه الالتحاق بالركب الاستقلالي، فكانت هذه المرة خير خادم لخير سيد، خاصة وان طاعتها المجددة للمخزن المركزي ستسمح لها بمحاربة عدو الأمس ( حزب الاستقلال ) في ظل العرش الوطني وباسمه .

أما الفئة الثانية التي احتواها القصر فهي الجزء الاغنى من البورجوازية الاستقلالية التي أحست أن مصالحها مرتبطة ارتباطا عضويا بموقف الدولة منها، فأسرعت تضع نفسها في خدمة القصر، منسلخة شيئا فشيئا عن حزبها، أو في أفضل الحالات باقية في صفوفه كممثلة أو كعميلة لسيدها الجديد داخله. وهذا هو السبب الرئيسي في بقاء حزب الاستقلال على اتصال مستمر بالقصر الملكي مهما بلغت حدة الخلاف معه . وقد وجدت هذه البورجوازية، ابناءها في الإدارة المركزية والأجهزة الاقتصادية، بعد مغادرة الفرنسيين لها، لخدمة مصالحها، ولخدمة مأرب المخزن طبعا . فشكلت في المدن، وخاصة الدار البيضاء، طبقة رجال الأعمال التي خلفت البورجوازية الاستعمارية الراحلة، كاحدى ركائز النظام الملكي الاجتماعية، بعد أن سخر لها هذا النظام أجهزة دولته، وهي خليط من كبار التجار ورجال الصناعة والملاك العقاريين، مع اختلاط الأنواع في أغلب الأحيان .

ومنذ أن بدأ القصر يخطط لابعاد حزب الاستقلال عن السلطة، راح يضرب مصالح الفئات البورجوازية التي بقيت وفية لحزبها وتمكن في ظرف عشر سنوات من افقارها أو من ابعادها عن مراكز الثقل في الاقتصاد المغربي، حتى لا تبقى في المجتمع أي قوة اقتصادية مستقلة يمكنها يوما ما أن تلعب دورا ما، يعده القصر خطيرا على وجوده وعلى سيطرته المطلقة على المجتمع .

أما في الريف، وبعد أن استردت الدولة المستقلة الأراضي التي استولى عليها الاستعمار بصفة « غير قانونية » ( ما يزيد عن ٤٠٠ الف هكتار ) فقد تشكلت باعانة القصر والدولة، بورجوازية ريفية، هي فئة المعمرين الجدد، الى جانب المعمرين القدامي الذين احتفظوا بما يزيد عن نصف مليون هکتار2 . وركزت الدولة كل مجهوداتها على قطاع الفلاحة العصرية لتطويره وليكون من الناحية الاجتماعية الاقتصادية ركيزتها الثانية . فكانت الاستثمارات المخصصة له في مخططات ۱۹٥۸ و ۱۹٦۳ و ۱۹٦۸ وحتى ۱۹۷۳ تفوق الاستثمارات المخصصة للقطاعات الاقتصادية الاخرى ( خاصة الصناعة ) .

وحتى يتحقق القصر، سيد الدولة، من سيطرته على هذه القطاعات الاقتصادية الحيوية، فإنه أصبح أكبر مالك في المغرب ولا يخفى على أحد اليوم أن الحسن الثاني هو أكبر بورجوازي مغربي، ويتبعه أخوه عبد الله، أكبر وأشهر مضارب عرفته البورجوازية المغربية النامية، فأملاكهما الزراعية تعد بآلاف الهكتارات، وأسهمهما في مختلف الشركات بملايين الدراهم ( درهم مغربي يساوي فرنك فرنسي تقريبا ) : اذ أصبح سنة محمودة في عهد الحسن أن يخصص كل من يفكر في مشروع ما نسبة مئوية لأحد أفراد القصر ( بما فيهم الملك ) في مؤسسته .

ومن ناحية أخرى وبجانب هذه البورجوازية الفلاحية، التي تسكن المدن، فان القصر وضع الريف التقليدي بين يدي أعيان القبائل ومشائخها، الذين تعاونوا مع الاستعمار لاخضاع السهول والجبال للحماية وشكلوا فيها السلطة الاقتصادية و « السياسية » المسخرة لخدمة الدولة، أي دولة . ورغم الضخامة العددية لهذه الفئة من أعيان الريف، والدور الذي تلعبه في اخضاع فقراء الفلاحين للاستغلال والاضطهاد، فانها لا تمثل شيئا ذا أهمية كبرى من ناحية دورها في الانتاج .

وهكذا يتضح من خلال هذه النظرة الخاطفة على الخارطة الاجتماعية للطبقة المالكة في المغرب، أن العلاقات السائدة في هذا البلد هي علاقات رأسمالية، أساسها الملكية الخاصة والعمل المأجور في الصناعة والزراعة والتجارة . وان أي حديث عن « الاقطاع » في المغرب اليوم انما هو ضرب من الهذر الأجوف، اذا لم يكن دوره تضليل الحركة الثورية وتحويلها عن أهدافها التاريخية الكبرى .

وكما أخضعت الملكية فقراء الفلاحين عبر أعيان الريف وممثليهم من قواد ومشايخ، فانها لجأت الى ترويض الطبقة العاملة عبر احتواء النقابة . فبعد أن أيدت انشقاق حزب الاستقلال إلى جناح يميني وجناح يساري قصد اضعافه، فانها دفعت قيادة النقابة العمالية ( قوة الجناح اليساري الاساسية ) إلى الانفصال عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ونجحت في عمليتها، اذ وجدت في البيروقراطية النقابية اذنا صاغية وفئة غيورة على تسلطها على الطبقة العاملة عبر الاصلاحية والتعاون الموضوعي مع النظام القائم .

التيار الانقلابي :

بعد احكام الأوتوقراطية العلوية قبضتها على المجتمع المغربي، واعلانها نيتها في حكم البلاد بدون منازع، برز داخل « القوات الشعبية » تيار راديكالي معاد للملكية ومتجه بعواطفه وبرنامجه السياسي نحو تجارب المشرق العربي العسكرية، يرى أن الحال الوحيد للتخلص من النظام الحاكم هو الاطاحة به عبر التآمر . وكان وراء هذا التيار الذي يقوده محمد البصري قوة فاعلة في السياسة المغربية غداة الاستقلال هي بقايا المقاومة المسلحة وفلول جيش التحرير المنحل . غير أن الانقلابيين المغاربة، لسوء حظهم، وجدوا في البصري أسوا زعيم وفي السلطة القائمة أعند قوة وأذكاها، قباءت جميع محاولاتهم بالفشل : مؤامرة ١٩٦٣ ، ومؤامرة ۱۹۷۰، و « حركة » ۱۹۷٣، هذا عدا تورط البصري مع محاولة أوفقير الفاشلة !

لقد كانت محاولة يوليو ١٩٦٣ فرصة لأجهزة القمع لتفتيت الحزب وقد أصبح أكبر قوة سياسية من حيث التنظيم والرصيد الشعبي والمجاراة للحركة الوطنية العربية، ومن ذلك التاريخ لم يستطع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية استعادة قواه المضروبة، وما زال يعاني من التشتت والقمع – والاصلاحية . ورغم كل محاولات قياداته الرسمية ( عبد الرحيم بوعبيد ) للتفاهم مع العرش فانها كانت تفشل في كل مرة، لانها تريد في نفس الوقت الاحتفاظ بالجناح الانقلابي الذي كان يريد الاطاحة بهذا العرش فيكون مثلها مثل الانجليزي الذي يريد في نفس الوقت أكل « البودينغ » والاحتفاظ به.

فمنذ مغادرة البصري وصحبه للمغرب ( بعد العفو الملكي عام ١٩٦٥ )، ما فتى يعد لحركة انقلابية لا يعرف أحد بالضبط مضمونها، ولا طرق تنفيذها . فهو، كما أظهرت ذلك محاكمة مراكش ( صيف ۱۹۷۱ ) ومحاكمة القنيطرة، يعتمد على تنظيم بعض الافراد وتمرينهم على السلاح وارسالهم إلى المغرب قصد القيام ببعض العمليات العسكرية، ولم تتجاوز الحركة هذا الحد . لأن أجهزة القمع تتدخل في كل مرة على هذا المستوى لتضع يدها على التنظيم كله، وأحيانا تتدخل حتى قبل البدء في التنفيذ . ويبدو أن جناح البصري يعتمد في سياسته على « استراتيجية » غيفارية غير واعية لنفسها، فيجعل من المصيبة مصيبتين، مصيبة فشل الغيفارية في داتها، ومصيبة غياب الوعي، اذ هو يعتقد أن مجرد القيام بعمليات مسلحة في منطقة معينة كاف لتجمع الجماهير حول النواة الدورية ولتعم الحركة البلد كله، كما كان الحال ايام الاحتلال الفرنسي عندما خلقت حركة المقاومة الارهابية في المدن، مدا جماهيريا واسعا ضد الوجود الاستعماري ما لبث أن تحول إلى حركة وطنية عارمة اطاحت بالحماية خلال سنتين . فالبصري، الذي كان أحد قادة هذه الحركة الوطنية المسلحة يعتقد ان اعادة هذه التجربة ممكنة الى ما لا نهاية ضد العرش العلوي حتى الاطاحة به، ملغيا، بجرة قلم، التغيرات النوعية الهائلة التي طرأت على المغرب منذ ١٩٥٣، أقلها أن أكثر من خمسين بالمائة من سكان المغرب الحاليين لم يكونوا حتى قد ولدوا في هذا التاريخ !

ونظرة عاجلة على قوائم المتهمين في مختلف « المؤامرات » تبرز أن الحركة تعتمد على نفس الناس، على نفس الأساليب وعلى نفس البرنامج، وليس عجيبا أن تلاقي نفس الانتحار . فهي قائمة على عقلية « المقاومة الوطنية » بما يعني ذلك من تخلف « وطني وديني » وبما يفتح من أبواب الطمع امام المغامرين والوصوليين . فالكثير من المقاومين ناقمون على الوضع الحالي لانهم لم يجنوا فيه ما كانوا ينتظرون من امتيازات أو ما حصل عليه رفاقهم من مراتب، والجناح الانقلابي لا يتورع عن الاصطياد في هذا الماء العكر . ولكنه كذلك يستطيع أن يجلب الى صفوفه بعض الناقمين الحقيقيين من الفلاحين المعدومين والذين يعج بهم الريف المغربي، فيورطهم في عمليات لا غد لها، ويجني عليهم وهم أبرياء طيبون الى حد السذاجة .

لقد أبرزت محاكمة القنيطرة ( ٢٥ يونيو – آب ۱۹۷۳ ) بما لا يدع مجالا للشك ان أغلبية الذين القي عليهم القبض لم يكونوا واعين لما قاموا به ولا لامتداداته . فالحركة المسلحة التي « انفجرت » يوم ۳ مارس ۱۹۷۳ والتي لاقت من التطبيل والتزمير أكثر مما تستحق لیست الا حلقة في سلسلة الحركات الفاشلة التي يقف وراءها الجناح الانقلابي، فلا هي بداية لحرب التحرير الشعبية ولا ايذان بسقوط « النظام الملكي الاقطاعي »، ولكنها مغامرة ساذجة بل سخيفة من حيث التخطيط والتنفيذ، اتت عليها أول « عملية بوليسية » قامت بها قوات القمع، وذهب ضحيتها « التنظيم » الذي استطاعت اقامته، بكل عناء، بعض كوادر « القوات الشعبية » منذ سنوات لتجديد الحزب المتهافت .

هذا بالاضافة الى ارتباط الجناح الانقلابي بنظام القذافي الديني الرجعي والمضاد للثورة الاشتراكية والذي يكفي وحده لجعل الحركة مشكوكا في نواياها الثورية . فاذاعة ليبيا و « صوت التحرير » الناطق باسم الانقلابيين المغاربة والذي حي السفاح أوفقير بأنه « ابن الشعب البار » لا يمكن أن يكون منبرا للدعاية الثورية . ولا صوتا صادقا لتحرير الانسان المغربي من الاضطهاد والاستغلال، لانه يستظل بمظلة نظام قائم على الكذب والاضطهاد والاستغلال .

ويبدو أن البصري، بعد أن فشل أوفقير في الاطاحة بعرش أسياده عبر أسهل الطرق، وضع نصب عينيه هدفا واحدا هو احداث ما يمكن من شغب وتشويش « لارغام » الجيش على التدخل والقيام بانقلابه الذي حرم منه مرتين ! ذلك أن الجناح الانقلابي السياسي اكتشف، يوم ١٠ يوليو ۱۹۷۱، مع العرش أن هناك قوة أخرى، أكثر جدية وأكثر جدارة من محاولاته الصبيانية، تستعد من ناحيتها للانقضاض على التركة العلوية والاستيلاء عليها لفائدتها .

فالجيش الذي سهر القصر على اقامته وتربيته بنفسه، مبعدا اياه عن السياسة، ومختارا كوادره من بين أبناء خدام المخزن القدامى، بقي رغم أنف صانعيه جزءا لا يتجزأ من المجتمع المغربي، يتأثر بتقلباته وينفعل بانفعالاته . وبالتالي كان لا بد له أن يكتشف – وحتى لو عجز عن الاكتشاف بنفسه كانت التجارب العربية المتنوعة والمتعددة موجودة لتذكره – أنه هو القوة الوحيدة المنظمة في المجتمع . وان سيده لا معنى لوجوده بدونه، بل أكثر من ذلك اذا كان العرش عاجزا عن الحياة بدون جيش فان الجيش أكثر من قادر على الحياة بدون عرش، بل هو لن يحيا فعلا الا يوم يتخلص من العرش .

ويناسب استعداد الجيش للاستيلاء على السلطة وضع موضوعي، محلي وخارجي، يتطلب تغييرا هاما في جوهر النظام القائم بالغرب . فالبلد يعيش منذ سنين وسط أزمة اقتصادية حانقة جعلت العاطلين القادمين من الأرياف الجائعة يتكدسون حول المدن الكبيرة، وينذر وجودهم، يوما بعد يوم، بانفجار عنيف لا يعلم أحد من الطبقة السائدة مصيره . فتراكم رأس المال بين يدي فئة قليلة جعل التصنيع لا يتجاوز حدودا معينة، وبالتالي عاجزا عن استيعاب اليد العاملة المعروفة بالسوق والتي أصبحت تقدر الآن بمئات الآلاف . وأحس الجميع أن الوضع لا يمكن أن يستمر طويلا على هذا المنوال، وان تصدعا اجتماعيا عنيفا لا بد أن يحدث . غير أن أي قوة من القوى القائمة غير قادرة على قيادة الحركة الاجتماعية الثائرة ولا على التحكم فيها، وان الانتفاضة، عندما تحدث، ستكون عفوية من الفها الى يائها، وبالتالي قادرة على كل شيء، ومن كل شيء هذا، ذلك الغول الثوري المجهول، ترتعد فرائص الملاك، الذين أصبحوا بدورهم يتوقون إلى قوة شابة وقادرة تنقذهم من وحش الجماهير العارية، من سيبة3 البروليتاريا الرثة .. فكان الجيش .

في معطيات المغرب الحالية يقف الجيش وحده أمام العرش وأمام الأحزاب التقليدية، محتقرا له ولها ومنتظرا ساعته . ومنذ أجبر جندي بسيط « أمير المؤمنين » على وضع يده على رأسه، سقطت هيئة العرش، وعندما أطلق أوفقير النار على طائرة الملك، سقط العرش كله . وليس أعمق من جواب الضابط الطيار أمقران4 منفذ مؤامرة أوفقير للحسن الثاني الذي استقبله بعد فشل المحاولة بساعات بقوله : « كما تری يا امقران، ان الحسن الثاني ما زال حيا » اجابه امقران : « هل أنت واثق من ذلك ؟ ». الحقيقة أن كل الناس واثقون أن الحكم العلوي يعيش ايامه الأخيرة ! حتى صنائعه المقربون بدأوا يلهثون وراء الأحداث خوفا من مفاجأة غير سارة ! وميدان السباق الآن مفتوح بين الامبرياليتين الفرنسية والأمريكية لكسب الجيش إلى جانبها . والقصر الذي يعلم ذلك أكثر من أي واحد أصر على أن يكون الجيش تحت مراقبته المباشرة، فأحال على التقاعد من أحال، وأبعد من أبعد ثم سهر على تمزيق ما يمكنه تمزيقه من العلاقات التي تربط بين مختلف الضباط في مختلف المناطق والقطاعات، ولكن بدون جدوى . لانه لابعاد خطر الجيش لا بد للقصر من حله، فيكون كمن يستجير من الرمضاء بالنار .

في غياب الحركة الثورية المنظمة، وامام جبن الحركة الوطنية وافلاسها، يظل الجيش هو المرشح الوحيد لخلافة الملكية الهرمة، في قيادة المجتمع المغربي لصالح الطبقة المالكة التي ترعرعت تحت رعاية العرش، واشتد ساعدها وأصبحت الآن تخشى على مصالحها من ضعف هذا العرش، لانه لم يعد قادرا على الحفاظ على التوازن الطبقي، وأصبحت هياكله العتيقة، وتقاليد حكمه المتعفنة حجر عثرة امام تطور الطبقة البورجوازية وصيانة امتيازاتها . كأن هذه الطبقة التي تشكلت عبر التعفن والرشوة التي أصبحت من أهم المؤسسات الاقتصادية المغربية، أصيبت، بعد ان تحرك الجيش باسم القضاء على التعفن . بنوبة اخلاقية حادة واضحت في الأخرى ترفع أصوات الاستنكار والاشمئزاز امام نفس الممارسة التي تربت في أحضانها . بل أن هذه البورجوازية اللقيطة تطالب اليوم بادخال شيء من العقلانية على فوضى الحياة الاقتصادية، حتى تلعب المزاحمة دورها الطبيعي في سوقها الحرة، دون تدخل تعسفي للقصر ينسف أموالها ومخططاتها .

ولكن كما أن للبورجوازية حسابها فان للطبقات الأخرى حساباتها، وللحركة الموضوعية للمجتمع بأسره حساب فوق كل حساب. أن الجيش الذي يستولي على الدولة سيجد أمامه ملايين من فقراء الفلاحين يطالبون بالأرض والعمل في الأرياف وفي المدن مئات الاف العاطلين يطالبون بالخبز وبالشغل وطبقة عاملة نشيطة ملت سني الاستغلال الطويلة وتطالب بحصتها في فائض القيمة التي تنتجها يوميا، وهذه الطبقة لا محالة هي وحدها المرشحة والقادرة على قيادة الحركة المطلبية التي ستجتاح المجتمع المغربي غداة الانقلاب العسكري، وعندها لا بد للحكم العسكري ان يواجه هذه الحركة بالاستجابة أو بالقمع . وسيكون عاجزا عنهما معا . « فالثورة » ستقوم باسم « الشعب » ومن أجل « الشعب » كما شاهد التاريخ عشرات من قبلها، وبالتالي سوف تتحرك كل طبقة من طبقات هذا الشعب وتصرخ أن لا شعب غيرها وانها هي التي عانت من اضطهاد وظلم « الحكم البائد »، وستكون الكلمة الأخيرة في هذا الصراع للأقوى، أي للذي يمشي بخطى التطور التاريخي، والأغلب ان الجيش سيستنفد امكانياته خلال مدة قصيرة ويلحق بركب أنظمة البيروقراطية العسكرية العربية استغلالا واستبدادا وعجزا مزمنا، ولن يبقى في ميدان الصراع الا الطبقات المنتجة التي لا تنتهي معركتها الا بانتهاء نظام الاستغلال . أي باستيلائها على وسائل الانتاج وتسييرها تسييرا ذاتيا متحررا . بكلمة بانتهاء نظام الرأسمال ونهاية الدولة .

ويبدو أن اليسار الجديد الذي نشأ غداة هزيمة ١٩٦٧ رشح نفسه للحديث باسم الطبقات الكادحة وبدأ على هذا الأساس ينظم نفسه ويبحث عن برنامجه . غير انه هو الآخر عوض أن ينطلق من أرض الصراع الطبقي الصلبة، فانه راح يبحث عن نماذج جاهزة في المشرق العربي، وكانت الجبهة الشعبية الديموقراطية لتحرير فلسطين مرجعه المفضل، وبعد هزيمة المقاومة ( ايلول ۱۹۷۰ ) صارت المقاومة الفلسطينية ككل أهم نماذجه بينما تبنى منذ البداية ايديولوجية « ماركسية – لينينية »، هي شعار وراية لتجميع الشباب المتمرد في المدارس والجامعات أكثر منها « تحليل ملموس للواقع الملموس » وصار بعضه ماويا متعصبا وبعضه ماويا متفتحا، بينما اتجه الفريق الاذكى والاوعى نحو لينينية غير دوجمائية . ولكن بقي الجميع يتخبطون في صراعاتهم الداخلية قبل أن يتصلوا بالطبقات التي رشحوا أنفسهم للحديث باسمها والدفاع عن مصالحها .

وقد استطاع اليسار الجديد في أقل من أربع سنوات من أن يسيطر على المدارس والجامعات ويقود فيها اضرابات طويلة ناجحة، وان يصل في النهاية إلى قيادة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب دون منازع، بعد ان تخلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عن القيادة في مؤتمر ۱۹۷۲ الذي أحرزت فيه « الجبهة الموحدة للطلبة التقدميين » ( لائحة اليسار الجديد ) أغلبية ساحقة، مما أضطر السلطات الى حل المنظمة واختطاف قادتها5 بعد ذلك ببضعة أشهر . ولكن غياب الرؤيا الصحيحة لطبيعة الثورة في المغرب وغلبة الايديولوجيا وأوهامها على التحليل النقدي دفع ببعض مسؤولي اليسار الجديد الى ممارسات مغامرة وخطيرة على حركة ناشئة ادت إلى وقوعها فريسة للقمع . ذلك أن اسطورة « حرب التحرير الشعبية » الماوية – الفلسطينية دفع البعض إلى محاولات صبيانية تصنع متفجرات بدائية ( كوكتيل مولوتوف الخ ) والبعض الآخر الاتصال ببعض المقاومين الكدامي الذين تبين فيما بعد أنهم عملاء للبوليس، استعملوا كاستفزازيين لاستدراج تلامذة البصري « الماركسيين – اللينينيين » الذين سقطوا في الشرك ومكنوا السلطات القمعية من تقتيت الحركة الناشئة وتشتيتها .

ولكن رغم أخطائها وتشرذمها فان حركة اليسار الجديد تبقى تعبيرا موضوعيا عن حركة ثورية جديدة في المغرب ما زالت تبحث عن طريقها . والأكيد أن الكثير من عناصرها سيتساقطون خلال الطريق، وان زبدها سيذهب جفاء . أما ما هو حي فيها لانه مرتبط بالقوى الحية في المجتمع، أي ما ينفع حركة البروليتاريا التاريخية فسوف يمكث في أرض الثورة . لان على الحركة الثورية الصاعدة ان تعي أهدافها ومهماتها وانها لا مستقبل لها خارج مستقبل الحركة البروليتارية . فاليسار الجديد اذا اراد ان يصبح شيوعيا – بمعنى ماركس لا بمعنى علي يعته [الأمين العام للحزب الشيوعي المغربي] أو شو ان لاي – عليه أن يبلغ للطبقة العاملة ما تحتاج اليه من ثقافة اشتراكية ثورية ويكتفي بمساندة نضالاتها وتجذيرها، دون ادعاء قيادتها . لان طبقة البروليتاريا – في المغرب كما في الصين – لا تنتظر منقذا من خارج صفوفها . وعلى الذين يرفعون شعار « سلطة مجالس العمال والفلاحين » الذي بدأ اليسار المغربي الجديد يرفعه بالفعل في منشوراته وصحفه، ان يعلموا أن تحرير البروليتاريا لن يكون الا بيد البروليتاريا ذاتها، وأن ثورة المجالس العمالية لا تحتاج إلى زعماء ولا إلى قادة افذاذ ولا إلى « حزب قائد رائد » وانما الى عمال واعين ومنظمين لا غير .

الاحنف

[العودة الى صفحة المحتويات لمجلة “سلطة المجالس”]

  1. تطلق كلمة مخزن في المغرب على مؤسسة الدولة بجميع أجهزتها الادارية والقمعية ابتداء بالسلطان في أعلى الهرم إلى آخر شاويش في أدنى ادارة . ↩
  2. الى غاية قرارات المغربة الصادرة في ربيع ۱۹۷۳ . ↩
  3. كلمة « سيبة » تطلق في المغرب القديم على وضع القبائل المتمردة على السلطة المركزية وعلى المدن التي تقوم من وقت لآخر بغزوها، وسلبها . ↩
  4. أعدمه الملك . ↩
  5. اختطف البوليس رئيس المنظمة الطلابية عبد العزيز المنبهي ونائبه عبد الواحد بلكبير في يناير ١٩٧٣ ولا يعرف أحد مصيرهما الى حد الآن . ↩