
يجد القارىء بعد الانتهاء من قراءة هذه الملاحظات مقالا عن الحرب الرابعة كتب في مايو ۱۹۷۳ وقدم لدار الطليعة في يونيو ٧٣ . لكن الدار ما طلت في نشره لعدم اقتناعها بامكانية نشوب الحرب ولعدم رضاها عن مضمون المقال . ولم نجد بدا من نشر المقال هنا دون أدنى تغيير . لقد كان رفض نشر مقال « احتمالات الحرب الرابعة » دليلا آخر واخيرا على ان الثوريين لن يستطيعوا بعد اليوم نشر تحريضهم الراديكالي بين الجماهير القارئية اذا لم يتمكنوا من ايجاد وسائل نشرهم الخاصة : مجلة ودار نشر . لقد أصدرنا المجلة . ونحن جادون لایجاد دار نشر تنشر لجميع التيارات الثورية وجهات نظرها على القراء دون أدنى رقابة أو تدخل منها . ولهذا ندعـــــو قراءنا الذين يريدون التحرر من الاستبداد العربي ابتداء من ميدان النشر ان يتصلوا بنا على عنواننا للتعاون على انجاز مشروع « دار نشر النظرية الثورية في العالم العربي » .
١
من الضروري قبل الشروع في صياغة هذه الملاحظات من البدء بملاحظة حول « احتمالات الحرب الرابعة » . لقد أثبتت وقائع الهزيمة الرابعة ونتائجها صحة الأساسي من توقعاتنا : كما توقعنا كانت الجماهير العربية هي المهزوم الأول في هذه الحرب المشهدية وكان المنتصر الأول فيها هو الملك فيصل الذي خطط لهذه الحرب ومولها وهزت النخوة اعطافه الى هذا التكرم بدفع نصف ديون مصر للروس . وها الآن، بعد انتهاء الحرب المسرحية الأولى، رغم ان القتلى فيها كانوا حقيقيين، يقود حربا أخرى لا تقل عنها مسرحية : حرب النفط التي تدق لها الطبول من على جميع المنابر الاجيرة والمتطوعة حتى نزار قباني اعتجر عقالا وهجر الشعر الى النشر والفن الى الصحافة ثم نسي حقده كله في لحظة على « يا جملا من الصحراء لم يلجم » ( سيقول، ومعه كل الصواب : من قال اني قد حقدت عليه !؟ ) وراح يرسل له تحيات ناقته التي تعطرت اخيرا بالنفط . وقد خرجت ایران – كما توقعنا – احدى القوى الاساسية في المنطقة، لكننا لم نتوقع أن يكون ذلك بعد اشتراكها في هذه الحرب العجيبة التي نرى لها في كل القصور أبطالا متوجين : فيصل، الحسن ۲ وشاه ایران، بينما الجيش الاسرائيلي يحتل أراضي جديدة . أي نعم ها هو الشاه نفسه يكشف لنا في « الحوادث » سرا خطيرا : لقد اشترك في الحرب بالطائرات وكاد يشترك فيها بخيله ورجله لو استمرت أسبوعا … لكن صح منه العزم والدهر ابي ! لقد أدنا في المقال هذه الحرب لأسباب منها أنها ستجعل من اسرائيل – مع السعودية وايران – الحكم الأعلى في شؤون العالم العربي . وقد ظن البعض، في مثار النفع الذي اثاره حملة أقلام الطبقات الحاكمة، أن هذا التوقع مبالغ فيه . لكن ها هو هيكل الاهرام، الذي لا يمكن اتهامه بالمبالغة في هذا الخصوص، يقدم لنا اعترافا يؤكد ان : « معنى سيادة النفوذ الأمريكي في المنطقة هو اسرائيل سيدة المنطقة » ( الأهرام ۷۳/۱۱/۳ ) . وبما أن سيادة النفوذ الأمريكي في المنطقة هو اليوم قضية لا يجادل فيها ثوريان ولا تتناطح فيها عنزان قوميتان، فمعنى ذلك أن سيادة اسرائيل التي ستصبح على نحو ما مصنع العالم العربي بقدر ما سيصبح هو سوقها المفتوحة لكي لا نقول الحرة، باتت امرا مفروغا منه .
هذه التوقعات وغيرها هي اليوم واقع يفقأ العيون . لكن هناك أيضا بعض التفاصيل وبعض التوقعات – كما سيرى القارىء – لم تصح . وذلك عائد أساسا الى ان الحرب لم تستمر الى مداها كما في يونيو ٦٧ لكي تكون هزيمة الجيوش العربية كاسحة وهو ما توقعناه خطأ . لاننا كنا – كما سيرى القارىء – نشك بوجود « خط احمر » اتفق الروس والأمريكان على عدم تجاوز الاسرائيليين له . وخطؤنا في الشكل لا في المضمون . لأننا كنا نعتقد ان الامبريالية الامريكية كانت تريد اذلال الأمة العربية بهزيمة أخرى ولن تدع فرصة هذه الحرب المحتملة دون تحقيق ما كانت تريد . لم نخطأ في تحديد الهدف وانما اخطأنا في تحديد الوسيلة : لقد كانت ادارة راعي البقر جونسن ترى ان الانتقام من الجماهير العربية يتحقق باغراقها فى عار الهزيمة الحربية الساحقة اما ادارة نكسون – كسينجر الأبعد نظرا، الأذكى والأخطر فقد قررت ان يكون الانتقام منها باغراقها في وحل « السلام » مع الدولة الصهيونية، لكي تحافظ على مصالح جميع أعدائها ابتداء بالدولة الصهيونية وانتهاء بطبقاتها الحاكمة مرورا بالمصالح الامبريالية . لقد كان لا بد – كما صرح بذلك الناطق الرسمي باسم الحكومة الامريكية غداة الحرب المشهدية – بأن يسود العرب انطباع بأنهم أقل ذلا وبأن الاسرائيليين أقل غرورا، لان هذا الانطباع هو وحده الذي يقدم تغطية نفسية مثالية لصفقة التعايش السلمي بين الدولة الصهيونية والدول العربية وبين مصالح جميع الطبقات السائدة في العالم العربي .
۲
تولى غداة الهزيمة الرابعة، كما كان في الحسبان، حملة اقلام الطبقات السائدة من الموالين الصادقين والمعارضين الزائفين للترويج لمجموعة من الأساطير القديمة الجديدة الزاعمة بان الحل السلمي بين الدول العربية والدولة الاسرائيلية ليس الا « استراحة المحارب » الضرورية لاسترداد الانفاس قبل استئناف حرب المئة عام مع اسرائيل التي لا بد ان تلقى ذات حرب هزيمتها النهائية « باذن الله » .
حسبنا ان ننظر بعين صاحية لبعض حقائق السياسة الدولية الراهنة لتبدو هذه الاساطير على حقيقتها : مجرد اساطير . ذلك أن الاتجاه الاسياسي هو التعايش السلمى المديد بين جميع الدول عامة وبين اسرائيل والعرب خاصة . ذلك أن الطبقات السائدة في هذا العالم، الذي تهب عليه رياح ازمة عالمية قد تكون القاضية عليه، باتت تشعر بضرورة ضبط صراعاتها المشهدية وتقليص حجم وحدة تناقضاتها التنافسية لتتفرغ لقمع العدو الداخلي : البروليتاريا المستاءة والمناضلة في كل مكان تقريبا .
في القرن ۱۹ والنصف الأول من القرن ۲۰ كانت الحرب هي الحل الراديكالي لأزمة السوق وتعديل الحدود . أما اليوم، وقد باتت أزمة الأسواق أكثر حدة : السوق الغربية عشية اشباعه وجميع الدول بدون استثناء، وعلى رأسها امريكا، تعاني عجزا مزمنا ومتصاعدا في ميزان المدفوعات اساسا نتيجة لاختلال كفتي ميزان الصادرات والواردات لصالح هذا الأخير، فلم يعد في الامكان اللجوء للحرب العالمية التي لا يمكن الا ان تتحول، في احدى مراحلها، الى نووية . والحرب النووية هي ستصبح اليوم احتمال يشارف حدود الاستحالة لانها ستكون انتحارا جماعيا . والحروب المحلية، التي كانت في الاصل، البديل المفضل للحرب العالمية شبه المستحيلة، من شأنها خاصة في المناطق الحساسة من العالم ان تقود، في أقل الاحتمالات سوءا، الى حالات من التوتر – وربما الاحتكاك – غير المرغوب فيها لأن مثل هذا التوتر قد يدفعه منطقه الداخلي الى نتائج أبعد من مجرد عرقلة فرص التعايش السلمي ثم الودي بين الدول كبيرها وصغيرها، على الأقل، في المناطق الحساسة من العالم، وأكثر مناطق العالم حساسية : العالم العربي . وهكذا فان التقدم نحو الصلح النهائي بين الدولة الصهيونية والدول العربية بروتسيس حاسم ولا رجوع فيه، لانه بات اليوم تتمة ضرورية، في هذه المنطقة التي « تستظيف » مصالح حيوية أمريكية وروسية للتصالح الدولي الذي هو الآن قيد التحقيق بين جميع الدول : روسيا – امريكا، الصين – امريكا، اليابان – الصين، روسيا – اليابان، الفيتنامان ، الكوريتان، الالمانيتان …
٣
صمام الامان للتعايش السلمى بين القومية العربية والقومية الصهيونية هو خلق دويلة فلسطينية . فبركة مثل هذه الدويلة – التي تتسول اليوم وجودها كما ستتسول غدا خبزها اليومي والتي سيكون صك ميلادها اعترافها بالدولة الصهيونية في حدودها الآمنة والمفتوحة لمرور السلع ورجال الاعمال – ضرورية لجميع أطراف وليمة التعايش السلمى : ضرورية للاسر العربية الملكية والجمهورية لتبليع الجماهير قرار اعترافها بالدولة الصهيونية قائلة لها بلسان الحال ولسان المقال : « اذا كان أصحاب القضية المباشرين، أبطال الثورة الفلسطينية قد اعترفوا باسرائيل فلا يسعنا نحن الذين … الا ان …»، وضرورية لها أيضا لاخماد صوت التمرد الفلسطيني على الأوضاع الراهنة وتحويله الى تسليم بشرعيتها وبالتعايش السلمي معها، ضرورية للبورجوازية الاسرائيلية، وهذا ما أدركه جناحها الاذكى جناح الون – سابير – ايبان لارغام الشعب الفلسطيني على التسليم بشرعية الدولة الصهيونية ولتتخذ منها جسرا مفتوحا على العالم العربي كله لاغراقه بسلعها، ضرورية للامريكان والروس لقبر المسألة الوطنية الفلسطينية التي ما فتئت، منذ ربع قرن، فتيلا بفجر الوضع الراهن في منطقة يملكون فيها مصالح استعمارية حيوية، وضرورية لاعيان الضفة وغزة وقادة المقاومة العطاشى لسلطة الدولة وامتيازاتها والذين بنوا منظماتهم البوليسية ( بوليس، سجون، جباية، هيلمان، مراتب بيروقراطية ) على صورة الدويلة القميئة القادمة التي طالما حلموا بمناصبهم فيها يقظة ومناما . ومما لا ريب فيه ان أوسع الجماهير الفلسطينية، التي ذاقت أشكالا وألوانا من اضطهاد البورجوازية الاسرائيلية ومن الاستبداد العربي الكالح ترغب هي أيضا، املا وهميا في نهاية ليل اضطهادها الطويل، في الدويلة الفلسطينية .
بالتصالح بين البورجوازية الفلسطينية والعربية من جهة والبورجوازية الاسرائيلية من جهة أخرى يسدل الستار الى الابد على المسرحية القومية الرسمية التي ترفع بيد الشعارات القومية الشوفينية : « رمي اليهود في البحر »، « فلسطين عربية »، « لن نرضى بغير التحرير الكامل لكامل التراب الفلسطيني بديلا »، وترفع في اليد الأخرى الاعلام البيضاء امام المطالب الصهيونية الآمرة : حدود آمنة معترف بها ومفتوحة، امام المطالب الامبريالية : استغلال آمن لثروات الأرض العربية وتبعية معترف بها للحكومات الامبريالية .
لقد سلمت الدول العربية في الحقوق القومية للشعب الفلسطيني بعدما بدأ يناضل في سبيل استردادها، لكنها برهنت بذلك للمرة الأخيرة على ان مصير الحقوق القومية بات مرهونا بمصير الثورة البروليتارية، وعلى أن الفلسطينيين لن يصبحوا أحرارا ما دام العامل في اسرائيل وفي العالم العربي عبدا، وعلى ان الثويرات القطرية، مهما بلغت من الراديكالية، لا يمكن الا ان تجهض بالسلاح او بالتجسد البوليسي في دويلة، اذا لم تصبح ثورة عربية تتخذ العالم العربي، بجميع أقطاره، حلبة لها والطبقات الحاكمة في العالم العربي كله عدوا لها، والاشتراكية هدفا لها . لكن ظهور الدويلة الفلسطينية – وجزى الله الشدائد كل خير – ستريحنا من آخر اوهامنا القومية التي شلت وعينا دهرا1، وسيجعل العمال الفلسطينيين في اسرائيل ( وعددهم الآن ٥٠ الفا وهو عدد سيتضاعف مرارا بعد الصلح ) رسل التآخي بين عمال اسرائيل وعمال العالم العربي . وليس قليلا ان يناضل ويضرب جنبا لجنب العامل الاسرائيلي والعامل العربي الفلسطيني ضد رب العمل الاسرائيلي، ضد الدولة الاسرائيلية . لا بد لهذا النضال الطبقي ان يطيح باسطورتي القوميتين العربية والصهيونية وذلك أثمن مكسب تكسبه الثورة البروليتارية في اسرائيل والعالم العربي .
٤
انسحاب التعايش السلمي في العالم على العالم العربي سيعني وضع نهاية حاسمة للحرب القومية بين الدولة الاسرائيلية والدول العربية لا لأن ذلك ارادة الدول الكبرى وحسب، ولا لأن اسرائيل تمتلك السلاح النووي وأي اقتراب من حدودها الآمنة، والمعترف بها دوليا وعربيا، لن يترك دون ردع ، عند الاقتضاء نووي ( وحتى اذا امتلكت مصر في يوم ما، قريب أو بعيد، نفس السلاح فذلك سيعني ان التعايش السلمي الصهيوني العربي بلغ أكثر اشكاله البورجوازية مثالية : توازن الرعب )، بل لأن ذلك هو ارادة الطبقات الحاكمة في العالم العربي التي تريد، وبأي ثمن، ان تعيش في سلام مع الطبقة الحاكمة في اسرائيل لكي تكون أقدر على خوض غمار الحرب الأهلية ضد عمالها وطلابها .
٥
لقد انتهت حقبة الحروب القومية في العالم العربي، هذه الحروب التي كفت عن كونها قومية لا لأنها ستتحول الى صلح مع العدو القومي حالما ينفجر الصراع الطبقي حربا أهلية وحسب، بل لأنها أصبحت مستحيلة بقرار قومي غير موحی به أو على الأقل مقبول صراحة أو ضمنا من الدولتين الأعظم اللتين تتحكمان حاليا في العالم : أمريكا وروسيا2 . ويوم افتتاح مؤتمر السلام بجنيف سيقضى نهائيا على ربع قرن من الدعاية القومية الجوفاء التي نوم بها النظام العربي وعي الجماهير . فما من نظام سيكون قوميا بنفس القدر من القلة التي سيكون بها هذا النظام القومي .
٦
على كل حال، من حقنا ان نتوقع ان يكون التعايش السلمي بين دول العالم، وقد سحب نفسه أخيرا على دول العالم العربي، على عكس ما أراده مخططوه – الأرضية المناسبة التي ستنطلق منها الجماهير البروليتارية العربية والاسرائيلية للنضال في سبيل تحررها الحقيقي، تحررها من أعدائها المباشرين الذين هم داخل حدودها وداخل صفوفها، وبقدر ما تهبط حرارة التهريج القومي ترتفع حرارة الصراع الطبقي، وان يلقى التعايش السلمي بين الدول الرد المناسب عليه في انهيار التعايش السلمي بين الطبقات، عربيا، اسرائيليا وعالميا . لكن نمو الحرب الطبقية على انقاض الحرب القومية التي عاشت دهرها، رهن بمدى راديكالية الصراع الطبقي القادم كما هي رهن بمدى اكتشاف الجماهير البروليتارية ( بما فيها الطلاب )، عبر صراعها اليومي، لأفكار جديدة ومخرج ثوري من الأزمة الناشبة ٠ اكتشاف الجماهير للمخرج من الازمة ليس منفصلا عن وضع هذه الأفكار بين يديها، عن تعريفها بتاريخ الثورات البروليتارية في العالم والعالم العربي . وهذه مهمتنا نحن الثوريين الأمميين، عربا واسرائيليين، الذين لم نلطخ شرفنا الثوري بالانضمام الى حزب الدفاع الوطني، حزب « المرتد » كاوتسكي ( ١٩١٤) الذي هو أيضا حزب البيروقراطيين الصغار الذين، ما ان اندلعت الحرب حتى انفلت عفنهم القومي هن عقاله، وراحوا من أول يوم يحيون بثقة عمياء « الحرب الوطنية » متنادين : الى السلاح، متناسين جميع تحاليلهم السابقة عن « عجز الأنظمة الاستسلامية » و « خيانة البورحوازبة الصغيرة للقضية الوطنية »3 . لكن اعمار العواطف القومية، في عصر عالمية رأس المال وأممية الثورة، قصيرة، فسرعان ما استفاقوا بفظاظة من النشوة القومية – الدينية التي ازاحت ورقة التين عن هويتهم الحقيقية كقوميين سييء التوبة، وراحوا يستغربون، ودهشة المذهول مرتسمة على وجوههم، كيف ان الحرب الوطنية انتهت بالتهالك على « بيع الوطن الى الامبريالية الامريكية » ويتحسرون على ثمار « الحرب الوطنية » التي افلتت من ايديهم، كانما كان يمكن ان تكون ثمار « حرب تحريك » كيسنجر من واشنطن الى موسكو فالى تل أبيب والقاهرة، شيئا آخر غير ما أعطته فعلا ؟ لقد تناسى ادعياء اللينينية هؤلاء ان الحرب انما امتداد للسياسة . وسياسة النظام العربي المعلنة لم تخف يوما – ونحن معترفون لها بهذا الجميل – انها ستناضل لـ « تحييد امريكا »، لكسب صداقتها والوصول الى “« تطبيق قرار مجلس الامن » الذي ينص صراحة على الاعتراف باسرائيل … وتناسوا ما ظل مكيافللي النظام العربي : هيكل، يردده دون ملل : « استحالة استقلال مصر ( وبالتالي جميع الدول العربية ) اقتصاديا وعسكريا عن احدى الدولتين الأعظم » . اذن، المفاجأة السيئة التي فاجأتهم بها نتائج الحرب ليس فيها من المفاجأة ذرة . وموقفهم ليس الا تعبيرا عن تخبط البيروقراطية الصغيرة الواقفة على شفير الإفلاس الشامل، الفكري والسياسي لا أكثر ولا أقل . وعلى كل حال، لقد خلقت هذه الحرب من بدايتها الى نهايتها سوء تفاهم فظيع بين اليمين العربي ووجهه الآخر : اليسار . فما اعتبره الأول تكتيكا، اعتبره الثاني قناعة . وهكذا ضحك على ذقنه بشكل غير لائق . وهذا ما لا يستطيع أن يغفره له قبل مرور بعض الوقت ! لقد تبددت في دخان بارود هذه الحرب المشهدية ثورجية جميع التنظيمات الماركسية اللينينية المضحكة نصفا والمبكية نصفا4 . لقد برهن اليسار العربي والاسرائيلي على انه ليس الا الوجه الآخر لميدالية اليمين، على انه ذيله، خادمه وكلبه . وبالمقابل برهنت الفئة القليلة من الأمميين العرب والاسرائيليين على انها وحدها في الساحة التي صمدت لرياح التعصب القومي العربي والصهيوني التي كانت تعصف من كل فج عميق5 .
٧
لقد منيت المشاعر القومية للجماهير العربية بخيبة محمودة العواقب، خيبة كفيلة بان تساعدها على التخلص من أوهامها القومية التي دفعت هذه المرة، كما في كل مرة، ثمنها فادحا من دمها ولحمها . لقد تحمست لحرب ظنت – لانها كانت قد غبیت، روضت اعلاميا، جهلت جميع الحقائق في الاوطان – السجون التي تعيش، من قلة الموت، بين جدرانها حيث لا أثر لاي وسيلة اعلام مستقلة حقا باي درجة كانت عن وسائل اعلام الدولة – انها باسترداد رمال سيناء ستتخلص من بؤسها المقيم وانها ستسترد كرامتها القومية التي مرغت في عار ٣ حروب مهزومة خيضت من وراء ظهرها رغم انها هي التي اكتوت بنار وعار هزائمها، فاذا بها تجد نفسها، وغبار المعارك لما ينجل بعد، امام كمية هائلة من الاهانات القومية الجديدة والمتجددة : الجيش الاسرائيلي يحتل بسبع فرق مدرعة ( صغرتها اجهزة الاعلام الى 7 دبابات ) الضفة الغربية للقناة اي مصر الحقيقية ( مصر – المدن والشعب لا مصر الرمال )، مدينة السويس والجيش الثالث محاصرين بدون طعام ولا دواء ولا ماء، قيادتها العسكرية « المنتصرة » تفاوض من موقف المسترحم جنرالات ديان لتمرير الماء لـ ٢٠ الف من الجنود والضباط العطاشى والمحاصرين وقيادتها السياسية راكعة، في ضراعة تجرح مشاعر أقل العربية قومية، امام حائط مبكى البيت الأبيض طالبة غوثاً ومددا وقائلها يقول لنكسون : « اذا كسبتم صداقة مصر ( اقرأ عمالة حكام مصر ) كسبتم صداقة العالم العربي »6، وترى سادة مصر يستقبلون بالاحضان في القاهرة المقهورة، وجثث قتلى الاسلحة والمتطوعين الامريكيين لم تبرد بعد، كسينجر ممثل الامبريالية الامريكية التي أعلن رسميا عن اشتراكها في الحرب بالأسلحة والاستطلاع والمتطوعين الخ وترى أيضا ان السفير الامريكي بات مرشحا جديا ليلعب دور السفير البريطاني في مصر ما قبل يونيو ٥٢ يعزل هذا الوزير أو ذاك ويرسل الى البيت او الى السجن بهذا أو ذاك من الصحافيين غير المنسجمين، وتجد نفسها أخيرا تتجرع وحدها كأس الهزيمة الرابعة لآخر حروبها القومية مع الصهيونية .
لكن الجماهير العربية التي وظف سادتها دماءها في اذلالها معنويا وقهرها ماديا ستتعلم من تجاربها المريرة انها كانت مهدورة الكرامة وبائسة قبل احتلال سيناء وحتى قبل احتلال فلسطين وانها فقط باستردادها لكرامتها الاجتماعية، باستردادها لكل السلطة من مغتصبيها تسترد كل كرامتها وتأخذ بجميع ثاراتها من جميع أعدائها القوميين والأجانب .
بالتأكيد، لقد خلى، في غمار هذه الحرب المشهدية، الشعب الحقيقي المنقسم الى طبقات مكانه لشعب موهوم يشد بعضه بعضا كالبنيان المرصوص، لكن الشعب الحقيقي، شعب الصراع الطبقي سيعود – بعد أن وضعت الحرب الى الأبد أوزارها7 الى سابق مكانه بانقسام أشد، بأوهام أقل وبرغبة في الاشتباك أكثر ضراوة . وعندئذ سيعلم المتخصصون في فن تضليل الشعوب أن حربهم المشهدية لم تستطع امتلاك تلك العصا السحرية القادرة على الغاء الصراع الاجتماعي او حتى على ارجائه الى أجل غير مسمى . لقد احتدت أزمة الطبقات العربية الحاكمة وضاق هامش مناوراتها الى حد انها لم تستطع محاربة البروليتاريا الا باسم الحرب فقط . الم يكتب هيكل، مستشار الطبقات العربية الحاكمة، مرارا في ۱۹۷۲ بان « الحرب المحدودة مع اسرائيل هي البديل للحرب الأهلية، للحرب العربية – العربية » .
لقد عززت انتفاضة عمال حلوان ( سبتمبر ۱۹۷۱ ) وانتفاضات شبان القاهرة في كل مكان من العالم العربي ادراك البورجوازية العربية لوضعها وحملتها على الدخول في حلف سافر ضد الشعب العامل، ضد الثورة . لقد تناسى قصر الرياض ثاراته القديمة من قصر القبة . لأن الجميع أدركوا انه اذا استطاعت البروليتاريا الجديدة ( العمال، الطلاب والمثقفون غير الممتثلين ) ان تتطاول على النظام في مصر فان عدوى التطاول ستمتد الى كل مكان . تلاشي الخلافات بين الكراسي والعروش هباء امام احتمال الثورة البروليتارية، وفي مصر بالذات، جدير في حد ذاته بان يكون بداية لتاريخ عربي جديد نعتز به حقا لانه علامة على ان انتقالنا من عصر الثورة المضادة الى عصر الثورة بات مسألة وقت لا أكثر .
٨
بحرج لا مزيد عليه تبارى البيروقراطيون الصغار من خريجي مدرسة ستالين وماو « في المادية التاريخية » كما تبارت الشيع والجثث القومجية، لكن بقلة حياء اكثر، في تفسير « سر » شجاعة فيصل وشيوخ النفط في شنهم حرب النفط – التي كانت الامبريالية الامريكية بشهادة هيكل المستفيد الأول منها كما كانت أول المستفيدين من حرب رمضان – وفي اصرارهم على تنفيذ قرار مجلس الأمن الذي كانوا وما بالعهد من قدم، يرفضون مقسمين بالدم المثار بانهم لن يرضوا عن تحرير كامل فلسطين بديلا . فمن قائل ان فيصل « مجروح » من واشنطن التي اخذت مؤخرا تعامله كعميل من الدرجة الثانية بعد أن نجح شاه ايران في الفوز بمرتبة الشرف الأولى في العمالة، ومن قائل ان « اليمين الوطني » في السعودية والخليج والمغرب « غار » من استئثار الرأسمال الامريكي بكل ثروته فاراد ان يطلب بنصيبه من هذه الثروات الوطنية . اما القومجيون المعتوهون فقد صعدوا هذه المثالي الحمقى الى ذروة الهستيريا القومية – الدينية فقالوا بانفعال اختلط فيه السعال بالضراط : « الم نقل لكم ايها الماركسيون الطبقويون بان سطوة المشاعر القومية الدينية قادرة بان تدفع برجعي من عيار فيصل الى الاصرار على تصفية اثار العدوان واسترداد القدس للصلاة فيها قبل الانتقال من دار الفناء الى دار البقاء ؟ ». حقا انها لا تعمي الابصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور . لقد فات هؤلاء الاقزام ان السر ذائع، وانه ابعد ما يكون عن « غيرة » الضرائر بين فيصل والشاه، او « تحاسد » الاثرياء واقل من ذلك عن المشاعر القومية – الدينية، بل انه بورجوازي صرف، مادي صرف ليس فيه من العواطف ذرة . وتفضلوا اسمعوه من فم هشام ناظر، وزير التخطيط في السعودية وعضو المجلس الأعلى لشؤون البترول الذي افشى – لسوء حظكم – سر هذا التصلب السعودي – الخليجي وذلك قبل اعلان الحربين المشهدتين بـ ٤ شهور لجريدة واشنطن بوست ( يوليو ۱۹۷۳ ) :
« اننا لا نجد ما يكفى من المتعهدين لتنفيذ المشاريع التي يمكن ان ترصد لها الاموال المتوفرة، وان على المملكة العربية السعودية ان ترسم سياسة انتشاج بترولية ثابتة تضع حدا للهدر الناتج عن الافراط في استخراج البترول، لان ذلك يزيد من التضخم النقدي الداخلي كما يزيد من تكديس الدولارات المنخفضة القيمة في خزائن المملكة » .
أما وزير النقط السعودي، محمد ابو خليل، وعضو المجلس الاعلى لشؤون البترول فقد كان أكثر دقة اذا تكلم بلغة الارقام : « ليس بوسع المملكة العربية السعودية أن تنفق أكثر من %٦٠ من ميزانيتها السنوية الحالية التي تبلغ زهاء ٤،٥ مليار دولار امريكي » ( كريستيان ساينس مونيتور – يوليو ۱۹۷۳ ) ولهذا « فعلى المملكة ان تقيم توازنا بين العوامل المتناقضة الكامنة في متطلبات تنميتنا وتمديد مخزون حياة نفطنا لأطول فترة ممكنة، وبين القدرة الاستيعابية لاقتصادنا واخيرا تكديس الفائض النقدي الذي تنخفض قيمته بينما تتجه اسعار النفط الى الارتفاع ويزداد طلب العالم على الطاقة » . وهكذا فما أعيي ادراكه القوميين السييء التوبة والقومجية الذين لا يتوبون، وادركه وكشفه الوزيران السعوديان ببلاغة الوقائع والأرقام نتيجة للأزمة النقدية العالمية غدت رؤوس اموال ملوك وشيوخ النفط البنوك بفوائد لا تتجاوز في أحسن الحالات %۹ مهددة بسبب التخفيض والتضخم لا في فوائدها فحسب بل مهددة في أصل رأسمالها المودع في المصارف ( ينبغي أن لا ننسى أن مدير « الحوادث » ذكر مرة ان احد شيوخ الخليج صرح له بانه لو قدر للشعب ان يعرف مدى الخسائر التي لحقت باموالـ «٥» المودعة في المصارف الغربية بعد تخفيض الدولار لاكل حكامه اكلا ) لان التخفيض والتضخم النقدي عمليتان متلازمتان ومتصاعدتان . واذا استمرت رؤوس الاموال النفطية موظف بالمصارف فستصاب باستنزاف أكيد . وليس امام ملوك وشيوخ النفط لتلافي هذه الكارثة الا توظيف أموالهم في غير المصارف، في مشاريع اقتصادية مضمونة ومربحة . وأكثر الاماكن ملائمة لمثل هذا الاستثمار هي الاقطار العربية ( وحتى الافريقية ) غير المنتجة للنفط وعلى رأسها مصر التي تتوفر فيها الشروط ( الخبرة، اليد العاملة الرخيصة و « المدجنة » والسوق ما عدا شرطا واحدا أساسيا هو الامن . فما دامت حالة اللاحرب واللاسلم قائمة فان الانفجارات الشعبية ممكنة والحرب الاسرائيلية العربية واردة . ورأس المال لا يخشى شيئا كما يخشى الثورة والحرب ( الحرب التي ليس هدفها توسيع رقعة سوقه ) . لتحقيق الأمن لرأس مالهم أعلن الشيوخ حرب النفط في سبيل الوصول الى سلام دائم لاستثماراتهم في منطقة الشرق الأوسط . وسيكون لهم بهذا الصدد كل ما يريدون . ولهذا، فحتى قبل مؤتمر جنيف وقبل فك الارتباط وحتى قبل ان يتمكن ضعاف العقول من ادراك العوامل الداخلية التي تحتم الصلح بين القوميتين العربية والصهيونية، بدأت رؤوس الاموال النفطية السعودية والخليجية تخطط لاستثماراتها في مصر وباقي الاقطار : شركة استثمار وادي النيل ( مصر والسودان ) السعودية – والكويتية – المصرية، شركة الطيران العربي السعودية – الخليجية – المصرية، شركة مد انابيب النفط ( سومد ) فضلا عن المشاريع والقروض الثنائية . فالدول العربية تقترض من البنوك الأجنبية نفس الأموال العربية النفطية بفائدة %۱۱، فلماذا لا تقترض دول هذه الاقطار بفائدة أرفع من فوائد الايداع في المصارف الغربية واقل من فوائد الاقتراض زيادة على التحكم الاستعماري النفطي الجديد في الدول المحتاجة للقروض ؟
٩
سيكون لتدفق رؤوس الأموال النفطية والغربية8 على الأقطار العربية نتائج أكيدة وهامة :
سيطرة الرجعية الاسلامية السعودية على الأقطار الأخرى . والوجه الإيجابي لهذا الواقع هو زوال تلك الفروق الوهمية بين الأنظمة التقدمية والأنظمة الرجعية . وهكذا تصبح دول العالم العربي موحدة ضد الثورة .
لن تتدفق الأموال النفطية والاخرى على الدول المحتاجة اليها الا اذا ضمنت لها امنها ضد المصادرة والتأميم . والنتيجة المنطقية لذلك هو اختفاء او تضاءل اسطورة الاشتراكية العربية الوبيلة التي قطعت الطريق منذ ظهورها على التحريض بالثورة الاشتراكية وحقرت الاشتراكية في وعي قطاعات واسعة من العمال الذين لم يروا من الاشتراكية العربية الا تحول النقابات الى بوليس للدولة، تحريم الاضراب، تجميد الأجور وزيادة الانتاج الخ المصائب المعروفة . وسيقلص حجم القطاع العام، رغم معارضة أو تململ البيروقراطية الطفيلية التي تعيش منه، لكي لا يشتمل بعد الآن الا على الصناعات الحربية والثقيلة أو غير المربحة في نظر القطاع الخاص . وهكذا سيكتسب القطاع الخاص أهمية جديدة في العالم العربي ونصبح امام شكل جديد عربي حقا لرأسمالية الدولة المختلطة . وسنشهد احتكاكاً بين بيروقراطية القطاع العام، المحتكرة لأهم مراكز اتخاذ القرار في الدولة ولأهم الأجهزة التنفيذية وبين بورجوازية القطاع الخاص الممثلة في البرلمان . ستصر البيروقراطية على احتكارها للسلطة مبقية للبرلمان دور الكومبارس، وستناضل البورجوازية من أجل اشراف البرلمان على اعداد، اصدار وتنفيذ قوانين الدولة، ستناضل من أجل مشاركتها في السلطة الحقيقية حماية لمصالحها التي ستزداد أهمية . ولا بد لهذا الاحتكاك بين البيروقراطية والبورجوازية، في شروط اقتصادية، مالية وسياسية جديدة، أن يستمر ويتصاعد الى ان يصل الى حد تفجير أزمة في قلب الطبقة الحاكمة.
ومما يزيد هذا الاحتمال قوة هو ان العالم العربي بعاداته وبناه الاجتماعية والدينية غير مهيا لاستقبال تحول اقتصادي كثيف وسريع مرت به أوربا القرن ۱۹ والبلدان في هذا القرن خلال عقود عدة . واذن فستصاب بنية المجتمع العربي بخلل فادح وستعاني الجماهير الكادحة من جميع الافات التي عرفت في أوربا والبلدان البيروقراطية .
١٠
هذا بالاضافة للأزمة الاقتصادية العالمية ( ندرة المواد الأولية، تضاءل المواد الغذائية، أزمة الطاقة، التضخم النقدي ) التي بدأت اثارها تنعكس منذ الآن على أوسع الجماهير العربية غلاء فاحشا وندرة في المواد الضرورية للحياة اليومية . لن يلبث هذا الوضع المتأزم حتى يدفع بالجماهير العمالية والطلابية ٠٠٠ الى ساحــــة الصراع الطبقي . وفي غمار هذا الصراع ستنفلت الجماهير من سيطرة منظمات « ها » شبه البوليسية ( النقابات والأحزاب ) للنضال ضد أسباب بؤسها المتعَاظَم . ونظرا الى ان الطبقات الحاكمة لن تستطيع التحكم في ميكانيزم الأزمة، فسيكون العنف ( النزول الى الشوارع، احتلال المصانع، نهب المستودعات والمتاجر الكبرى، احتلال مراكز الشرطة والثكنات للاستيلاء على الاسلحة، حرق الصحف المعاديــــة للجماهير ٠٠٠) اداة الاعراب عن الاستياء الجماهيري واداة الرد على عنف الطبقات الحاكمة التي تخشى حتى الموت كل انفلات شعبي لأنها كطبقات لم تشعر وهيهات ان تشعر بالأمن . سيكون هذا التصعيد لراديكالية الجماهير مرهصا بالانفجار الثوري لان : النضال المطلبي لجماهير واقفة على حافة المجاعة سيقابل بالرفض . وعندما تيأس الجماهير من تلبية متطلبات حياتها اليومية من الطبقات السائدة فانها، بمنطق الوضع ذاته، ستصعد مطالبها وراديكاليتها الى ان تجد نفسها وجها لوجه أمام هذا المطلب النوعي الحاسم : علينا نحن ان نحقق مطالبنا بأنفسنا واذن كل السلطة للشعب العامل، عبر مجالسه في المصانع والاحياء والقرى . ستجد الجماهير نفسها أمام الثورة .
١١
كانت الحروب المهزومة خاصة في التاريخ الحديث ولادة الثورة البروليتارية . لكن هزيمة يونيو لم تكن كذلك لسببين أساسيين : شخصية عبد الناصر العملاقة التي استطاعت، حتى وهي مهزومة، ان تحتفظ من بريقها السابق بما يكفي لتعزية الجماهير الشعبية . والمقاومة الفلسطينية التي رأت فيها الجماهير العربية نصفا عن حق ونصفا عن خطأ ثورتها الخاصة التي تستحق بها، بضربة واحدة، أهدافها القومية والاجتماعية . لكن موت عبد الناصر والمقاومة معا في ايلول الأسود صحيح بعد تأخير وليس بعد فوات الاوان مسيرة التاريخ العربي . وفورا بدأت الطبقة العاملة في مصر موسعة الى الطلاب والمثقفين مسيرتها لاسترداد الزمن الضائع. لقد ظلت ثورة هزيمة يونيو نوعا من القنبلة الزمنية، من الثورة الزمنية التي بدأت كل عناصر تفجيرها تتفاعل بقوة ملحوظة في عهد السادات الذي حاول بحربه المشهدية نزع فتيلها .
اذا كانت هزيمة ٤٨ والاعتراف الضمني بشرعية وجود الدولة الصهيونية قد خلقت الشروط الملائمة لسقوط التحالف الطبقي القديم وصعود الطبقة العسكرية الى السلطة، واذا كانت هزيمة يونيو ٦٧ لم تسقط الطبقة الجديدة وانما عفنتها ، فان هزيمة ٧٣ ( التي بلغت الصراحة بهيكل حد نعتها باللاهزيمة واللانصر ) هي التي ستكون مهد الثورة البروليتارية الحقيقي، لأنها بجميع نتائجها ستخلق شروطا ملائمة لارتفاع صوت الصراع الطبقي على انقاض صوت المعركة وفي النهاية لسقوط الطبقة البيروقراطية وظهور الطبقة الوحيدة التي لم تجرب حظها حتى الآن : البروليتاريا العربية .
١٢
بظهور سلطة البروليتاريا في العالم العربي سيظهر الحل الأممي للمسألة اليهودية لأول مرة في تاريغ العالم، وللمسألة القومية العربية ( الوحدة ) ولمسألة الأقليات القومية ( أكراد، افارقة …).
ستعرض البروليتاريا العربية، وقد وعت ان تآخيها مع البروليتاريا الاسرائيلية هو شرط انتصارها على عدوها الداخلي، على الاسرائيليين حلا أمميا : سلطة المجالس التي تقضي الى الأبد على كل اضطهاد . لكن، مثلما ان البروليتاريا العربية الظافرة لن تخفي، فكذلك لا يخفي من الآن منظورها، بانهم لن يرضوا بديلا عن القضاء التام على القومية الصهيونية ودولتها، التي لا فقط لم تكن حلا، بعد ربع قرن من تجسدها في دولة قومية للمسألة اليهودية بتحويلها اليهودي من مظلوم في غيتو وارسو وافران النازية الى ظالم في فلسطين وسوريا ومصر، بل انها خلقت مسألة يهودية جديدة في العالم العربي الذي لم يسبق ان طرحت فيه المسألة اليهودية جديا . اننا بالتعاون مع الثوريين الاسرائيليين الأمميين نقول لبروليتاريا اسرائيل وشبابها ان الدولة الصهيونية لم تقدم لهم الا هذا الحل الكئيب : الحرب الدائمة لتأمين بقائهم في ظل دولة ظالمة للشعب الفلسطيني ومرفوضة من الشعوب العربية .
لقد اقامت قتالية الجندي العربي جنازا بدون قداس لأسطورة الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر ولأسطورة الجندي العربي الجبان . انهيار اسطورة الجيش، شركة التأمين على الحياة، اعاد للاسرائيليين ذهان « فقدان الامن »، الذي ظلت الدولة الاسرائيلية تنميه حتى بعد انتصارها في ٦٧ لدى شعبها للجم الصراع الطبقي . لأن شعبا يشعر بالتهديد الدائم لحياته من عدو خارجي لا يمكن ان يطلق العنان لصراعه الطبقي ومطالبه الاجتماعية . لكن اعتراف الدول العربية باسرائيل وربط علاقات عادية معها سيخلق لدى الشعب الاسرائيلي، الذي أصبح مقبولا من محيطه العربي شعورا بالأمن . انطلاقا من هذا الشعور المتناقض سيحرض الثوريون في اسرائيل والعالم العربي بمشروعهم الأممي . لكن اذا لم يقدم هؤلاء الثوريون مثل هذا المشروع للجماهير الإسرائيلية، فان هذه الأخيرة تكون ما خسرت وهم الجيش الحامي الا لكي تكسبها اليها أوهام أخرى أشد خطرا عليها وعلينا ( التسلح النووي الكنيف والأسلحة البكتريولوجية ) . يجب ان يدرك الجميع هذه الحقيقه : الحرب منن ٤٨ الى ٧٣ لم تحل ولن تحل المشاكل لا للجماهير العربية، التي لم تذق من حروب «ها» الا طعم الدم والهزيمة ولا المشاكل الفعلية للجماهير الاسرائيلية التي كانت، في كل مرة، ترى انتصارات«ها» بالهزائم أشبه .
١٣
يعترف الأمميون العرب منذ الآن باحترام ارادة الجماهير الثورية للأقليات القومية . لكن احترام ارادتها ليس تشجيعا لانفصال مصير كادحي هذه الأقليات عن مصير الكادحين العرب . لان مثل هذا الانفصال ليس في مصلحة أي من الفريقين9 . وفي ثورة أممية حقا التحريض بحق تقرير المصير القومي غير وارد أصلا لأنه بلا معنى، لأنه يعني ظهور دولة قومية أي بقاء دار لقمان على حالها . واحترام الارادة يعني ان التعايش الرفاقي بين الجماهير العربية وغير العربية المتحررة يجب أن يكون قرار طوعيا لا واجبا تفرضه الأكثرية على الأقلية . وعلى كل حال فالبروليتاريا العربية المنتصرة لن تفرض ارادتها على بروليتاريا الأقليات القومية لأنها لا تريد تقويض انتصارها نفسه، ولأنها لن ترفض لبروليتاريات الأقليات ما تطالب هي به لنفسها : حكم نفسها بنفسها عبر سوفياتاتها الثورية .
١٤
باتت الوحدة العربية اليوم، بمضمونها الأممي وبقوى تحقيقها، مهمة الثورة الاشتراكية، لا البورجوازية أو البيروقراطية العربية . من الواضح الآن انه خارج الوحدة العربية، خارج العالم العربي كله، وبدون دعم البروليتاريا الأممية لا سبيل لتحقيق ثورة اشتراكية كفيلة بالقضاء على جميع مظاهر التخلف الذي يلف جميع مظاهر السكان العرب وغير العرب . وهكذا تصبح مهمة التحريض بتوحيد العالم العربي في سلطة ثورية لا مركزية مهمه ثوريي الأقليات القومية بقدر ما هي مهمة الثوريين العرب . لأن النضال في سبيل توحيد العالم العربي بات غير منفصل، بأي فاصل زمني أو طبقي، عن النضال في سبيل الاشتراكية التي يسترد فيها المنتجون المباشرون السيطرة على جميع مظاهر نشاطهم اليومي .
١٥
على صعيد الوحدة العربية، كما على كل صعيد، اكتسبت الجماهير فرصة نادرة للرؤية الواضحة : لم تعد الوحدة العربية، بأي مضمون شعبي كان، ممكنة بين الطبقات القطرية الحاكمة التي استبدلت الوحدة بين الشعوب بالتضامن بين الدول، بتبادل المعلومات البوليسية، بتبادل تسليم « المجرمين » السياسيين ( تسليم القذافي الشهيدين السودانيين للجلاد النميري )، بتوحيد ولائها لهذه أو تلك من الدول الامبريالية المعادية عداء مناضلا للوحدة العربية : حكام روسيا يريدون التعامل مع دويلات قزمة . وحكام أمريكا يريدون : تأمين النفط، محاربة الثورة والابقاء على التجزئة .
١٦
مرة أخرى تبرهن الطبقات الحاكمة العربية على انها ما زالت، أكثر من عهد نوري باشا السعيد، أقدر على الاستقلال عن الجماهير العربية والارتباط بالمصالح الاميركية . هذا الارتباط الذي شكلت هذه الحرب الخيانية مظلته الضرورية . ولولاها ما كان السادات ليتجاسر على السفر لاقناع فيصل برفع « الحظر » على الولايات المتحدة !
لقد كانت السيطرة الروسية خاصة في مصر مهزوزة لأسباب اقتصادية، قومية ودينية، على عكس السيطرة الأمريكية . فحتى في أشد فترات العلاقات المصرية الامريكية توترا منذ ١٩٥٥ الى الآن كانت الطبقة الحاكمة ببطنها في روسيا وبقلبها في أمريكا . ولهذا، وتحت بيارق « النصر » في الحرب الرابعة انضمت مصر علنا للسعودية ليكونا نقطة الوثوب للامبريالية الأمريكية للسيطرة على العالم العربي . من يسيطر على السعودية يسيطر على النفط العربي ومن يسيطر على مصر يسيطر سياسيا واقتصاديا على العالم العربي .
من الواضح اذن ان الامبريالية الأمريكية خرجت من منافستها غير المشروعة فائزة على حليفتها ومنافستها : الامبريالية الروسية . وذلك مقروء حتى من انتخاب جرائد الحزب الروسي في لبنان على «رالصداقة العربية السوفيتية المغدورة » . لكن هذا الفوز الأمريكي لا يعني اطلاقا نهاية حاسمة لكل مظاهر السيطرة الروسية في الشرق الأوسط والعالم العربي، فذلك غير وارد في حساب التنافس . وانما يعني أن الكفة الأمريكية باتت أكثر رجحانا في ميزان السيطرة الثنائية، يعني ان الامبريالية الامريكية انتشلت من ذلك الحرم السياسي التي كانت الجماهير وحتى وسائل الاعلام الرسمية تطوقها به . وليس عبثا أن يشارك النفط في المعركة اياها وبالملوك والشيوخ اياهم، الذين توجتهم شركات النفط، بل كانت الههم الذي خلقهم من العدم، ولا تخرج من ذلك السيطرة الامريكية ظافرة .
اذا كانت مصر والسعودية باتنا منطقة نفوذ امريكية فان العراق قد تبقى منطقة نفوذ سوفيتية . اما سوريا، التي لم تكن تاريخيا، الا تابعة للعراق او لمصر، فانها مرشحة لاحدى التبعيتين بحظوظ تقريبا متساوية حسب تضامنها مع العراق البعثية أو مع مصر الساداتية .
على كل حال لا بد من التذكير بهاتين الحقيقتين : (۱) موضوع الرهان من التنافس السلمي بين الامبرياليتين الامريكية والروسية هو النفط العربي، المواقع الاستراتيجية طرق المواصلات ( القنال، باب المندب ) والسوق القادرة على شراء سلع الاستهلاك وسلع الأسلحة التي يتخطاها التقدم التقني بسرعة ويشكل عدم بيعها للدول التابعة خسارة فادحة. (۲) رجحان السيطرة الأمريكية على الروسية لم يكن عدوانا غادرا قام به الأمريكان على مواقع الروس المهزوزة . وانما كان من حيث المبدأ وفي خطوطه العريضة نتيجة اتفاقات صريحة وضمنية، نتيجة مساومة ومقايضة : روسيا المتخلفة صناعيا، بالمقارنة مع امريكا، ليست في حاجة ملحة للسوق العربية قدر حاجتها الملحة للمساعدة المالية والتكنولوجية الأمريكية . ان ما يهمها بالدرجة الأولى هو ان « تتعاون بصدق وكثافة في جميع المحالات خاصة الاقتصادية والتقنية مع الولايات المتحدة » (البرافدا) . ولهذا فهي تجد عن « خسارة » مصر خير عوض في مساعدة امريكا لها للحاق بمجتمعها الاستهلاكي الذي تظن ان فيه لوحة انقاذها من ثورة البروليتاريا الروسية المستاءة والمتململة .
۱۷
ما كان واقعا لكن مموها بالكلمات المنافقة في عهد عبد الناصر أصبح في عهد السادات واقعا مكشوفا ومعلنا بكلمات تغطي تماماً حقائقها : الاشتراكية العربية تسالم الطبقات الظالمة في الداخل والقومية العربية تسالم علنا في الخارج الدول الامبريالية، هذه الدول التي عادتها، وحاربتها ورفضت أن تعترف بها الا في يوم احتضارها .
فهل سنكسب بالوضوح في عهد السادات ما خسرناه بالغموض في عهد عبد الناصر : ادراك ان تحرير الأمة العربية الحقيقي مشروط بتحرر البروليتاريا العربية الحقيقي ؟
***
احتمالات الحرب الرابعة
المقال التالي عن الحرب الرابعة كتب في مايو ۱۹۷۳ وقدم لدار الطليعة في يونيو ٧٣ . لكن الدار ما طلت في نشره لعدم اقتناعها بامكانية نشوب الحرب ولعدم رضاها عن مضمون المقال . ولم نجد بدا من نشر المقال هنا دون أدنى تغيير .
ترى هل صحيح أن الجنرال بولانجي قد قال لمن يريد تصديقه : « لا بد من حرب لمنع الثوره الاجتماعية » . اذا فان ذلك صحيحا فليكن في ذلك للحزب الاشتراكي بلاغ . (۰۰۰) وعلى كل حال يوجد جمهوريو فرنسا في نفس الوضع الذي يوجد فيه القيصر نفسه : أنهم يرون شبح الثورة الاجتماعية ينتصب امامهم ولا يعرفون الا وسيلة واحدة للخلاص منه : الحرب .
انجلز
انكبت الطبقة البيروقراطية العسكرية على تحقيق شعار عبد الناصر « ما اخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة »، بطريقتها الخاصة والتي لا نكاد نجد لها مثيلا في تاريخ الاستعداد لحروب التحرير : اغناء الأغنياء وافقار الفقراء 10، تجميد أجور العمال وزيادة مرتبات البيروقراطيين، رفع الحراسة على املاك « الاقطاعيين » واثقال كاهل صغار المزارعين بالضرائب، تحرير الاخوان المسلمين من المعتقلات والزج بالعمال، الطلاب والشباب الفلسطيني الثوري فيها .
لقد كانت سنوات الهزيمة السبع مكرسة لصراعين أساسيين : من جهة للصراع الفئوي المتواصل على امتيازات سلطة الدولة بين زمر الطبقة العربية الحاكمة، التي لم تبلغ بعد وقد لا تبلغ ابدا – اذا عاجلتها ثورة شعبية – من الطبقة المتماسكة التي تغلب مصالحها، ككل، على مصالح هذه الفئة أو تلك من فئاتها، ومن جهة أخرى للصراع الطبقي مع الحركة الجماهيرية الثورية، لقمع القوى الراديكالية للثورة العربية الجديدة : عمال المدن والأرياف، الطلاب المتمردون والمثقفون الرافضون .
منذ يونيو ٦٧، وخلافا لما كان يروجه دعاة التصالح الطبقي في غمار المحن القومية، شدد النظام العربي كماشة اضطهاده للحركة الجماهيرية مستخدما قوة الحراب وقوة الكذب . اغتال في ٦٨ العمال والطلاب برصاصه، الذي لم يحسن قط وحتى الآن تسديده الا لصدور الجماهير العارية، في حلوان والاسكندرية … ثم جاء دور رصاص الكذب، فاصدر بيان ۲۰ مارس ٦٨ ليعد الشعب باستقلال القضاء، وبالحد من سلطة البوليس التعسفية، لتكتشف الجماهير الثورية منذ صدوره حتى الآن أن دار لقمان على حالها : القضاء ليس مستقلا الا عنها، وبوليسية سلطة الدولة لا حدود لها، والنظام – كما كان منذ ظهوره وما يزال – يتصرف مع الشعب تصرف الوصي مع القاصر، بل تصرف السيد مع عبده : يخاطبه بالأوامر ويحاوره بالسوط اذا لم ير ضرورة لاستخدام الرصاص .
عمال حلوان والمصانع الأخرى طردوا من العمل بالعشرات سجنوا وجلدوا في أقبية المخابرات بالسياط .
سلط على طلاب مصر الثوريين قمع وحشي بات الناس في العالم « المتمدن » يعرفون وقائعه . وامتد قمع النظام العربي، الذي اغتصب حرية الشعب بفظاظة لا مثيل لها الا في اسبانيا فرانكو وبرتجال سلازار وبلدان الاستبداد البيروقراطي، إلى كسر اقلام وتجويع الصحافيين والكتاب الأقل انضباطا وشن الحرب على الكتاب الأحرار الذين تضامنوا مع الحركة التاريخية ورفضوا القيام بالوظيفة التي يعرضها بل يفرضها عليهم : قمع الوعي الثوري بقوة الكذب المعاد في وسائل اعلامه الموجهة .
اراد النظام العربي بهذا القمع المعمم ضد كل ما هو حي ونقدي في الشعب أن يشيع مناخ الخوف في جميع مستويات المجتمع العربي، أن يقتلع من رؤوس الناس الذاكرة، ان يعلمهم عدم التفكير باستقلال عن فكر الدولة الرسمي، وان يمكن حاملي لواء الايديولوجيا الاسلامية من سلطتي القلم والسيف لكي يسهلوا عليه أن يقول للشعب المروض دينيا بعد كل هزيمة : « وما أصابنا الا ما كتب الله لنا »، لكي يعمقوا في الانسان العربي، الذي دمر الاسلام فيه ذلك الشعور السعيد بأنه سيد مصيره على الأرض : « ان هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا الا الدهر » 11، أن مصيره مقرر سلفا، من وراء ظهره، من الله في السماء ومن خلفائه على الأرض، لشده اكثر بحبال غير مرئية الى مقعد المتفرج على الأحداث والمصفق العبيط – الخائف لبهلوانيات سادة النظام .
القمع الايديولوجي بالدين هو خطة النظام العربي التي لم تختلف أبدا على اختلاف السادة واختلاف الحقب : من المنصور الذي لم يجد خيرا من هذه الموعظة يسوقها لمئات الوف الحجيج : « أيها الناس ان الله ملكني أموالكم ورقابكم فإن شئت قبضت وان شئت بسطت »، الى عبد الناصر الذي لم يجد خيرا من هذه الموعظة الأخرى لتبرير هزيمة يونيو : « لا يعفي حذر من قدر » .
مثلما كانت جمهورية عبد الناصر قبل يونيو ٦٧ وعشيته تشدد قبضة مخابراتها وقبضة ايديولوجيتها المتخصصين في قمع الوعي لابقاء الجماهير، بعد أن فككت وحدتها، قطعت السنتها، شلت ملكة المبادرة عندها، وجعلت كل شكل من أشكال تنظيمها المستقل عن أجهزتها الرسمية جريمة واستحالة في أن معا، منفعلة امام الأحداث لا فاعلة فيها، تصحو وتنام على تصديق أكاذيبها المذهلة : من كذبة الصاروخ « القاهر » و « الظافر » الى كذبة « قدرة الجيش المصري على محاربة أي دولة كبرى » مرورا بحشد لا يحصى من الأكاذيب التي لا بد منها القمع ما عجزت المخابرات عن قمعه : الوعي النقدي، كذلك نجد اليوم جمهورية السادات، التي « اعادت سيادة القانون »، تدفع، عشية الحرب الرابعة المحتملة، بأسوأ ما في سياسة ما قبل يونيو الى أقصى نتائجها، كأن التاريخ قد حمل السادات – والقذافي كل فيما يخصه – عبء الوصول بالناصرية الى أقصى نتائجها المنطقية .
اذا كان التعذيب والسجن دائما من نصيب كل من يرتفع صوته فوق صوت السلطة، فقد تحول اليوم النظام نفسه الى سجان يحتفظ بحق الفيتو على احكام محاكمه « ارستقلة جدا » اذا وجدت نفسها مضطرة لاخلاء سبيل عامل أو طالب أو مثقف عجزت المخابرات عن تقديم ما يكفي من الادلة لاثبات « جرائمه » .
انه الدليل لمن ما يزال في حاجة الى دليل، على أن مصير الوطن والمواطن12 يأتي في اخر اهتمامات الدويلات العربية التي تركت للدولة الاسرائيلية حق العدوان الدوري على الوطن وأعطت نفسها حتى العدوان اليومي على المواطن . فما الطفه من تقسيم للعمل العدواني بين عدوين وهميين لعدو مشترك حقيقي : الشعب العربي الذي طال ليله وعذابه . شخصت الحركة الشعبية الثورية في مصر هذا التقسيم للعمل، بين العدو القومي والعدو الطبقي اللذين تأخيا في التنكيل بها، بشعار صائب يعكس واقع الحال بدون رتوش : « اليهودي على ترابي والمخابرات على بابي ». أنى للشعب الذي يقف العدو على ترابه وتقف مخابرات الطبقة السائدة على بابه ان يستعد، ل « خوض المعركة » ؟ الا على امواج الاثير وفي لغة الدولة المفترية والمنافقة بماهيتها .
اذا قدر لهذه الحرب أن تخاض فستكون مشهدية لانها « ستخاص » من وراء ظهر الشعب، دون مشاركته الفعلية، ستخاض وهو أعزل، مقلم الأظافر، محاصر، حزين، خائف وجائع .
اما على الضفة الأخرى فالشعب الاسرائيلي يقف، باستثناء الثوريين الذين ما زالوا قلة، وراء قيادته . لان هذا الشعب – وهذا هو السبب الأساسي – لم ير من خلال أكاذيب دولته عليه وأكاذيب الدويلات العربية على شعوبها سوى هذا الأمر : انه يحارب من أجل بقائه، من أجل أن لا يرمى به في البحر …
حالة الجيوش هي عموما انعكاس لحالة الشعب : القيادات العليا في الجيش العربي تمزقها نفس التناقضات التي تمزق القيادات السياسية المتصارعة : تصفيات انجزت وأخرى تنتظر الانجاز، حذر متبادل، اقالات واستقالات، محاولات للانقضاض على السلطة احبطت وأخرى قيد الاعداد ۰۰۰ اما واقع جماهير الجنود فهو من واقع الطبقات الشعبية التي ينتمون اليها، ومعنوياتهم تعكس معنوياتها ارتفاعا وانخفاضا . وجماهير الجنود – مثل جماهير الشعب تماما – ضحايا مراتبية المؤسسة العسكرية العربية التي تفوق مراتبية أكثر الجيوش، في العالم، بيروقراطية ( وهذا بين أسباب أخرى طبعا، تحسب لتعقيد مهمة المغامرين والانقلابيين من الضباط الذين يفكرون في طرد المحتل لكرسي الحكم أكثر مما يفكرون في طرد الجيش الاسرائيلي المحتل لارض وطنهم ) . العلاقة بين المراتب العليا والمراتب الدنيا، بين مجموع هرم المراتب وجماهير الجنود هي علاقة الوصي بالقاصر بل علاقة السيد بالعبد . وهذه العلاقة هي المسؤولة عن ضعف روح المبادرة عند الجندي العربي الشجاع، في الأصل، الى حد التهور، وهذه احدى الخصائص النفسية التي انحدرت اليه عبر الثقافة الشفوية والعقل الباطن الجماعي من امة كانت الحرب عنصرها والفتوح شغفها . والقتالية اليوم، في شروط الأسلحة المتطورة أصبحت هي القدرة على التحكم في استعمال السلاح، ضمن استراتيجية صائبة، أكثر منها مجرد استهانة بالموت . والى ذلك فهي حالة نفسية مرتبطة بدرجة التسلح وخاصة بالعلاقات السائدة بين الجندي وأمريه، والجندي العربي تماما كالمواطن العربي يجهل كل المعلومات الضرورية لا عن جيش العدو وحسب بل وعن جيشه أيضا . وليس من حقه أن يطمح المعرفة أي شيء عن أي شيء، حسبه الخضوع الاعمى للانضباط البقري، حسبه البؤس الذي تستفزه يوميا امتيازات كبار الضباط .
الجيش العربي، باختصار، متأخر في علاقاته، متخلف تنظيما، تدريبا وتصليحا عن الجيش الاسرائيلي .
١
امام هذا الجيش المفكك يقف الجيش الاسرائيلي المتفوق عليه من أي النواحي اتيته . فهو أولا جيش سياسي، ميليشيا شعبية، جيش من الانصار . وحربه هي حرب فرق الكوماندوس … يقول الجنرال الاسرائيلي تسور :
« الحرب هي وستظل دائما بالنسبة لنا حرب فرق الكوماندوس موسعة الى ابعاد الحرب الكلاسيكية . كما هي الحال في هجمة كوماندوس خاطفة، فان على جيشنا أن يضرب بسرعة وقوة . اننا محكوم علينا أن نمارس الحرب الخاطفة . (٠٠٠) ان كل وحدات الجيش الاسرائيلي من الفرقة الى الفصيلة تتصرف الى حد ما وفق تكنيك وروح الكوماندوس . الوحدات تستطيع أن تحارب معزولة دون ان تخشى، كما في الجيوش الكلاسيكية، من فقدان المؤونة، الذخيرة، الماء، أو مهاجمتها على يمينها او يسارها أو من فقدان الاتصال أو من توقف دعم المدفعية .
طوال المعركة تستطيع وحداتنا ان ترتجل التدابير الضرورية . قوة وحداتنا آتية فقط من سرعتها واستقلالها الذاتي وخفتها . لا وجود اثناء الحملة لقواعد خلفية أو لصلوات أو لقداس، أو خيمة لقيادة الاركان ( ۰۰۰ ) ولا وجود لوجبات ساخنة أو المراسم . الجنرال يحفر بنفسه حفرته لينام في الرمال ويشارك سائقه عليه الطعام . اننا نريد دائما ان نفاجيء العدو كما هو الحال عند الكوماندوس : المباغتة، الضرب فالاختفاء، ويظهر جنودنا في المكان الذي لم يكن على الاطلاق ينتظر ظهورهم فيه . ( ۰۰۰) التدريب في الجيش الاسرائيلي من درجة رفيعة جدا وعام بحيث أن أي رئيس يمكن في أي لحظة استبداله بدون أدنى ضرر بمساعده، ثم بمساعد هذا المساعد وهكذا دواليك الى أدنى سلم المرتبة . وعلى ضباط جيش الدفاع الاسرائيلي، كما في الكوماندوس، أن يكونوا على رأس رجالهم، وأن يعيشوا مثلهم، وأن لا يتمتعوا بأي امتياز عن جنودهم …»
وكتب العقيد الاسرائيلي شميل :
« كل جندي يستطيع في كل لحظة أن يطلب من رؤسائه توضيح الأوامر العسكرية له، أن يسأل أي رئيس من رؤسائه عن تصرفاته : لماذا هو موجود هنا أو هناك، وماذا سيفعل أو سيحاول أن يفعل في الغد . وللجندي مطلق الحق في أن يعرف سياق وتفاصيل المعارك الناشبة أولا بأول ».
۲
الجيش الوحيد الذي يستطيع أن يتفوق عدديا ونوعية علاقات على الميليشيا الاسرائيلية الرجعية ليس ولن يكون الجيش العربي الراهن، الذي هو جيش استعراض أكثر منه جيش میدان، جيش معد أصلا وأساسا للدفاع عن النظام القائم لا للدفاع عن البلاد، بل يجب أن يكون ميليشيا ثورية عربية قوامها الفلاح – المسلح والعامل – المسلح اللذان يعرفان لماذا يحاربان وعلى أية مصالح فعلية يدافعان، على مصالحهما التي هي مصالح الأمة، لا على مصالح طبقة مجهدة، فقدت مبرر وجودها وتمحضت للقمع وتبذير الدخل القومي . ولقد أسهمت حركة المقاومة الفلسطينية ١٩٦٧ – ۱۹۷۰ المسلحة، التي كانت كحركة، لا كقيادات، أكثر وقائع تاريخ العرب المعاصر راديكالية، في تجذير وعي الحركة الثورية العربية الذي ما عادت تنطلي عليه خدعة الطبقات الحاكمة وحاملي اقلامها في المماثلة بين مصالحهم ومصالح البلاد، مصالح « الوطن »، فالوعي الثوري يعي اليوم، وسيعي كل يوم أكثر، أن مصالح الدولة ليست مصالح البلاد . مصالح البلاد هي مصالح سكان البلاد الكادحين لا مصالح حكام البلاد .
اذن البديل الوحيد للحرب الكلاسيكية، التي تجاوزها حتى أسلوب حرب الميليشيا الاسرائيلية، هو الحرب الشعبية . الحرب الشعبية لا تختزل لحرب العصابات . بل ان العصابات في شكلها البدائي وحتى حرب الانصار لا تحسم الا بمعركة حاسمة (ديان بيان فو) أو بسلسلة من المعارك الطاحنة بين قوتين متواجهتين . اذن ليس المهم هو شكل الحرب الشعبية المتغير وفق الشروط الخاصة التي تفرضها الطبيعة الجغرافية، نوعية السلاح، أسلوب المواجهة الخ بقدر ما يهم مضمونها، ومضمونها هو أن يصبح الشعب هو الحكم الأعلى في جميع شؤون حياته اليومية، أن يصبح هو نفسه السلطة، مالكا بالكامل لحق تقرير مصيره بنفسه، لسلطة التشريع وسلطة التنفيذ بدون فصل بينهما، أي مالكا لـ « كل الديموقراطية للشعب » التي طالبت بها الحركة الثورية في مصر العربية . عند ذلك، وعند ذلك فقط تحقق الميليشيا العربية تفوقا نوعيا على الميليشيا الاسرائيلية وتجعل هزيمتها امكانية جدية .
من العته مطالبة النظام العربي، كما فعل كثير من المتسولين الثورجيين، بالسماح لسلطة الشعب بالظهور . لأن الدويلات العربية لا يمكن الا أن تكون وفية لطبيعتها الاجتماعية العميقة المعادية حتى الموت لظهور سلطة البروليتاريا الثورية، سلطة الشعب الثوري التي لا يمكن أن تظهر الا على انقاضها . لهذا ترفض الدويلات العربية باصرار ووعي نمط حرب الشعب المسلح . كما رفضته قبلها حكومة الخيانة الوطنية في فرنسا ۱۸۷۱، لأنها تعرف، كما كانت حكومة الخيانة الوطنية تعرف، أن انتصار العامل العربي على المعتدي الصهيوني سيكون انتصارا للعامل العربي على البيروقراطي العربي، على البورجوازي العربي، على الشيخ العربي وعلى دولتهم .
هيهات ان ينخدع الا الذين يودون الانخداع أو الخداع بمغازلة السادات في آخر لحظة ( أبريل ۷۳ ) للفلاحين اجتماعيا باعفائهم من الضرائب . انه اجراء استعراضي وبائس هدفه فك تضامن الفلاحين مع العمال، الطلبة والمثقفين، لا تعبئتهم « لخوض المعركة » . لعبة ورقة الريف ضد المدينة، الفلاحين ضد العمال، ليست جديدة . رحم الله لويس بونابارت ! لكن الجديد فيها حقا انها تلعب في فترة كلها جد : عشية « خوض حرب التحرير » التي يفترض أن تلعب فيها المدن دور قواعد الاسناد الحاسمة !
اذ كانت حرب الشعب، الشعب الذي يفعل كل شيء بنفسه ولنفسه، الشعب المسلح، مستحيلة في ظل النظام العربي الذي لن يسلح الشعب، لانه، سيبادر – والنظام يعرف ذلك – إلى تصفية عدوان النظام عليه لكي يستطيع الاستعداد الجدي لمواجهة العدوان الآخر، فان هذا النظام محكوم عليه اما يتسول استسلامه من الدول الكبرى وبأي ثمن تفرضه واما بالمغامرات العسكرية الفاشلة .
٣
عزلة النظام العربي شعبيا لا تنافسها الا عزلته دوليا . أولا، لان نظاما بات يحتقره شعبه لا يمكن أن يكسب احترام الأنظمة الأخرى التي لن تخشاه اذا هدد مصالحها ولن تطمئن اليه اذا تعهد بصيانتها . وهي ثانيا عزلة كان لا بد له أن يقع فيها، لأن تاريخه منذ حرب يونيو على الأقل ليس الا سلسلة من المصادفات التاريخية النحسة . ذلك أن قيادته السياسية – تماما مثل قيادته العسكرية – كانت دائما عاجزة عن فهم المرحلة التاريخية، حتى بمنطق الدول لا بجدل الثورة طبعا، التي تعيش فيها وتقدير علاقات القوى الدولية على كل صعيد تقديرا صحيحا . وحتى على هذا المستوى أيضا برهنت على تخلفها الساحق عن القيادة الاسرائيلية .
كان النظام العربي يفهم الطبقة الروسية السائدة كما تقدم نفسها : خير نصير للشعوب الصغيرة ضد سيطرة الامبريالية الغربية، ولم يفهمها كما هي في المواقع : نصير زائف لجميع الشعوب وحليف فعلي للامبريالية الغربية ما احترمت هذه الامبريالية مصالحها العالمية . حتى تناقضات رأسمالية الدولة الروسية مع الرأسمالية الاميركية بدأت، على غرار تناقضات أجنحة البورجوازية التنافسية على الأسواق في القرن الماضي، تخلي مكانها لضبط محكم واقتسام عقلاني للجزء المتخلف من السوق الرأسمالية العالمية، تماما أو تكاد على غرار ضبط التنافس بين الشركات الاحتكارية الكبرى في الحقبة الراهنة .
في أول مؤتمر قمة مصغر، عقد في القاهرة عقب الهزيمة تحت شعار الرد على الهزيمة13 اشتكى عبد الناصر لزملائه « التقدميين » من واقع ان بودجورني [رئيس المجلس الأعلى للاتحاد السوفياتي] الذي زاره مواسيا بعد الحرب « رفض اعطاءنا أسلحة هجومية بل رفض حتى القواعد العسكرية التي عرضتها عليه14 بحجة ان ذلك قد تكون له مضاعفات خطرة على علاقات الاتحاد السوفياتي بالولايات المتحدة ». يبدي من وقائع المحضر أن عبد الناصر لم يكن يفهم : « لماذا يحرص الاتحاد السوفياتي كل هذا الحرص على علاقاته مع الولايات المتحدة ؟ ». لكن الأيام تكفلت بعد اختفائه بافهام خليفته حتمية الظاهرة لا أسبابها العميقة طبعا :
برنامج الطبقة البيروقراطية الروسية المعلن هو اللحاق بمجتمع الاستهلاك الغربي وتحديدا الاميركي، أي تجاوز ديكتاتورية الانتاج القائمة على الاستنزاف المنظور والفظ لبروليتاريا مستاءة، واعية لبؤسها الكمي والنوعي، الى ديكتاتورية الاستهلاك القائمة، كما هي في الغرب المصنع، على القمع الخفي لوعي البروليتاريا المنوم بالعلاقات الاجتماعية السلعية نفسها بديكتاتورية الاشياء التي كلما ازدادت وفرة ازدادت حياة الناس اليومية ميكانيكية وافتقارا . لقد عجزت الايديولوجيا الماركسية – اللينينية في معسكر الرأسمالية البيروقراطية عن القيام بهذا الدور تماما كما عجز عن أدائه الدين في أوربا القرن التاسع عشر . لان شرط تحقيقه، الذي يحتوي في داخله على مجموع شروط حله : اغتناء الناس بالسلع الفقيرة من حيث قيمتها الاستعمالية، لم يكن في أوربا القرن ۱۹ قد توفر بعد . وفي المعسكر البيروقراطي اليوم ما زال الناس مفتقرين حتى للسلع الفقيرة . وبالتالي ما زالت علاقات الاستغلال القائمة غير خفية على وعي البروليتاريا الصاحي .
ثارت البروليتاريا في برلين الشرقية ١٩٥٣ مطالبة بحكومة من عمال الحديد والصلب . ثارت في المجر ١٩٥٦ فبادرت الى المطالبة بذلك المطلب الذي يتحدى النسيان : التسيير الذاتي . ثم تحركت في تشيكوسلوفاكيا ۱۹٦۸ فطردت المدراء الطفيليين واحتلت المصانع، وثارت في بولانده ۱۹۷۰ فبادرت الى حرق مقر الحزب – الدولة .
هذه السلسلة المتلاحقة من الانتفاضات البروليتارية جعلت الطبقة البيروقراطية الخائفة من ثورة بروليتارية في روسيا نفسها، تستعيد بها وفيها البروليتاريا كل ذكرياتها وذاكرتها التاريخية ( ١٩٠٥ – ۱۹۱۷ )، في شروط تاريخية جد ملائمة لثورة شاملة وظافرة، تطلب النجدة من البورجوازية الأمريكية الشقيقة لمساعدتها على تجاوز متاعبها الاقتصادية، على تجاوز ديكتاتورية انتاجها التي لم تعد تطاق الى ديكتاتورية الاستهلاك التي تتوهم، لأنها كطبقة رجعية لم تدرك ادراكا جدليا مغزى ثورة مايو ٦٨ البروليتارية في فرنسا وتمردات الشباب الثوري في الغرب على حضارة الاستهلاك البورجوازية . انها ستنقذها من الخطر الثوري الكامن . لم تبخل عليها البورجوازية الاميركية بالنجدة، لأنها هي نفسها الأخرى تعيش راهنا أزمة اقتراب أسواقها – خاصة السوق الأوروبية – من الاشباع . وترى في سوق الرأسمالية البيروقراطية الدفاع والواسع، وفي مواده الأولية خاصة الغاز والنفط، مخرجا ضروريا لمعضلاتها الخاصة . فضلا على أنها لا تجهل أن ثورة بروليتارية حتى في معسكر « العدو » ستكون محرضا قويا لثورة بروليتارية في عقر دارها .
لقاء ماو – نيكسون، ثم لقاء برجنيف – نيكسون، هذه اللقاءات التي ستتكرر وقد تغدو دورية، ليست كما بدت للنظام العربي وللبيروقراطية الصغيرة الماركسية – اللينينية العربية صواعق نزلت على رؤوسهم من سماء صافية الاديم، بل هي ظواهر تضرب بجذورها في الحاجات المتكاملة للسوق الرأسمالية العالمية وفي الخوف المتبادل من خطر الثورة البروليتارية شرقا وغربا، وهي تقدم برهانا أخيرا، لمن ما زال في حاجة اليه، على الوحدة الفعلية للطبقات السائدة وزيف صراعها .
أي عجب، اذن، في أن لا تهتم روسيا بمأزق النظام العربي مركزة كل اهتمامها على أن تصبح الدولة الأكثر تفضيلا في علاقاتها التجارية مع البورجوازية الاميركية، في أن تطور، بالتعاون مع الرأسمال والخبرة الامريكيين، صناعتها الكيميائية التي ستتخصص، في نطاق تقسيم العمل الرأسمالي العالمي، في تصديرها للغرب، في أن تستورد القمح والسعاد الصناعي لزراعتها المتخلفة، في أن تبني المصانع، انابيب النفط والناقلات النفطية بمساعدة رؤوس الأموال والتكنيك الامريكيين، في آن تتعاون مع الشركات الاميركية على استغلال الثروات الطبيعية والبروليتاريا الروسية المسحوقة، وأن توطد أخيرا جبهة مشتركة اميركية – روسية تنفيذا لما اقترحه خروشوف علنا على أيزنهاور في ١٩٥٩ : « اذا اتفقنا نحن وانتم فان احدا في العالم لن يحرك بعد ذلك أصبعا ».
٤
كيف يجرأ النظام العربي في مناخ هذا التعاون الروسي – الاميركي أو بالأدق الشرقي – الغربي الذي سيجعل احتمالات الحروب المحلية بين الدويلات التابعة أقل ورودا على جدول أعمال المعسكرين المتصالحين، وبعد أن حاول بكل ما أوتي من قمع تقليم أظافر الحركة الثورية التي لا يمكن بدون الاعتماد الكلي عليها، بدون تدخلها الفعلي وقيادتها لجميع اشكال النضال تحقيق أي هدف – أن يفكر – حتى مجرد تفكير – في الاقدام على مغامرة عسكرية، أن لم يكن ان صمم سلفا وبدم بارد على التضحية بعشرات الألوف من الحيوانات البشرية العربية فقط ليثبت، امام الحركة الطلابية التي قالت عنه أنه لن يحارب، اناه قادر على اعلان الحرب لا على كسبها ؟
في الواقع كثيرون هم الذين استنتجوا من سياسة النظام العربي الداخلية والخارجية الموظفة فعليا في تحقيق الشروط الموضوعية للاستسلام. ان هذا النظام الذي يحارب بحسم على جبهة مصانع حلوان، وجامعات مصر ومكاتب تحرير الصحف، لن يحارب أبدا على جبهة القنال . لكن هذا التقييم أخطأ بالنظر اعتبارا آخر : الحرب المشهدية كمحاولة، حمقاء طبعا، لاخراج النظام من أزمته الطاحنة، كرد تاكتيكي على تحدي الحركة الطلابية وتوفيق الحكيم أيضا15 وكمناورة، تنقصها، البراعة، لتغطية استسلامه غير المشروط للشروط الاسرائيلية الأمريكية .
٥
منذ حرب ٦٧ تحولت أزمة النظام العربي الاقتصادية الكامنة الى أزمة شاملة ومفتوحة . استعمل عبد الناصر، ذو الموهبة الخطابية، سلاح الاقناع وعند الضرورة، وكرديف، اقناع الرصاص ( حلوان، الاسكندرية الخ ٦٨ ) لتخليف وعي الجماهير عن ادراك الأزمة وعن ادراك المخرج الثوري منها . لكن في ۱۹۷۰ خسرت الطبقة العربية السائدة في عبد الناصر أكثر زعمائها قدرة على اقناع الجماهير العربية بالاستسلام لوضعها والاستمرار في مقعد المشاهد لمسرح الأحداث والمصفق الابله لألمع الممثلين . اذن لم يبق امام خلفه الأعزل من سلاح الاقناع الا ان يلجأ الى اقناع السلاح . لكن ذلك لم يزد أزمته الا تأزما ولم يزد معسكر معارضيه ونفاته الا توسعا . لان تحدي الاحتلال الاسرائيلي، المتداخل مع تحدي أزمة النظام العربي الشاملة، يشكل، بالنسبة له تحديا تاريخيا لا تنفع معه المداورة .
عجزه الفاضح عن رد التحدي الاسرائيلي عسكريا، مضافا لعجزه عن كسب رضى موسكو أو واشنطن، احداهما أو كليهما، الضروري لنجدته، في محنته، جعلته يرقص، كالطير مذبوحا، من الالم استنفد كل رصيده الضئيل من الوعود التي لا فقط لم يعد يصدقها أحد، بل لم يعد يستمع اليها أحد . وجرب جميع المسكنات التي فشلت على التوالي في تخفيف الله جرب الابتسام للبورجوازية الريفية والقطاع الخاص والامبريالية الاميركية بوجه صادق – سوهارتو مصر المحتمل – الذي كان يرى أن المخرج من الازمة لا سبيل اليه الا بالانصياع لمطالب واشنطن والرياض القادرتين، كل فيما يخصها، على مساعدته على التنمية الاقتصادية التي تراوح مكانها منذ ١٩٦٤، وعلى الوصول إلى تسوية « تحفظ ماء الوجه » مع جيش الاحتلال، وهما الشرطان الضروريان لتوطيد مواقع الطبقة السائدة وجعلها اقدر على وقف تنامي الحركة الثورية أو على الأقل الوقوف، بحظوظ من النجاح، امام مدها . ثم جرب الابتسام لبيروقراطية القطاع العام وموسكو بوجه صدقي الذي كان يرى أن المخرج من الازمة يمكن العثور عليه في ضرورة الارتباط المدروس بالطبقة الحاكمة في روسيا لتطوير قطاع اقتصاد الدولة وابقائه في وجه القطاع الخاص، القطاع الحاسم خاصة في الصناعة، لتدريب وتسليح الجيش حتى يصبح ذات يوم، مضافا للتنازلات لدولة اسرائيل وللضغوط الديبلوماسية الروسية والأوربية عاملا مساعدا لجرها الى القبول بتسوية سياسية تعيد جل الأراضي المحتلة . وحفاظا على تعادلية النظام العربي في العلاقات الدولية كان صدقي – على طريقة عبد الناصر – يحبذ الانفتاح بغير تحفظات على البورجوازية الأوروبية العطشى للنفط العربي والمتضايقة من الجبهة الروسية الاميركية، والانفتاح التدريجي على البورجوازية الأميركية التي ستجد نفسها – كما كان يفكر – مضطرة لمنافسة روسيا وأوربا الغربية على مساعدته .
بعد أن فقدت جميع هذه المسكنات مفعولها، واستهلك وجهي صادق وصدقي، جاء النظام هذه المرة بوجهه هو العبوس اليائس، ليرحل بعد فوات الأوان الخبراء الروس ويطبق، وبعد ان تخلى عنه أو كاد، امام تغير الموقف، صاحبه نفسه برنامج هيكل : « استراتيجية الاستخدام المحدود للقوة المسلحة »، أو حرب الاستنزاف16 كمحاولة اخيرة بائسة لـ « كسر الجمود المفروض على الموقف وتحريك الازمة ».
في احدى مقالاته في الخريف الماضي شرح هيكل تلميحا حينا وتصريحا حينا أسباب، افاق وحدود « الحرب المحدودة مع اسرائيل ». يقول هيكل ما مفاده : اذا لم نسخن الجبهة مع اسرائيل، بحساب وحدود، فان البديل لذلك تسخين الجبهة العربية – العربية، اضطرابات داخلية وحروب أهلية17. ومعنى ذلك أننا سندخل ( في مصر كما في الأقطار الأخرى ) في دوامة من الانقلابات والخضات والثورات . وفي سلسلة مقالاته الشهيرة حول « جريمة اللاحرب واللاسلم » وصلت به الجرأة الى حد الزعم بأن اسرائيل لا ترى حرجا في نجاح ثورة شيوعية في مصر بل انها تحبذها (!) . ولقد انتهى هيكل الى هذه النتيجة : الحرب العربية الاسرائيلية المحدودة، التي هدفها الضغط على الدولة الاسرائيلية للوصول إلى حل سياسي في حدود ميزان القوى العام في المنطقة وفي العالم ( وكفته راجحة بالتأكيد لصالح الدولة الاسرائيلية وهو ما تناسى هيكل الاشارة اليه ) تشكل لوحة الانقاذ للأوضاع العربية الراهنة، الاستقرار واستمرارية النظام العربي .
هدف النظام العربي من هذه الحرب هو اذن وقف التعفن الذي دب الى صميم الأوضاع العربية الرسمية، وقف هذا الكابوس الذي شرع يضغط بعنف على اعناق السادة الحاكمين وبدأت اثاره تدفع أوسع الجماهير الى طرح الأسئلة الصحيحة في محاولة العثور على الجواب الصحيح، ومن المعروف، حتى الابتذال تاريخيا انه كلما أصبحت الطبقات السائدة أكثر تفككا وضعنا أصبحت الطبقات الثورية أكثر عددا وعدة، أرقى وعيا وتنظيما وقدرة على خوض الصراع وانتزاع النصر .
٦
في هذا السياق يريد النظام العربي من الحرب المسرحية المحتملة وضع الأمة العربية وفي مقدمتها مصر في فوهة المدفع الاسرائيلي وبنفس الضربة يريد قطع الطريق على احتمالات التطور الثوري المتلاحق خاصة في مصر حيث بلغت الأزمة الاجتماعية مرحلة أكثر شمولا وبلغ معها وعي الجماهير الثورية مرحلة أرقى، رغم ما زال عالقا به من شوائب كثيرة قومية واصلاحية، هذه الشوائب التي لن يتخلص منها الا في معمعان الصراع الطبقي، المدرسة الوحيدة التي تبلور فيها الجماهير أهدافها، تجذر فيها وعيها، تنمي فيها قواها وتقتل فيها عضلاتها .
تتميز المرحلة الحالية ( من اغسطس ۱۹۷۱ حتى الآن )، من نمو الثورة العربية الجديدة، بأنها مرحلة أصبحت فيها الجماهير الثورية – التي شاءت محاسن الصدف التاريخية ان لا يكون على رأسها حزب ستاليني قوي يضبط حركتها، يقمع وعيها ويقطف في النهاية ثمار تضالها لحساب دولته البيروقراطية – تتحين أقل فرصة للتقدم على طريقة الثورة الاشتراكية، بمطالبها الصائرة أكثر فأكثر نحو التجذر والشمول :
في أواخر اغسطس ۱۹۷۱ احتل ۱۰۰۰۰ عامل في مصانع حلوان مصانعهم وفورا وتلقائيا تضامن معهم ۲۰۰۰۰۰ عامل ضد المدرعات التي حاصرت المصانع المحتلة من الداخل . لقد قابلت الصحافة العربية بمؤامرة صمت منتظرة وقائع ومطالب أول انتفاضة بروليتارية في مصر الحديثة .
برهنت البروليتاريا في مصر بهذه الانتفاضة على عوامل قوتها وعناصر ضعفها في وقت واحد . عوامل قوتها كانت ذلك الحس البروليتاري الراديكالي الذي الهمها من أول وهلة اعتقال ممثلي الدولة ( وزارة الصناعة ) في المصنع، هذه الدولة التي تنهب فائض قيمة عملها وتستعيدها، اعتقال المدراء، منظمي عملية الاستغلال، واعتقال رئيس النقابات العمالية، أي ممثل الدولة لدى العمال، الذي جاء ليعظهم بالصبر والهدوء ويحطم اضرابهم .
طالبت بروليتاريا حلوان بمطالب أهمها :
- الاشتراك في ادارة المصانع
- تشكيل محاكم عمالية في كل مصنع لمحاسبة ومحاكمة المدراء المختلسين
- المشاركة في الارباح
- المشاركة في اعداد المخطط العام .
تتجلى عناصر الضعف في خجل البروليتاريا، التي خطت، بالرغم من ذلك أول خطوة صائبة على طريق الصراع الطبقي الحقيقي، من المطالبة بـ كل السلطة لها، واقفة عند شعار المشاركة المستحيلة مع الطبقة السائدة . وسيعلمها صراعها الطبقي الجراة، وسيعلمها ان السلطة كالمرأة في المجتمع البطريقي لا يتزوجها شرعا اثنان، وسيعلمها كيف ترفع مطالب جذرية وشاملة بحيث لا يمكن للطبقة الحاكمة أن تقبلها أو ترفضها دون أن تسقط في الحالين والشعار الذي رفعته الانتفاضة الطلابية الأخيرة واحتفظت به اللجان الطلابية العمالية المشتركة : « كل الديموقراطية للشعب » من هذا القبيل .
اذا كان مضمون هذه الديموقراطية الكاملة هو أن يصبح الشعب نفسه رئيس الدولة : ان يحكم المنتجون المباشرون أنفسهم مباشرة بدون ممثلين ( برلمانيين أو حزبيين غير قابلين للعزل منهم في أية لحظة، يحكمون بالنيابة عن الشعب أي يحكمونه )، فهو المعادل في مصر ۱۹۷۳ لـ « كل السلطة للسوفييت » في روسيا ۱۹۱۷، لكن في حقبة الفضل تاريخيا، بالنسبة لنا، من حيث نضج الامكانات الموضوعية للثورة الأممية .
هكذا بعد أن استعرض طلاب مصر وعمالها قوتهم أمام سادة النظام اتضح من ردود فعل الطبقة الحاكمة المتناقضة انها اقتنعت بامكانية حدوث الاحتمال المرعب : أن تستيقظ ذات صباح فتجد جامعة القاهرة وقد اتسعت الى مدينة القاهرة . لكن هذا الاحتمال لم يضعف من عزمها على المقاومة وانما قوى من تصميمها على تحطيم البروليتاريا الجديدة في مصر . لكن كيف تستطيع بلوغ هذا الهدف ؟
تحطيمها بالسلاح صعب، سابق لاوانه ولا يخلو من وخيم العواقب على الطبقة الحاكمة نفسها التي ما زالت هزيمة يونيو مكتوبة على جبينها بأحرف ضخمة، تلك الهزيمة التي اذلتها وجرأت عليها الانسانية المتألمة والانسانية المفكرة في مصر الحديثة . من الصعب عليها اذن أن يكون أول انتصاراتها العسكرية في شوارع القاهرة مثلما فعل سفاح عمان وكليها الدموي حسين بن زين في ايلول الأسود . فلماذا لا تفكر في تحقيق نفس الهدف بوسائل وايدي أخرى : لماذا لا تؤدب شعب مصر العظيم، الذي يتوتب للانقضاض، بجيش دايان ؟ واذا صح ما روج له هيكل الاهرام – الذي تحول بمسة سحرية من أرنب مسالم، يسدد سيابة الاتهام لعلي صبري في ربيع ۱۹۷۱ لانه كان ينوي الاقدام على « المغامرة الدامية » أي عبور القنال، إلى كاهن القداس في معبد مارس في خريف ۷۲ – من وجود « خط أحمر » يحمي الطبقة الحاكمة من هزيمة ساحقة . فانها ستغسل عار هزيمتها بدماء عشرات الألوف من العمال والفلاحين والطلاب المجندين والمدنيين على السواء وتصبح بذلك أقدر على تحطيم ثورة البروليتاريا الجديدة بنفسها، وحتى اذا هزمت هزيمة كاسحة، وهو الاحتمال الاقوى كما سترى بعد قليل، فانها تكون قد تركت لجيش ديان مهمة « تقتيل » شعب مصر .
الحرب التي يراد منها اجهاض الصراع التاريخي بين شعب مصر وسادة مصر، ويراد – حتى بثمن هزيمة أخرى – اجهاض صراع العمال، الطلبة والمثقفين والفلاحين ضد نظام الفقر والعبودية هي حرب مضادة للثورة وعلى هذا الأساس ينبغي أن تقف منها الحركة الثورية .
٧
هدف النظام العربي من حربه المحتملة المحدودة، زمانا ومكانا، كما كتبه هيكل وقاله السادات، هو فتح المفاوضات مع العدو من موقع أقل سوءا، ذلك انه يفكر، وهذا ما قاله السادات مؤخرا، لكمال جنبلاط، أن هذه الحرب لن تدوم الا أياما ( بين ٧ و ١٤ يوما ) لأن الدول الكبرى، على حد قوله، ستجد نفسها مرغمة على التدخل بشكل ما لايقاف اطلاق النار وفرض حل أو قرار ما . ومما يشجع السادات ان هناك، حسب اعتقاده، اتفاقا أمريكيا – روسيا على « خط أحمر » لن تجرأ اسرائيل على تخطيه، وبذلك فان مصر لن تفقد أرضا جديدة، ومهما كان حال القتال فاسرائيل لن تحتل الضفة الغربية من القنال18، وأضاف السادات : « أن الروس مهما كانت علاقاتنا معهم فلن يقبلوا بهزيمة عربية أخرى تقضي على هيبتهم ومصالحهم في العالم العربي ودول العالم الثالث ». وعندما رد عليه جنبلاط : « يا عمي الروس قالوا لي بان نتائج حرب جديدة لن تقل سوءا عن حرب يونيو » سمع جوابا ينضح بالتشفي : « ومالوا .. العمال عايزين حرب، الطلاب عايزين حرب .. كل الناس بردو في مصر وخارج مصر عايزه حرب خليهم يشوفو نتائج الحرب . ومهما كانت نتائج الحرب، فهي لن تكون أسوا من جريمة اللاسلم واللاحرب . وبعد الحرب سيقبل الناس بالحل الممكن ».
واضح اذن أن النظام العربي يريد تأديب الجماهير الثورية في مصر بطائرات الفانتوم الاسرائيلية « حتى يشوفو نتائج الحرب » وبعد ذلك تصبح مرغمة على قبول الاستسلام . لعل الخلف يتخيل انه يستطيع، غداة الهزيمة القادمة، أن يفعل في « خطبة وداع » مشهدي ماركة يونيو ٦٧ ما فعله السلف بالجماهير وبالتاريخ، عندما أعاد أسباب الهزيمة الى خيانات فردية وأخطاء تكنيكية ومصادفات عجائبية : « كنا ننتظرهم من الشرق فجاؤوا من الغرب »، وأخيرا الى القضاء والقدر، فيعيد هو نفس الاسطوانة بعد أن يضيف اليها تسجيلات جديدة من غنائه وتلحينه : روسيا خذلتنا، أمريكا تحالفت ضدنا مع اسرائيل، وعرب النفط وعرب الجيوش نكثوا عهودهم ووقفوا يتفرجون، اننا لا تستطيع أن نحارب الحلف الاسرائيلي – الأمريكي وحدنا، ليس امامك يا شعب مصر الا خيار الاستسلام أو استمرار القصف … فاختر اي الميتتين !!
جميع الدلائل تشير إلى أن النظام العربي لا يريد أن يدفع هو ثمن « السلام » الاسرائيلي المعروض عليه والذي لن يجد من قبوله بدا . أنه يريد أن تدفع الجماهير من لحمها ودمها ثمنه الباهض لكي يجد هو مبررا لقبوله الاضطراري . فقد أعلن الجنرال الاسرائيلي شلومو لاهات اليوم ( ٧٣/٤/٢٩ ) « ستكون الهزيمة المصرية بحجم الكارثة، لكن الرئيس المصري مرغم على تسخين الجبهة لتهدئة رأيه العام . واذا فشل في الحرب فانه يستطيع أن يتذرع بذلك ليعقد السلام مع اسرائيل » ( لوريان، لوجور ٧٣/٤/٢٩ ) .
وهكذا لا يهم النظام العربي كثيرا أن يهزم في حرب قومية مع اسرائيل بقدر ما يهمه ان لا يهزم في حرب طبقية مع الشعب . هذا الشعب الذي بدأ يخيفه . فبعد أن تقدمت جميع فصائله الثورية ( العمال، الفلاحين، الطلبة ) واحدة بعد أخرى بمطالبها، بات ينتظر . يرعب المحكوم بالشنق، أن تتقدم جميع هذه الفصائل في وقت واحد بمطلب واحد : ما نحن نريد كل السلطة لنا، وها نحن نحقق ما نريد بدون استئذان .
ولهذا فالنظام العربي يقبل في النهاية بمغامرة عسكرية يعتقد، صوايا أو خطأ، انها ستكون المدخل الى حل سلمي أو على الأقل ستكون برهانا عمليا على استحالة محاربة اسرائيل بحظوظ من النجاح وبالتالي قبول شروطها الاستسلامية . والطبقات السائدة قبلت دائما بالتخلي الجبان عن « الوطن » بدلا من قبول انقاذه بانتفاضة شعبية . لانها تعرف بالسليقة وبوقائع التاريخ الحديث، أن مثل هذه الانتفاضة هي الثورة البروليتارية، هي سقوط أمة الامتيازات وقيام الأمة المجردة من جميع الامتيازات .
بعد أن استنفذ أو كاد النظام العربي وسائل الحول والحيلة في محاولة حل أزمته لم تبق أمامه الا حيلة هذه الحرب الاستعراضية . وحرب يراد منها تغطية استسلام ليست الا خيانة وطنية، وعلى هذا لا أساس ينبغي أن يدينها الشعب العربي في جميع الأقطار .
الاستعراضية تتجلى في كل خطوة تخطى نحو هذه الحرب التي يكاد يجري كل شيء فيها على المكشوف : أعلن عنها النظام العربي للعالم، وبالتحديد لواشنطن، بواسطة نيوزويك، ثم فجأة دعا « الشعب » للتطوع . وأعلن بطبل وزمر عن انشاء غرفة عمليات سرية (!) في القاهرة . ثم أعلن بداية التعتيم التدريجي، ثم الغارات الوهمية على القاهرة، ثم قدم النظام لصحافيين اصدقاء تواريخ ممكنة لاعلانها : ٥ يونيو . ۱۸ يونيو ( عشية لقاء نكسون – برجنيف ) . ۲۲ يونيو أو سبتمبر …
هذه الحرب ليست استعراضية وحسب بل ان الارتجال – هذه النقيصة المتأصلة في النظام العربي والتي لم تمكنه، خلال ۲۱ عاما، من استكمال أي مؤسسة من مؤسساته، عدا مؤسسة القمع الداخلي للشعب – يتجلى هنا أيضا بطريقة كوميدية – تراجيدية لامعة : لقد طبق النظام العربي من يونيو ٦٧ حتى الآن سياسة داخلية وخارجية وظفها في خدمة الاستسلام لمطالب الرجعية المحلية، العربية ولمطالب تل أبيب وواشنطن : خنق صوت الحركة الثورية . وخنق صوت الشعب لم يكن ولن يكون يوما استعدادا لحرب تحرير وطني بل كانت دائما استعدادا واعيا للخيانة الوطنية : للاستسلام . فهل بقي شك في أن الحرب المحتملة ستكون اخراجا كثيبا لهذا الاستسلام الدامي ؟
٨
يقول النظام العربي، في « صموده » في الحرب القادمة على : محدوديتها، على التضامن العربي الرسمي، على بعض ضربات الطيران في العمق الاسرائيلي، وعلى « الخط الأحمر » . وأخيرا على اغراء تنازلاته وأساسا على تدخل خارجي منقذ .
من الواضح أن بقاء الحرب محدودة زمانا وميدانا ليس رهنا بارادة النظام العربي بل أساسا رهن بارادة الطرف الذي يمسك بزمام المبادرة، الدولة الاسرائيلية التي سوف تحارب كما عودتنا دائما، بالشكل الأكثر ملائمة لها : الحرب الخاطفة والشاملة، والتدمير على أوسع نطاق ممكن للقوات العسكرية وربما هذه المرة للمنشآت الاقتصادية الحيوية والمدن .
أما عندما يقول النظام العربي على التضامن العربي النفطي الفعال فهو – اذا حولت اسرائيل الحرب من مسرحية الى حرب جدية تخوضها إلى نهايتها – يضغط على زناد مدفع يعلم ان ذخيرته مبتلة .
بالتأكيد يحظى النظام العربي اليوم أكثر من أي وقت مضى بعطف فسيفساء الدول والدويلات العربية وهي – ما عدا الأردن الهاشمي الذي يعلم انه قد يكون الخاسر الأكبر19 – تنظر بعين الرضى لمغامرة عسكرية مصرية تضع حدا لتدهور الوضع الرسمي الراهن . لانها تعلم انه اذا ما انتفضت مصر التي تتحفز للانقضاض على نظام حكمها، فانها بذلك ستعطي اشارة الانقضاض عليهم لجميع الشعوب التي يحكمونها اليوم بالنار والكذب . لكنها لن تجرأ على تجاوز حد التضامن الذي لا يدفعها لقطع حبل سرتها مع الامبريالية الامريكية لانها ليست، في الواقع، مستقلة الا عن شعوبها . لكن هل رضي فيصل عن اشعال نار هذه الحرب المشهدية دليل على أن واشنطن أعطت ضمانات جدية لاحترام « الخط الاحمر » المزعوم ؟ ذلك ما لا يستطيع أحد تأكيده ما لم يكن كاتب سر فيصل والسادات، ومع ذلك فلا تستبعد أن تكون ضمانات نكسون مجرد فخ لاستدراج العرب الى هزيمة رابعة وحاسمة .
أما عندما يقول النظام العربي على « الخط الأحمر » الروسي – الأمريكي وعلى تضخيم وسائل اعلامه لبعض ضربات الطيران العربي في العمق الاسرائيلي فهو يعول على غياء يفترضه في الجماهير العربية . لان الخط الأحمر المزعوم قد لا يكون سوى خدعة، سوى خط وهمي قابل للتقليص وحتى للتبخر كما أشرنا إلى ذلك قبل قليل . فلا شيء، يمنع الدولة الاسرائيلية التي رأت دائما في أرض العرب مجرد أرض للفتح، الا حساباتها الخاصة طبعا، من أن تغتصب أرضا جديدة اذا لم يكن في مصر ففي سوريا . احتمال عدم احتلال الجيش الاسرائيلي لأرض مصرية جديدة عنصر مهم يعول عليه النظام العربي في قصفه الاعلامي لوعي الجماهير، التي تعودت ان تفهم الهزيمة بمنطق « احتلال الأرض » ولذلك سيظل – في حسبان النظام العربي – التقتيل البشري والتدمير الاقتصادي خسائر لا أكثر ! يكفي أن يقوم الطيران العربي، لأول مرة في تاريخه، بطلعات انتحارية لتسديد بعض الضربات للعمق الاسرائيلي، لكي يقنع الجماهير بان الخسائر، رغم عدم تكافؤها، متبادلة . وهذا ما أراد السادات قوله في خطاب أول مايو عندما وعدهم، بدم بارد !، وعدا قد لا يخلفه هذه المرة « بتضحيات تفوق التحديد في الأرواح والعتاد والمنشآت لكن ( انتبهوا جيدا ! ) هذه الخسائر لن تكون على اية حال من جانب واحد » .
اما عندما يعول النظام العربي على تنازلاته المغرية خلال وحتى قبل بدء المعركة المشهدية، فهو هذه المرة يعول على امكانية جدية . فهو منذ الآن يعلن من على جميع المنابر بان « خوض المعركة » لا يعني أبدا غلق باب التسويات، بل بالعكس، فهو قد طرق وسيطرق دون ملل، حتى عندما تتكلم المدافع، جميع الأبواب الدولية الكبيرة والصغيرة تسولا لتسوية . تماما كما قبل عبد الناصر في أوج حرب الاستنزاف وبعد اسقاط طائرات الفانتوم الشهيرة، التي كانت وسائل اعلامه تهول من عددها ودلالتها، مشروع روجرز المشؤوم . وتاريخ النظام العربي، العاجز عن دفع أي صراع مع الصهيونية والامبريالية الى نهايته المنطقية، هو تاريخ تقديم التنازلات وقبول التسويات والرضوخ للأمر الواقع .
بعد أن تخلى النظام العربي عن مطلبه الاسطوري في تحرير فلسطين وبعد أن تخلى حتى عن مطلبه الأكثر تواضعا : ارغام جيش الاحتلال على التراجع الى حدود ما قبل 5 يونيو ٦٧، عندما أعلن على لسان الزيات قبوله لتعديل « طفيف » في الحدود، أعلن السادات مؤخرا لنيوزويك انه مستعد حتى « للتخلي عن شرم الشيخ للسيادة الدولية ». والتنازلات السرية التي لم يعلن عنها بعد أخطر وأوسع نطاقا حتى لقد ضاق هامش ما يمكن أن يتنازل عنه النظام العربي كما اعترف بذلك روجرز نفسه في مايو ۱۹۷۲ للسادات وأعلن هذا الأخير ذلك في أكثر من خطاب برهانا على حسن النية وعتابا لواشنطن التي لم تزل بالرغم من ذلك تطلب منه التنازلات المزيد . بعد كل ذلك لم يبق للنظام العربي الا هذا التنازل : ان يقبل بأن تصبح الدولة اليهودية الحكم الأعلى في الشؤون العربية الداخلية . وهو التنازل الذي يصعب عليه تقديمه الا اذا غطاه بهذه الحرب السينمائية التي ستجعل ذلك أمرا واقعا . والنظام العربي عودنا دائما خاصة في سياسته الاسرائيلية باستسلامه للأمر الواقع فكلما صعدت الدولة الاسرائيلية أمورها الواقعة نتائج حرب ٤٨، نتائج حرب ٥٦، صعد هو قبوله الفعلي ورفضه اللفظي لها .
اما تعويل النظام العربي على تحرك الدول الكبرى مجتمعة لانقاذه في آخر لحظة من هزيمة ساحقة وفرض السلام، فهو حماقة، لان الدلائل تشير الى ان الخارج وعلى رأسه روسيا لن يحرك، أكبر الظن، ساكنا غير اللسان . ويجب أن يكون المرء أعمى عن رؤيا الخط البياني للعلاقات الدولية، الروسية – الاميركية خاصة لكي لا يدرك ذلك . فما يهم روسيا – وهذا ما يجب أن نكرره للمرة الالف – ليس سلامة الأراضي العربية ولا حتى سلامة النظام العربي الذي مدت بفضله جسورها للعالم العربي ولا بالأحرى مصلحة الثورة العربية التي عادت دائما أحد مطالبها الرئيسية : الوحدة العربية، بل ما يهمها بالدرجة الأولى هو عدم مضايقة الاستراتيجية الاميركية في منطقة الطافة حفاظا على مركز الدولة الأكثر تفضيلا في المبادلات التجارية مع الرأسمالية الاميركية .
اما واشنطن التي اعتبرت دائما أن الاقتصاص من الثورة العربية هو أقصى أمانيها، فانها هي الأخرى لن تتحرك جديا لنجدة النظام العربي الذي قاءه الجميع شعبيا ولم يعد هناك من يراهن عليه في عالم الدول الامبريالية . وأكثر من ذلك فواشنطن التي تثق في التقديرات الإسرائيلية للموقف، يمكن أن تكون متحمسة – بعد اختفاء احتمال الاحتكاك مع روسيا – لجولة عسكرية اسرائيلية – عربية تحقق بها تأديب الأمة العربية وتمريغ كرامتها في عار الهزائم . ويشجعها على ذلك أن النفط سيكون في أمن في حال نشوب القتال وتتوقع أنه سيصبح أكثر أمنا من أي وقت مضى بعد انجلاء غيار المعارك على هزيمة بحجم هزيمة يونيو قد تسفر عن تغيير في الخارطة الجيو – سياسية تصبح غداتها اسرائيل وايران هما الدولتين القائدتين في العالم العربي والشرق الأوسط كله، ويصبح فيصل السعودية ناصر العرب وقد ترجم الى اقطاعي اتوقراطي يخدم باخلاص مصالح شركات النفط ويحرك بعضا اشارته جميع الدويلات النفطية وحكومات الشرق الأوسط .
الوضع الدولي، هو اذن، ليس في صالح التدخل لانقاذ النظام العربي في آخر لحظة من خطر تصفية اسرائيل لأسلحته وقواته المسلحة تمهيدا لحضر التسلح عليه واعادة بناء قواته المسلحة مستقبلا بما يتعدى حدود المحافظة على الأمن الداخلي، كما حصل مع المانيا في الحربين العالميتين، بل هو لصالح الدولة الصهيونية التي قدمت لها البورجوازية الاميركية السلاح . وقدمت لها البورجوازية الاسرائيلية الهدف : فتح السوق العربي أمام اقتصادها الباحث بلهفة عن سوق . وها هو النظام العربي على وشك أن يقدم لها الذريعة الأكثر ملاءمة لتحقيق مجموع أهدافها .
٩
أهداف الدولة الصهيونية ليست سرا على أحد : فهي تريد اليوم ان تلحق بالعرب هزيمة أخرى تذل كبرياءهم، تفقدهم لسنوات اعتبارهم أمام عالم الدول، كما تفقدهم ثقتهم بأنفسهم . وستعطيها الحرب القادمة فرصة التركيز على اغتيال امكانات الثورة العربية بتدمير الاقتصاد المصري وجزء من البروليتاريا المصرية لشل القوة الثورية الكامنة في مصر . لانها تعرف بانها بتأديب مصر وشل امكانياتها الثورية تؤدب وتشل الثورة العربية .
اسرائيل التي لم تر دائما في أرض العرب الا مجرد أرض للفتح عليها أن تضم منها ما تستطيع ضمه بالحرب، ربما مكنتها الحرب القادمة، لا فقط من احتمال فرض الاعتراف بحدودها بل أيضا من تحديد حدودها على هواها، كما ستمكنها من ارسال ممثلي جيشها لأخذ توقيع النظام العربي المهزوم على الشروط الاسرائيلية في وثيقة استسلامه . الم تصرح مئيير لنيوزويك في ۱۹۷۰ بأن القيادة الاسرائيلية أخطأت غداة يونيو ٦٧ بعدم ارسال ممثلين عن جيشها للقاهرة ودمشق ليطلبوا من المهزومين التوقيع، حسب الاصول، على وثيقة استسلامهم ؟ وسيجد الاسرائيليون دون ريب من حكام العرب من سيسلم لهم لا سيفه هو وحسب بل وسيف الأمة العربية20 . وستجد الفرصة سانحة لانشاء الدولة الدرزية التي أخطأ الاسرائيليون، على حد اعترافهم، بعدم اقامتها بعد يونيو، لتلعب دور العازل بين اسرائيل وسوريا، التي يستطيع طيرانها أن يصل، في دقائق معدودة، الى جميع المدن والمواقع الحيوية الاسرائيلية، وأساسا للشروع في تحقيق مزيد من بلقنة العالم العربي وترصيعه بالدويلات الطائفية الصريحة، هذا الهدف الذي كان، ولم يزل نصب عيني الدولة اليهودية الطائفية . وربما نصبت في دمشق نفسها حكومة استسلامية حبنكية ترضي كلا من فيصل، القذافي ودايان . كما أنها لن تعدم هذه المرة مارشال بيتان مصريا تنصبه وتوصيه خيرا باحتمالات الثورة في مصر الحبلى بالثورة . وفي الطبقة العربية السائدة وقيادات اركانها احتياطي من الخونة لا ينضب له معين . وفي متحف « حركة الضباط الأحرار » وحده أكثر من مومياء تنتظر ساعتها وطلوع نجمها . وعندئذ سيعلم القوميون العميان الذين يرقصون اليوم للحرب الرابعة مهما كان الثمن بان عواطفهم القومية جدا قد وظفت في خدمة المصالح الأجنبية ( الاسرائيلية والامبريالية ) الواقعية جدا21 .
١٠
في الواقع هؤلاء القوميون ليسوا عميانا الا بمعنى من المعاني : من خلال منظار التاريخ اما بمنظار أهدافهم، المفصولة كلية عن أهداف الأمة الكادحة، فهم يرون بوضوح – في حال استسلام النظام العربي دون حرب – عجاج الانتفاضات الشعبية قادما كرد على تكريس هزيمة يونيو، وهم، بما يمثلونه وبما يرمزون اليه، يخشون الانتفاضات الشعبية أكثر مما يخشاها النظام العربي نفسه . اما اذا قدر للاستسلام أن يغطى بحرب مشهدية فهم يتوقعون أو على الأقل يأملون أن ترد الجماهير باليأس، أي بالاستسلام للاستسلام، للمكتوب على الجبين، أن نرد بالمشاعر القومية الجريحة على تآمر « الأجنبي ». هذه المشاعر التي يعولون عليها للوقوف سدا منيعا في وجه التحريض الثوري الطبقي القادم .
ومهما يكن من شيء فالسلام ( الاستسلام ) وارد كحتمية وشيكة، دفعة واحدة أو على مراحل، بيونيو أخر أو بدونه .
١١
اذ کنا نرفض وندين الحرب – الكوميدية – التراجيدية التي ستوظف كتغطية للاستسلام غير المشروط فأننا أيضا – وهذا بديهي – من الد اعداء قرار مجلس الأمن الذي يهدف الى تكريس الوضع الراهن عربيا واسرائيليا . فالطريقان كلتاهما تؤديان الى نفس هدف الثورة المضادة العربية والعالمية : محاولة اجهاض المخاض الثوري في العالم العربي وفي مصر خاصة .
١٢
فما العمل ؟
بالتأكيد لا يستطيع الثوريون أن ينوبوا عن الجماهير الثورية في تحقيق مهامها لحساب نفسها، وما ينبغي لهم أن يفكروا في ذلك . لكن عليهم، على الأقل، أن لا يقابلوا نتائج الاستسلام القادم ( بحرب أو بدونها ) ، بدهشة البدائيين أو نواح الثكالي كما فعل كثير منهم غداة هزيمة يونيو . وعليهم ايجابيا أن يكشفوا، من الجانب العربي، على مشهدية الحرب المحتملة والأهداف المشبوهة لسلام العبيد، وأن يكشفوا، من الجانب الإسرائيلي، على انها حرب فتح ونهب وتقتيل جماعي . على الثوريين العرب والاسرائيليين أن يقدموا للجماهير الثورية تحليلا بعيد النظر للامكانيات المحتملة، أن يوضحوا لها، بشعاراتهم وبرامجهم وممارساتهم، منطق ومدلول قرارها سلبا او ايجابا، أن يشرحوا لها ما هي قادرة على انجازه فعلا ضد صناع الهزائم من العرب وصناع الحروب من اليهود، لكي تجعل من الهزيمة القادمة نقطة انطلاق الثورة العربية الجديدة التي أما أن تحرر الانسان في العالم العربي من جميع أشكال القمع والاستغلال والاغتراب واما ان لا تكون .
حتى الآن كانت الثورة العربية دائما نصف ثورة، ولانها كانت نصف ثورة كانت دائما تسقط ميتة في منتصف الطريق. لانها لم تكن تعي الا بالنصف المخرج الصحيح من الأزمة .
المخرج الوحيد الصحيح من الأزمة الراهنة هو تحقيق الثورة الشاملة، اسقاط جميع السلالات والطبقات السائدة واقامة مجتمع عربي اشتراكي موحد، تكون السلطة المباشرة فيه للمنتجين المباشرين مهما كان انتسابهم القومي، مجتمع تنتقي منه الى الابد كافة أشكال الاضطهاد القومي والطبقي، مجتمع متحرر من الخوف والتعاسة، مجتمع يسترد فيه الانسان الحالي الخجل من نفسه الثقة الكاملة بنفسه، وتسترد فيه الحياة بهجتها ونشوتها الدائمة، مجتمع تخلي فيه علاقة السيد بالعبد الراهنة مكانها لعلاقة شفافة بين أصدقاء متساوين في الحرية، مجتمع تخلي فيه الحواس الصدئة الراهنة مكانها لحواس مجلوة، جمالية قادرة على التمتع بالحياة دون شعور بالاثم، مجتمع يتظهر الى الابد من مفهوم الاثم ومن الدين نفسه . مجتمع يختفي فيه ذلك الفاصل المرعب بين الحلم والواقع .
تحقيق هذه الثورة لن يتم اذا لم تكن البروليتاريا هي صانعها الرئيسي، البروليتاريا التي وعت قوتها، وعت ضرورة الغاء وجودها كبروليتاريا، تبيع قوة عملها وتحكم من خارجها ووعت بنفس الضربة عدم تمكين أي سلطة أخرى من أن تضع لها اغلالا جديدة، وذلك بقضائها جذريا على امكانية عودة المجتمع القديم أصلا في شكله التقليدي أو في شكله البيروقراطي .
١٣
جميع الثورات التي قامت حتى الآن في العالم المتأخر اقتصاديا، خاصة من تحت أنقاض الحرب، هلكت بين مطرقة الثورة المضادة الداخلية والخارجية وسندان تخلف الشروط الفعلية نفسها . والسبب الأساسي لذلك عائد الى عدم تضامن البروليتاريا، في البلدان الأخرى، خاصة المتقدمة منها، معها ايجابيا : القيام بثورتها .
اذا كان تضامن الدويلات العربية مع الدولة المصرية، في حال نشوب القتال، سيقتصر على التدابير المسرحية، فان تضامن البروليتاريا العربية، الثوريين والجماهير الثورية في الأقطار العربية الأخرى – خاصة النفطية منها – مع البروليتاريا المصرية، يجب أن يكون فعليا وفعالا . يجب أن لا يكون أقل من اسقاط الطواقم والسلالات والطبقات الحاكمة وتوظيف جميع امكانياتها المادية الهائلة في مساعدة مصر الثورة . على الشعب الليبي، مثلا، أن يسترد أمواله الطائلة التي ما زال القذافي22 – الوحدوي جدا ! والمعادي للامبريالية جدا ! – يأتمن عليها المصارف الامبريالية ويخسر فيها مع كل تخفيض للدولار ۱۰ ملايين دولار، ليقدم ما يفيض منها عن حاجته الحقيقية هدية لشعب مصر الثائر . لانه بدون هذا التضامن لن تستطيع سلطة البروليتاريا الانتصار في مصر .
ستكون حركة التضامن العربي الثوري مع مصر الثورة مناسبة تاريخية، من العار عدم اغتنامها لنسف الاقليمية والتشتت القاتلين والقضاء على الدويلات العربية التي تتناسب أهميتها عكسا مع عددها، لا يمكن تحقيقه في الشلوط الراهنة بغير الحرب الأهلية لتحطيم البنى الميتة والمميتة للحياة العربية، لتوحيد العالم العربي ديموقراطيا وثوريا .
اذا كانت الوحدات القومية قد انجزتها تاريخيا البورجوازيات الظافرة، فالوحدة العربية، في غياب البورجوازية الصناعية وبعد سقوط البيروقراطية الناصرية في منتصف الطريق، اما ان تكون انجاز البروليتاريا العربية الظافرة واما ان لا تكون . ذلك هو، برأينا، الدرس الذي يجب تعلمه من فشل جميع المحاولات الوحدوية الفوقية من محمد علي الى عبد الناصر .
لقد كان بسمارك بحربه العدوانية في ۱۸۷۰ صانع الجمهورية في فرنسا، فهل تستطيع الحركة الثورية العربية أن تجعل مئير في ۱۹۷۳ صانعة الوحدة العربية ؟
١٤
هل يستطيع الجندي العربي أن يبرهن، لأول مرة في تاريخه، على انه أذكى من ضباطه وانه أعرف منهم بالهدف الذي يجب ان يصوب اليه سلاحه : هذه القمامة السياسية العفنة، هذه الطبقة التي لم تحسن شيئا غير قمع الشعب، صنع الهزائم وابتلاع الدخل القومي بينما السواد الأعظم من الشعب ينامون كل ليلة جياعا وخائفين ؟
١٥
اما اذا لم تتحرك القوى الثورية في مصر والعالم العربي لأخذ زمام المبادرة التاريخية، بمناسبة الاستسلام القادم بعد حرب أو بعد مساع دولية، فانها ستمر بالسنوات السبع العجاف : اذا كانت هزيمة يونيو قد جعلت حسم اية مسالة أساسية عربية لا يتم بدون تدخل ملحوظ من الخارج، فان نتيجة هذه الهزيمة، ستجعل الدولة الاسرائيلية، بين دول أخرى، هي الحكم الأعلى في الشؤون العربية الداخلية، وستسهر بعين لا تنام على استمرار تخلف الحياة العربية المزدوج : الكمي والنوعي، على استمرار تجزئة العالم العربي الممزق، على النهب الامبريالي لما فوق الأرض وما تحتها من ثروات، على ديمومة الاستغلال والقمع المحليين . وستتولى، فضلا عن ذلك، ترتيب خارطة المشرق العربي على هواها بمساعدة السلالات والطبقات العربية الحاكمة والتي سوف لن تتردد في تقبيل السوط الاسرائيلي الذي عاقبها بالأمس القريب !
حمدان قرمط
ه مايو ۱۹۷۳
[العودة الى صفحة المحتويات]
- كما ان عرش حسين سيصبح في مهب الرياح . وهيهات ان يحكم كلب عمان الدموي طويلا شعبا ذبحه وبلدا تشكل الضفة الغربية اقتصاديا رئته التنفسية . لأنه بدون اسقاط عرش عمان لا يمكن اعادة اسكان اللاجئين الفلسطينيين الذين تضيق عنهم الضفة وغزة ولا يمكن اعطاء الفلسطينيين دويلة « تملا العين ». ↩
- تكاد الصحف الغربية المطلعة تجمع على ان حرب أكتوبر كانت بنت اتفاق روسي أمريكي لكسر جمود الموقف . ويبدو ان رئيس شركة الارامكو وبيبسي كولا حرضا عليها الملك فيصل لتمكين الحزب النفطي الموالي للأنظمة العربية من « الضرط » على البيت الأبيض لحل المشكلة على الساخن . ↩
- زار أحد قادة جبهة « ماركيبة – لينينية – اسيوية » القاهرة بعد ١٩٧٠ واراد ان يتواضع وسأل سائق تاكسي عن الوضع :
– ازاي الوضع ؟
– زفت .
– بالطبع زفت بسبب حكم البرجوازية الصغيرة .
– دلوقت بقت كبيرة، يا أستاذ ! ↩ - لا داعي حتى لتخصيص فقرة للمثقفين التافهين الذين ظلوا يسألون ويتساءلون عن مكانهم في « معركة الكرامة » حتى وجدوه أخيرا في « النهار »، حيث دبجوا لوائح التأييد للسادات وبرقيات استجداء عطف نجوم الصحافة الغربية على القضية العربية، ان هذا وحده كاف لكي لا يقرأهم بعد هذا الموقف المعتوه الا امثالهم من ضعاف العقول . ↩
- بقدر ما نحتقر ونتقيأ في أبواز جميع أعضاء « حزب الدفاع الوطني » العربي والاسرائيلي نحيي بكل اعتزاز رفاقنا من الشبان الاسرائيليين الأمميين الذين باسم الانهزامية الثورية، رفضوا القتال، دفاعا عن الاحتلال، في جيش دايان . ولا عجب في ذلك « فخيرة عناصر اليهود الذين نقشوا اسماءهم المجيدة في التاريخ قدموا للعالم مرشدين طليعيين للديموقراطية والاشتراكية (۰۰۰) . ولقد انصب حقد القيصرية على اليهود، لأن هؤلاء كانوا يقدمون (۰۰۰) نسبة مئوية مرتفعة جدا ( بالمقارنة مع الرقم الاجمالي للسكان اليهود ) من قادة الحركة الثورية . ولنلاحظ بالمناسبة أن عدد الأمميين اليوم أيضا بين اليهود أكبر نسبيا من لدى سائر الشعوب » (لينين) . وأخطر التهم التي وجهتها الرجعية العربية لليهود في فلسطين منذ ١٩٣٦ جاءت على لسان جمال الحسيني : « اني لا احتاج الى الاشارة الى الافكار الشيوعية … المخالفة كل المخالفة لعقائد ومعتقدات ودين السكان، تلك المبادىء التي يعتنقها اليهود، ويدخلها الى البلاد المهاجرون اليهود ». ↩
- هذا نص ما قاله فهمي لنكسون في أول اجتماع به كما تناقلت ذلك الصحف . ↩
- احتمال حربية مشهدية قصيرة جدا ومحدودة يبقى دائما واردا، كاستراحة بين فصلين من مسرحية اخراج الحل السلمي . لكنها هذه المرة لن تخدع أحدا ولن يحقق ممثلوها منها ايا من أهدافهم . والادهى ان السحر فيها قد ينقلب على الساحر . ↩
- طبعا من العسير على تلاميذ الاقتصاديين المتخلفين امثال بيار جالي واندري جوليان وسمير امين ان يدركوا الرأسمالية الغربية قد ادركت ما ادركته قبلها رأسمالية الدولة البيروقراطية في روسيا : ضرورة تنشيط الحياة الاقتصادية في العالم المتخلف، كمحاولة أخيرة لتخفيف أزمة اشباع السوق الغربية التي تهدد الغرب بأزمة كاسحة . ذلك أن السوق الصينية خاصة بالنسبة للرأسمالية اليابانية والسوق الروسية خاصة بالنسبة للرأسمالية الامريكية باتنا اليوم تشكلان مخرجا انقاذيا لأزمة السوق التي تكابد مقدمتها الخطرة كلا البورجوازيتين اليابانية والامريكية . لقد غدا اليوم واضحا للبورجوازية الغربية ان سياسة ابقاء العالم الثالث مصدرا للمواد الأولية الرخيصة هي سياسة قصيرة النظر وانها لم تعد مربحة، بينما تطوير العالم الثالث اقتصاديا، بما يكفي لارتفاع القدرة الشرائية للسواد الأعظم على غرار البلدان البيروقراطية الآن ليصبح بالتالي مثلها سوقا مستوعبة ودفاعة هو السياسة المربحة حالا ومالا . ولم يبقى على الماركسيين اللينينيين الذين يحرضون بثورات هدفها « القضاء على التخلف وتصنيع البلاد لبناء القاعدة الاقتصادية لبناء الاشتراكية » الا ان يتحالفوا مع بورجوازياتهم الخاصة والبورجوازية الغربية التي تسعى لتحقيق نفس الهدف بسرعة أكثر وتكاليف أقل ! ↩
- لقد أدرك الثوريون الطليعيون حقا من الاسرائيليين والأكراد والفلسطينيين ان التحرض باستقلال جماهير هذه الأقليات عن هذه البورجوازية أو تلك من البورجوازيات السائدة يعني اخضاع هذه الجماهير لاستغلال بورجوازيتها الخاصة، بينما المطلوب ليس استبدال استغلال أجنبي باستغلال وطني أو اضطهاد الاباعد باضطهاد ذوي القربى، وانما القضاء على كل استغلال واضطهاد . هذه الحقيقة يعرفها اليوم الاسرائيليون الشرقيون وسيعرفها غدا الفلسطينيون عندما يواجهون رصاص حسين فلسطيني . ↩
- لم ارد اثقال هذه الموضوعات بالأرقام والاحصاءات الرسمية التي تبرز بوضوح لا مزيد عليه انه منذ حرب ٦٧ تصاعدت امتيازات أصحاب الامتيازات من بيروقراطيين عسكريين ومدنيين وبورجوازيي القطاع الخاص، وبالمقابل تصاعد بؤس أوسع الجماهير الشعبية التي تقف على حافة المجاعة : ۷۰٪ من الشعب يبلغ دخل الفرد الواحد منهم يوميا ٢ صاغ . ↩
- حجة العرب الانطولوجية ضد مقولة محمد بالحشر والنشر، باللوح المحفوظ، وبالقضاء والقدر « وكل شيء قدرناه تأديرا » كما أوردها القرآن عبر رده عليها . قبل الاسلام كان العربي، ممثلا بالشاعر العربي، يتغنى بما كان يحياه فعلا : بالحب، بالخمر، باللهو، بالصيد . اما بعد، فقد أصبحت حياته مصادرة، مجرد تمهيد لحياة ثانية مزعومة، وحلت التلاوة محل الغناء، وحل الخوف من الله والخليفة محل الثقة بالنفس . ↩
- المواطن هو كائن وهمي، انسان مجرد مفصول عن الانسان الحقيقي، هو التجريد البورجوازي للبروليتاري، لرجل الشارع . اما الانسان فهو البورجوازي وامتداده الحديث : البيروقراطي . ↩
- اتفق، بعد نقاش مضحك – مبكي، الاقطاب الخمسة، كما هو مسجل في محضر جلساتهم، على أن الرد على الهزيمة هو الحصول على الأسلحة الهجومية من أي مكان وخاصة من روسيا . واقترح الأتاسي اعادة الوحدة المصرية السورية كرد الفوري على الهزيمة فرفض عبد الناصر حتى مناقشة الاقتراح بحجة ان اعادة الوحدة، استفزاز لواشنطن، ووضعه لا يسمح له باستفزازها . ↩
- علق الازهري (السودان) : « مسكينة الامة العربية : الرجعيون يعطون لأميركا قواعد على أرضها والتقدميون يعطون لروسيا قواعد على أرضها ! ». ↩
- غضب السادات غضبة مضرية عندما علم أن توفيق الحكيم يقول عنه : « الحمار ده عليه اما ان يحارب واما أن يستسلم ». ↩
- اعترف عبد الناصر لأحد أصدقائه بأنها كانت استنزافا لنظامه . ولهذا سرعان ما سال لعابه عند سماعة خبر مشروع روجرز . وفي مقابلة بين الوفد الفلسطيني في المفاوضات اللبنانية الفلسطينية ( نوفمبر ٦٩ ) وعبد الناصر، عبر هذا الأخير عن يأسه من استرداد الأرض المحتلة : « الأرض اللي تروح هي ترجع ثاني ؟! »، وعن يأسه من اللحاق بالتفوق العسكري الاسرائيلي : « كلما تقدمنا نحن خطوة تقدموا هم ٢ و ٣ و ٤ حتى ٠٠٠ الخ ». ↩
- الى جوقة هيكل وجميع المنشدين القومجيين، الذين استنفدوا حتى همهماتهم الشكوكية ودلعهم النقدي وباتوا اليوم يرددون ترديد الببغاء ما يقوله رؤساء الدول حول خطورة استمرار جزمة الاحتلال فوق رأس النظام العربي المعادي للشعب، انضم الحبيب بورقيبه ليعلن بوضوح لا مزيد عليه : « فكرت مجددا في مبادرتي هذه بعد تأملي لهذا الوضع ( الراهن ) كله وأنه في حال استمراره سيكون في مصلحة اسرائيل، كما أن حالة اللاحرب واللاسلم قد طالت وهي ستجلب لنا الكوارث . ربما ضاق صدر الجيوش المحتشدة على السويس فتقع انتفاضات يمليها اليأس والظلم والغضب . (۰۰۰) الوضع الحالي مصيبة (۰۰۰) احتمالات كوارث، انتفاضات واغتيالات ». من تصريحه لـ – النهار – ٦-٧-٧٣ – ملاحظة أضيفت في ٦-٧- ٧٣ . ↩
- أعلن موسى صبري مؤخرا ان اسرائيل تفكر باحتلال الضفة الغربية من القنال . فهل بناء « الخط الأحمر » يتقلص كجلد الجدي، أم هل هو ضوء أخضر أعطته موسكو لاسرائيل في محاولة لثني السادات عن حربه الطريقة ؟ ملاحظة أضيفت في ٧٣/٧/٢ . ↩
- مجرد تحرش العرش الهاشمي باسرائيل قد يعني اغتنام الجناح الاسرائيلي الأمريكي هذه الفرصة لتتطير العرش الهاشمي، واحلال عرش الجمهورية « الفلسطينية » محله، كبديل صهيوني – امريكي – رجعي عربي للتحرير الثوري لفلسطين، لامتصاص غضب الجماهير الفلسطينية باعطائها الانطباع بارضاء مطالبها الوطنية الاجتماعية . ولجعلها، بعد أن تفرغت لمدة 8 سنوات للمشاغبة على الوضع الراهن الاسرائيلي – العربي – الدولي، تتفرغ للتجارة مع البورجوازية الاسرائيلية . ↩
- الم يسلم عبد الناصر نفسه سيف العرب لديان عندما استقال موصيا الله ( رمز الحذر الذي لا يغني منه القدر ) ومحي الدين ( الله القمع ومندوب البورجوازية الغربية في قيادة البيروقراطية الناصرية ) خيرا بشعب الايتام العربي !؟ ↩
- يجب أن يكون المرء امين سر قيادة الاركان الاسرائيلية لكي يقدم قائمة بتفاصيل ما صممت الدولة الاسرائيلية على تحقيقه من مغانم واسلاب الحرب القادمة، اذا نشبت . وما قمنا به هنا هو تقديم بعض الاحتمالات والمؤثرات لما تريد الدولة الصهيونية تحقيقه، اذا سمح لها الوضع الدولي بذلك . ↩
- مثل القذافي شاهد محسوس على تحول القومية العربية في حقبة نضج الثورة الاشتراكية الى قومجية ديماغوجية . تستطيع أموال ليبيا المودعة في المصارف الأجنبية أن تصنع مصر تصنيعا كاملا . لكن قومجية القذافي فضلت أن تسهم بها في تصنيع الغرب الفائق التصنيع لا في تصنيع مصر الزراعية ! الم يوقع جلود مع فرنسا اتفاقا لانشاء مجمعات بتروكيميائية مع فرنسا ؟ ↩