[ كاتب المقال1 كان أحد مؤسسي المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية ومحرر مجلتها « ماتسبين » ]

من أجل فهم النقد الموجه من قبل « الاتحاد الشيوعي الثوري » للمنظمة الاشتراكية الاسرائيلية « ماتسبين » نرى انه من المستحسن اقتباس بعض الجمل الواردة في البرنامج السياسي للاتحاد .

تتحدث الفقرة الرابعة من البرنامج السياسي عن « التعاطف مع الشعب الفيتنامي ، والشعب الكوبي ، والشعب الفلسطيني ، ومع كل الشعوب التي مقاومتها البطلة للاستعمار لن تؤدي بها الى الطريق الثوري والى المشاركة في صراع الطبقات العالمي فحسب بل هي في حد ذاتها … » والسؤال هو ما معنى الموازاة بين النضال الفلسطيني وبين النضال الفيتنامي ؟

كل انسان يدرك ان هنالك معنى واضحا للنضال في كل من كوبا وفيتنام – الاشتراكية ضد الامبريالية – وان رجال الاتحاد الشيوعي ليسوا بحاجة الى مصادرنا الاعلامية لكي يدركوا أن النضال الفلسطيني هو نضال قومي محض ( يستحق التأييد كنضال لشعب محتل ومضطهد ) ضد الكولونيالية الصهيونية والرجعية العربية ، غير أنه بعيد جدا من كونه نضالا اشتراكيا . والعكس هو أن العناصر الحاسمة في المنطقة هي العناصر القومية الرجعية والاشتراكية الشوفينية .

ما معنى خلط الامور ببعضها على هذا النحو اذا لم يكن محاولة لتغطية ، لسد الهوة بين القومية – حتى لشعب مضطهد – وبين الاشتراكية التي تتخطى القومية بجوهرها ؟ ان الذي يدعي هذه الاشياء هو كمن جاء ليقول للحركات الفلسطينية : انتم على ما يرام من وجهة النظر الاشتراكية ، ولا يوجد أي فارق بينكم وبين النضال الاشتراكي لشعبى فيتنام وكوبا ، اذ بمعنى آخر : بامكانكم البقاء في اطار القومية وبالنسبة لنا انتم اشتراكيون تماما . اية  ثورية غريبة هذه ؟ وكل ذلك باسم مصلحة الاشتراكية في الشرق العربي .

ولننتقل الى الفقرتين ١٦ و ١٧ في البرنامج السياسي :

« يصبح هذا العزل ممكنا فقط اذا تحققت الاطوار او المجريات الثلاثة التالية المرتبطة الواحدة بالاخرى : (أ) تفتيت تدريجي للتفوق العسكري الاسرائيلي ، (ب) تفاقم حدة الأزمة الاقتصادية الداخلية في اسرائيل ، (ج) تبلور بديل أممي في أوساط حركة التحرير الفلسطينية وحركة الثورة العربية الى جانب تحقيق الوعي المعادي للاستعمار في أوساط الجماهير العمالية اليهودية في اسرائيل » .

من الواضح ، حسب الجملة الواردة في الفقرة «ج» من الاستشهاد المذكور أنه حتى في رأي أصحاب البرنامج السياسي أنفسهم لم يتبلور بديل أممي بين صفوف الحركة الفلسطينية ، وهذا يعني انها لا تزال ليست اشتراكية . اذن ، كيف وضع أصحاب البرنامج السياسي النضال الفلسطيني في صف واحد مع فيتنام وكوبا بالتخصيص ، وليس ، مثلاً ، مع نضال انجولا وروديسيا وما شابه ؟

ان وضع مسألة انحلال التفوق العسكري لجيش الدفاع الاسرائيلي كشرط ضروري لعزل العمال اليهود عن الحركة الصهيونية يعني أنه طالما بقي الجيش الاسرائيلي يتمتع بتفوق على الجيوش العربية لا يوجد هنالك أمل امام النشاط الثوري للطبقات المستغلة ( بفتح الغين ) في اسرائيل . ومن هنا يتضح أيضا ان العامل الذي سيؤدي الى الغاء التفوق العسكري الاسرائيلي سيكون قوى من خارج اسرائيل واذا كان المقصود بذلك المعسكر العربي ، فانه من الواضح ، حسب اعتقادي ، ان تغييرا ثوريا جذريا في المجتمع العربي أو في قسم منه هو الاحتمال الذي سيولد قوة عسكرية شعبية ثورية تستطيع مواجهة التفوق العسكري الاسرائيلي ، كما هو الامر في فيتنام . ولكن من أجل تحقيق ذلك ، يحتاج المجتمع العربي الى ثورة ، وهذا هو أهم شرط لخلق قوة يكون بوسعها مواجهة القوة الاسرائيلية والقوة الاستعمارية .

واذا ما نجحت ثورة كهذه في العالم العربي ، أو في جزء منه ، فانه من المحتمل ان لا تضطر لمواجهة تلك الجبهة الموحدة القومية الكولونيالية الشوفينية التي تشكلها اسرائيل . فمن المحتمل ان تطرح الثورة العربية ، بسبب طبيعتها الثورية الأممية ، حلا للجماهير اليهودية المستغلة ( بفتح الغين ) في العيش المشترك للكيان القومي اليهودي الاسرائيلي بجانب أو بداخل المجتمع العربي ( على أساس مبدا حق تقرير المصير ، ووضع سد امام احتمالات الاضطهاد القومي ) . ومن المحتمل ان يخلق حل كهذا تأييدا شعبيا لصالح الثورة ، أو على الاقل قوة رادعة ضد النوايا الكولونيالية الشوفينية العسكرية ضد مصالح الثورة من قبل الحكم في اسرائيل . ومن المحتمل في أحسن حال ان ينضم قسم كامل من الشعب الاسرائيلي الى جانب الثورة .

ازاء هذا الموضوع الانف الذكر ، يبدي رجال الاتحاد الشيوعي الثوري بلبلة ما بعدها بلبلة . وقد كنت على استعداد للموافقة على انهم مخطئون بنية برية ، غير ان بعض الجمل الواردة في بيانهم تظهر التزييف والتسويق والكذب التي لا يمكن المرور عليها مرور الكرام .

يدعي رجال الاتحاد الشيوعي الثوري ان المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية تتعثر في مجال الاعلام ، بخاصة في داخل البلاد ، وبالذات في بعض النشرات النظرية ، في ضباب جذور النزاع الاسرائيلي العربي وذلك في معرض تعليلهم للانفصال عن منظمتنا . أن هذا القول من قبلهم هو الذي يتعثر في ضباب سميك فضلا عن كونه كذبة مبسطة .. اعتقد انه لم تخل اية نشرة للمنظمة أو اجتماع عام لها من التأكيد على الطبيعة الكولونيالية الاستيطانية للحركة الصهيونية التي طردت الشعب الفلسطيني وتستمر في النظر اليه باحتقار حتى يومنا هذا . كل ذلك لا يمنع أصحاب البيان من الاستمرار في الاساءة .

يقولون ان « ماتسبين يميل للتقليل من الصبغة الكولونيالية الواضحة في هذا النزاع والتشديد على النواحي القومية » . ولكنهم لا يكتفون ببث الأكاذيب ، بل يضيفون خطيئة اخرى الى جريمتهم عند اتهامهم لنا باننا لا تحارب من أجل كسر الاحتكار الصهيوني للأرض ونتمسك بموقف ثنائي المعنى بالنسبة لحقوق اليهود القومية في بلاد إسرائيل – فلسطين وبالنسبة لمعنى مبدأ تقرير المصير . ما هذا التلون ! المجموعة التي تبرئ النضال الفلسطيني من الغموض الذي يحيط به بتشبيهه بنضال فيتنام وكوبا ، المجموعة التي تتلعثم في موضوع تقرير المصير وتمتنع كليا من استخدام هذا الاصطلاح وتتحدث بدلا عنه عن الحقوق السياسية للكيان القومي اليهودي في أرض اسرائيل – فلسطين ( اية حقوق سياسية ؟ ) ، هذه المجموعة نفسها تأتي الآن وتحاول باصرار اضفاء صفة الغموض على موقفنا تجاه هذا الموضوع وكأننا لا نقف ضد « الكيرن کیمیت » ( اسم صندوق جباية صهيوني في الولايات المتحدة الأميركية – المؤلفة ) ، وكأننا لا نطرح الثورة الاجتماعية كاطار يمكن بداخله فقط حل الصراع العربي الاسرائيلي ( كما هو مفهوم على أساس حق تقرير المصير الذي يعني اعادة كافة الحقوق للمسلوبين دون الحاجة الى سلب السالبين سابقا وخلق اضطهاد قومي جديد ) . وكأنهم بذلك لم يكتفوا بالاصطياد في المياه العكرة ، بل يضيفون أيضا « تلميحات » حول أوهامنا بالنسبة للمحاكم وحول كيف ان ماتسبين تعمل « بايحاء الجهاز السياسي » الخ . وكأنهم يريدون القول ان ماتسبين ما هي الا جمعية برجوازية صغيرة لاناس مثقفين ذوي نوايا طيبة ، تشكل في مجمل الأمر جزءا من المؤسسة ، بينما الاتحاد الشيوعي هو الذي يرفع راية الثورة الحقيقية .

ان المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية (ماتسبين) قد عملت منذ تأسيسها ، من خلال الرغبة والمثابرة الحرة لأعضائها وليس من خلال ايحاء أي شخص ، كما وان الاعتبارات التي كانت وما تزال قائمة اليوم والمتعلقة بالتوجه لمؤسسات الدولة كانت دائما اعتبارات تقاس على ضوء المبادىء التي نناضل من أجلها . ولم يسبق لي ان قابلت ثوريا واحداً في العالم عارض استخدام منصة المحكمة او عارض رخصة لاصدار جريدة من أجل اهدافه ( لم تستخدم ماتسبين حتى الان المحاكم ، والكلام حول أوهامنا بالنسبة للمحاكم موضوعه الحوار الذي دار في حينه في المنظمة : هل نستخدم المحاكم كمنصة للدعاية أم لا ؟ غير أن أي واحد من المشتركين في ذلك الحوار لم يطرح أية فكرة يمكن ان يستشم منها بأن المحكمة هي بمثابة اداة للكشف عن الحقيقة ) .

لقد ترك أعضاء الاتحاد الشيوعي ماتسبين وهم يحاولون اثبات وجود غموض عندنا حول جذور النزاع الاسرائيلي العربي وطرق حله . وقد اثبتوا فقط مدى البلبلة والغموض اللذين يحيطان بتفكيرهم .

أنهم يوهمون أنفسهم بانهم يقعون الى اليسار من ماتسبين غير ان الحقيقة هي أنهم يتجهون نحو اليمين ، ويتخلون عن المواقف الأممية التي تميز ماتسبين . نعم أنهم يتجهون نحو اليمين ولكن باتجاه قومية الشعب المضطهد ( بفتح الهاء ) وليس باتجاه قومية الشعب المضطهد ( بكسر الهاء ) .

أما فيما يتعلق بالمبادىء التنظيمية ، فان كاتب هذه السطور راض عن المبادىء المتبعة اليوم في التنظيم مع انه لا يعتقد بان مستوى النشاط مرض . ولكن ليس سرا اذا قلنا أن أعضاء آخرين في التنظيم يوجهون نقدا ولكن يفضلون الانضباط الصارم ضمن المبادىء ، ويشترطون المستوى العالي من النشاط للبقاء في التنظيم . هذه ليست مسألة عديمة الأهمية . والحقيقة ان الافكار لا تزال تتصارع في داخل تنظيمنا حتى اليوم . لذلك ليس هنالك جدوى من اجراء حوار حول ذلك مع الاتحاد الشيوعي بالذات .

ومجمل القول ان طريقة عمل الاتحاد الشيوعي ، كما ورد في نشراته الاولى ، تضر بوحدة الثوار الاشتراكيين العرب واليهود الذين تعدوا المرحلة القومية ، بطرحه قومية يسارية اشتراكية أممية . ومع ذلك فانني اعتقد انه ينبغي على منظمتنا ان تكون منفتحة امام احتمال عودة الأعضاء الشرفاء من هذه المجموعة – هؤلاء الاعضاء الذين ستؤدي بهم تجربتهم الينا .

[الملحق القادم : حول الديمقراطية المركزية]

[العودة الى صفحة المحتويات]

  1. عن « ماتسبين » ، عدد ٥٦ ، تشرين الثاني ۱۹۷۰ ، ص ٥ – ٦ . ترجمها عن العبرية عبد الحفيظ محارب ، مركز الأبحاث ، منظمة التحرير الفلسطينية ، بيروت . ↩