
العدد الأول من نشرة « نضال »
التي يصدرها الاتحاد الشيوعي الثوري في اسرائيل
« نضال » هي نشرة « الاتحاد الشيوعي الثوري » الذي يضم مجموعة من الثوريين اليهود والعرب في اسرائيل . لقد اخذت هذه المجموعة على عاتقها مهمة نشر قضية النضال بين سكان بلاد اسرائیل – فلسطين ضد الاستعمار ومن أجل الثورة الاشتراكية في الشرق العربي .
لقد أسست « الاتحاد الشيوعي الثوري » جماعة من الأعضاء السابقين في « المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية » (ماتسبين) الذين تركوا صفوف المنظمة وانضم اليهم عدد من الثوريين الذين لم يكونوا منظمين حتى الانفصال .
ان هذه النشرة هي الأولى من « نضال » وهي تلقي الضوء على خلفية الانفصال وتعرض البرنامج السياسي ليكون قاعدة لعملها .
من أجل آفاق جديدة
منذ حرب حزيران ١٩٦٧ والمنظمة الاشتراكية الاسرائيلية (ماتسبين) أكثر المنظمات نضالا ضد الاحتلال بشكل خاص وضد الصهيونية بشكل عام . حتى قبل الحرب كانت المنظمة الاشتراكية القوة السياسية الوحيدة التي أخذت على عاتقها القيام بتحليل جذري للحركة الصهيونية ، والاشارة على أن الوحدة الاشتراكية للشرق العربي هي البديل الوحيد لجماهير المنطقة ، ومن ضمنها الجماهير اليهودية . لقد كانت ماتسبين هي التي اشارت الى الدور الذي تقوم به نقابة العمال في اسرائيل (الهستدروت) كأداة في خدمة الصهيونية ، وهي التي نادت بتأسيس تنظیم عمالي منفصل عن الهستدروت . ان «ماتسبين» هي الصحيفة الوحيدة في اسرائيل التي نشرت من على صفحاتها مواقف الثوريين الفلسطينيين وناقشتها ، كذلك فان المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية احد العناصر الفعالة في مجال النضال الديمقراطي ضد أنظمة الطوارىء لعام ١٩٤٥ ، وضد الاعتقالات الادارية وفي مجالات نضال اخرى .
بالرغم من ذلك ، وبوعي واضح المسؤولية الثقيلة التي تقع علينا من جراء هذه الخطوة ، فقد قررنا – نحن مجموعة صغيرة من الرفاق – أن ننسحب من صفوف المنظمة الاشتراكية الإسرائيلية .
ان ثمة سببين رئيسيين لاتخاذنا هذا القرار :
١ – انعدام برنامج سياسي .
۲ – انعدام تخطيط استراتيجية سياسية وعدم وجود اطار تنظيمي يناسب استراتيجية كهذه .
لقد غدت « المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية » ، بكونها المعارضة الفعالة الوحيدة للصهيونية ( باستثناء الحزب الشيوعي – راكاح – الذي لاعتبارات سياسية ايديولوجية لا يشكل نقطة جاذبية ) فندقا يحتوي تآلفا من الأشخاص ذوي الهويات السياسية المتنوعة ، والقاسم المشترك لهم هي معارضتهم للنظام . كذلك كانت المنظمة مكان لقاء للماركسيين – اللينينيين من مختلف الاتجاهات ، للماركسيين من معارضي اللينينية ، ولمناوئي الرأسمالية والاستعمار الذين يتطلعون على الماركسية كنظرية قديمة ولمسالمين وجدوا في المنظمة تعبيرا سياسيا لمعارضتهم للحرب ، وللشباب الراديكالي من مناوئي النظام الذين رأوا في المنظمة الاشتراكية وسيلة للتعبير عن تجاوبهم مع موجة « اليسار الجديد » الغربية .
لقد كان بالامكان القيام بعمل سياسي مشترك ، الى حد معين ، باشتراك عناصر سياسية متنوعة بهذا الشكل ، من جراء الظروف السياسية في اسرائيل فقط – ونعني بهذه الظروف تفشي الفاشية في خطى حثيثة في المجال الداخلي ، وتشديد غير منقطع في اضطهاد المواطنين العرب داخل اسرائيل والعرب في المناطق المحتلة . ولكن عدم توفر هوية سياسية محددة كان أحد العوامل الاساسية التي ادت الى انعدام خط سياسي متبلور وموحد – خط هو بمفرده يمكن ان يشكل قاعدة للعمل الثوري ذي معنى . وحقا ، ففي الوقت الذي تتعالى اصداء نشاط «ماتسبين» خلال السنة الاخيرة في أرجاء اوروبا ، في أميركا وبين الحركة الفلسطينية فان الشلل الداخلي في «ماتسبين» في البلاد في الحقيقة ، یزداد خلال الاشهر الأخيرة .
ان امتناع «ماتسبين» عن اتخاذ خط سياسي موحد يعود أيضا الى الحرص على المحافظة على اطار التنظيم الواسع وعلى التجمع الداخلي . وقد اعتمد هذا الحرص على الرغبة في المحافظة – في جميع مراحل النضال – على مستوى من النشاط لا يقل عن مستوى المرحلة السابقة ، وعلى التصور بان فعالية منقطعة – ايا كانت والمحافظة على «الشهرة» العالمية هي أفضل الوسائل الى التوصل الى الهدف – محاربة الصهيونية . ذلك أدى ب «ماتسبين» الى اتخاذ وجهة ذرائعية في عملها . ومع انعدام عمل متواصل بين الطبقة العاملة (البروليتارية) اليهودية والعربية على السواء ( وهو تلكؤ طبيعي نتيجة لعدم توفر استراتيجية سياسية بعيدة المدى ، وانعدام برنامج عمل ، وعدم الرغبة في التوجه الى القيام بعمل هادىء وجذري تجنى ثماره بعد أمد طويل ) ، بادرت «ماتسبين» باتخاذ المبادرة بالتزام تام فقط ، للأحداث السياسية اليومية .
حينما تولدت نتيجة للظروف الموضوعية النضالات العمالية في اسرائيل في عام ٦٨ – ١٩٦٩ ، توجهت « المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية » الى القيام بالدعاية بين العمال اليهود ، وحينما بدأت تظهر بوادر « تمرد الشباب » بعد عامين ونصف بعد حرب حزيران ١٩٦٧ ( والحق يقال ان تلك البوادر قد ظهرت نتيجة للتوجيه السياسي التي قامت به «ماتسبين» ) ركزت المنظمة نشاطها بين فئات الشبيبة والطلاب . ولكنها عندما اخمد نضال العمال «وخف» تمرد الشبيبة – سكتت «ماتسبين» كذلك .
ان انعدام تحديد الخط السياسي والفروق الاساسية حول ماهية التنظيم الحزبي ، بين أعضاء المنظمة ، اثرت بشكل سلبي على أسلوب عمل المنظمة . فالحالة النفسية ، أو النشاط الفجائي والتكاسل هي الامور التي حددت مقاييس العمل أكثر من أي شيء آخر . ومن جراء انعدام الانضباط التنظيمي المطلق ، أدى عدم الانضباط التنظيمي الى هبوط حاد في نجاعة عمل المنظمة ، الذي بالرغم من دستورها المركزي الديمقراطي ، كان قائما على العفوية وعلى «الحرية» في عدم التمشي وفق قرارات الأغلبية ، أكثر من قيامه على مركزية – ديمقراطية ايا كانت . في الوقت ذاته اخذ ثقل المواقف – في نفس الوقت داخل المنظمة – التي (المواقف) تتنكر لدور الحزب الثوري كقائد وموجه لنضال الجماهير ، والتي ترفض ديكتاتورية البروليتارية كأداة في صراع الطبقات بعد انتصار الثورة ، والمواقف المتجاهلة لدور « الدولة الاشتراكية » كمنطقة محررة وكقاعدة للنضال الثوري ، حتى الاطاحة بالاستعمار والرأسمالية ، والتي تبالغ في تقدير أهمية التمرد ضد التنكر ( هنا في قلب الشرق العربي «المتخلف» ) كقوة فعالة ، ومواقف تعلق أهمية زائدة المناهض للنظام .
باستثناء وثائق نظرية معدودة فان دعاية «ماتسبين» مصابة – وبشكل اساسي في البلاد – بضباب جذري للنزاع العربي الاسرائيلي . وبالرغم من شعارات شجاعة وصحيحة والتي تتعلق « بالشوفينية الصهيونية » و« بالشوفينية العربية » فان ماتسبين يميل للتقليل من الصيغة الكولونيالية الواضحة في هذا النزاع والتشديد على النواحي القومية . ولهذا السبب فانه «ماتسبين» لا يحارب من أجل كسر الاحتكار الصهيوني للأرض ويتمسك بموقف ثنائي المعنى بالنسبة لحقوق اليهود القومية في بلاد اسرائيل – فلسطين وبالنسبة لمعنى مبدأ تقرير المصير . هذا هو السبب لرؤياه أن دولة اسرائيل هي جهاز اضطهاد رأسمالي فقط ، والذي تقضي عليه الثورة كما هي الحال في بقية الدول وليس كأداة اضطهاد كولونيالية ( بالاضافة الى صفته الرأسمالية ) والتي تكون لهذا السبب ، العدو التكتيكي الاساسي في نضال الثوريين في إسرائيل .
ولذلك ففي «ماتسبين» تنبت اوهام ديمقراطية حول القضاء والصحافة الصهيونية ، وحيث يتوجه اليها احيانا عندما يتنكر النظام الصهيوني « لمبادئه الديمقراطية » . اننا نود ان نؤكد ان لسنا مستهترين في عمل المنظمة الاشتراكية الاسرائيلية (ماتسبين) في الداخل والخارج والتي كان لها دور في كشف ماهية النظام والحركة الصهيونية وفي جذب الشبيبة اليهودية في اوروبا وأميركا الى اليسار وفي زعزعة مكانة الصهيونية السياسية والاخلاقية في انحاء العالم بتشجيع « تمرد الشبيبة » داخل اسرائيل والمساهمة في الحوار الثوري في المنطقة .
ولكن ، وبما اننا لا نرى أي احتمال لنجاح مواصلة النضال داخل المنظمة في تبني «ماتسبين» نظرة تنظيمية صحيحة من اجل رسم استراتيجية سياسية على أساس برنامج مشترك محدد وواحد يقبل به معظم أعضاء المنظمة ، وبما اننا نرى بان المبادىء الايديولوجية والتنظيمية في «ماتسبين» سوف تشله نهائيا كأداة في الحرب الطبقية في المنطقة قررنا – على اساس البرنامج السياسي التالي – ان ننسحب من بين صفوف المنظمة الاشتراكية ، وأن ننظم تحت الاسم : « الاتحاد الشيوعي الثوري » لكي نحقق أهدافنا السياسية .
٢٩ / ٩ / ١٩٧٠
[الملحق القادم : البرنامج السياسي للاتحاد الشيوعي الثوري]
[العودة الى صفحة المحتويات]