تزامناً مع نشر الإعلان في صحيفة هآرتس في ٨ / ٦ / ١٩٨٢ ، وفيه قصيدة بيالك “عن المذبحة” ، فقد طبعت مجموعة “المنطقة المحررة” ملصقاً بعنوان “بيروت ٨٢” باللغتين العبرية والعربية ، وفيه قصيدة بيالك (ترجمة  : راشد حسين) على خلفية خريطة بيروت. وتم إلصاق أكثر من ٦٠٠ ملصق على لوحات الإعلانات العامة في تل أبيب وضواحيها.

 

من كيشينيف ١٩٠٣ حتى بيروت ١٩٨٢

لم أكن أتخيل ما شِدّة السرعة التي تتبدل فيها أدوار الشعوب في التاريخ  وتتقلب ، حتى  عرّجت على مقهى “كاسيت” الكائن في تل أبيب في يوم صيف شديد القيظ من عام ١٩٨٢ واتخذت لي مقعدا منه  إلى طاولة متأبّطا رزمةً من ملصق “عن المذبحة” الذي كان قد رأى النور لتوه من المطبعة. هنالك بادرني بالسؤال قبل أن يرد التحية أحد معارفي الفلسطينيين الذي كان جالسا قبالتي : “ماذا في جَعبَتك؟” ، فاستللت ملصقا مما كنت أتأبّط وبسطته أمامه فراح يمعن النظر فيه وما لبِثَ أن صرخ :  وااه !! ومن ترجم الى العبرية؟”

“بيالك”، أجبته دون تردد وعلى عجل.

ميلاد ملصق يهودي – فلسطيني

تملك الانفعال الشديد المشاركات والمشاركين في جلسة هيئة تحرير “منطقة محررة” عند سماعهم اقتراح أحد الرفاق (حاييم هانغبي على ما أذكر)  نشر قصيدة بيالك “عن المذبحة” بالعبرية والعربية في ملصق على خلفية خريطة بيروت التى كانت حينئذ تحت حصار الجيش الإسرائيلي وغاراته.

فسألت إحدى الرفيقات : “وأنّى لنا الشاعر العربي الذي يحسن ترجمة هذه القصيدة ؟”

فنهضت قائلا : “لا بأس! سأعود في غضون ساعة وآتيكم بأفضل ترجمة متوفرة.  فانتظروني !”

أفضيت إلى دراجتي وانطلقت لا ألوي علي شيء قاصدا المكتبة المركزية لجامعة الشيخ مونس – تل أبيب. وبحكم كوني عاملا فيها حين كنت طالبا جامعيا مستهل السبعينات ، فقد ذكرت بدقة موضع كتب راشد حسين من المكتبة التي كانت مرتبة ومصنفة ومرقّمة حسب  طريقة ديُوي Dewey، فصورت نسخة عن القصيدة وقفلت عائدا إلى الجلسة إياها  التي عقدت ذلك الأسبوع في منزل مولي ملتسر في مركز تل أبيب.

علي الأزهري 

يافا، نيسان ٢٠٢٤

 

عن المذبحة

يا سمواتُ ! اطلبي لي رحمة !

أطلبيها إنْ يكنْ فيك إلهْ !

أو يكنْ فيكنَّ للهِ طريق

غير أني لم اجده .. لا أراه

فليكون : صلين أنتن لأجلي

عله يذكرني هذا الاله

أنا قلبي ميٌت ، ما بقيت

لي صلاة فتصليها الشفاه

عاجز لا حول لي ، لم يبق حتى

أمل … حتام بؤسي ؟ ما مداه ؟

 

أيها الجلاد هاك عنقي

انهض اذبح ! جب هذا العنق جباً

في يديك بلطة مرهفة

حز رأسي ، مثلما تذبح كلبا

فأنا كل الدنى مقصلتي

وأنا من قل أهلين وشعبا

ودمي حلل ، فافلق هامتي

يتفجر دم قتل ، صب صبا

دم شيخ ورضيع سوف يبقى

لك – حتى أبد الأيام – ثوبا

 

إن يكن في الكون عدل – فليبن

هذه اللحظة حالا … يا سماء .

فاذا أقبل من عليائه

بعد أن ينهش اشلائي الفناء –

فليهدم عرشه حتى الأبد

ولتذب في حمأة الاثم السماء

ولتعيشوا – وارضعوا يا ظالمين

من خطاياكم ومن هذي الدماء .

 

لعنة أودت بمن قال : « انتقم !»

انتقام مثل هذا ؟ كيف يجرى ؟

فدما طفل صغير أهرقت

بعد لم يخلق لها الشيطان ثأرا

مثل هذا الدم في الاعماق يجري

يحرق الأرض قرارا ومقرا

يحرق الظلمة حرقا ، حافرا

لجذور العفن الأرضي قبرا .

 

شعر حايم نحمان بيالك

ترجمة : راشد حسين