
النص التالي مستخرج من كتاب المنظر الماركسي المجالسي « أوتو روهل » : الثورة البورجوازية والثورة البروليتارية (١٩٢٤)، والذي خصصه لنقد الثورة الروسية من ناحية ولتحديد مهام الطبقة العاملة، قبل، خلال، وبعد الثورة البروليتارية من ناحية أخرى .
ولد أوتو روهل عام ١٨٧٤ في فرايبرغ ( منطقة الساكس، شمال المانيا ) . انخرط في الحزب الاشتراكي – الديمقراطي الألماني وانتخب نائبا عنه في البرلمان عام ۱۹۱۳ .
عام ۱۹۱٥، احتج مع كارل ليبكناخت على ميزانية الحرب وصوت ضدها .
انضم الى الشيوعيين الأمميين الألمان، المناوئين للحرب الامبريالية .
شارك في ثورة ۱۹۱۸ – ۱۹۱۹ ولعب فيها دورا هاما كعضو في المجلس العمالي العسكري لمدينة درسدن .
شارك في المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي الألماني، وعارض روزا لوكسمبورغ في مسألة الانتخابات .
طرد من هذا الحزب عام ۱۹۱۹ بطلب من موسكو .
أصبح أهم منظري « الاتحاد العام لعمال المانيا » ( المجالسي )1 .
ترك في ۱۹۳۳ المانيا الى مكسيكو حيث اشتغل في القطاع البيداغوجي، وحيث مات عام ١٩٤٣ .
أهم كتبه :
١ – الثورة البورجوازية والثورة البروليتارية .
۲ – کارل ماركس .
٣ – الازمة العالمية، المنعطف العالمي نحو رأسمالية الدولة ( الذي نشر تحت اسم « كارل ستويرمان » ).
***
نظام المجالس :
أن تنظيم المعمل مثل اتحاد العمال، يقوم ويرتكز على مبدأ التنظيم المجالسي . وما نظام المجالس الا شكل التنظيم البروليتاري الذي يتلاءم مع طبيعة الصراع الطبقي وشكل المجتمع الشيوعي المقبل .
لقد أبرز ماركس مهام التنظيم المجالسي عندما قال بأن الطبقة العاملة لا يجب أن تكتفي بالاستحواذ على الجهاز الحكومي بل عليها لتحقيق انتصار ارادتها الثورية أن تجد شكل تنظيمها الخاص . أن مفهوم المجالس قد نشأ داخل كومونة باريس حيث أدرك ثوريو الكومونة انه لا بد من تحطيم الجهاز البيروقراطي والعسكري بدلا من تسلمه كما هو اذا ما أرادوا تحقيق ثورة شعبية حقا . وفعلا فقد استبدلوا جهاز الدولة المحطم بمؤسسة تختلف عنها جذريا الا وهو الكومونة .
أن الكومونة حسب تعبير ماركس لا يجب أن تكون مجموعة برلمانية بل مجموعة عمل تملك السلطة التشريعية والتنفيذية في أن معا .
وبدل أن يقرر الاقتراع العام كل ثلاث أو ست سنوات أي عضو من الطبقة السائدة سيخون العمال في البرلمان، يجب أن يستعمل لفائدة الشعب المنظم في الكومونة . وفي هذا المضمار يمكن مقارنته بسلطة التقرير الفردية التي يملكها كل صاحب معمل في البحث عن العامل ورقيب الورشة والمحاسب الذي يلائمه .
لقد كان أول قرار اتخذته الكومونة هو حل الجيش الموجود واستبداله بالشعب المسلح . وبعد ذلك جردت البوليس وهو أداة حكم الدولة من صلاحياته السياسية وحولته إلى اداة بيد الكومونة مسؤول أمامها وقابل للعزل في كل لحظة وكذلك كان الحال بالنسبة للموظفين في القطاعات الإدارية الأخرى . وقد تكلل أعضاء الكومونة من القاعدة بتسيير قسم دفع أجور العمال . اما الحقوق المكتسبة ومرتبات أصحاب المراتب العليا فقد انقرضت بانقراض أصحابها . وزال في نفس الوقت الاستقلال الشكلي الذي كان يتمتع به رجال القضاء وأصبحوا منتخبين ومسؤولين وقابلين للعزل .
ان مبدأ الانتخاب والعزل الكامل لكل الموظفين بدون استثناء وفي كل لحظة، وخفض مرتباتهم إلى مستوى عامل عادي، هذه الاجراءات البسيطة الطبيعية والديمقراطية قد ربطت مصالح البروليتايا بمصالح جماهير الفلاحين وكانت جسرا للانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية . وما كان لهذه الإجراءات أن تكون أكثر من جسر انتقال لأن هذا البنيان السياسي كانت تنقصه القاعدة اللازمة لتحقيق المساواة الاقتصادية .
في الثورة الروسية أصبح الجسر قنطرة محترمة . فمنذ سنة ١٩٠٥ تأسست المجالس العمالية في بيترسبورغ وموسكو وغيرها … ورغم استسلامها السريع أمام الرجعية فان صورتها قد فرضت نفسها على البروليتاريا . وفي ثورة مارس عام ۱۹۱۷ وصل العمال بسرعة الى فكرة تكوين المجالس لا لأن الأشكال الأخرى من التنظيم كانت تنقصهم بل لأن الثورة حركت فيهم الحاجة الحيوية إلى تجمعهم كطبقة . وقد كتب راديك في تلك الفترة معلقا على هذه الظاهرة « أن الحزب لا يجلب اليه الا العمال الأكثر ثقافة والأكثر وعيا . فهو يفتح طريقا طويلة وأفاقا بعيدة ويتطلب مستوى عاليا من الوعي البروليتاري . اما النقابة فهي تخاطب حاجة الجماهير المباشرة وتنظمهم حسب المهن وفي أحسن الأحوال حسب القطاعات الصناعية المختلفة ولكنها لا تنظمهم كطبقة . في حالة السلم لا يملك الوعي الطبقي الا الصفوف الأولى من البروليتاريا » .
لكن الثورة تتميز بكونها تحرك بالهزة العميقة التي تحدثها، أوسع الجماهير البروليتارية حتى تلك التي كانت معادية للسياسة . انهم يفيقون ويريدون أن يعملوا ولذلك تتجه اليهم الأحزاب البورجوازية والأحزاب الاشتراكية المختلفة الأهداف والنزعات والسبل . في هذه الفترة تشعر الطبقة العاملة تلقائيا بأنها لا تستطيع أن تنتصر الا كطبقة فتعمل على تنظيم نفسها تبعا لذلك .
ان احساس الطبقة العاملة بأنها لا يمكن أن تنتصر الا كطبقة وبأن طموحات الأفراد المنظمين في أحزاب متعزلة لن تزول الى شيء قوي، حتى أن احزاب البروليتاريا الأكثر تقدما والتي تتجاوز أهدافها مطامح ومطالب البروليتاريا الوقتية، هذه الأحزاب تترك حرية العمل للأفراد غير المنخرطين في أي حزب وتخضع يوم الحسم إلى منظمة الطبقة . وهي تفعل ذلك بصفة واضحة جلية وطبقا لمفهوم الثورة .
في فترة ارتخاء الحركة ترسم طليعة البروليتاريا لنفسها أهدافا سياسية ضيقة ومحدودة لا يتطلب تحقيقها تعبئة الطبقة كليا . أما الثورة فهي تطرح مسألة أخذ السلطة على جدول الاعمال . ولادراك هذه الغاية فان قوات الطليعة وحدها لا تكفي . في هذه الحال تصبح المجالس العمالية الأرضية التي تجتمع الطبقة العاملة حولها.
لقد افتك الثوريون الروس عمالا وفلاحين صغارا السلطة السياسية والاقتصادية بواسطة المجالس وقد أخذوا السلطة لأنفسهم ولم يشركوا فيها أية فئة من البورجوازية ثم قسموا روسيا إلى عدة أقاليم وفي كل منها وقع انتخاب سوفياتات من طرف العمال والفلاحين الفقراء، سوفياتات للقرى ثم سوفياتات للأقاليم وقامت هذه الأخيرة بدورها بانتخاب السوفيات المركزي لكامل البلاد . وعن مؤتمر السوفيانات انبثقت اللجنة التنفيذية . وكان كل أعضاء السوفيانات من سوفيات القرية إلى سوفيات الاقليم الى السوفيات المركزي وكذلك كل المستخدمين والموظفين منتخبين لمدة قصيرة . وقد ظلوا جميعهم خاضعين لناخبيهم ومسؤولين أمامهم .
لقد وجدت البروليتاريا في المجالس العمالية تنظيمها المنشود والتحامها كطبقة والتعبير عن ارادتها وشكلها وجوهرها . وهذا التنظيم صالح في نفس الوقت للقيام بالثورة وللمجتمع الاشتراكي . ولكن لم تستطع الثورة الروسية المحافظة على المجالس وتطويرها في شكلها الثوري وكأداة لبناء الاشتراكية، فإنها قد اظهرت لعمال العالم أجمع كيف يجب أن تتحقق الثورة البروليتارية .
بهذا المثال نصب عينيها تستطيع البروليتاريا تحضير الثورة العالمية وحيثما بدأت الثورة تتحرك فعلى عمال العالم ان يكونوا اثناء الكفاح وبعده مجالس عمالية في القرى والاقاليم وعلى الصعيد الجهوي والقومي وعليهم أن يضعوا بين أيديها، وبين ايديها وحدها، السلطة الاقتصادية والسياسية . عندما اندلعت الانتفاضة الألمانية في نوفمبر ١٩١٨ كان شعار « كل السلطة للمجالس » محور كل المطالب وكل العبارات الثورية .
وقامت المجالس، مجالس العمال والجنود ولا شك أنها كانت تتضمن نواقص وعيوب كثيرة . وهنا أيضا بين العامل الألماني صحة الفكرة القديمة القائلة بأن الألماني ليست له موهبة ثورية كبيرة . ومع ذلك فان المجالس لم تكن فاسدة وغير قادرة على النجاح ولا عاجزة عن القيام بأي عمل ناجح بالدرجة التي صورتها الأحزاب والقوات المضادة للثورة، وحتى لو كانت أخطاؤها فادحة بالدرجة التي زعموها فان المجالس كانت تمثل مبدأ جديدا، مبدأ الثورة البروليتارية، مبدأ تشييد الاشتراكية . وهذا ما يضفي عليها معنى وقيمة في التاريخ العالمي . وعلى هذا الأساس يرتكز الاحترام الذي نكنه لها .
لكن الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني حليف البورجوازية ( تجدر الاشارة الى انه أنقذها من خطر الحرب العالمية بسياسته المتشددة ) والمتعاقد مع الرجعية وثب وثبة شرسة على المجالس العمالية، وبذل كل مجهودات لتشويه سمعتها ببث الشبهات حولها والصاق التهم الكاذبة بها . كما انه عمل على تحطيمها اذ جعل وجودها خاضعا لتصويت البرلمان . وعندما تفككت المجالس نتيجة لمشاركة بعض العناصر البورجوازية غير المسؤولة أو المضادة للثورة عمد الحزب الاشتراكي إلى نقل السلطة التي حصلت عليها المجالس والتي كسبتها الثورة الى البرلمان والى السلطات البيروقراطية .
وعندما عارضت البروليتاريا الثورية هذه الاجراءات الخبيثة تصدى لها حرس نوسك وحطمها بقوة السلاح في سلسلة معارك ( بريم، برونشفيق، ليبزيق، تورنج، روهر ) اكتسى بعضها طابع العنف ووضع حدا للمجالس بحد السيف .
كانت المجالس مجرد زهور فتحتها الثورة فسقطت بين أيدي العمال الألمان بشكل غير منتظر . لقد كانت وبقيت بعيدة عن ايديولوجيتهم السياسية . فلو أنها كانت اشكالا ناضجة في صلب كفاح البروليتاريا الايديولوجي وكانت لها جذور راسخة ومألوفة في المعامل لما أمكن محوها بتلك السرعة وطردها من مخيلة الثورة الألمانية .
وهكذا سمحت البروليتاريا بأن ينتزع من بين ايديها المكسب الوحيد الذي حققته في أيام توفمبر والذي كان سيمكنها من تطوير ثورتها البروليتارية وعادت كالحمل الوديع بين ايدي الأحزاب والنقابات في وكر أسيادها . هكذا فرطت البروليتاريا في الثورة .
ان النضال من أجل التنظيم المجالي يتضمن ثلاث مراحل : الأولى في الكفاح من أجل الاستيلاء على السلطة وفيها يكتسي التنظيم المجالسي مفهوم التحرر من اغلال الرأسمال وفي مقدمتها اغلال الفكر البورجوازي . وخلال هذه الفترة يتطور الوعي الذاتي للبروليتاريا بصفة مطردة خلال مسيرته ويتشخص، وبعبارة أخرى فان هذا يعني أن البروليتاريا تريد ترجمة وعيها الطبقي في الواقع والتعبير عنه بصفة ملموسة . وستكون القوة التي تحارب بها البروليتاريا من أجل التنظيم المجالسي مقياسا لتفهمها لوضعها كطبقة ولاستعدادها لفرض نفسها كطبقة .
من هنا يتضح أن تعيين المجالس بصفة رسمية لا يعني أنها تعبر عن التنظيم الجديد للبروليتاريا . وقد يحدث خلال التطور التاريخي أن المجالس الحقيقية تصير بدورها فاسدة، وتنقلب الى بيروقراطية جديدة . عند ذلك يجب مكافحتها بدون هوادة بنفس الطريقة التي تكافح بها الأجهزة الرأسمالية . لكن سير التاريخ لن يقف، والبروليتاريا لا يمكنها ان ترتاح ولن ترتاح حتى تدرك مرحلة دكتاتورية البروليتاريا، وهنا تبدأ المرحلة الثانية لتنظيم المجالس .
خلال النضال من أجل اقامة المجتمع الشيوعي أي المجتمع اللاطبقي، لا يمكن أن يكون هناك أي حل وسط بين رأس المال والعمل . فالانتصار الحاسم على طبقة المستغلين هو الشرط اللازم لبروز البروليتاريا، بوصفها الطبقة التي تحمل في أحشائها المجتمع الجديد .
أن مرحلة الديكتاتورية التي تختلف مدتها باختلاف مدة واستمرار اجهزة الحكم القديم هي التي تفسح المجال للتغيير، ومن ثم للانتقال . والطبقة العاملة تمارس الديكتاتورية عندما توجه كل الاختيارات السياسية والاقتصادية لصالحها . وأداة هذا التوجيه هي المجالس، وبهذه الكيفية فقط يمكن بناء المجتمع الشيوعي . وهذه هي المرحلة الثالثة لتنظيم المجالس . وهنا يضع العمال السيف وتناولون المسجة ويوجهون الاقتصاد وينظمونه حسب مفاهيم جديدة .
وبصفة عامة فان اتخاذ القوانين الجديدة وترجمتها في الواقع يصبحان من اختصاصات الذين وضعوها أي أن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية تنصهران في بعضهما ويكون الجهازان التشريعي والتنفيذي وحدة باسم وفي صالح المجتمع بأسره . اما جهاز هذا العمل التشييدي الجبار الذي يجب اعداده و مواصلته فهو نظام المجالس .
أن نظام المجالس هو في آن واحد سلبي وایجابي . سلبي لأنه يحطم ويترك جانبا أشكال التنظيم القديمة البيروقراطية المركزية أي الرأسمالية والاقتصاد المبني على الفائدة والايديولوجية البورجوازية . وايجابي لأنه يخلق ويكون الأشكال والهياكل الجديدة للنظام الاجتماعي الجديد، أي الاقتصاد الاجتماعي . تحالف القوات البروليتارية لبناء الثقافة الجديدة للايديولوجية الاشتراكية الجديدة وعنصره هو العنصر الاجتماعي وليس الفردي وعقليته هي الاحساس الجماعي وليست الانانية، ومبدأه المصلحة العامة وليس المصلحة الخاصة وبعدها المجتمع بأكمله وليس الطبقة المالكة، وهدفه الشيوعية لا الرأسمالية .
نظام المجالس يتطلب تكتيكا جديدا
لقد قامت الثورات البورجوازية في الشارع خلف المتاريس بأسلحة وجيوش نظامية لكن الجيش والقوة العسكرية تبقى وسائل بورجوازية حتى لو كانت مكونة من العمال . وقد كان الأمر كذلك في العهد البورجوازي حتى لو كان الجيش جيشا أحمر مكونا من العمال فانه يبقى مبنيا على النمط المركزي الاستبدادي حسب قانون التنظيمات البورجوازية .
ان الجيش المنظم يتطلب رؤساء يتمتعون بسلطة مطلقة ومرؤوسين يطيعونهم طاعة عمياء، فالانضباط هذا هو نتيجة القوة اذ يسيطر عدد صغير من الناس على عدد كبير . أن القيام بالثورة بواسطة القوة العسكرية، بواسطة الجيش، معناه أن العمال يريدون ان يقضوا على البورجوازية بوسائل بورجوازية . ولو كان ذلك ممكنا لكان دعاة البرلمانية على حق حينما يعتبرون البرلمان وسيلة ثورية . لذلك علينا الا تثق في البرلمان . وعلينا الا نثق في الجيش . ومهما يكن من أمر فاننا لن نستطيع تكوين جيش بورجوازي أولا وبالذات لاننا لا نملك أسلحة .
أن حفنة من البنادق الرشاشة كافية لاسكات كل البنادق والمسدسات . ومن العبث ان نحاول بامكانياتنا الانسانية التصدي لجيش بورجوازي يقوم على الانضباط المركزي الصارم وعلى الطاعة حتى الموت . ان الثوريين لهم من الاستقلال ومن الوعي ما يجعلهم يرفضون الكفاح بهذه الكيفية، لأنهم اناس أحرار ولعل هذا ما يجعلهم غير مطواعين وأقل نجاعة من جيش نظامي .
في ميدان الصراع البورجوازي يتفوق البورجوازيون علينا في الأمور العسكرية . وحول مائدة المفاوضات وفي البرلمان . وهذا يعلمنا أنه علينا الا نواجه البورجوازية في ميدانها بل علينا أن نجبرها على الدخول في ميداننا نحن أي في المعمل2 .
لقد بينا أن الثورة البروليتارية هي بالدرجة الأولى مسالة اقتصادية، أما العامل الخاضع لايديولوجيا الأحزاب السياسية فانه يفكر قبل كل شيء في أخذ السلطة السياسية وهذا خطأ، لأن افتكاك السلطة لا ينتج عنه في الحال تحول السلطة الاقتصادية الى المنتصر . وقد بينت ذلك تجارب ۱۹۱۸ . وبالمقابل فان السيطرة على السلطة الاقتصادية لا ينجر عنها سقوط السلطة السياسية كالثمرة الناضجة .
لقد دفع النقابيون الإيطاليون ثمن هذه الغلطة غاليا . لذا يجب أن لا يغيب عن انظارنا أن السلطة السياسية وسلطة الدولة ما هي الا أدوات لرعاية المصالح الاقتصادية فالجيش والقضاء والدستور والكنيسة كلها مجعولة لحماية الرأسمال . أن البني الفوقية السياسية هي الفرع والاقتصاد هو الأصل . ولذلك فان الكفاح يجب أن ينطلق من القاعدة الاقتصادية . وليس هناك حل لكل مشكل خاص، ولكن على الثوريين أن يستولوا أولا على المعامل بكل وظائفها .
المراقبة والمشاركة في الحسابات وفي التوجيه وحق التسيير المشترك ثم التسيير المباشر، هذه هي تقريبا وحسب الظروف الخاصة أهم المراحل التي تتوالى بسرعة في الفترة الثورية . في نفس الوقت وبالانسجام مع ما سبق يجب أن تهز اركان الأجهزة الإدارية للدولة، من قضاء وبوليس وجيش ومدرسة وغيرها … ولن تقع زعزعتها بهجمات من الخارج اذ ان مثل هذه الهجومات تلاقي عادة رد فعل عنيف من الداخل، بل بهجومات من الداخل، بمعارك شديدة طويلة النفس تؤدي إلى انهيارها شيئا فشيئا، ولا يمكن القيام بهذا الكفاح الداخلي الا اذا وجدت مجالس عمالية، فهي الخميرة التي تصنع الاضطرابات والنزاعات وتغذيها وتصدمها وتؤججها بدون هوادة إلى أن تجيء ساعة المعركة المباشرة .
إلى جانب هذا يمكن أن تقوم معارك في الشارع حيث تنطلق الجماهير المسلحة التحارب وفق القواعد الحربية البورجوازية لدخر عدوها، لكن هذا لن يكون المعركة الحاسمة، فالنقض والابرام لن يكون الا في المعمل، لأن الجماهير هنا في ميدانها وعلى دراية تامة بما تصنع . انها هناك في اوج قوتها . وهناك تحدد معارك الشارع والمتاريس الخلفية التي تستند اليها، وفيها ضمان الانتصار، لكن فقط اذا كانت التنظيمات المجالسية منظمات اقتصادية وسياسية في ان واحد، لا سياسية فحسب مثل الحزب ولا اقتصادية فحسب مثل النقابة . ولا هي منظمات زائفة وخطرة ومضادة للثورة مثل مجالس المعامل التي اجهضت بها جماعة شايدمان الثورة وقادتها إلى الافلاس .
ان مؤتمر المجالس هو أكبر هيئة تمثل العمال الثوريين . ويجب أن ينبثق المؤتمر من العمال وان يكون تعبيرا حيا عن ارادتهم . ومن الواضح انه لا يمكن أن يعين أو ينصب من طرف النقابة والا فانه لن يكون الا فرعا للحزب أو النقابة . فاذا قام الحزب الشيوعي الألماني بحملة دعائية لفائدة انعقاد مؤتمر المجالس دون أن يكون قد حل نفسه عند انعقاد المؤتمر، فان كل دعايته لا تعدو أن تكون محاولة تضليلية . أنه باستعماله لمؤتمر المجالس لا يريد الا تمكين قادة الحزب من اداة ناجعة للسيطرة على العمال، ولتوسيع سلطة القادة الى ما لانهاية . وقد رأينا كيف أصبح مؤتمر السوفيات في موسكو بفضل الحزب، لعبة بين قبضة مسؤولي الحزب الذين صاروا رجال الدولة .
هذا هو قدر الثورة الروسية التي لم تعد منذ زمان، وبالرغم عنها : قضية بروليتارية . بانعقاد مؤتمر السوفيات يجب أن يزول الحزب مثل الشيء الذي لم يعد صالحا . وكذلك النقابة وحتى اتحاد العمال الذي تم بناؤه وفقا لمبدأ المجالس والتحم بها التحاما كاملا فان مهمته تنتهي اذاك .
ان أقصى ما يمكن عمله هو السماح لاتحادات العمال ( كاتحاد العمال اليدويين واتحاد المثقفين واتحاد عمال الحزب الاشتراكي واتحاد العمال التقابيين والاتحاد العام للعمال وهي المنظمة الفريدة من نوعها والأكثر انسجاما في تنظيمها وبرنامجها ) بالبقاء كاحدى فصائل مؤتمر المجالس . وبما اننا ما زلنا في الفترة البورجوازية حيث يقوم مؤتمر المجالس الى جانب البرلمان فان هذا المؤتمر ليس الا صيغة تحضيرية للمؤتمر الحقيقي .
وبقدر ما تؤثر اتحادات العمال في نجاعة مؤتمر المجالس بنشاطها ومثابرتها حيثما يلتقي عملها مع عمله، فانها تحل نفسها بنفسها ويمكن الاستغناء عنها .
ان اتحادات العمال ليست أكثر من سند لمؤتمر المجالس، ففي نظام المجالس يتحقق التنظيم المثالي للحقبة الاشتراكية : من الناحية الإدارية والتقنية، ومن الناحية الاجتماعية .
أن تنظيم المجالس هو فاتحة عهد الاشتراكية .
*
- انظر « الثورة الألمانية ۱۹۱۸ – ۱۹۱۹ »، العفيف الأخضر، دار الطليعة .) ↩
- أن هذه الفقرة مثل نقد الجيش الأحمر موجهة ضد الحزب الشيوعي العمالي الألماني الذي أسس منظمة للكفاح، هذه مختارات من قانونها الأساسي :
« حيث اننا واعون انه لا يمكن تحرير البروليتاريا من عبوديتها الا بثورة مسلحة وحيث أن الرجعية ستمنع البروليتاريا من الكفاح : ترى البروليتاريا الثورية نفسها مرغمة على تكوين منظمة تستطيع بواسطتها بدء الكفاح في الساعة الحاسمة . وتكون مهيأة تهيئة تامة لهذه الغاية . ولهذا السبب فان المجموعات المنعزلة تشكل ما يمكن تسميته بأجزاء من منظمة الكفاح هذه، ويمكن ان يشارك فيها كل الرفاق القادرين على حمل السلاح » .
هذا وتجدر الاشارة الى أن هذه المنظمة كانت تخضع إلى انضباط صارم :
– « كل الأوامر وكل الشعارات الصادرة عن القيادة يجب اتباعها اتباعا تاما » .
– « أن القيادة الوطنية تذكر مرة أخرى ان المركزية الصارمة والانضباط الكامل هما وحدهما الكفيلان بضمان النصر لقواتنا ». ↩