[ مقدمة من محرري « سلطة المجالس » ]

ما ان شب حريق حرب الهزيمة الرابعة حتى ذهل جميع « الماركسيين اللينينيين » العرب الذين ما فتنوا يطالبون بها كمطلب تعجيزي . لقد رأى هؤلاء الاغبياء في حرب السادات المشهدية حرب الجماهير العربية التي عليهم ، كماركسيين لينينييين ، أن يدعموها بكل ما أوتوا من « قوة » ( وليضحك القارىء من هذه القوة ) . وكان أول المناعقين في اركسترا الحرب المشهدية الماوي المصري محمود حسين ، صاحب « الصراع الطبقي في مصر » ، مبشرا ومستبشرا ( في جريدة « لوموند » ) – « باستعادة الكرامة » ، كرامة الطبقة العسكرية المتربعة على اعناق الجماهير المصرية المهدورة الكرامة – قبل احتلال رمال سيناء وستظل كذلك بعد تحريرها ما لم تتحرر من احتلال الطبقة المصرية الحاكمة . ليس غريبا ان يتخذ الماويون هذا الموقف القومي ، لان الماوية – في بكين كما في مكة – ليست شيئا آخر سوی ايديولوجيا قومية تتستر تحت عباءة « الماركسية – اللينينية » .

وشبيه بهذا الموقف شبه الضرطة بالضرطة الموقف التروتسكي الذي تحول بعد ست سنوات من موقف « المحايد » المرتبك في حرب ١٩٦٧ ، الى الموقف القومي العربي . فصحيفة « المناضل » الوردية ( عدد ۲۲ ) ناضلت الى جانب الجماهير العربية ( التي جازتها لطما ولكما في مظاهرة بيروت «الوطنية التقدمية » ) من أجل مساندة ( وهي مساندة والحق يقال « نقدية ») الحكومات العربية البورجوازية وحتى غير البورجوازية على حد قول ورقة القرنبيط1 ، نظرا لكونها « مضطهدة من الامبريالية » ( مسكين فيصل ومسكين شيخ الكويت لما يعانيانه من اضطهاد الامبريالية الأمريكية ! ) .

وبلغت الحماقة بهؤلاء القوميين العرب الجدد الى حد لوم رفاقهم التروتسكيين الاسرائيليين الذين وقفوا من الحرب موقفا انهزاميا نسبيا عندما قرروا عدم القتال في الأراضي المحتلة ، اذ كان عليهم في نظر تروتسكيي بيروت ان يلتحقوا بجبهة القتال للتبشير بالموقف القومي العربي ، اي الى قتال العرب في نفس الوقت الذي سيحاولون فيه اقناع الاسرائيليين بعدالة القضية العربية !

من حسنات هذه الحرب النحسة انها كشفت للجميع ولكل أحد أن اللينينيين والتروتسكيين المعرب ليسوا لا ليتينيين ولا تروتسكيين ، بل مجرد اعضاء غير لامعين في ” الأهمية الصفراء » ، في « الاشتراكية الشوفينية » ، في « حزب الدفاع الوطني » الكاوتسكى – البليخانوفي الذي تشكل في ٤ اغسطس ١٩١٤ ( يوم اندلاع الحرب العالمية الأولى ) تحت شعار « الدفاع عن الموطن » ، والذي واجهه لينين بشعاره الانهزامي الثورى : « هزيمة روسيا في الحرب هي اذف الضررين » محرضا تحويل الحرب البورجوازية الى حرب أهلية ( انظر كتاب تروتسكي عن الثورة الروسية ، جـ 1 ) .

ويتخلى الاتباع العرب عن أفضل ما كان في الايديولوجيا البلشفية : امميتها ، يكونون قد انتقلوا بأسلحتهم وامتعتهم الى مزبلة الأحزاب القومية العربية المتفسخة.

الانهزامية الثورية

[بقلم جان لاستراد (Jean Lastérade). عن مجلة «الأممية» (L’internationale) ، العدد ۳۸ ، يونيو ۱۹۳۸ ، التي كان يصدرها الاتحاد الشيوعي – مجموعة ماركسية ثورية.]

يمكن أن يبدو للقاريء انه من باب التكرار ان نعود الى هذه الصيغة التي طالما استعملت في الأوساط الشيوعية ، كلما طرحت مسألة الحرب . بيد أنه من المفيد ، في جو مشبع بعبير « الاتحاد المقدس » وامام خطر حرب امبريالية جديدة ، أن نحيي بعض الشعارات التي كانت احتكارا لحزب أصبح اليوم انشط عناصر الاتحاد المقدس .

طبعا لسنا نريد تذكير الستالينيين بقيمة الانهزامية ، وانما نخاطب أولئك الذين رغم انتسابهم الى الماركسية ، تراهم يستعدون التقديم الف ذريعة لرفض صيغة لا تتماشى ومواقفهم الانتهازية .

ان العناد الذي دافع به لينين عن هذا المبدأ السياسي قد اسيء فهمه في أغلب الأحيان ، فلم ير كثير من المناضلين في الانهزامية الثورية ، سوى صيغة مفرطة ومفارقة ، ورغم تبنيهم لها لم يدركوا انها تلخص كل ما يفصل الوطنيين ، و« انصاف الوطنيين » ، عن التيار الثوري الناشيء . يتساءل البعض لماذا الالحاح على هزيمة بورجوازيتنا ، كأن ذلك ، في حالة الحرب ، هو الهدف الرئيسي ، لا الثورة ؟

بشكل عام ، يجب أن نجيب أن المهم في مكافحة تيار الاتحاد المقدس ، ليس الخطب حول الثورة عموما وانما المواقف السياسية الملموسة والتي تكشف طبيعة الجمل الديماغوجية العاطفية التي يرددها الاستسلاميون لاقناع الطبقة العاملة بقبول الحرب . ولنوضح أكثر .

سنذكر بسرعة ببراهين الاشتراكيين ابان حرب ١٩١٤ وسنبين كيف ان شعار الانهزامية الثورية كان الحل الحاسم الوحيد للمشاكل المطروحة ، وسنرى بعد ذلك لماذا يجب اليوم أيضا التأكيد على الانهزامية وكيف أن هذا الموقف يقطع الطريق على كل البرهنات و« التكتيكات » الانتهازية حيال الخطر الفاشستي العالمي ووضع الاتحاد السوفياتي .

حرب ۱۹١٤ – ۱۹١٨

اثناء حرب ۱۹١٤ – ۱۹١٨ كان الاختيار بين أحد الطرفين المتحاربين القاعدة السياسية الرئيسية التي انطلقت منها كل خيانات ۱۹۱٤ . لقد اعتقد الاشتراكيون القوميون في مختلف البلدان المتحاربة أن حكومتهم هي المهددة ظلما أكثر من غيرها وحكومة الطرف المقابل هي الأكثر عدوانية وطغيانا . ان صيغة « الانهزامية الثورية » وحدها هي التي كانت تضع مكافحة الحرب على أرض الصراع الطبقي وتترك جانبا كل المراوغات حول مدى تقدمية هذه الدولة أو تلك .
في فرنسا ، لم تكن تصورات التيارات المناهضة للحرب والاتحاد المقدس تتجاوز المطالبة بـ « انهاء الحرب » و بـ « تصالح الشعوب ».

كان أصحاب هذه التيارات يحاولون تبرير موقفهم باعتبارات تكتيكية وبالاعتماد على الرغبة الحقيقية للجماهير ، في الجبهة وفي المؤخرة ، في انهاء المذبحة . كانوا يعتبرون ذلك مرحلة أولى من مراحل النضال الثوري ضد البورجوازية . يجب الاعتراف بأن هذه الدعاية من أجل السلم كانت تنقلب تلقائيا الى عمل ضد البورجوازية التي كانت ، من جهتها ، لا تدخر جهدا لاغراق السخط الجماهيري في ذهان حربي مستمر .

بید ان هذا النضال لم يكن وسيلة فعالة لكشف الأوهام والاكاذيب المنسوجة حول مسؤوليات وأسباب المذبحة أو للقضاء عليها واخيرا فان هذا النضال كان يصرف الانتباه عن الحل الوحيد الناجع والصحيح : قلب النظام الرأسمالي .

كان معظم « المقاومين » للحرب يتبنون قولا شعار « العدو داخل بلادنا ! ». لكن يبدو أن اقتناعهم به لم يكن كاملا كما توضح ذلك هذه الجملة لأحد قادة هذا التيار : « لن نترك العقائدية تجرنا الى حد القول بأنه سوف تكون هناك حروب ما دام النظام الذي يسببها قائما ».

الا تمثل هذه الجملة القاعدة الحقيقية الموقف « المقاومين » الفرنسيين السلمي ؟ الا يتجه النضال تلقائيا ، بمثل هذا التصور ، نحو أمل دفع الامبريالية الى مزيد من الحكمة والتعقل ، والى العدول عن اهدافها الطبقية ؟ ان هذا يعني توجيه الجهود الى البحث عن تسويات ديبلوماسية بدل تركيزها على الصراع الطبقي من أجل تحويل الحرب الامبريالية الى حرب أهلية . حينئذ ، ماذا تعني المظاهرات أو حتى الاضرابات في مثل هذا المنظور ؟

عند آخر تحليل لم يكن هذا النضال من أجل السلم ليفضي الا الى تعزيز المغالطة الضخمة التي شرعت الامبرياليات في القيام بها ما ان انتهت الحرب ، باسم السلام لاخفاء الأسباب وباسم عصية الامم الخ … الطبقية الأكيدة التي ادت الى المذبحة والتي تعد مذابح أخرى .

ومن يثبت لنا أن أمل دفع الحكومات الى انهاء الحرب ، دون الحاق ولا غزو ، لا يعني خاصة رغبة « المقاومين » في عدم مصادمة المشاعر القومية لعمال الفريقين بوعدهم بمنع كل اعتداء على وطنهم؟ انه على كل حال لا يعدو أن يكون وهما من أوهام المناضلين الذين ، مهما قالوا ، لم يكونوا مقتنعين الا نصف اقتناع بالمعنى الحقيقي للحرب . ان قلب النظام وحده هو الذي يمكن ان يؤدي الى السلم ، والى السلم دون الحاق أي أرض ، هذه هي النتيجة النهائية والدائمة التي يقود اليها كل تفكير حول وسائل النضال ضد الحرب . الهدف هو الثورة ، لا الثورة بالكلام ، بل الكفاح الثوري بكل نتائجه : مع العلم أن النتيجة الأولى والأكثر تشخيصا هي اضعاف دولتنا نحن ، لا على الصعيد الداخلي فحسب بل ايضا امام الجيش المقابل .

لكن هل كان « المقاومون » يقبلون مساعدة انتصار المانيا ؟ هل كانوا مستعدين الرؤية الالمان غزاة في باريس بارتياح ؟ هذه هي الاسئلة التي كانت تتطلب اجوبة دون مراوغة ، هذا ما كان يجب قبوله ، هذا ما كان يجب السعي اليه للقيام بعمل طبقي فعال ضد الحرب .

« لكن لقائل ان يقول ، يمكن ان ندفع هذا العمل ( العمل الطبقي ، الاضرابات ، التآخي الخ (…) الى حده الاقصى ، دون أن ننطلق من مبدأ الانهزامية ». ( « الحركة العمالية اثناء الحرب »، روسمر)

كلا ! اذ انه عندما نتفق على عمل ما يجب أن نكون متفقين مسبقا على نتائجه ، وهذا الشرط المسبق يتضمن المغزى الكامل للنضال . لقد كانت الانهزامية اذن امتحانا حقيقيا ل« مقاومة » المناضلين الذين غالبا ما كانوا متشبعين بالايديولوجيا الديموقراطية البورجوازية والوطنية . لكن في الواقع ما هي الأسباب التي كانت تجعلنا نخشى من هذا الوعد المسبق لمتابعة النضال الى نهايته ؟

« ان الصحافة تستعملها ( كلمة «الانهزامية» ) للتضليل والتخويف . ولا داعي الى مساعدتها اذا لم يكن ذلك ضروريا ضرورة مطلقة » ( روسمر ).

ان في هذا اعترافا بنفسية وطنية عند الجماهير ، نفسية تغذيها دعاية لا تكل ولا تمل ضد الانهزاميين الذين لا وجود لهم في اغلب الاحيان . حينئذ نحن امام خيارين اما ان نقدم لهذه النفسية تنازلات املا في القضاء على الشوفينية بتملقها ، واما ان نواجه تيار الاتحاد المقدس مواجهة صريحة ومطلقة . ان الحركة الثورية لا تعرف سوى جواب وحيد على تهمة الانهزامية هو « نعم ! ». هذا هو النضال الفعلي ضد العدو الذي في بلادنا ، هذا هو معنى العمل على تحويل الحرب الامبريالية الى حرب أهلية (…)

واليوم لماذا الانهزامية ؟

بما ان الاتحاد المقدس يتشكل من جديد بعد مرور ٢٤ سنة على خيانة اغسطس ١٩١٤ الساحقة ، فهو موجود حتى داخل المجموعات التي تطالب بتركة لينين ، منذ الآن وقبل بداية المذبحة والقمع البوليسي الذي يرافقها حتما. ان الآراء تتضح وتثبت أن أفكار الرأسماليين آباء الحروب ، ومناضلي « الطليعة » المزعومين واحدة .. سواء من أجل النضال ضد الفاشية العالمية أو من أجل انقاذ آثار ثورة أکتوبر، فان المناضلين يتأهبون للاختيار بين أحد المعسكرين المتقاتلين . من المفيد ، في هذا المضمار ، ان نتفحص موقف التروتسكيين حيال الحرب الصينية ( ۱۹۳۷ ) ، فهو يوضح لنا كيف يمكن للاتحاد المقدس ان ينتهج طريقا ملتوية : هؤلاء « البلاشفة – اللينينيون » لا ينسون النضال ضد البورجوازية الوطنية .. لكن هذا النضال يقتصر عندهم على نقد العمليات العسكرية وعلى المطالبة بالاصلاحات الديموقراطية ..

نفس الشيء بالنسبة إلى تحويل الحرب ضد اليابان الى حرب تحريرية فالتروتسكيون لا يهملون هذا المشروع ، لكنهم يكتفون الآن بتوجيه نداء الى عمال العالم لمساندة تشانج كاي شيك . لندحر أولا الغزاة وبعد ذلك نطرح مسالة تصفية حساباتنا مع بورجوازيتنا . غدا أيضا ، وبنفس اللغة « الماركسية » سوف توحد الصفوف امام جيوش الفاشية الهتلرية الغيرة .

لن تعوز المناضلين البراهين ليثبتوا ان انتصارا فاشستيا سوف يخلق في فرنسا شروطا تقضي على الحركة الثورية لعدة سنوات .

طبعا ، سوف يطالبون بالحاح بادخال الديموقراطية في الجيش ، واذا لزم الأمر سوف يتهمون البورجوازية الفرنسية بتخريب الكفاح المسلح ضد هتلر . سوف لن يفوت هؤلاء « الماركسيين » أخيرا ، أن يتعهدوا بتحويل الحرب الى حرب أهلية ، لكن حالما يتم رد الغزاة على اعقابهم . نفس الديماغوجية تحدد موقفهم من الاتحاد السوفياتي ، وبنفس الطريقة يشجبون البورجوازية الفرنسية التي « تخونه ».

من الضروري ، اليوم أكثر من أي وقت مضى ، ان نأخذ ، حيال هذا المنطق الذي لا يهدف الا الى اخفاء الاستسلام الفعلي ، صيغة الانهزامية كنقطة انطلاق ، كمقياس لثورية كل ثوري . اننا نطرح هذه الاسئلة على هؤلاء الذين يتحدثون باسم الثورة العالمية وباسم اللينينية : قبل كل شيء هل أنتم على استعداد للنضال ، اثناء هجوم جيوش هتلر ، ضد حكومتكم لاضعافها حتى التفكك ؟ هل انتم على استعداد لاستعمال الهزائم العسكرية لبورجوازيتكم للاسهام فيها للتعجيل بانحلالها على كل صعيد ؟ هل انتم على استعداد لاتخاذ نفس الموقف اذا كانت الهزائم والغزوات تنصب على الاتحاد السوفياتي واسبانيا ؟ يجب ان يكون الجواب بلا قيد ولا شرط ، دون الاهتمام بما عسى ان يفعل الشق الآخر . لا ثقة في الذين يتعللون باعتبارات « تكتيكية » و« ظرفية »، ولا تعامل معهم ! (…)

ينبغي علينا ، حتى يكتمل هذا النقد ، ان تذكر بما كتبناه مرارا وتكرارا عن الطبيعة الامبريالية للحرب التي تتهيأ . ينبغي أن نذكر كيف أن الجبهة الشعبية ، بموافقة الستالينيين انفسهم ، قد سعت إلى التحالف مع موسوليني الشيء الذي يكشف بوضوح الهدف الامبريالي والامبريالي فقط ، للحرب التي تعد لنا باسم مكافحة الفاشية . ينبغي أن نشير الى المصالح الرأسمالية التي تدافع عنها الانظمة الديموقراطية في أوروبا الوسطى ، في المستعمرات ، في آسيا ، الخ … من المفيد اخيرا ، أن نبين أن المصالح التي يسعى هتلر الى اكتسابها ، أيا كان ذلك ، هي نفس تلك المصالح الامبريالية التي تحصلت عليها الانظمة « الديموقراطية » في الماضي بالعنف وبحد السيف .

الهزيمة كهدف

حاولنا في ما سبق ان نحدد بدقة قيمة الانهزامية كشرط مسبق وضروري لكل نضال اثناء الحرب ، لكل عمل من أجل تحويل الحرب الامبريالية الى حرب أهلية . لكن الانهزامية الثورية فضلا عن كونها مبدأ سياسيا كانت تمثل ، في نظر لينين ، ارادة واضحة وعلنية في التعجيل بهزيمة حكومته بكل الوسائل : بعبارة أخرى ، ينبغي أن تكون الهزيمة في حد ذاتها ولذاتها هدفا يبتغى وليس فقط نتيجة منطقية للصراع الطبقي وقد بلغ منتهاه :

« ان هذا التحويل المتزايد للحرب الامبريالية الى حرب أهلية ليس ممكنا ما لم يتظافر على الحكومة الفشل العسكري المتكرر وضربات الطبقات المقهورة منها … لا ينبغي أن تهدف الى قلب البورجوازية ، اذا لم نكن ننشد هزيمة الحكومة واذا لم نكن تساهم في هذه الهزيمة … » ( لينين ضد التيار )

لقد ذكر زينوفييف ، بهذا الصدد ، كيف ان الاشتراكيين والبورجوازية الليبرالية ، خلال الحرب الروسية – اليابانية ، لم يخشوا بل كانوا يتمنون هزيمة القيصر ، املا في زعزعة سيطرته . وفعلا فقد تسببت هذه الهزيمة في نمو النضال الثوري في روسيا .

لقد ذكرنا مرارا عديدة أن هزيمة فرنسا والاحتلال الاجنبي هما الحدثان اللذان انتجا الحركة الثورية التي اعطت كومونة باريس ، في حين أنه لم تظهر أي حركة ثورية طيلة الحرب (…) .

لماذا نريد الهزيمة ؟

ان هزيمة بلد ما لا تؤدي حتما إلى الثورة ، هذه حقيقة مسلمة . اذ ان لكل حرب مهزوما وعدد الثورات حتى الآن لا يساوي عدد الحروب . من جهة أخرى فان انتصار بلد لا يعني بالضرورة انعدام النضال الثوري في هذا البلد . (…)

أن القيمة الكبرى للانهزامية الثورية تكمن في وضع النضال ضد الحرب على أرضية التضامن الاممي للبروليتاريا . ذلك أن هزيمة بلد ما تنعكس ، بمساعدتها على العمل الثوري ، على البلد المنتصر نفسه . ولنا في ثورة اكتوبر خير مثال ، نظرا للتأثير العظيم الذي كان لها في البلدان المنتصرة ، كما في البلدان المهزومة .

هناك حقيقة ثابتة لا تقبل الشك ، وهي أن هزيمة حكومة ما تخلق احسن الشروط الملائمة للنضال الثوري الجماهيري بانهاك قوى القمع وبالفوضى والهلع الناتجين عن ذلك . ومن تافل القول ان الانتصار العسكري يعطي ، على النقيض ، نفسا جديدا للتيار الوطني وينسي الجماهير الويلات والتضحيات التي تعانيها من جراء الحروب . ولا يمكن الاحد أن ينفي أن المعنويات المنحطة ، كما يقول العسكريون ، هي أفضل شرط مناسب للتحريض لترغل المفاهيم الثورية والتمرد على المسؤولين عن الحرب .

ليس هناك انجح من هزيمة فرنسية ، مثلا لاطفاء الحماس الوطني الناهض للفاشية عند الجماهير، وعندئد تكون الانهزامية في فرنسا اضمن وسية لارجاع الجماهير العمالية الالمانية الى الوعي الطبقي ولتجنيدها ضد هتلر . ولا شك في أن اسهام الطبقة العاملة ، اختيارا ، في هزيمة بلدها يبدد شعور « الفخر الوطني » عند عمال البلد المنتصر ويفوت على الحكومة الظافرة فرصة لتعزيز هيمنتها .

اذا امكن للصراع الطبقي الذي نحرض به زمن السلم أن يتحقق أبان الحرب فان عمال الطرف القابل سيفهمون حتما انه لا يجمع الذين يقودون الحرب والذين يخوضونها اي اتفاق . لكن اذا تجاوز العمال هذا الحد من النضال وانهالوا على العمليات العسكرية لحكومتهم يعرقلونها ويخربونها ، فإن عمال الجهة المقابلة سيفهمون فورا ان جنود الجيش الخصم ليسوا اعداء بل اخوان لهم وانه قد آن الأوان لتصويب أسلحتهم لهدف آخر ( … )

خاتمة

لن يشك الستالينيون الذين سيطلعون على هذا المنظور الانهزامي دقيقة واحدة في أننا عملاء لهتلر . ولذا فاننا على يقين من أن الرصاص الذي قتل انصار الـ POUM ( الحزب العمالي للتوحيد الماركسي ) ورفاق دوروتي2 في اسبانيا سوف يوجه الينا حالما يكلل الاتحاد المقدس جهود ( قادة الحزب الشيوعي الفرنسي ) توريز ودوكلو ومن لف لفهما … بالسلطة الشرعية الملازمة .

ان بوليس الاحتياط المتتلمذ على مدرسة الاستخبارات الروسية سوف يكون احسن درع لوقاية البرجوازية من شر الحركة الثورية التي ستنبثق من فوضى المذبحة العالمية وسوف تعزز هذا الجيش القمعي الخسيس الخيانات المقنعة ، وخمول وتردد كل من يقبل المشاركة في الدعاية المزدوجة ضد الخطر الفاشستي العالمي والدفاع عن الاتحاد السوفياتي .

وفي الحقيقة اذا كنا نبدو للستالينيين كعملاء لهتلر ، فاننا مجانين في نظر انصار بيفير3 والتروتسكيين والفوضويين الذين يطالبون بجبهة موحدة مع جوهو4 ، توريز ومن لف لفهم ، ولا يتركون فرصة تفوتهم لتحقيق ذلك ( … )

انها لديماغوجية نكراء ومغلطة سافلة ان ندعي اننا من انصار الانهزامية الثورية اذا كنا في نفس الوقت نشير على الجماهير العمالية بمحاربة العدو الذي تتهيأ البورجوازية لتعبئة البلاد ضده ، واذا كنا عند نشوب الحرب ، نستعد لمساندة أحدى البلدان ( اسبانيا ، الاتحاد السوفياتي ، الصين) التي سوف تكون طرفا من اطراف الكتل الامبريالية . ليس هناك أي حل وسط ، بالنسبة الينا ، بين القومية المناهضة للفاشية وبين الحرب الأهلية . اننا نريد هزيمة بلادنا . ان الخطابات والشعارات اليسارية المتطرفة لن تفلح في اخفاء موقف الذين لا يجسرون على ذلك ، كشف نواياهم .

جان لاستراد

يونيو ۱۹۳۸

[العودة الى صفحة المحتويات]

  1. في عالم الصحافة باللغة الفرنسية، يُستخدم التعبير الشعبي “feuille de chou” (ورقة الكرنب/القرنبيط) كـمصطلح ساخر أو عامي للإشارة إلى صحيفة رديئة الجودة، أو جريدة صغيرة ليس لها أهمية أو مصداقية. ↩
  2. ابرز قادة الحركة الفوضوية الاسبانية قتل بمدريد عام ١٩٣٦ . ↩
  3. مارسو بيفير ( Marceau Pivert ) زعيم الترونسكيين المنضمين الى الحزب الاشتراكي الفرنسي . ↩
  4. ليون جوهو ( Léon Jouhaux ) ، سكرتير الاتحادية العامة للعمل (CGT) ان ذاك. ↩