خليل طعمة. كان يخضع لمراقبة دقيقة من قبل أجهزة الأمن على مدار أشهر طويلة من اندلاع حرب حزيران 1967
[لقد نشر المقال أصلا بالعبرية في مجلة متسبين في أيار ١۹٦٨ وتم ترجمه للعربية بعد وفاة الرفيق خليل طعمة في أواخر تشرين الثاني ٢٠٢٤]
القضية
وفقًا لكل التعريفات التي يتضمنها القاموس السياسي في إسرائيل، تستحق قصة خليل طعمة أيضًا أن يُطلق عليها ذلك الاسم الشائع – «قضية». وبالفعل، هكذا تم تذويت تلك القصة في أذهان الناس، وهكذا أيضًا وردت في الصحف: «قضية خليل طعمة».
وما الذي تعنيه بالضبط كلمة «قضية» في اللغة الإسرائيلية الدارجة؟
ما من إجابة واحدة قصيرة تُعطي معنىً وافيًا لها؛ ما من تعريف محدد ودقيق لها، ولكن هناك وصفًا يلائمها. القضية تعني فساد سلطة. القضية تكشف خزي حكام إسرائيل، فشلهم وغطرستهم.
باختصار: القضية هي عمل فاسد، ما أن يخرج للعلن حتى يتسبب بإزعاجٍ لمن افتعله وأحيانًا يترك نوعًا من الرضى لدى ضحاياه.
دعونا نفحص بمزيد من التفصيل ما إذا كانت قصة خليل طعمة تستحق حقًا أن تسمى «قضية».
* * *
كان هناك سر معروف منذ وقت طويل قبل ذلك لأصدقائه (وكذلك لمعارفه، لعائلته وللعديد من طلاب الجامعة العبرية في القدس) بأن خليل كان يخضع لمراقبة دقيقة من قبل أجهزة الأمن، على مدار أشهر طويلة من اندلاع حرب حزيران 1967.
دليل على ذلك: تم استدعاء خليل عدة مرات لـ «محادثات» مع أفراد الأمن، تلقى خلالها تهديدات، «نصائح» وأيضًا «وعود».
لكن الرجل لم يتراجع ولم يُذعن لنصائح أفراد الأجهزة الأمنية.
فقد واصل نشاطه الجماهيري كسكرتير لجنة الطلاب العرب في الجامعة، ونشاطه السياسي كمناضل مؤمن بالأفكار الاشتراكية الثورية وكمعارض عنيد لكل ما يمت للقومية اليهودية والقومية العربية بصلة.
تلقى طعمة قبل وقت قصير من اعتقاله أمرًا يمنعه من دخول الأراضي المحتلة بشكل عام، والقدس الشرقية بشكل خاص. (وهذا هو المكان المناسب أيضًا للكشف عن سرٍ آخر للقرّاء: في نهاية شهر أيار عام 1967، كان خليل طعمة من بين مئات المواطنين العرب في إسرائيل الذين تم اعتقالهم، «لأسباب أمنية» بالطبع، وتم زجّهم في السجن. أمضى خليل أربعين يوماً في السجن، تلقى خلالها معاملة خاصة، تضمنت وفقًا للتوصيف القانوني، «اعتداءات جسدية»).
باختصار: كل وصف، اعتُبر خليل وفقه زبونًا جديداً عند السلطات الإسرائيلية، والذي قُبض عليه بالجرم المشهود، هو محض كذب ومخالف للحقائق.
دليل مُعزّز: لم تتعجل السلطات بالتباهي بالقبض على السمكة السمينة التي سقطت في شبكتها، كما تفعل عادة، وأبقت الأمر سرًا. بالنسبة لهم، ربما كانت عملية الاعتقال هي مجرد متابعة للتضييق على معارض سياسي قديم وعنيد.
من هنا تبدأ القصة بالتحول إلى قضية: تم فضح سر عملية الاعتقال من قبل المنظمة الاشتراكية الإسرائيلية، وبواسطة ما كشفته المنظمة للصحافة الإسرائيلية والعالمية، أجبرت السلطات على الكشف عن الأمر والسماح بنشره للجمهور. ربما لو لم نفعل ذلك لبقي أمر الاعتقال سرًا وكان خليل، مثل كثيرين آخرين، سيقضي فترة في السجن دون محاكمة، بموجب أمر اعتقال إداري.
* * *
بعد مضي أسبوعين من ان أصدر قاضي في القدس مذكرة الاعتقال الأولى، تم تمديد اعتقال خليل، ومرة أخرى أمام قاضي محكمة الصلح في القدس.
هنا كانت السلطات أمام مفاجأة جديدة غير لطيفة: امتلأت قاعة المحكمة بطلاب جامعيين، معظمهم لا ينتمون إلى المنظمة الاشتراكية الإسرائيلية على الإطلاق. عبّر الطلاب عن عدم تصديق الرواية الرسمية من خلال القيام بمبادرة لم تكن معهودة في السياق الإسرائيلي: قدّموا باقة من الزهور لـ «المعتقل الخطير».
في تلك الأيام كانت مسألة الاعتقال قد انتشرت في الصحافة العالمية وتم وصفها على أنها عملية اعتقال سياسي لشخصية إسرائيلية معارضة.
وصلت الرائحة الكريهة إلى ما هو أبعد من حدود دولة إسرائيل.
من الجدير هنا إبداء ملاحظة أساسية تتعلق بمسألة طُرحت بأشكال مختلفة منذ اعتقال رفيقنا خليل، أحيانًا ببراءة وبصدق، وأحيانًا أخرى بخبث وافتراء. إنها مسألة المكسب السياسي الذي حققناه من قضية خليل.
سبق أن ذكرنا في بداية المقال بأن واحدة من العلامات المميزة لأي قضية في إسرائيل هي الازعاج الذي تسببها للسلطات وكذلك حالة الرضى التي تسببها لضحاياها.
وبالفعل، إلى جانب موجة الاحتجاجات العالمية ضد اعتقال خليل، حظي أعضاء المنظمة فعلاً بتعاطف من قبل جهات يسارية حقيقية كانت لا تزال موجودة في الحزب الشيوعي الإسرائيلي (ماكي)، حزب العمال الموحد (مبام)، ومن قبل أعضاء حزب راكاح.
مكسب؟ رأسمال سياسي؟ بدون شك. هذا الـ «مكسب» و«رأس المال» قانونيان تمامًا برأي كل ناشط اشتراكي. لا بد للنضال السياسي الذي يُدار بحكمة وشجاعة ومن منطلق مبدئي أن يحظى بمثل «رأس المال» هذا وبهذا «المكسب» البشري المتمثل بانضمام أعضاء جدد للمنظمة.
اتهامنا بتحقيق رأسمال سياسي من قضية اعتقال خليل تعني اتهامنا بالتجند للدفاع عنه، وبأننا بقينا مخلصين لمبادئنا الاشتراكية، وبأننا خضنا نضالاً مكشوفًا وواسعًا، ولم نقع في فخ التذمر والتباكي داخل الغرف المغلقة (كما فعل حزب مبام مثلاً عندما تم اعتقال عضو اللجنة المركزية لديه، أهارون كوهين).
* * *
نعود إلى وصف القصة – القضية.
بعد أسبوعين من إصدار قاضي محكمة الصلح في القدس مذكرة اعتقال ثانية، انتهت صلاحية تلك المذكرة وكان من المفترض أن تعرض السلطات خليل أمام القاضي للمرة الثالثة بهدف تمديد اعتقاله مرة أخرى.
بقيت ذكرى مبادرة الزهور والتضامن الطلابي مع خليل ماثلة في ذهن رجال الأمن والشرطة لذا قاموا بخطوة تعسفية جديدة. فمثل لصوص في الليل، بعد خداع المحامي الذي تم توكيله للدفاع عن خليل، وخداع الأسرة، تم إحضار خليل أمام القاضي قبل يوم من الموعد الذي تم تحديده مسبقًا ونشره علنيًا.
بدون محامٍ – أي: بدون أي دفاع قانوني أولي، وهو من أقدس الأشياء في نظام الديمقراطية البرجوازية – تم إصدار مذكرة اعتقال ثالثة وأخيرة ضد خليل.
طرحت السلطات التعليل الأمني المعروف، وأصدر القاضي، كحال معظم القضاة في إسرائيل، مذكرة اعتقال ممتدة، من دون أن يحدد تاريخًا، «لحين محاكمة المشتبه به».
بالمناسبة: طوال ذلك الوقت عمل رفاقنا في المنظمة على تنظيم مظاهرة احتجاجية في الجامعة العبرية في القدس ولفضح الأمر ضمن العديد من الأطر وتقديم تقارير للصحافة واطلاع المنظمات الطلابية حول العالم على تفاصيل القضية، والعمل على شجب وإدانة السلطات في كل منتدى ممكن.
لم يتم عرض قضية خليل أبدًا كظاهرة منفصلة، «شخصية»، استثنائية، أو نموذجية لتعامل السلطات مع أعضاء منظمتنا.
على العكس: تم عرض قضية خليل كما هي، كقضية من ضمن عدة قضايا، كجزء من سياسة عامة وشاملة، كحلقة من سلسلة قمع واضطهاد مارستها السلطات ضد سكان الأراضي المحتلة وضد السكان العرب في إسرائيل.
كان نشاطنا الإعلامي ومضمونه يتطابقان تماماً مع نهجنا الأممي بشكل عام، وموقفنا وتعاملنا السياسي مع نتائج حرب حزيران 1967.
* * *
خليل طعمة في المحكمة العسكرية
مع نهاية الوصف المُختصر للقضية، يُستحسن أن نُذكّر هنا بمحاكمة خليل، التي جرت في المحكمة العسكرية في اللد.
سيتم تقديم وصف أكثر تفصيلاً، مع تقديم تحليل سياسي وقانوني لقرار الحكم، عندما تتوفر التفاصيل الكاملة للمحاكمة، التي ليست في حوزتنا بعد.
قبل بدء المحاكمة نُشر في الصحف إدعاء متكرر مفاده أن خليل أخفى في منزله رجلاً من حركة «فتح» كان مطلوباً للسلطات. فيما بعد تبين للصحف بأن المقصود بذلك هو شاب فلسطيني اسمه أحمد خليفة، وهو عضو في منظمة سياسية تدعى «حركة القوميين العرب»، ظل يوصف بأنه عضو في منظمة سرية. إرهابي خطير .
وخلال المحاكمة؟
قام ضابط مخابرات في الجيش الإسرائيلي، اسمه «سري»، منصبه «سري» وجزء من شهادته «سري»، بتقديم شرحٍ مُفصل عن حركة القوميين العرب، عن أيديولوجيتها ومبناها التنظيمي.
النقطة الأساسية في شهادته: بعد حرب حزيران 1967، تحول بعض أعضاء هذا التنظيم السياسي إلى ممارسة عمليات إرهابية، إلى جانب آخرين من منظمات مختلفة.
باختصار، لغرض المداولة الضيقة والمقتضبة للمحكمة العسكرية، تم طرح سؤال بدقة متناهية: هل الشاب الذي قام خليل بتوفير «ملاذ» له هو إرهابي أم لا؟
أقرّ القاضي بشكل لا لبس فيه: «لم يتم تقديم أي دليل على تورط خليفة في أي عمل إرهابي، ولكن…»
وخلف كلمة «لكن» هذه كانت تستتر نواة قضية خليل، مضمونها الأساسي، جوهرها الحقيقي: كان خليل على صلة بشاب عربي من المناطق المحتلة كان سياسيًا بارزًا وعضواً في تنظيم ويتبنى إيديولوجية معينة. حُكم على خليل بالسجن، وعلى الشاب العربي الذي حُكم عليه (لمدة سجن أطول) قبل أسبوعين من ذلك، لسبب واحد فقط: لأن أيديولوجيته لم تُعجب السلطات الإسرائيلية.