رفيق شامي. «ساعدني المنفى على التحرر من الخوف من العائلة، القبيلة، الكاهن، الشيخ، الحاخام، ومن الرقابة والأجهزة الأمنية». تصوير: روت ليب
هو كاتب مشهور في ألمانيا بينما قليلون فقط في وطنه يعرفونه. رفيق شامي، من مواليد مدينة دمشق، وهو من الأقلية الآرامية، يعيش في المنفى منذ أكثر من 25 عاماً ويكتب باللغة الألمانية. تُرجمت كتبه إلى 17 لغة، لكن اللغة العربية ليست واحدة منها. قبيل صدور أول كتاب له مترجمًا للعبرية وللتحاور حول ذلك، التقى الشامي مع منفي سياسي آخر يعيش في ألمانيا: خليل طعمة، من مواليد قرية الرامة في الجليل.
[نشر المقال لأول مرة في صحيفة هآرتس، 7.2.1997]
ترجمة: سائد أبو عمشة
توفيت والدة رفيق شامي قبل أسبوعين. توفيت في سوريا، وشُيّع جثمانها هناك. لم يجرؤ رفيق شامي على السفر إلى سوريا والمشاركة بالجنازة. هو يعرف العديد من الناشطين اليساريين الثوريين الذين تعرضوا للاعتقال من قبل الأجهزة الأمنية التابعة لنظام البعث واختفوا. وُلد رفيق شامي في مدينة دمشق، وبعد أن أنهى دراسته الثانوية عمل مُدرّسًا لمدة عام ونصف في قرية الشجرة في هضبة الجولان، التي نزح سكانها ودُمرت منازلهم بعد حرب عام 1967. سافر في عام 1970 لدراسة الكيمياء في جامعة هايدلبرغ، ومنذ ذلك الحين يعيش في منفاه في ألمانيا.
قام دكتور الكيمياء رفيق شامي بتغيير مساره المهني وبات اليوم واحدًا من الكتّاب المشهورين في ألمانيا. تُرجمت كتبه إلى 17 لغة، وأحد تلك الكتب، الذي يحمل عنوان «حفنة من النجوم»، سيصدر باللغة العبرية، عن دار النشر «شوكن». لكن لم يتم نشر أي كتاب من كتبه باللغة العربية حتى الآن؛ من المؤكد أن قراء «حفنة من النجوم» سيفهمون السبب. الرواية مكتوبة على شكل مذكرات لصبي مراهق منخرط ضمن نشاط سري: فهو يساهم في طباعة صحيفة سرية ثورية يتم توزيعها داخل جوارب جديدة معروضة للبيع. تلك الحقيقة التي تخرج من الجوارب تهدد النظام الذي يعمل جاهدًا للقضاء على المعارضة المزعجة. هي رواية تتحدث عن سوريا، لكن الانتقادات التي فيها تطال وتمس كل نظام عربي.
رفيق شامي هو الاسم المستعار الذي اختاره. وُلد رفيق شامي قبل 50 عاما لعائلة آرامية تنحدر من بلدة معلولا الجبلية الواقعة على الحدود السورية اللبنانية. حافظت هذه الأقلية المسيحية الصغيرة على لغتها الآرامية لأكثر من ألف سنة في ظل تواجدها ضمن أغلبية عربية. تلك ليست اللغة الآرامية التي يعرفونها اليهود من نص شعائر عيد الفصح ولكن وقعها على الأذن يشبه اللغة العبرية. سبق أن ذكر الشامي مرة بأن والديه ذهبا في الخمسينيات لزيارة أقاربهما في الأردن، وبينما كانا يسيران في الشارع ويتحدثان مع بعضهما بلغتهما الآرامية سمعهما أحد المارة وقرر بأنهما جاسوسان إسرائيليان يتحدثان بالعبرية. قام مباشرة باستدعاء الشرطة وتم القبض على الاثنين. لحسن حظهما، تبين أن الضابط المناوب في مركز الشرطة كان قد أمضى ذات مرة إجازة صيفية في معلولا، وبالتالي تجنبا التورط في موقف غير مريح أبدًا.
التقى الشامي خلال دراسته في ألمانيا بمغتربٍ شرق أوسطي آخر وكان اللقاء بداية لصداقة وثيقة بينهما. ذاك المغترب هو خليل طعمة، إبن عائلة مسيحية من قرية الرامة في الجليل. التحق طعمة في أواسط الستينيات بالمنظمة الاشتراكية الإسرائيلية التي أصبحت تُعرف فيما بعد اختصارًا باسم «متسبين». درس الحقوق في الجامعة العبرية في القدس وشغل منصب رئيس مجلس الطلاب العرب. تم تقييد تحركاته من قبل الحكم العسكري حيث سُمح له بالتنقل فقط من قريته إلى القدس ذهابًا وإيابًا. في أيار 1967، خلال فترة ما قبل الحرب، كان طعمة من بين مئات المواطنين العرب الذين تم اعتقالهم «لأسباب أمنية». تم إطلاق سراحه بعد 40 يومًا، وفي 8 كانون الثاني عام 1968 اعتُقل مرة أخرى. بعد أسبوع من ذلك، جاء في الصحف بأن الطالب طعمة مُشتبه بقيامه بتوفير مأوى لأحمد خليفة الذي تعتبره السلطات «أحد قادة تنظيم إرهابي».
خضع طعمة لمحاكمة أمام المحكمة العسكرية في اللد وتبين هناك بأن النيابة لا تملك دليلاً واحدًا يُشير إلى تورط خليفة في أي نشاط إرهابي. محاكمة خليفة كانت قبل أسبوعين من ذلك: كان خليفة من سكان الضفة الغربية وعضوًا في منظمة قومية عربية، والتي أسس بعض أعضائها منظمة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في كانون الأول عام 1967. قام طعمة باستضافة خليفة لعدة أيام في شقته في القدس، ولهذا حُكم عليه في آذار 1968 بالسجن لمدة تسعة أشهر.
أراد طعمة بعد خروجه من السجن أن يكمل آخر سنة دراسية له في الجامعة ولكنه ظل سجين منزله بسبب أمر إداري. في أيار 1969، تقدّم بطلب للسماح له بالسفر إلى الخارج وحصل على تصريح لمرة واحدة يُتيح له السفر من قريته إلى مطار اللد. سافر إلى ألمانيا واستقر في فرانكفورت، يعمل في السنوات الأخيرة بمجال الترجمة وكتابة المقالات الصحفية، وتحديدًا مواضيع تتعلق بالشرق الأوسط. في صيف عام 1995، بعد اتفاقيات أوسلو، تلقى خليل طعمة وعدًا بعدم تعرضه للاعتقال وجاء لزيارة وطنه للمرة الأولى بعد 26 عاماً في المنفى.
ملحق «هآرتس» الأسبوعي جمع بين هذين المنفيين المغتربين في حوار بينهما.
خليل طعمة. لم تنته العقوبة بعد تسعة أشهر من السجن. تصوير: أفيفا عين-جيل
خليل طعمة: يتم حاليًا في إسرائيل اصدار النسخة العبرية من روايتك «حفنة من النجوم». هل هذا هو الوقت المناسب برأيك؟
رفيق شامي: ليس هناك وقت غير مناسب لنشر الأدب الجيد.
الكتاب ممتاز، وهذا ليس رأيي أنا فقط. نال الكتاب إعجاب العديد من القراء من مختلف الثقافات. تمت ترجمة الكتاب إلى 17 لغة – إن لم أكن مخطئًا.
صحيح، وتتم ترجمته حاليًا إلى ست لغات أخرى.
ولكن ما قصدته بالوقت المناسب هو تزامن ذلك مع حالة التوتر السائدة بين إسرائيل وسوريا، والتي يمكن أن تتدهور إلى صراع عسكري في أي لحظة.
أعتقد بأن نشر الكتاب ليس منوطًا بقرار الحكومة الإسرائيلية أو موافقتها، وهذا شيء يسعدني. يتحدث الكتاب عن حقبة الخمسينيات والستينيات في دمشق، وقد صدر في ألمانيا عام 1987.
هل تعتقد أنه يمكن لهذا الكتاب أن يُحدث تغييراُ في الرأي العام الإسرائيلي وأن يخلق ربما مناخًا أكثر ملاءمة لبدء عملية سلام تستند إلى مبدأ «السلام مقابل الأرض»؟ ففي نهاية المطاف، الحكومة الحالية تريد أولاً الأرض، مع أو بدون سلام.
لست أنتمي إلى أي طاقم دبلوماسي. ربما يساهم هذا الكتاب نوعًا ما بتحطيم تلك الصورة النمطية القبيحة الموجودة في إسرائيل عن الشعب السوري. لا أتمنى أكثر من ذلك، فالأدب غير قادر – وليست وظيفته أيضًا – أن يُحدث التغييرات التي لا تستطيع السياسة إحداثها. قلت «ربما» لأن معظم الأشخاص الذين يشكلون ما يسمى «الرأي العام» في بلد معين لا يقرأون قصصًا وروايات كتلك التي أكتبها أنا. لذا كلمة «ربما» تحمل في طياتها الشك والأمل.
أي صورة نمطية قبيحة تقصد؟
العرب واليهود لديهم ذاكرة راسخة وانتقائية مريضة في تعاملهم مع بعضهم البعض. هم لا يوجهون كراهيتهم إلى شخص محدد، إلى أفعاله أو أقواله، بل إلى ذكريات تعود إلى عصور قديمة. تلك الذكريات هي ذكريات مفصّلة بشكل مخيف. وبما أننا نتحدث عن ذكريات، فلا مكان لأي اعتبار لحاضرنا هذا. في نظر معظم الإسرائيليين، يتم تصوير السوري على أنه وحش يريد فقط تدمير إسرائيل وقتل أطفالها.
صورة مماثلة تمامًا تجاه الإسرائيلي موجودة كذلك في أذهان الشعب السوري. في مثل هذه الذاكرة لا مجال أبدًا لقضايا أخرى مثل التضخم الاقتصادي، البطالة، التلوث البيئي، الخوف من المستقبل وغيرها من المشاكل التي لا تفرق بين يهودي وعربي. من الصعب جدًا تقويض مثل هذه الصور النمطية المُهيمنة على العقول. تكمن المشكلة في أن الواجب الإنساني الأول للأدب هو تحطيم مثل هذه الصور النمطية.
من الصعب جدًا تحطيم هذه الصور النمطية كونها لا تعتمد على تجارب وذكريات شخصية، بل على ذاكرة جماعية يعززها الإعلام، النظام التعليمي، والسياسيون بالطبع. لكني أريد العودة إلى سؤالي الثاني: لقد حققت رواية «حفنة من النجوم» نجاحًا عالميًا؛ حصدت الرواية عددًا كبيرًا من الجوائز، أكثر من أي كتاب آخر طُبع باللغة الألمانية منذ تأسيس ألمانيا الاتحادية؛ والآن بات بالإمكان قراءته باللغة العبرية بينما لم يخطر ببال أي ناشر عربي أن ينشرها باللغة العربية، ما هو شعورك حيال ذلك؟
بصفتي كاتب، أنا مسؤول عما أكتبه فقط، لست مسؤولاً عن أي جهة أو هيئة تسمح أو تمنع حول العالم. غالبًا ما يتم شن حرب ضد الكتّاب المغتربين المنفيين في نطاق بلدانهم الأصلية، وهذا ليس بأمر جديد. جبران خليل جبران لم ينل محبة أكثر مني. يكمن السبب في أن الكتابة في المنفى هي صفعة على وجه المنطقة بأكملها التي طُرد ونُفي الكاتب منها. وبدل أن يكون مصدرًا للفخر هناك، يحرضون عليه كلابهم ويثيرون الشكوك حوله، لكن الكلاب تظل تنبح والقافلة تسير. أنا أنعم بالصبر. من يدري؟ ربما سيتم نشر كتبي في هونولولو أو ساحل العاج أو تركيا قبل أن يتم نشرها في القاهرة، على سبيل المثال.
أنت ضيف دائم تقريبًا على معرض فرانكفورت الدولي للكتاب. ألم يبد أي ناشر عربي حتى الآن اهتمامًا بما تكتب؟
كثيرون منهم أبدوا إعجابهم بسبب نجاح كتابي. البعض منهم يقرأ الإنجليزية وحتى الألمانية، وأخذوا نسخًا باللغتين. بعد سنوات جاء أحدهم وأخذ يشيد بي وبأعمالي بدون توقف. كنت واثقًا أنه سيقترح علي نشر كل ما كتبته حتى ذلك الحين. لكن ماذا كانت أول عبارة خرجت من فمه؟
هل ستشارك في التمويل وتدفع تكاليف الترجمة؟
لا، لا، يا ليت. لقد قال: «أعمالك جميلة جدًا، فريدة من نوعها، مُبدعة وعبقرية، لكنك تعلم بأنه سيتعين علينا حذف الكثير منها من أجل الحصول على الموافقات اللازمة. صدقني، هذا رغمًا عني».
وماذا أجبت؟
اقترحت عليه أن يبحث عن مهنة أخرى يمكنه فيها أن يضيف، يخفف، ينزع ويغير – مثل الزراعة أو الخياطة. في الحقيقة، لم يكن الرجل سيئًا – بل كان أكثر شفافية ووضوحًا من زملائه.
اللغة تشكل عائقًا أيضًا. لم لا تحاول التغلب على ذلك من خلال الكتابة باللغة العربية؟ ففي نهاية المطاف، قبل 17 عاماً، صدر في بيروت كتاب لك باللغة العربية والذي تناول لأول مرة موضوع الطاقة الشمسية.
وضد الطاقة النووية. لا تشكل اللغة عائقاً أمام الدوائر المسؤولة عندما تقرر ما هو مسموح وما هو ممنوع. الأسواق العربية مليئة بكتب سيئة وجيدة تُرجمت من جميع لغات العالم. قررت أن أكتب باللغة الألمانية عندما بدأت أبحث في منفاي عن وطن، وفي النهاية وجدت ذلك في اللغة الألمانية.
إنها لفكرة ممتازة لمناكفة الدول القومية: أي شخص يريد أن يتبنى لغة جديدة، يحصل أيضًا على وطن وجنسية وجواز سفر وجميع الحقوق في صفقة واحدة شاملة.
(رفيق يضحك، وشاربه الكثيف يمتد من الأذن إلى الأذن:) أنا وجدت الوطن بسرعة لكن كل نازي جديد أو قديم يذكرني بأن هذه البلاد غيرة قادرة على «منحي» وطناً. اللغة واسعة، أوسع من الجغرافيا. وهي لا تطلب من مُحبيها جواز سفر – تمامًا كما الأطفال.
رغم أنك عندما عرفت هذا «الوطن» لم تكن طفلاً.
كان عمري 25 عامًا فقط عندما تعلمت أول كلمة ألمانية. الدراسة تنطوي على الكثير من المعاناة.
رغم أنك تعرف العربية والآرامية والفرنسية والإنجليزية؟
لا، ليس بالضرورة بسبب الحاجة إلى تعلم لغة خامسة. كانت تلك معاناة نفسية: كلما تعمقت أكثر في اللغة الألمانية، كلما ابتعدت عن المصدر بذات القدر، عن جذور اللغة العربية. ولكن عندما أرى ذلك التجاهل التام لإنتاجي الأدبي في البلاد العربية، أشعر بالسعادة لأنني قررت قبل عشرين عاما أن أختار اللغة الألمانية وطنًا أدبيًا لي. تخيل الحزن والألم النفسي لو كنت صممت على الكتابة باللغة العربية فقط.
بدون شك. أتخيل أيضًا أنه كانت ستصيبك نفس درجة الاكتئاب لو كنت استسلمت لإغراء الأموال الطائلة وتابعت، كدكتور بموضوع الكيمياء، في العمل على تطوير منتجات طبية جديدة. في تلك الأيام تحدثنا عن خيارك هذا وشعرتُ بالتغيير الإيجابي الهائل الذي طرأ عليك، على سلوكك، على تعبيرات وجهك، على توجهك العام، حتى قبل أن تصبح معروفًا ومحبوبًا. كان تبدو عليك علامات الرضى. السؤال هو، هل ما زلت راضيًا؟ سبق أن سمعتك عدة مرات في مناسبات أدبية وتشكَل لدي انطباع بأن رسالتك لا تصل إلى الجانب الآخر – إلى معجبيك. جزء كبير من النقد المُستتر للأوضاع الاجتماعية – السياسية في المجتمعات العربية لا يصل إلى القراء/المستمعين. هم يستمتعون بأجواء «الهزل». هل تُراني حساس جدًا أم أبالغ؟
ملاحظتك دقيقة جدًا. لكن هذه حال معظم الكتّاب إذ تكمن معاناتهم في أن العديد من معجبيهم، وحتى نقاد الأدب، يسيئون فهم ما يكتبونه. كثيرًا ما يحدث في نهاية أمسية أدبية أن يأتي أحدهم ويبدأ بالثناء على قصة فيها اعتقالات وقتل، ويقول إن القصة جميلة. أحد النقاد المعروفين كتب عن روايتي الأخيرة «رحلة بين الليل والصباح» بأن القصة جميلة، سواء من حيث المضمون أو من ناحية الأسلوب واللغة. لكن القصة تنتهي بموت رجل في مدينة عربية خيالية لأنه تجرأ على إلقاء نكتة وقحة. يجدون بأن هذه قصة «جميلة». ولا أريد أن أتطرق هنا إلى أولئك الذين قد يرغبون – بعد قراءة مثل هذه القصص – بزيارة سوريا، كسياح.
وماذا تتوقع من القراء الإسرائيليين؟
أنت تفاجئني. لم أشعر يومًا بحاجة لأن أفكر بهذا الأمر قبل ترجمة كتبي لأي لغة أخرى. حسنًا، ربما السبب هو أن الوضع بين سوريا وإسرائيل هو وضع خاص. وإذًا، اسمح لي فقط أن أقول بأنني أتمنى أن ينال بطل القصة ووالدته وعمه سليم، سائق العربة، إعجاب معظم القراء. آمل أن يفهموا بأن الأمر يتعلق بأناس سوريين، أي جيران، يعانون، يقلقون، يخافون، يحلمون، يلعنون ويحبون ليس الطعام الجيد فقط بل أيضًا أولادهم وبناتهم – تمامًا مثل الإسرائيليين. من يدري، لعلنا سنبدأ بهذا بتدمير القلاع النفسية التي بُنيت في داخلنا منذ أجيال مضت، لأنه سيأتي يوم لن تكون لها فيه أي فائدة، وبدلاً منها سنبدأ ببناء هياكل المستقبل داخلنا حيث لن يكون هناك مكان لمصطلحات مثل: أسياد، عصابات، إرهاب وعنصرية.
لو كنت مؤمنًا لقلت «آمين». بالمناسبة، كيف حال العم سليم؟ بالنسبة لي هو البطل الذكي.
(ارتسمت على وجه رفيق ابتسامة ماكرة أعرفها منذ سنوات عديدة:) من شأن مثل هذا الشخص أن يكون موجودًا، بل لا بد من أن يكون موجودًا، وإلا لما كتبت عنه.
رغم أنك وجدت وطنًا لك في اللغة الألمانية، إلا أن ذلك الوطن الجغرافي – ذلك المكان الذي نشأت فيه، حيث ذكرياتك وحيث أهلك – لا يزال نابضًا في داخلك. جسديًا أنت تعيش في الوطن الأدبي الثقافي، لكن في ذهنك ووعيك يعيش ذلك الوطن الجغرافي القديم الذي عادة ما تصلنا منه أخبار التغيرات السلبية في جميع المجالات. هل لا يزال ذلك يؤثر عليك، وإن كان كذلك – فكيف؟
لنبدأ من كيف – أرق، حزن وخجل أحيانًا. أشعر بالخجل من الطرفين: اليهود والعرب. كلاهما يُعتبر من الشعوب القديمة، ويفترض بأنهما مجتمعين بالغين واعيين، لكنهما لسوء الحظ يتصرفان كمراهقين طائشين. فبدلاً من الجلوس معاً للبحث عن حل مستدام وعادل لجميع أطراف الصراع – انطلاقاً من البراغماتية البحتة، إذا تركنا الدوافع الإنسانية وراءنا – فإننا سننحدر إلى مستوى مستوردي ومستهلكي الأسلحة الأغبياء. هذا غباء لأنه ما من طرف سيتمكن من تحقيق نصر «تام» على عدوه من دون أن يؤدي إلى خراب بيته. ألا تكفي هذه الحقيقة للشعور بالخجل؟ صحيح أن السلام بطيء ومُكلف ومرير، لكن في النهاية هو الحل الأسرع والأفضل والأرخص قبل كل شيء.
ماذا دهاك، هل صرت واحدًا من جوقة المتفائلين الذين يدخلون في حالة من النشوة عند رؤية أيادٍ إسرائيلية تصافح أيادٍ عربية أو فلسطينية ويستنتجون من ذلك بأن السلام الدائم سيولد؟ لم أكن أعرف أنك ساذج.
دعني أستخدم المثل الذي ساقه الكاتب إميل حبيبي، الكاتب الذي أحبه: أنا متشائم يجلده تشاؤمه ويدفعه هذا الأمر إلى القيام بكل شيء من أجل تمكين ولادة الأمل.
لنعد قليلاً إلى واقعنا اليومي – إلى الحياة في المنفى. ما الذي يزعج إنسان أجنبي مثلك، كاتب ناجح ومعروف، حصل على المركز الرابع في قائمة الكُتاب المفضلين في استطلاع أجري في ألمانيا؟
بعد أي جريمة تقع ضد الأقليات هنا، أنا أشعر بذات الخوف، كأي أجنبي آخر. إذا سمحت لنفسي بالتعميم، فيمكن القول بأنه على عكس الأمم الأخرى، مثل البريطانيين والأمريكيين والفرنسيين والعرب وكذلك اليهود، الألمان ليست لديهم خبرة تاريخية في العيش مع شعوب أجنبية، ثقافات أجنبية أو مع أقليات. كان الأجنبي إما عبدًا مضطهدًا تحت الاحتلال الألماني، أو سيدًا ظالمًا في ألمانيا المحتلة. من الأسهل للألماني – وأنا ما زلت أعمم – أن يتقبل عربياً يزحف أمامه بائسًا، لأن ذلك يؤكد الصورة الكاريكاتيرية للعربي التي رسمها بنفسه. لقد رأيت بأم عيني الكثير من هؤلاء الألمان المثقفين الذين يرافقون «عربهم» كما رافق آباؤهم عبيدهم أو قرودهم. وسائل الإعلام هنا لا تزال معادية للسامية. لكن بعد جريمة إبادة ستة ملايين يهودي حلّت مصطلحات مثل «عربي» و«إسلام» مكان «يهودي» و«يهودية». هاتان ظاهرتان توأمتان، لكن لا عقوبة على الشكل الجديد من معاداة السامية، لأن القانون لا يمنعه.
في رواية «حفنة من النجوم» أنت تحكي عن «مجنون» يكتب شيئًا لصبي على صفحة ما بعدة لغات، ولفك رموز الكتابة تلك يتوجه ذلك الصبي إلى أشخاص مختلفين ويكتشف من خلال ذلك أن في سوريا يعيش أناس من شعوب وثقافات متعددة. هل «المجانين» فقط هم القادرون على معرفة ذلك؟ فالشرق الأوسط برمته، وليس سوريا فقط، هو مكان متنوع. ذلك التماثل والتجانس الذي يعظ به المجانين – بدون هلالين – غير موجودين، وخسارة أن نخلقهما. إلى جانب أي أغلبية قومية أو دينية هناك العديد من الأقليات المختلفة، ليس فقط حسب الأصل أو المعتقد الديني، بل أيضًا وفقًا للتوجه والتفكير السياسي. كلانا ينتمي إلى هذا النوع المعقد من الأقليات – كل واحد في بلده من جهة، وكلانا معاً في المنطقة برمتها من جهة أخرى. كيف تنظر إلى مثل هذا «الشرق الأوسط»؟
أنا من الأقلية الآرامية، من معلولا، وهي مدينة مسيحية. لهذا الانتماء يوجد تأثير كبير على ما أكتب وعلى علاقتي باللغة. المجنون في هذه القصة هو رمز أساسي، يأخذ في قصة أخرى شكل السيرك، وفي قصة ثالثة – السجن، حيث يمثّل جميع أهل المنطقة. كل هذه الرموز هي الشرق: أولاده وبناته المتنوعون.
الاختلاف والغرابة أمران طبيعيان. إن الأسلاك الشائكة هي بالفعل من أبشع أشكال الحدود بين الناس، لكن جلد الإنسان هو الحدود الأولى، وكذلك الدين والثقافة واللغة والطبقة الاجتماعية وغيرها. كل هذه الحدود تخلق تلك الفروقات بين الناس. دعنا نظل مختلفين وأن نثري بعضنا البعض، لكن أن نبقى متساوين في نقطة واحدة: حب هذا الشرق الأوسط. يرمز الجنون إلى التهميش والشعور بالوحدة لدى أولئك الذين يدافعون عن أفكار جديدة، إن لم نقل ثورية.
عندما جئت إلى ألمانيا في نهاية الستينيات، اكتشفت أنك كنت من مواطني الدول العربية القلائل الذين لم ينظروا إلي نظرات ريبة لكوني فلسطينيًا أو عربيًا يحمل الجنسية الإسرائيلية، والذي «وطنه السياسي» كان عبارة عن منظمة ثورية يهودية عربية صغيرة في إسرائيل. كنتَ أنتَ من أوائل الذين اتصلوا بي شخصيًا لطلب تزويدهم بمعلومات عن اليسار الإسرائيلي وعن التركيبة الطبقية للمجتمع الإسرائيلي، باختصار، أسئلة تفترض أن اليهود في إسرائيل ليسوا عبارة عن «حفنة من اللصوص» بل يشكلون مجتمعاً فيه اختلافات وتناقضات طبقية تتجلى في الخلافات والصراعات. كان هذا التوجه العقلاني من الأسس المتينة للصداقة التي تطورت بيننا منذ ذلك الحين. من أين حصلت على هذه الذهنية؟ لا أظن أنك حصلت عليها من المؤسسات التعليمية والثقافية في سوريا. هل كان عليك أن تدفع ثمن مثل هذه المواقف؟
التعليم الذي تلقيته لم يكن مختلفًا عن التعليم الذي تلقاه أي سوري من الطبقة المتوسطة في الخمسينيات والستينيات. أعتقد أن الانتماء إلى أقلية ذات تاريخ طويل لا تلعب دوراً خاصاً على الساحة الدولية جعلني أفهم ديناميكيات الصراع. بالإضافة للتعلم الذاتي من خلال قراءة النصوص التي سمحت لي بالابتعاد عن الشوفينية والعنصرية بشكل عام. لكن السبب الرئيسي لموقفي هو أنني، ولحسن الحظ، أعرف عرباً مثلك عملوا بجدية مع اليهود الإسرائيليين من أجل تحقيق هذا الحلم الإنساني الكبير والدفاع عنه بشجاعة. لم تغير تلك السنوات الطويلة التي مرت منذ ذلك الحين إنسانية ذلك الحلم ومبرراته. من المطمئن أن نرى أن الرغبة في تحقيق ذلك الحلم لا تزال موجودة وأن هذه المواقف لم تولد من منطلق «موضة» ولا تتعلق بالطقس. ربما عانينا جميعًا في البداية – بما فيهم أنت، كبقية العرب واليهود الذين انطلقوا للدفاع عن كرامة الإنسان – من تلك التهمة الفظة والبدائية: «خونة». يتم استخدام هذه الكلمة بشكل كبير ومضخم في الشرق الأوسط. لكن الأغبياء الذين ألقوا علينا هذا الاتهام نسوا بأن الأنبياء كلهم كانوا «خونة» بنظر مجتمعاتهم. أعتقد أن ما فعلتُه لم يكن استثنائيًا. من الواجب على كل كاتب أن يرسم بيوت المستقبل – حتى من المنفى.
وحقيقة أن لا أحد يطاردك ويمزق مسودات المخططات تتحدث عن فضل الحياة في المنفى؟
لا شك أن هذه ميزة من المزايا الهامة. أكتب هنا كل ما أريد. هذه أجمل جملة يمكن أن تسمعها من فم كاتب. لقد ساعدني المنفى في نقل أدبي إلى معظم لغات العالم. كما ساعدني على التخلص من خوفي من العائلة، القبيلة، الكاهن، الشيخ، الحاخام، من الرقابة ومن والأجهزة الأمنية. لكن من سلبيات المنفى والاغتراب أنني لم أتمكن من رؤية والدتي ورؤية أجمل مدينة عرفتها في العالم حتى الآن – مدينة دمشق. أرأيت، لا شيء يأتي دون ثمن.
تحررتَ من قائمة طويلة من المخاوف، لكن ليس من الخوف الذي يطفو على السطح بعد كل عمل عدائي عنصري ضد أجانب في ألمانيا.
صحيح، ولكن هذا الخوف لا يشغلني بقدر القلق على مستقبل الكرة الأرضية التي تقترب من الهاوية. أي مجرم يتمكن بطريقة أو بأخرى من الوصول إلى إحدى قواعد الصواريخ النووية سيكون قادرًا على التسبب في دمار أكبر بمرات ومرات مما تسبب به كل أمراء الحرب في تاريخ البشرية. هذا هو الخوف الرئيسي الذي لا يمكن استئصاله بواسطة المنطق. العقل هو والد الخوف ووالدته. الشعور بالطمأنينة يأتي من خلال الأمل، وأعتقد أن معظم الكُتاب يكتبون أولاً وقبل كل شيء ليعززوا الأمل لديهم قبل أن يتلاشى – خاصة بعد الاستماع لنشرتي أخبار جديدتين وقراءة إحدى الصحف اليومية على أبعد تقدير.
أصبحت في المنفى مختصًا في شؤون إحياء الأمل. لهذا السبب أكتب كل يوم، رغم أنني أشعر في كثير من الأحيان أن نتيجة العمل الشاق ليوم كامل لم تكن إحياء الأمل، بل شقيقه التوأم – الوهم. هكذا تتأرجح أيامي بين العقلانية والخوف وبين الأمل والوهم.
ماذا تحب أن تقرأ عندما تأخذ استراحة من الكتابة؟ من هم الكُتّاب الذين يثيرون إعجابك؟
بالاضافة للكتب المقدسة، قرأت مجموعة متنوعة لكُتّاب ومفكرين، بدءًا من سقراط وأبو النواس وغوركي، إلى فرجينيا وولف وكافكا. لكن الكُتّاب الذين أثاروا إعجابي هم الرجال والنساء الذين كتبوا كلاً من العهد الجديد والكتاب المقدس. ومباشرة أنتقل إلى شهرزاد، التي استطاعت أن تهزم الموت من خلال الكلمة الجميلة.
* * *
اجتماع ثلاثي في نيقوسيا
بقلم إهود عين-جيل
أقيمت في صيف عام 1976، وبمبادرة من منظمة بروتستانتية ألمانية، ندوة في نيقوسيا حول مثلث إشكالي: الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، الحرب الأهلية في لبنان والصراع بين اليونانيين والأتراك في قبرص. وحضر الندوة عشرات الناشطين من دول المنطقة كانوا يقيمون في ألمانيا، بعضهم طوعًا والبعض الآخر بالإكراه، ومن بينهم كان رفيق شامي وخليل طعمة.
من إسرائيل جئنا ممثلان عن منظمة «متسبين»، وكاهن من الناصرة. لم يكن تقبل وجود إسرائيليين بالأمر السهل، حتى لو كانوا اشتراكيين مناهضي الصهيونية. تحولت الجلسة الافتتاحية لمجموعة نقاش الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى نوع من الاستجواب، حيث سعى الجميع إلى فهم ما إذا كان بإمكان الشعب المحتل والمضطهد إنكار المبادئ الأساسية للمجتمع الذي نشأ فيه والدفاع عن حقوق «العدو». تحديدًا، وجد كثيرون أنه من الصعب أن يفهموا لماذا يطلب أعضاء «متسبين» من اليساريين العرب الاعتراف بحق الشعب الاسرائيلي في تقرير مصيره على الرغم من دعمهم لاتحاد اشتراكي في الشرق الأوسط.
بعد ثلاث ساعات عاصفة انكسر الجليد واعترف المشاركون العرب بحق الإسرائيليين من أعضاء «متسبين» بالمشاركة على قدم المساواة في النقاش حول مستقبل المنطقة. لكن هذا الاتفاق تم وضعه على المحك على الفور. اجتاح الجيش السوري لبنان ودفعت أنباء المعارك الدائرة بين الغزاة وقوات منظمة التحرير الفلسطينية واليسار اللبناني المشاركين في الندوة إلى القيام بتحرك ما. تم اتخاذ قرار في الجلسة العامة بالخروج بمظاهرة احتجاجية ضد الغزو باتجاه السفارة السورية في نيقوسيا.
فجأة انقسم الجمهور ثانيةً وفقًا للأصل القومي وتم استدعاء جميع العرب إلى اجتماع مغلق. خليل طعمة، الذي جاء من ألمانيا (وهو أيضًا مواطن إسرائيلي وعضو في «متسبين»)، سُمح له بالدخول بسبب أصوله. دار جدل ساخن في الداخل: خشي البعض من أن تواجد اليهود القادمين من إسرائيل، والذين يحملون أيضًا لافتة باللغة العبرية، سيجعل النظام السوري يصور المظاهرة على أنها مؤامرة إسرائيلية، ومن شأنه أن يقوض هدفها؛ عارض آخرون، بقيادة نشطاء فتح، من حيث المبدأ مشاركة إسرائيليين فيما وصفوا ذلك بأنه «شأن عربي داخلي».
كل أولئك ظلوا أقلية. الغالبية، اليساريون الحقيقيون، ناضلوا من أجل حق الإسرائيليين بالمشاركة في المظاهرة. وبرز بشكل خاص موقف المواطن السوري رفيق شامي الذي أوضح بأن هناك قواسم مشتركة بينه وبين اليسار الإسرائيلي أكثر مما بينه وبين حكومة وطنه.
انتصرت الأغلبية. أكثر لحظة مؤثرة، حتى أكثر من المشاركة في المظاهرة، كانت عندما تم تجهيز اللافتات. أردنا أن نحمل لافتة باللغتين العبرية والعربية؛ وتواصل معنا العديد من العرب، ومن بينهم رفيق شامي، وعرضوا مساعدتهم في كتابة الشعارات باللغة العربية. كان من المهم بالنسبة لهم أن يظهروا موقفهم ليس فقط بالكلام، بل أيضًا بالعمل، مهما كان بسيطًا.