زيف الدين ‒ بقلم يسرائيل شاحاك

10/01/1981

in العدد 89 - شتاء 1980/81, المقالات

magen david

يتذرع أنصار "غوش ايمونيم" بحجة مشهورة لتبرير أعمال هذه الجماعة وهي ان "غوش ايمونيم" "يؤمنون" انه يجب عليهم أن يفعلوا ما يفعلون ! ينعكس هذا الموقف في مواضع شتى وغريبة ٬ فقد جاء في حديث لهيئة تحرير مجلة "شديموت" الناطقة بلسان الحركات الكيبوتسية كلها تحت عنوان "ما نجح في التجربة" وعلى لسان أحد المشتركين في الحديث مارتين بن موريه :

"المسألة هي مسألة "مثل أعلى" ٬ رجل متدين في خيمة اثناء حرب يوم الغفران في السويس يقول لي انه يريد نابلس ٬ فهذا بالنسبة له مثل أعلى ٬ وليس كذلك بالنسبة لي . ولا يعنيه أن مائة ألف عربي يعيشون في نابلس ٬ "الضرورة" الصغرى لديه هي نابلس ! ولكن هل هذا الرجل هو انسان لا اخلاقي بسبب ذلك ؟ ‒ لا" .

ويجيب مشترك آخر في لحديث هنري نير : "هذا غير صحيح . انه لا اخلاقي مثلك . انه يؤمن مثلك ٬ لكنه ليس اخلاقيا مثلك" .

لندع جانبا "اخلاق" مارتين بن موريه ولنتطرق الى الشيء الذي يتفقان عليه ٬ وهو أيضا متفق عليه كما يبدو لدى أغلبية الجمهور اليهودي في اسرائيل ٬ وهو انه اذا كان اليهود يؤمنون بشيء ما ٬ فانه يتضمن "مثلا أعلى" أو مبررا جزئيا أو كليا حتى وان كان هذا الايمان منافيا لكل الاخلاق كما في المثل الوارد .

طبعا لم أسمع بعد ان أنصار "غوش ايمونيم" ومبرريهم يقيمون "وزنا" لما يؤمن به غير اليهود ٬ لكن هذه مسألة أخرى .

قال أحد الحكماء : من لم يتعظ بالتأريخ كتب عليه أن يراجعه . لقد هاجم الفلاسفة في القرن ال 18 ٬ أمثال فولتير ٬ بشدة الزعم في ان الايمان وخاصة التوراتي ٬ يبرر الاضطهاد والسلب وسائر أشكال الظلم الأخرى . وفعل الفلاسفة ذلك بواسطة السخرية والضحك . أعتقد انه يجب علينا انتهاج أسلوب مشابه والسخرية من تلك العقائد اليهودية وتلك الجوانب من الدين اليهودي (وهي الأغلبية) التي تشكل حقيقة منطلقا ل"غوش ايمونيم" .

كمثل كلاسيكي لنشاط فولتير في هذا المجال اورد فيما يلي ترجمة للقسم الأول من مقال له "في الايمان" نشر أول مرة في "المعجم الفلسفي" عام 1764 .

cross
التقى ذات مرة البابا الاسكندر السادس بالأمير فيكو ديلا ميراندولا في منزل البارونية اميليا وبالضبط في الوقت الذي كانت فيه لوكرتسيا ابنة البابا توشك أن تلد ٬ ولم يكن معروفا في روما بالتحديد من يكون والد الوليد المرتقب . أهو البابا نفسه ٬ أم ابنه تسازارا ٬ أم زوج لوكرتسيا ألفونسو من سلالة أراغون الذي كان عديم الكفاية الجنسية . وحالا ما فاض الحديث بينهما ٬ وهاكم شذرات منه كما رواه لنا الكاردينال بامبو :

البابا : "أي فيكو حبيبي ٬ من يكون في رأيك والد حفيدي الجديد ؟"

الأمير : "أعتقد انه صهرك" .

البابا : "كيف يقدر انسان حكيم مثلك على الايمان بسخافة كهذه ؟"

الأمير : "انها قوة الايمان !"

البابا : "لكنك تعلم جيدا ان عديم الكفاية الجنسية لا يلد !"

الأمير : "هذه هي بالتحديد قوة الايمان ! الايمان بالأشياء لأنها مستحيلة وعديمة المنطق . ضف الى ذلك أن جلالة وعظمة اسرتك يقتضيان الا نصدّق أن يكون ابن لوكرتسيا ثمرة لغشيان المحارم . وهذا شيء هيّن . ألست تفرض عليّ أن أومن بأشياء الايمان بها أشد استحالة من الايمان بهذه المسألة ؟! ألست أنا مجبرا على الايمان بأن ثعبانا قد تكلم ونتيجة لذلك كتب الموت على الناس أجمعين ! ألست مجبرا أن أومن أن أتان (بلعام) كان يتمتع بمقدرة خارقة على الكلام وأن أسوار أريحا قد هوت اثر النفخ في البوق ؟؟"

وأردف الأمير فيكو يحصي ويعدّ الأشياء التي يومن بها ٬ الواحد تلو الآخر ٬ ايمانا كاملا كما أكد . وضحك البابا الاسكندر السادس حتى وقع على أريكته التي كان جالسا عليها ٬ وقال : "اني أومن بهذه الأشياء كلها مثلك . ذلك لأني أعرف حسنا أن ايماني هو الذي سيخلصني لا أعمالي الصالحة" .

قال الأمير فيكو : "أيها الحبر الأعظم ٬ انك لست محتاجا الى عمل صالح وايمان ٬ نحن العلمانيين (في المصدر وردت عبارة "غير مؤمن" أو "كافر" ٬ غير اني ترجمتها حسب المصطلح الشائع في اسرائيل حاليا ‒ ي . شاحاك) المساكين في حاجة اليهما . أما أنت وكيل الله فتقدر بالا تؤمن وأن تفعل ما تريد . وأما علماني كمثلي فأني متيقن أنه سوف يضطر الى شفاعة عظيمة كي يلج ملكوت السموات فيما لو ضاجع ابنته واستخدم أحيانا كثيرة وبهذا القدر ٬ السم والفولاذ مثل غبطتك !"

ضحك البابا وأجاب : "هيا بنا نجدّ قليلا . قل لي ما الفائدة اذا قلنا لله بأننا مقتنعون بأشياء يستحيل حقا الاقتناع بها ؟ أي لون من المتعة سيجلب ذلك لله ؟ بيني وبينك ٬ قولنا اننا نؤمن بأشياء مستحيلة هو نفس الشيء تماما مثل الكذب !"

فرسم الأمير فيكو ديلا ميراندولا اشارة صليب كبيرة بيده ودعا : "أبانا الذي في السموات ٬ ليغفر لي قداسته . أنك غير مسيحي أبدا" ..

"في الايمان ‒ لا !" ٬ أجاب البابا .

"هكذا فكرت منذ وقت طويل" ٬ عقب الأمير فيكو .

 
crescent
الى هنا وينتهي فولتير قبل 315 عاما . ان صحة هذه الأشياء لا تنسحب على "غوش ايمونيم" و"ايمانهم" فحسب ٬ بل على الحاخامين الكبيرين وبقية الحاخامين والأئمة والقضاة والكهنة المسيحيين وسائر أهل العقيدة الدينية على اختلاف أجناسهم ...

البوست السابق:

البوست التالي: