السلطة العمالية على وسائل الانتاج ‒ بقلم بو علي ياسين

10/01/1981

in العدد 89 - شتاء 1980/81, المقالات

workers in struggle - 85

"السلطة العمالية على وسائل الانتاج" ٬ كتاب لمؤلفه بو علي ياسين (بيروت ٬ تشرين ثاني 1979) . يتناول الفصل الأول منه موقف حزب البعث في سوريا من مسألة سلطة العمال على وسائل الانتاج ٬ قبل قيام الوحدة بين سوريا ومصر ٬ ابان الوحدة (1958-1961) وايام الحكم الانفصالي (1961-1963) .

والفصل الثاني يتعرض الى موقف البعث فكرا وممارسة من هذه المسألة منذ تسلطه على سوريا والى غاية كتابة البحث (1979) .

أما الفصل الثالث والخير فيبين أسس السلطة العمالية على وسائل الانتاج أو تسيير العمال الذاتي لها ٬ وذلك من منطلق اشتراكي ثوري .

ان تجربة بو علي ياسين في بحثه القيم هذا هي مساهمة كبيرة في سبيل فضح "اشتراكية" البعث العربية ٬ وكشف مغالطاته وأكاذيبه وتعريته على حقيقته نظاما برجوازيا صغيرا كيوم ولدته أمه !

وتعريفا منا للكتاب نورد فيما يلي مقدمة المؤلف للفصل الثالث .

هيئة تحرير متسبين

*

بو علي ياسين (تخطيط : جمال الجراح)

بو علي ياسين (تخطيط : جمال الجراح)

في السنتين الأوليتين من حكم البعث في سورية ٬ أي في عامي 1963-1964 اثار موضوع "التسيير الذاتي" اهتماما كبيرا لدى المثقفين العرب وتوجهت الانظار نحو تجربتي يوغسلافيا والجزائر . وقد ظهر اهتمام حزب البعث بنظام التسيير الذاتي في المؤتمر القطري الأول (ايلول 1963) وفي المؤتمر القومي السادس (تشرين أول 1963) ٬ ولدى القيادة المنبثقة عن المؤتمر القطري المذكور . وعلى صعيد الصحافة كانت الجريدة العمالية "كفاح العمال الاشتراكي" أكثر الصحف السورية حماسا لهذا النظام . غير ان "التسيير الذاتي" ومع كل هذا الاهتمام وربما بسببه ٬ قد عرض مشوها أو فهم خطأ . ولكن ٬ لنحاول أولا معرفة دواعي هذا الاهتمام العظيم ٬ فربما يساعدنا ذلك على تحديد دوافع العرض المشوه وأسباب الفهم الخاطئ .

كان لا بد لاستباب السلطة البعثية تجاه المعسكر الرأسمالي الانفصالي في جانب والمعسكر الوحدوي الناصري في الجانب الآخر من كسب التأييد الجماهيري (الأمر الذي قوى من دور الجناح اليساري) ٬ وبالتالي من المناداة باشتراكية تختلف عن اشتراكية عبد الناصر و"تتفوق" عليها ديمقراطيا . لكن البرجوازية الصغيرة ٬ وقد خرجت ثانية على طاعة الرأسمال التقليدي في سورية ٬ لم تكن تريد كذلك الاتجاه نحو اشتراكية تماثل تلك المطبقة في الاتحاد السوفييتي ومثيلاتها في أوروبا الشرقية . فالعداء للشيوعية لم يكن حتى ذلك الوقت أضعف من العداء للرأسمالية لدى أحزاب البرجوازية الصغيرة العربية . في الوقت نفسه لم تكف "الاشتراكية العربية" التي وعظ بها ميسيل عفلق لتعبر عن شيء يمكن السير نحوه ٬ فقد كان فيها من الضبابيات والعموميات والاشتراطات ما لا يقبل بها الجناح اليساري (ولا حتى جناح الوسط) ٬ فهي لا تسمح بأي تغيير جذري للنظام أو الهرم الاجتماعي الاقتصادي القائم ٬ أو هي تحتاج من أجل ذلك الى اعادة نظر وتعديلات أساسية . وفي كل الأحوال لم تكن هذه الاشتراكية العربية لتتفوق على اشتراكية عبد الناصر عمليا أو لترضي القاعدة الحزبية والجناح اليساري في الحزب وهو أكثر علمية وأقرب الى الجماهير من الجناح العفلقي . هنا قدم نفسه وبصورة خاصة الى الجناح اليساري المذكور والقاعدة الحزبية ٬ النظام اليوغسلافي كنموذج مناسب لايديولوجيا البرجوازية الصغيرة التي وصلت لتوها الى السلطة ولم تتنعم بها بعد . ولم يكن السؤال المطروح هو : لعن تعطى السلطة ؟ ‒ فهذه بلا جدال للنخبة البرجوازية الصغيرة . انما جرى البحث عن ايديولوجيا ٬ عن تبرير ! .. وبالنسبة للجناح اليساري والقاعدة الحزبية جرى البحث عن أشكال للمشاركة الشعبية في السلطة ٬ مشاركة حقيقية ‒ ربما ‒ ٬ولكن جزئية .

*

مشكلة الجماهير انها لا تعرف حدودها . هي خاملة ٬ ولكن يمكن تحريكها ٬ غير انها اذا تحركت ٬ أحرقت الأخصر واليابس وطالبت بالمزيد من السلطة . ويمكن تعطيل حركتها ٬ فتعود سريعا الى حالة الخمول . وكان يسار البرجوازية الصغيرة يريد اشراك الجماهير فعليا بالسلطة ٬ ولكن دون ان تفقد نخبة طبقته هيمنتها أو وصايتها . لذلك لم يكن التسيير الذاتي ٬ الذي ابتغاه ٬ على شاكلة كومونة باريس 1871 أو على شاكلة سوفييتات العمال والجنود والفلاحين في روسيا 1917 أو مجالس العمال والجنود في المانيا 1918 مناسبا ٬ بل على الطريقة اليوغسلافية (منذ 1950) . قد يقول قائل ٬ ان الاهتمام بالتجربة اليوغسلافية يعود الى معاصرتها ٬ في حين ان التجارب الأخرى هي من ذكريات الماضي ولم تستطع الصمود . ونحن لا نشك في وجاهة هذا السبب ٬ ولكن وجاهته بالنسبة للجماهير التي لا تعرف شيئا عن هذه التجارب ٬ وليس بالنسبة لمن نادى بالتسيير الذاتي من السياسيين والمثقفين . كان هؤلاء على اطلاع على تجارب أخرى للتسيير الذاتي ٬ أو في كل الأحوال وبدون ادنى ريبة كانوا قادرين على الاطلاع ٬ على الأقل في فترة تنظيرهم للتسيير الذاتي . هذا ٬ على افتراض ان الاهتمام حقيقي وليس مجرد "ايديولوجيا" . ولكن يجب الا ننسى ٬ ان الجماهير في كومونة باريس وفي ثورة أكتوبر الاشتراكية وغيرها من الثورات العمالية لم تعرف حدودها وأرادت كل السلطة .

ان عرض التجربة اليوغسلافية ونقدها يخرج عن اطار هذا الكتاب ٬ مع العلم انه قد كتب عنها الكثير (نكتفي هنا بالقول بانها تقوم على ثلاث ركائز متناهضة : ركيزة بلشفية وهي سلطة الحزب الواحد ٬ ركيزة راسمالية وهي السوق ٬ وركيزة مجالسية وهي التسيير العمالي للمنشآت) . وهناك بالعربية مراجع عديدة أيضا عن كومونة باريس (قبل كل شيء ما كتبه ماركس عنها ‒ "الحرب الأهلية في فرنسا ٬ 1871" ٬ نشرته بالعربية دار التقدم بموسكو 1969) ٬ ومؤلفات كثيرة عن ثورة أكتوبر 1917 ٬ ولكنها غير كافية ٬ فهي لا تدرس واقعة سقوط السوفييتات . ولدينا الآن كتاب عن الثورة الألمانية 1918-1919 (تأليف العفيف الأخضر ٬ دار الطليعة ٬ بيروت 1973) ٬ وآخر عن مجالس المصنع في ايطاليا (غرامشي ٬ تولياتي وغيرهما ٬ مناقشات حول المجالس العمالية ٬ ترجمة عفيف الرزاز ٬ دار ابن خلدون ٬ بيروت 1972) ... وقد كتب أحد مثقفي الجزيرة العربية عن التجربة القرمطية ("المجتمع القرمطي في شرق الجزيرة العربية" ٬ في مجلة "الجزيرة الجديدة" ٬ العدد 5 ٬ ايلول 1973 ٬ العدد 6 ٬ اذار 1974 ٬ العدد 7 ٬ كانون الأول 1974) . وهناك كتاب بعنوان "سلطة المجالس" (صدر في باريس ٬ يناير 1974 ٬ تحرير العفيف الأخضر واخرين . ومما يتضمنه دراسة عن نشأة المجالس ‒ ثورة 1905 في روسيا ) ... وأملنا كبير في مثقفينا اليساريين بأن يتابعوا تأليفا وترجمة تلك التجارب التي حكم فيها السوقة والصعاليك والعبيد ٬ قديما وحديثا ٬ أنفسهم . اما نحن فسوف نكتفي بتبيان أسس التسيير الذاتي في الاقتصاد والمجتمع ٬ مصححين فيه بعض الأخطاء والمغالطات والتشويهات التي رأينا منها الكثير في الفصل السابق ٬ ومستشهدين ببعض التجارب المجالسية المذكورة وغير المذكورة أعلاه .

*

النظام المجالسي ٬ اما ان يكون هو النظام الشرعي أو الرسمي ٬ ويكون عندئذ عاما وشاملا ووحيدا ٬ وأما ان يكون غير شرعي ويبقى كامنا بشكل "مجالس لجان مصنع" عمالية تتوسع ٬ حالما تسنح الفرص ٬ افقيا وعموديا لتزيل النظام القديم وتحل محله . في الحالة الأولى يكون الشغيلة قد استلموا السلطة وأقاموا دولتهم الاشتراكية . وفي الحالة الثانية تتعايش المجالس ٬ دون ان تندمج ٬ مع النظام القائم ٬ فتكون بمثابة مدرسة للشغيلة من أجل استلام الادارة ٬ وبمثابة رشيم للنظام الجديد ينتظر الظروف الثورية المناسبة للنمو والازدهار . وفي الحقيقة لا نستطيع في الحالة الثانية التحدث عن "النظام" المجالسي ٬ بل عن "المجالس" التي تمثل الحالة الجنينية للنظام المجالسي . أما حديثنا فيما يلي فسوف يدور حول "النظام المجالسي" أو نظام "التسيير الذاتي" أو "الادارة الديمقراطية لوسائل الانتاج" ٬ وهي أسماء ثلاثة لمسمى واحد .

ان فكرة المجالس ليست جديدة . فهي تظهر دوما هناك ٬ حيث تشرع الجماهير العاملة نفسها بشكل مباشر بأن تنظم حياتها بصورة مستقلة تماما مبعدة الوسطاء غير الضروريين . وأغلب الأوقات التي يصل فيها العاملون الى وضع كهذا هي تلك التي تنحل فيها السلطات القديمة ٬ في الثورة . والمجالس في المجتمع الرأسمالي هي من ابداع البروليتاريا ٬ هي الشكل العفوي لسلطة البروليتاريا . غير ان هذه العفوية الخلاقة للجماهير لا تمنعنا من دراسة فكر المجالس ٬ لعل جماهيرنا الكادحة تستفيد من تجارب الآخرين ٬ ولعلنا نعوض بالوعي عن التدني النسبي لقوى الانتاج .

البوست السابق:

البوست التالي: