النضال الوطني والاجتماعي في الضفة الغربية

10/04/1980

in العدد 88 - ربيع 1980, المقالات

bir zeit 1 - 88

قام عدد من مراسلي "متسبين" في أواخر ديسمبر 1979 باجراء المقابلة مع محاضر في جامعة بير زيت , وطلب عدم نشر اسمه , وقال انه لو كانت مقابلة لصحيفة صهيونية مثل "هعولام هزه" لمل خشي أن يكشف هويته , لكنه في ظروف الاحتلال العسكري يؤثر الامتناع عن نشر اسمه في مجلة ناطقة باسم منظمة اشتراكية ثورية مثل "متسبين" .

*     *     *

سؤال: ما هي العلاقة بين النضال ضد الاحتلال في الضفة الغربية وبين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت ؟ هل النضال في الأراضي المحتلة خاضع لأوامر وتوجيهات منظمة التحرير ام انه توجد لأهل الأرض المحتلة استقلالية ما في أخذ القرارات والتأثير في استراتيجية النضال في الضفة ؟

جواب : أغلبية الحركات السياسية في الأراضي المحتلة تعتبر نفسها جزءا من منظمة التحرير الفلسطينية . الفارق الوحيد بين الوضع في الأراضي المحتلة ولبنان يكمن في القوة النسبية والتمثيل النسبي لهذه الحركات . فمثلا الحزب الشيوعي الفلسطيني يشكل أقلية في منظمة التحرير الفلسطينية , ويمثله أفراد قلائل في المجلس الوطني الفلسطيني . أما في الضفة فالحزب الشيوعي هو منظمة جماهيرية . والعكس , هنالك فئات قوية جدا في لبنان مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لكنها ليست هكذا في الأراضي المحتلة .

حتى عام 1971 أكدت كل المنظمات النضال المسلح بما فيه الأرض المحتلة أيضا ومنذئذ وبشكل رئيسي بعد حرب أكتوبر 1973 , أعادت سائر المنظمات النظر في مواقفها وقررت ان النضال السياسي لا يقل أهمية عن النضال المسلح بل قد يفوقه . وعلى أثر ذلك أقرّت المنظمات استراتيجية واضحة هدفها تنظيم جماعات ذات طابع سياسي محض . ان المخابرات والحكم العسكري لا يميز بين المنظمات السياسية والعسكرية رغم انهم يعلمون بوجودهم وتشمل الاعتقالات كلا الفريقين .

ان الناس الذين يعيشون تحت الاحتلال يجابهون ضغطا يوميا يحدد لهم ظروف النضال بشكل يختلف عما هو عليه في لبنان . هنالك مثلا المصاعب التي يواجهها العمال المستخدمون في اسرائيل , مشاكل التجار وأصحاب الحوانيت ازاء الأنظمة الاقتصادية , ووضع الطلبة الذين يعيشون مواجهة مع جيش الاحتلال وغيرها . لذلك , وعلى الرغم من كون الفئات السياسية في الضفة منبثقة عن المنظمات التي لها عضوية في منظمة التحرير فان استراتيجيتها السياسية تختلف , وهي تتمحور في شؤون أخرى مختلفة , وفي الفترة الأخيرة أصبح النضال في الضفة الغربية يتمتع بقسط اوفر من الاستقلالية وشيئا فشيئا أصبحت تؤخذ قرارات هامة داخل الأرض المحتلة . ومع تعاظم النضال في الأراضي المحتلة ينمو الاستعداد تدريجيا لدى منظمة التحرير لقبول القرارات المتخذة على ساحة النضال نفسها .

*     *     *

سؤال : كيف كان تأثير "مبادرة السلام" الساداتية على النضال في الأراضي المحتلة ؟

جواب : حتى زيارة السادات لقدس كان الفارق الرئيسي في الضفة الغربية بين العناصر الموالية للنظام الهاشمي وبين مؤيدي منظمة التحرير . وكان هنالك أيضا عدد من الموالين لاسرائيل , مثل جانحو أو مصطفى دودين الذين بنوا مشاريعهم على أساس ترتيب لمنطقة ذات حكم ذاتي تحت سيطرة اسرائيل , واود أيضا تصنيف المحامي عزيز شحادة مع هذه الفئة . ومما ينبغي ذكره ان هؤلاء ليسوا "عملاء" أي خونة قد باعوا أنفسهم الى السلطات الاسرائيلية , بل توجد لهم ركيزة اجتماعية ولهم أتباع ومع ذلك فقد كانوا عاملا ثانويا .

بعد زيارة السادات تلاشى الخط الفاصل بين أتباع النظام الهاشمي وأنصار منظمة التحرير وذلك عندما اتضح لكلا الفريقين ان التسويسات المطروحة في الوقت الحاضر لا يقدم لهم أي شيء , وكانت احدى النتائج الهامة ان علا شأن النظام الأردني الذي أصبح بمثابة القناة للأموال التي ترد الضفة والقطاع من ارجاء العالم العربي . والآن أصبحت الفوارق بين "يسار" و"يمين" ذات مغزى اكبر بكثير .

*     *     *

سؤال : ما هو في رأيك , الخط الفاصل بين اليسار واليمين في الحركة الفلسطينية ؟

جواب : الخط الفاصل في منظمة التحرير هو الخط الذي يجب اتخاذه ردا على مبادرة السادات وهذه المسألة تفصل كذلك بين اليسار واليمين في الأراضي المحتلة . أحد هذه الخطوط دعي خطأ "الخط الأمريكي" , وأصحابه يسعون لاستغلال الهوة بين مواقف الولايات المتحدة واسرائيل من أجل اقامة دولة فلسطينية . هذا هو خط عرفات . يحاول عرفات ايجاد مركز قوة جديد من خلال استخدام دول السوق الأوروبي المشترك للضغط على اسرائيل كي تنسحب , هذا الخط يطمح الى تهيئة الأوضاع نحو عقد مؤتمر جنيف ضمن اطار جديد يشمل منظمة التحرير . لغاية الآن لم يحرز هذا الخط نجاحا عمليا كبيرا وان حظى بنجاح ما على مستوى الاعتراف الديبلوماسي بالمنظمة .

ازاء ذلك لم يطرح اليسار اقتراحات عملية أو خطا بديلا . لقد اخرج اليسار وخاصة الجبهات الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين من مسيرة عرفات "الأوروبية" حتى انه لم يشاورهم في الأمر قبل سفره للاجتماع بكرايسكي وبراندت . ان ما يطرحه اليسار كبديل هو شعارات عن "الحرب الشعبية" وليس خطا سياسيا عمليا .

*     *     *

سؤال : كل انسان تقريبا , في الأراضي المحتلة يصرح ان منظمة التحرير هي ممثل الفلسطينيين الوحيد , وانها هي التي تقرر أمورهم في الأرض المحتلة , ألا يعيق هذا الولاء شبه الأعمى للمنظمة التنظيم السياسي من أجل العمل المحلي ؟

جواب : منظمة التحرير ليست متجانسة , والفئات السياسية في الأراضي المحتلة تعمل وفق القرارات التي تأخذها المنظمات في لبنان والتي تتفرع عنها هذه الفئات . ولكن في قضية بسام الشكعة مثلا تقرر خط رؤساء المجالس والبلديات تقريبا فقط اعتبارات محلية . واختلف قرارهم عن قرار المنظمات في بيروت واتبعت بيروت قرار أهل الأرض المحتلة . اذن في هذه المسألة , على الأقل , فقد تم أخذ القرارات على العكس مما طرحتم في سؤالكم . ومدلول ذلك ان للمنظمات المحلية قدر من الاستقلالية وان منظمة التحرير قادرة على تغيير قراراتها وفقا للمقتضيات .

*     *     *

سؤال : هنالك قضايا اجتماعية هامة لدى أهالي الأراضي المحتلة قد دفعت الى وراء الكواليس بسبب اعطاء الأولية للنضال القومي . مثلا لم تجر أية محاولة جادة لتنظيم العمال الذين يستخدمون في اسرائيل في نقابة مهنية والتي هي حيوية بالنسبة لهم , ليس فحسب كأداة في النضال الوطني بل وفي النضال لصيانة حقوقهم كعمال . الموقف الرسمي لمنظمة التحرير في الواقع يدعو ثوار المنظمة الى مهاجمة العمال الذين يخرجون الى العمل في اسرائيل وذلك بالتعرض لوسائط نقلهم . نحن نعلم ان الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين علقت أهمية كبيرة على اقامة نقابة عمالية كهذه في برنامجها السياسي لسنة 1975 . لكن يبدو انه لم يتم أي شيء . هل السبب في ذلك راجع الى تركيز الاهتمام كله على النضال ذد الاحتلال الدائر في شوارع مدن وقرى الضفة الغربية وعلى ايدي رؤساء البلديات والمجالس المحلية ؟

جواب : اعتقد ان منظمة التحرير ستكون مسرورة لاقامة نقابة مهنية لعمال الأراضي المحتلة , أو اذا سعت أية منظمة سياسية في الضفة لوضع أساس لتنظيم العمال المستخدمين في اسرائيل , وان كان ذلك على أساس اقتصادي فقط . غير ان المنظمة لا تستطيع القيام بذلك من لبنان فهذه يجب ان تنجز هنا . واذا لم يكن للمنظمة موقف واضح من هذه المسألة فذلك لأن المنظمات المحلية في الأرض المحتلة لم تبلور موقفا لهل . من بيروت دعوا العمال الى التنظيم والاضراب وهذا بحد ذاته يشكل تغييرا فعليا اذاما قورن بالموقف في نهاية سنوات الستين الذي نادى بمقاطعة العمل في اسرائيل . الا ان هنالك مشاكل موضوعية في تنظيم هؤلاء العمال . فهم يستخدمون غالبا في مصانع صغيرة يصلون اليها من قراهم جماعات منظمة على اساس روابط عائلية . فلا وعي بروليتاري عندهم ولا احتمال لوعي كهذا في اعتقادي , ويغير كثير منهم هذا العمل زمنيا ويأملون توفير مبلغا من المال للسفر الى أقطار النفط للعمل فيها أو افتتاح محل شغل صغير . من هذه الناحية انهم ذوو وعي برجوازي صغير راسخ . يضاف الى كل هذه المشاق , طبعا , ارتباط العمال بقرار الشرطة أو صاحب العمل الذين يمكنها طرد العمال دونما اشعار مسبق وبواسطة اجراءات ادارية .

*     *     *

سؤال : ما هو وضع النقابات المهنية في الضفة الغربية وماذا تعمل بخصوص العمال المستخدمين في اسرائيل ؟

جواب : قبل حرب 1967 كانت نقابة عمال البناء أقوى نقابة في الضفة الغربية وهي تشكل الآن شبه مظلة لبقية النقابات . وكانت النقابات المهنية مشروعة تحت النظام الهاشمي وأقوى مما هي عليه اليوم . وكان النظام يتدخل في شؤونها وعمل من أجل انتخاب خدامه لادارتها . رغم كل ذلك ظلت النقابات مستقلة ولم تخضع للنظام الهاشمي . بعد الاحتلال نشأ وضع جديد . خرج كثير من العمال للعمل في اسرائيل وكان من الصعب الوصول اليوم في أماكن عملهم الجديدة .

حوالي نصف عمال الضفة مستخدمون في الضفة ذاتها . وهم قاعدة القوة للنقابات . وهنا توجد صعوبات يفتعلها الحكم العسكري باتخاذه اجراءات قمعية ضد نشيطي النقابات من اعتقالات واستجوابات واعتقالات ادارية وغيرها . وهذا القمع مستمر الى الآن . ورغم ذلك اقامت النقابات عددا من التنظيمات الناجحة خاصة في أوساط العاملين في الخدمات . وأعلن في الآونة الأخيرة اضرابان كبيران انتهيا باتفاق لصالح العاملين : اضراب مستخدمي الفنادق في القدس العربية واضراب مستخدمي شركة الكهرباء [تمت المقابلة قبل اعلان الحكومة الاسرائيلية الاستيلاء على شركة الكهرباء من ايدي أصحابها – هيئة التحرير] . تواجه النقابات صعوبات موضوعية ناجمة عن خصائص الطبقة العاملة في الضفة . فكثير من العمال مستخدم في شركات مقاولة صغيرة أو لدى مقاولين فرعيين ومن الصعب تنظيمهم . وتوجد ضمن الايدي العاملة نساء كثيرات يعملن في ظروف تقليدية وأبويّة ويكثر التبديل والتشرد في صفوف النساء العاملات الناجمان عن خصائص المجتمع العربي ومحدودية أماكن العمل , الشيء الذي يحول , طبعا , دون تنظيمهن . بالنسبة للعمال المستخدمين في اسرائيل هنالك صعوبة اخرى وهي كون النقابات المهنية في الضفة الغربية لا تملك أية صلاحية في أماكن العمل في اسرائيل مما يستعصي على هؤلاء العمال ان يدركوا كيف يمكن ان تقوم النقابات اياها بحمايتهم .

*     *     *

سؤال : كثيرا ما تردد وسائل الاعلام الاسرائيلية المكانة الخاصة التي تحتلها النساء في النضال ضد الاحتلال في الأراضي المحتلة . هل هذا النضال هو وطني محض أم له اثره في المستوى الاجتماعي ووضع المرأة الفلسطينية في المجتمع ؟

جواب : ينبغي التمييز بين نضال النساء من أجل النساء وبين ظروف متغيرة تساعد على تحسين وضع المرأة . لا توجد حركة نسائية في الضفة الغربية ولا يوجد نضال نساء منظم من أجل حقوق النساء . هنالك منظمات نساء قوية جدا تحكمها نساء محافظات , وهي في الواقع منظمات احسان وصدقة وعون , ورغم ذلك فلهذه المنظمات انجازات كبيرة خاصة في حقل التعليم وفي مجلات أخرى , ومن هنا أيضا مساهمتها في تقليص البون بين وضع المرأة في المجتمع العربي ووضعها في المجتمع الغربي . الا ان وضع المرأة ظل منحطا في الأراضي المحتلة رغم الانجازات المذكورة . ومن هذه الناحية فان وضع المرأة الفلسطينية ليس بأفضل من وضع المرأة العربية عامة , باستثناء مسألة الوعي .

لقد أيقظ الحكم العسكري بسياسته الطلبة والتلاميذ بما فيهم النساء للخروج الى النضال . فأدت الطلبة والتلميذات دورا هاما في مقاومة الاحتلال وأود ان أؤكد بالذات دور المنظمات النسائية التقليدية في النضال ضد الاحتلال . لقد قمن بعمل هام وحظين بشعبية واسعة . ويوجد لذلك مدلول ايجابي وآخر سلبي أيضا , لأن تعاظم هؤلاء النساء يؤدي في النهاية الى تقوية النفوذ التقليدي .

بيئة المنزل لا تزال تقليدية جدا وان كان المنزل الفلسطيني منفتحا أكثر مما هو عليه في المجتمعات العربية الأخرى . الوضع في المجتمع الفلسطيني يشبه الوضع في لبنان وسوريا وهو أفضل جدا من الوضع في العراق أو دول الخليج . وبيئة الريف الفلسطيني مريحة للمرأة أكثر من مجتمع الريف المصري . ورغم ذلك فان المرأة الفلسطينية مقيدة جدا في حريتها . اريد ان أقول شيئا قد يعد كفرا : اعتقد ان تخفيض قيمة الليرة الاسرائيلية ساعد في تحرير المرأة الفلسطينية أكثر من النضال الوطني . فالوضع الاقتصادي والظروف الموضوعية هي التي اضطرتها الى الخروج الى العمل . هكذا نشأت قاعدة لقدر من الاستقلالية كان يجب النضال من اجلها نضالا شاقا طويلا في ظروف أخرى .

*     *     *

سؤال : ظهرت في الآونة الأخيرة دلائل يقظة دينية اسلامية في العالم الاسلامي بلغت أوجها كما يبدو بصعود آية الله الخميني في ايران . وفي الانتخابات الأخيرة لاتحاد الطلبة في بير زيت فازت القائمة الدينية التي ترأسها الخوان المسلمون بأكثر من 40 بالمائة من الأصوات . هل هذا يشكل حسب رأيك ازدهارا دينيا قد يضر بوحدة الشعب الفلسطيني ونضاله من أجل التحرير الوطني ؟

جواب : لأول وهلة يبدو انه توجد يقظة دينية فالمزيد من النساء في الضفة يغطين رؤوسهن . الا ان المجتمع الفلسطيني كما هو في سوريا ولبنان أكثر علمانية من أماكن أخرى في العالم العربي , وهو مستمر كذلك حتى وان نجح الخوان المسلمون زمنيا في فرض زي وسلوك من نوع خاص على بعض النساء . سوف يصعب عليهم جدا ايجاد حركة سياسية – اجتماعية تعيد مكاسب النساء الى الوراء . ولادراكهم ذلك فهم لا يضغطون من أجل الفصل بين الاناث والذكور ولا يطالبون باعادة النساء الى البيوت أو الغاء مناسبات اجتماعية يشارك فيها كلا الجنسين معا . ففي كلية النجاح في نابلس حيث فاز الاخوان المسلمون بأغلبية ساحقة لم يفلحوا في تنفيذ مطلبهم بادخال دراسات اسلامية في برنامج التعليم . اعتقد ان هذه الحركة ليس في مقدورها ان تكبر أكثر .

في بير زيت لم تكن القائمة الدينية اسلامية محضة ومن سخرية الاقدار ان تشتمل على مسيحيين أيضا . أما قائمة اليسار , وبمحض الصدفة , لم تشتمل على مسيحيّ واحد . لقد اطلقت القائمة الدينية شعار "المسجد والكنيسة ضد الكفرة" , طبعا لم ينجز معظم الطلبة المسيحيون وراء هذا الشعار وأيدوا قائمة اليسار وبسبب الطابع التقدمي لهذه القائمة التي ضمت اشتراكيين ماركسيين ووطنيين من فئات مختلفة , فقد لاقت القائمة الدينية رواجا في أوساط الطلبة الوافدين من المجتمع الريفي التقليدي الذين كان اليسار بالنسبة لهم متطرفا أكثر مما يجب . الا ان المشكلة أعمق بكثير . لقد أخفق اليسار العربي وبشكل تقليدي في تنمية نقد الثقافة الدينية وفي خلق تراث ثقافي لنفسه . وانحصر نقد الدين في تجارب مضحكة للبرهنة على ان محمدا كان أول اشتراكي أو أول ماركسي !! ان النضال من أجل مجتمع علماني لا يزال في بدايته .

ان حقيقة كون المجتمع الفلسطيني يحتوي على أقلية مسيحية كبيرة تشكل في الواقع عقبة موضوعية أمام تدهور النضال الوطني الفلسطيني الى نضال يقوم على أساس ديني متراص لان نجاح نضال كهذا يكون مغزاه في الواقع ابعاد المسيحيين من النضال أو قبولهم كأقلية محمية على الطراز التقليدي أي اعتبارهم "أهل ذمة" . الاحتمال الأول يضر بوحدة النضال الوطني والاحتمال الآخر غير معقول بعد تأريخ طويل من النضال المشترك . لقد فرض النضال الوطني علاقات جديدة بين الطوائف من المستحيل ابطالها واعادتها الى الوراء .

هنالك قدر كبير من العلمنة في المجتمع الفلسطيني وليس فحسب عند المسيحيين المتأثيرين أكثر بالمجتمع الأوروبي . أعتقد أنه يوجد مجال اليوم لرفع شعار الموسوعيين الفرنسيين من عهد ما قبل الثورة الفرنسية : "الدين لله والوطن للجميع" فرفعه يعد خطوة الى الامام في مجتمع ما زال غير علماني .

*     *     *

عرفات والخميني : دولة علمانية أم "ثورة اسلامية"؟

عرفات والخميني : دولة علمانية أم "ثورة اسلامية"؟

سؤال : روّجت منظمة التحرير الفلسطينية شعار "دولة علمانية ديمقراطية يعيش فيها سوية اليهود والمسيحيون والمسلمون" غير أن هذا الشعار يفرق الفلسطينيين الى طوائف دينية , وفي الواقع لا تتطلع الى دولة علمانية بل ثلاثية الدين . بل ان هنالك انحرافات حتى عن هذا الشعار . فها هو عرفات جاء الى ايران للاعراب عن تأييده للخميني وصرح بأن الثورة الفلسطينية هي جزء من الثورة الاسلامية . فكيف تتناغم هذه الأقوال ؟

جواب : قبل كل شيء لقد نبذت منظمة التحرير شعار الدولة العلمانية عندما قبلت فعلا البديل للعمل من أجل دولة فلسطينية في الضفة والقطاع . ذلك الشعار تحول الى حيز الاحلام والمستقبل البعيد . لقد حدث هنا شيء غريب منذ البداية , فطرحا لحل عملي لمشكلة الغاء صهيونية المجتمع الاسرائيلي , ومن أجل اقتراح شيء معقول لليهود قسمت منظمة التحرير الشعب الفلسطيني الى فرق دينية وتكون بذلك كأنما قد الغت خاصة هذا الشعب الوطنية .

الصراع بين التيارين العلماني وغير العلماني لما ينته بعد , وليس هذا صدفة مثلما انها ليست صدفة ان المنظمة لا تركز على تجربة حل القضايا الاجتماعية كذلك . وهذه نتيجة حتمية لايديولوجية منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها قيادة برجوازية صغيرة ما زالت تعتبر الجماهير في مخيمات اللاجئين وحدة متجانسة فوق طبقية . ومن هنا موقف المنظمة في اعطاء الأولوية لحل المسألة القومية وفي الأساس قضية اللاجئين ومن ثم حل القضايا الاجتماعية التي لا تداني في وطأتها قضية اللاجئين المشردين عن وطنهم .

والتبعة في ذلك ليست على من يتزعم منظمة اتحرير انما على الشعب الذي تقوده . فالمجتمع الفلسطيني متجانس لا يكاد يوجد فيه تبلور طبقي وبالتأكيد ينعدم فيه الوعي الطبقي ويعيش ظروف تخلف ولا يزال ينعدم فيه حتى وعي علماني جدير بالذكر . هذه الظروف هي التي تملي خواص القيادة . انها ليست بالقيادة البرجوازية الصغيرة التي تجر على الجماهير الثورية الفشل والخيبة , انما الجماهير هي التي تملي للقيادة وتيرة تقدمها بل تتسبب في افشالها أحيانا . انها تتناسب طرديا والوضع الاجتماعي وتعكسه . الواقع ان قيادة منظمة التحرير لا تقف عثرة امام أية قيادة ثورية بديلة أو أكثر تقدمية .

*     *     *

سؤال : يوجد لمتسبين تأريخ طويل من الاتصالات واللقاءات مع رجال منظمة التحرير . الحقيقة اننا كنا أول من قام باتصالات كهذه , ومنذ حين اكتشفنا انه بات من المحتمل نشوء وضع – بدا لنا وقتئذ سخيفا , الا انه غدا واقعيا في الحاضر – تصبح فيه معارضتنا للصهيونية أشد من معارضة الحركة الوطنية الفلسطينية , وضع نواصل نحن فيه النضال لتحرير يهود اسرائيل من الصهيونية , بينما تكتفي منظمة التحرير وأنصارها بدولة فلسطينية في الضفة والقطاع وتتخلى عن النضال ضد الصهيونية . ذلك لان معارضتنا للصهيونية ليست ناجمة فحسب عما الحقته من غبن بالفلسطينيين , فمبادئنا الاشتراكية كانت ستضعنا في مواقف معادية للصهيونية حتى بدون ذلك أيضا , وذلك لمل الحقته , وما زالت تلحقه , من أضرار باليهود في أنحاء العالم من خلال وضعها اياهم في تناقض مع بيئاتهم . حقا لقد اتضح في الآونة الأخيرة ان قيادة منظمة التحرير معنية أكثر باتصالات مع صهاينة وتميل الى اهمال العلاقات مع القوى المناهضة للصهيونية داخل اسرائيل . من هنا أيضا اهمال المنظمة للنضال ضد الصهيونية . هل توجد نزعة مماثلة أيضا في الأراضي المحتلة ؟

جواب : في بير زيت نحن على اتصال دائم مع اسرائيليين تقدميين ونحس ونرى العلاقة الجسدية مع اليهود أكثر من قيادة المنظمة . يجب ان يكون واضحا : كلما أصبحت اقامة دولة فلسطينية أكثر واقعية , ازدادت الضغوط الممارسة على المنظمة لانشاء صلات مع أفراد مرتبطين بالحكم في اسرائيل وليس مع متسبين أو ركاح . وهذا سيتم عن طريق أشخاص من مثل [أوري] أفنيري أو [ماتي] بيلد , [يوسي] سريد و[شولاميت] ألوني وأيضا بواسطة أناس من المعراخ وحتى من الليكود . اذا كان هنالك تفاوض فسيكون مع الحكومة لا مع مناهضي الصهيونية . لهذا كان التحول لدى قيادة المنظمة من اقامة علاقات جدية مع اليسار الثوري في اسرائيل نحو تنمية علاقات من نوع آخر ذات طابع نفعي . انه تحول فرضه الوقت . غير انه كلما تعذرت امكانية الحل العاجل تعززت الروابط مع اليسار الثوري من جديد .

في بير زيت مثلا يعتبرون الاسرائيليين الاشتراكيين حلفاء وجسرا للمجتمع الاسرائيلي اذا ما تهيأ وضع من السلام والتعايش بين دولة فلسطينية واسرائيل . وفي الوقت الذين يعتبرون فيه حلفاء فان العلاقات مع الصهيونيين قائمة على أساس نفعي فقط لا عقائدي . ولهذا فمن الأسهل لنا التحادث معكم هنا في بير زيت حيث لا تجري فيها اتصالات سياسية كما تفعل منظمة التحرير مع الصهيونيين .

البوست السابق:

البوست التالي: