lenin religion - 87

(عن كتاب لينين "نصوص حول الموقف من الدين" ٬ عن المقدمة بقلم العفيف الأخضر ‒ "من نقد السماء الى نقد الأرض" ٬ دار العامل للطباعة والنشر)

كل ما أطمح اليه من هذا التقديم هو مساعدة قراء هذا الكتاب الثمين على قراءته قراءة نوعية تستلهم من نقد لينين لأوضاع روسيا ومبرريها سلاحا لنقد أوضاعنا الراهنة ومبرريها وعلى رأسهم القيادات "اللينينية" العربية التي تشبه "الفجل حمراء من الخارج وبيضاء من الداخل" (لينين) ٬ استعدادا لنقدها ونقدهم بالسلاح .

من مفارقات تأريخنا الحديث ٬ وهي تستعصي على العد ٬ ان هذا الشرق الذي ولد فيه الدين لم يلد فيه ٬ في تأريخه الحديث ٬ نقد الدين . لأن الطبقات الصاعدة التي تجرأت على نقد الدين في تأريخ أوربا الحديث لم يعرفها تأريخنا الحديث الا كطبقات مجهضة تخشى النقد والثورة أكثر مما يخشاهما رجال الدين ورجال الدولة أنفسهم .

اذا كان نقد الدين في العالم المتقدم اقتصاديا مهمة قد انهتها من حيث الأساس البرجوازية الثورية في الغرب والبيروقراطية الثورية في الشرق ٬ فان نقد الدين في المجتمع العربي مهمة راديكالية لم تبدأ بعد لا من وجهة نظر ماركس ولا حتى كم وجهة نظر ديدرو . (معظم ما صدر حتى الآن عندنا تحت عنوان نقد الدين ٬ جدير بأن يصنف دون حرج تحت عنوان دعم الدين) . لكن اذا شرعنا اليوم في تحقيق هذا النقد الذي هو "الشرط الأولي لكل نقد" (ماركس) فاننا سنجد أنفسنا بالكاد في النصف الثاني من القرن 18ع وما ابعدنا عن 1792 !

علينا اذن ٬ لكي نكون معاصرين لعصرنا ٬ ان نمارس في نفس واحد نقد السماء الدينية ونقد الأرض الرأسمالية ٬ نقد الاستسلام للتراث ونقد الاستسلام للامبريالية ٬ نقد دور الافتاء ونقد دور الصحافة ٬ نقد المنابر ونقد الاذاعات .

الستالينيون العرب والاسلام

لأن على الثورة العربية ان تحقق مهام جميع الثورات السابقة المجهضة والثورة القادمة الظاهرة : فأمام البروليتاريا العربية ان تحقق سلطتها الديمقراطية : اتحاد المجالس الشيوعية ٬ ان تحقق تحرير الوطن العربي من الاستعمار الاستيطاني ومن الاستعمار الجديد وتحرير الحياة اليومية العربية من استعمار التقاليد المميتة ٬ من بؤسها المزدوج : الكمي والنوعي . ان عليها ان تنقد التخلف الاقتصادي وتنقد عبادة الاقتصاد .

البروليتاريا في العالم العربي هي كطبقة ٬ قائدة لمجموع الطبقات الكادحة ٬ القادرة على انجاز هذا النقد . لماذا ؟ لأن برجوازية ديناميكية من الطراز الغربي لم يعد من الوارد ٬ لأسباب يعرفها الجميع وكل أحد ٬ ان تظهر عندنا . ولأن بيروقراطية ثورية من الطراز اللينيني وحتى من الطراز الماوي ٬ هي الاخرى ٬ بات من الصعب نجاحها عندنا . لأن الأحزاب الماركسية اللينينية التي قادت مسيرة الثورات البيروقراطية في آسيا أو في شرقي أوربا كانت ٬ على صعيد نقد السماء الدينية والأرض الرأسمالية المتخلفة أو شبه الاقطاعية ٬ أكثر راديكالية من البرجوازية الأوربية الصاعدة . أما في العالم العربي فهذه الأحزاب تصالح الدين تماما أكثر مما صالحته البرجوازية في شتاء عمرها . وبذلك ‒ وليس موقفها من الدين الا عينة نموذجية لباقي مواقفها ‒ تخلت عن كل ما هو راديكالي في الايديولوجيا البيروقراطية الثورية . وانغمست الى المرفقين والى ما فوق المرفقين ٬ في تحريف كل ما هو ثوري في الايديولوجيا اللينينية . أما النظرية الماركسية فليس من اللائق حتى الاشارة اليها بهذا الصدد .

critique of religion - 87

كتب ماركس عن الغرب الذي لم يلد فيه الدين : "نقد الدين هو الشرط الاولي لكل نقد" .

سيرد عليّ ٬ في جوقة ٬ الذين حفظوا جارودي عن ظهر قلب : لكن ماركس تم تجاوز اخطاء شبابه هذه منذ زمان بعيد ... وقت ساعتك على لينين !
... وكتب لينين : "من واجب الاشتراكيين المطلق ان يتدخلوا (في البرلمان 1909) لاعلان وجهة نظرهم من الدين (...) الأساس الفلسفي للماركسية ٬ كما أعلنه ماركس وانجلز مرارا ٬ هو المادية الجدلية ٬ التي تبنت تماما التقاليد التأريخية لمادية القرن 18ع في فرنسا ومادية فيورباخ في ألمانيا . وهي مادية بلا جدال ملحدة ومناهضة باصرار لجميع الأديان . لنتذكر ان كتاب انجلز (أنتي ‒ دوهرينج) الذي قرأ ماركس مخطوطته ٬ اتهم المادي الملحد دوهرينج بعدم التماسك في ماديته وبمجاملته للدين والفلسفة الدينية . لنتذكر ان انجلز ٬ في مقالته عن فيورباخ ٬ يأخذ على هذا الأخير بانه حارب الدين لا بهدف تقويضه بل بهدف اصلاحه ٬ بهدف اختراع دين جديد (...) ان الدين هو أفيون الشعوب . هذا القول المأثور لماركس هو حجر الزاوية لمجمل وجهة النظر الماركسية حول الدين . لقد نظرت الماركسية دائما الى الأديان والكنائس وجميع المنظمات الدينية ٬ كأدوات بيد الرجعية البرجوازية للدفاع عن الاستغلال ولتسميم الطبقة العاملة" .

وكتب : "لقد انتج (تاكتيك الاشتراكية الديمقراطية ازاء الدين) تشويها جديدا للماركسية في الاتجاه المعاكس ٬ في اتجاه الانتهازية . هناك من أخذ يفسر ان الدين ٬ بالنسبة الينا كحزب ٬ أصبح قضية خاصة . ان انجلز (...) قد اعتبر من الضروري معارضة هذه النظرية بحزم (...) قائلا ان الاشتراكية الديمقراطية تعتبر الدين قضية خاصة بالنسبة للدولة ٬ لا بالنسبة للاشتراكية الديمقراطية نفسها : ولا بالنسبة للماركسية ولا بالنسبة للحزب العمالي (...) الماركسية هي المادية . وبصفتها تلك ٬ فهي معادية للدين بقوة لا رحمة فيها . تماما مثلما كانت مادية القرن 18ع أو مادية فيورباخ . هذه مسألة لا يرقى اليها الشك" .

وكتب أيضا وأيضا : "على المجلة "المادية المناضلة" ان تقود دعاية الحادية لا تكل ونضالا الحاديا لا يمل ٬ بجب ان نتقصى بعناية الادب الذي يتناول هذا الموضوع في جميع اللغات وان نترجمه (...) ان انجلز ٬ وذلك منذ عهد بعيد ٬ نصح قادة البروليتاريا المعاصرين بأن يترجموا وينشروا بين الجماهير ٬ بين الشعب ادب نهاية القرن 18ع الالحادي المناضل . انها لفضيحة لنا (ولنا نحن أيضا ‒ ع. أ.) اننا لم نقم بذلك حتى الآن (...) ينبغي ان نزود الجماهير بالمواد الأكثر تنوعا للدعاية الالحادية (...) ينبغي ان نوقظها من سباتها الديني ٬ وان نهزها حتى الأعماق وبكل الوسائل" .

*

هذا باقتضاب موقف ماركس ٬ انجلز ٬ لينين من ضرورة نقد الدين في أوربا العقلانية ٬ الصناعية ووريثة الروح البروميثيوسية . فما هو موقف القيادات الستالينية العربية من الدين في هذا الشرق المكبل بالطقوس والذي اختلطت أرضه بسمائه وولدت وترعرعت فيه جميع الأساطير من أكثرها بساطة الى أكثرها تعقيدا ؟ هل اضطلعت بمهمة "ايقاظ الجماهير من سباتها الديني" واحيانا ما قبل الديني ام ٬ بالعكس ٬ قدمت لها مزيدا من الخدر لكي تغط طويلا وعميقا في هذا السبات ؟

دونكم هذه العينة : "كان الدين عاملا لا جدال في اثره اسعف تكوين الشخصية القومية (...) فكان في ثورة عرابي المصرية وفي ثورة المهدي السودانية نفح ديني غزير (...) ولا يزال في الثورة الفلسطينية اليوم أناس تحدوهم الرغبة في الجهاد دونما عصبية . فتاشعور الديني الضارب في حنايا الجماهير يستطيع ان يكون وقودا للأزمة الثورية حين اشتعالها" (منظمة العمل الشيوعي في لبنان ٬ عن جريدة "الحرية" ٬ 22/11/1971) .
وفي غير مناسبة كتبت وأعلنت قيادات الأحزاب الماركسية ‒ اللينينية في المغرب ٬ الجزائر ٬ السودان ولبنان ٬ انها تتبنى التراث الاسلامي . وصرحت بانها تضع المادية الجدلية على الرف ٬ في انتظار حكم الأجيال القادمة . أما اليوم فهي قانعة بالمادية التأريخية ٬ كقاسم مشترك مع ميثاق عبد الناصر .

هكذا فتتت الماركسية ٬ النظرية الأكثر شمولا وتماسكا ٬ الى ركام من قطع الغيار الرخيص المعروض للبيع بالمفرق في سوق العرض والطلب لأول طالب سواء كان عبد الناصر أو الحسن الثاني .

*

يبرر الستالينيون العرب ٬ على اختلاف منوعاتهم ومصادر الهامهم ورزقهم ٬ مواقفهم المتنافسة في تقريظ الاسلام بهذا الادعاء : الاسلام ما زال سلاحا للتحرير عكسا للمسيحية (وبالاحرى اليهودية) التي كانت وما زالت سلاحا للاسترقاق الروحي للجماهير .

هذه انتهازية صرف وادعاء لا يصمد لحظة أمام المادية التأريخية النقدية التي تدرس الظواهر من خلال مكوناتها التأريخية لا من خلال أوهام الناس عنها . أولا الاسلام هو الديانة اليهودية الثانية : "ان هذا لفي الصحف الاولى صحف ابراهيم وموسى" (القرآن) . وثانيا لقد ظلت المسيحية دين الشعب ٬ سلواه في الحن لكن أيضا سلاحه للتشهير باحبار اليهود وأغنياء الامبراطورية الرومانية طوال ثلاثة قرون قبل ان تصبح دين الامبراطورية الرومانية على عهد قسطنطين . وبذلك فقدت طابعها الشعبي الثوري . اما الاسلام فما كاد يظهر كدين يخوض صراعا ضد جزء من الأرستوقراطية المكية حتى تحول بمجرد هجرة محمد الى المدينة ٬ الى دين ودولة ٬ أصبحت بعد أقل من ثلاثين عاما تحكم بالسوط والسيف : نسبها السيف وحسبها الذهب (اشارة لرواية ابن خلدون : من ان احدهم طلب من المعز لدين الله ان ينتسب . استجاب وعقد مجلسا من النسابين والأشراف . انتظر المجلس الوقور من المعز ان يقرأ عليه بتواضع شجرة بسبه المطعون فيه . لكن المعز استل سافه قائلا : هذا بسبي . ونثر الذهب عليهم قائلا : وهذا حسبي .) وتضطهد لا جماهير أهل الذمة فقط ولا جماهير المؤمنين وحسب بل والفقراء من أصحاب محمد أنفسهم . مصداق ذلك اضطهاد عثمان لعمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري الخ .

من الطبيعي ان مهمتنا ليست تفضيل دين على آخر فذلك شأن الشيوخ والكهنة الذين لم يكتشفوا بعد انهم في خندق واحد . وانما مهمتنا الجوهرية هي استنطاق التأريخ وتوجيه سلاح النقد الى المبدأ الديني نفسه ٬ مهمتنا هي مساعدة الجماهير على الاستيقاظ من سباتها الديني والخرافي ٬ ومهمتنا هي ان نشارك في انجاز مهام حقبتنا التي تتمخض عن انفجار العالم القديم وميلاد عالم جديد ...

الطقوس المعطلة للنشاط الانساني

اما الاسلام المكبل بالطقوس المشلة والتفكير الخرافي فانه لم يتعرض في تأريخه الحداث الى أي محاولة جدية لتطهيره من الطقوس المعطلة للنشاط الانساني : تبذير ملايين المواشي في الحج وعيد الأضحى كل عام ٬ ارتباك الانتاج في شهر رمضان (100 مليون ساعة خسارة في مصر 1968 حسب "الأهرام") وازدياد استهلاك الطبقات المالكة وخراب الموازنات العائلية المتواضعة ٬ تفاقم امراض المعدة والسل خاصة في الريف الفقير والأحياء العمالية ومخيمات اللاجئين . هذا فضلا عن الطقوس البربرية في بعض المناسبات الدينية والتبذير المخيف على فبور الأولياء ومزاراتهم ...

(في تأريخ الاسلام القديم حاولت المعتزلة تطعيمه بالفلسفة اليونانية . لكن المحاولة باءت في النهاية بالفشل . وحاولت الاسماعيلية لا تطهيره من الطقوس الشرقية وحسب بل تحويله من دين سماوي الى دين للعقل الانساني الذي لا مرجع له من خارجه . وفي العصر الحديث حاول بورقيبة الغاء تعدد الزوجات والغاء رمضان في 1959 . وحاول أحمد بن بله الغاء عيد الأضحى في 1964 ٬ لكن المحاولتين فشلتا ٬ لأن الساعة للثورة لا للاصلاح .)

صحيح ان قطاعا من سكان المدن خفف من الصيام في المشرق والصلاة في المغرب . لكن سلطان هذه الطقوس ما زال ينيخ بكلكليه على ملكة النقد والابداع عند أوسع الجماهير بما فيها ذلك القطاع نفسه . وما زال قوة مرسخة لتقاليد الانضباط امام طغيان عناصر الطبيعة الغاشمة (صلاة الاستسقاء ٬ صلاة الخوف والكسوف الخ) ٬ وطغيان حكام الطبقات الغاشمة (صلاة اللطيف في المغرب مثلا) .

كاريكاتور : ناجي العلي

الاستسلام للقضاء والقدر ٬ للكوارث وللطغاة كان ومل يزال يجد في اعماق الوجدان الذي صاغه الاسلام استقبالا بدون اعتراض . بل ان الاعتراض يصبح ضربا من الاثم والكفران . فعندما أعلن الخليفة المنصور امام الوف الحجيج : "أيها الناس ان الله ملكني رقابكم وأموالكم فان شئت قبضت وان شئت بسطت" . صاحت الجموع المروضة دينيا ... الله ... الله يا امير المؤمنين . وعندما أعلن عبد الناصر بعد المنصور باثني عشر قرنا ٬ لتبرير هزيمة 1967 : "لا يعفي حذر من قدر" (أنظر خطبة وداعه ٬ 9/6/1967) تنفس 99 بالمائة من سامعيه ٬ والأمة العربية كلها كانت تستمع ٬ الصعداء واحسوا بعزاء مريح يضمد مشاعرهم الجريحة . لا شك ان الحديث قد حرّك بطريق التداعي فوجا من الأحاديث والآيات والأمثال والمماثلة : وما أصابنا من مصيبة الا باذن الله ... وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم ٬ وعسى ان تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون . وانما يبلو الله عباده الصابرين ... والمكتوب على الجبين تراه العين ... ليس من الضروري ان تتحرك شفاه الجميع بهذه الأحاديث والآيات والأمثال ٬ انها جاثمة على عقولهم ٬ انها هناك في الأعماق دركي داخلي يملي عليهم ٬ عن وعي أو بدونه ٬ ردود فعلهم في اللحظات الصعبة خاصة .

*

ما زال تراثنا بمنأى عن أي تصفية حساب تأريخية مماثلة لمسلسل التصفيات التي نزلت بالتراث المسيحي : الاصلاح في القرن 17ع ٬ مادية القرن 18ع لكن أكثرها حسما اثنتان : الأولى عندما شنقت البرجوازية الصاعدة مع ملوكها تراثها . والثانية عندما صفت الثورات البيروقراطية ٬ البديل التأريخي للبرجوازية ٬ في شرقي أوربا المسيحية ٬ في آسيا الاسلامية ٬ وفي الشرق البوذي تراث الطبقات السابقة عنها .

أما "ثورتنا" الفوقية ٬ العسكرية فانها لم تزل تحرق البخور لمزابل تراثنا الذي لم توجه اليه سبابة الاتهام منذ تسعة قرون على الأقل منذ اندحار الاسماعيلية الثورية !

*

المناخ النقدي ازاء التراث الذي اوجدته الاسماعيلية ‒ كما سنرى ‒ تلاشى . بل حتى العقلانية الانتقائية (التوفيق بين الفلسفة والدين) والمحتشمة التي نشرها المعتزلة أصبحت مستنكرة في المجتمع العربي المعطل Blequee تأريخيا والمصاب بتأخر مثلث : تأخر وسائل الانتاج ٬ تأخر نمو الطبقات على النمط الغربي المتضمن بدوره لتأخر الصراع الطبقي ٬ محرك التأريخ ٬ وتأخر الثورة ‒ بالتالي ‒ الثورة التي تنسف نسفا الأوضاع السابقة عنها .

أي من مسلسل الثورات الغربية على البنى ما قبل الرأسمالية لم تفجر مجتمعنا المعطل . وعندما انفجرت فيه لم تفجره لأنها كانت فوقية (مصر) وتعبيرا عن طبقات مصابة بكساح نوعي مزمن .

الثورة البرجوازية الحقيقية الوحيدة التي عرفناها كانت الاستعمار . لكن لم نعرفها الا كثورة مضادة :

  • شوهت الصراع الطبقي مرتين : مرة بحرفه عن مساره الطبيعي : طبقة ضد طبقة ٬ برنامج ضد برنامج ٬ ليصبح صراعا دينيا ‒ قوميا (القومية لم توجد منفصلة عن الاسلام أبدا) ضد الأجنبي ‒ الكافر . وهذا ما جعل البروليتاريا العربية المحدودة عددا وعدة تعيش انتصارات القيادات البرجوازية كانتصارات لها (تونس ٬ مصر ٬ الجزائر ٬ المغرب) وبالتالي دهور دورها النوعي . ومرة ثانية بتنميته ٬ بدلا من التناقضات الاجتماعية : ظالم ‒ مظلوم ٬ للتناقضات العرقية : عرب ‒ بربر (الجزائر ٬ المغرب) الاقليمية والطائفية في المشرق .
  • جعلتنا ٬ خاصة بواسطة البترول ونهب المواد الخام عموما ٬ نعرف الرأسمالية لا كسيادة للانتاج البضاعي بل كسيادة للتبادل البضاعي ٬ جعلنا الاستعمار سوقا له .
  • فعل الاستعمار كل شيء ليبقى على الطابع البالي للحياة العربية حيث تتجاور كل أنماط الانتاج القديمة وتتعايش ٬ فيما يشبه تنكيد الضرائر لا صراع الاضداد ٬ جميع الايديولوجيات التي تتناسب معها . في ظل هذا الاستعمار وحمايته لهذه البنى المشلولة والايديولوجيات المشلّة لعب الدين دورا مرموقا في ترسيخ التأخر المثلث وفي تخليف وعي الانسان العربي وشروط حياته معا .
  • انزل بنا ردة حضارية مدمرة : الغزو الاستعماري للعالم العربي لم يعد لذاكرة الجماهير ذكريات الحروب الصليبية فقط بل انه هو نفسه كان صليبيا وكان يتظاهر بذلك . عندما احتل الفرنسيون سوريا حيّا (اوركل) جنرال فرنسي قبر صلاح الدين قائلا : ها نحن قد عدنا يا صلاح الدين . وليس بدون مدلول كون هذه الحادثة متداولة على السنة العامة حتى في المغرب العربي . لقد سمعتها عشرات المرات قبل ان اقرأها . وعندما احتلوا الجزائر هدموا أو حوّلوا الى كنائس 2000 مسجد من بينها المسجد الأكبر في العاصمة ‒ كتشاوه ‒ وبعد الاستقلال حوّل من جديد من ابرشية الى مسجد . وعاشت الرجعية الجزائرية عاما كاملا على نبش تأريخه حتى أكثر تفاصيله تفاهة . وعلى تلقين الجماهير بان الاستعمار لم يكن مشروعا للنهب الاقتصادي كما يقول الماركسيون . بل كان مشروعا لنهب مساجد الاسلام وتقويض اركانه ...

أمام الاستعمار "الذي وجد في المسيحية ... تتمته الأكثر ملاءمة" (ماركس) لاذت الجماهير الشعبية العزلاء من كل سلاح للمقاومة الجدية بالتقوقع في تقاليدها الدينية ‒ القومية البالية . تقريبا نفس ردود فعل رعاة جبال الالب في القرن 12ع على غزو القطاعية لهم في عقر دارهم لتدمير نمط حياتهم البطريقي .

في هذا الوضع أصبح نقد الاسلام أو حتى نقد أقل طقوسه شأنا مرادفا لنقد المشاعر الشعبية ٬ لنقد الشكل الجوهري لقوميتها وتقويض السلاح الوحيد الذي كان بيد القوى المحلية في دفاعها ضد هجمة الهمجية البرجوازية على همجيتها التقليدية . أسوأ من ذلك بات نقد الاسلام مرادفا للخيانة الوطنية والتواطؤ مع الاستعمار الكافر . كما ان نقد تخلف اللغة العربية (رسما ٬ نحوا أو مصطلحات) أصبح يعني الانتقاص من لغة القرآن ٬ تجريدها من اصالتها ومؤامرة على سلاح صمود الشخصية الاسلامية ‒ العربية في وجه الابتلاع الغربي .

أصبح التحريض بالصراع الطبقي في المجتمع العربي ٬ حيث في الواقع لم يكن له الا مجال هامشي ٬ موصوما بكونه تصديعا لوحدة الأمة بمفهومها الاسلامي : يشد بعضا كالبنيان المرصوص .

هكذا أصيب الفكر النقدي العربي ازاء التراث الديني ‒ القومي بردة حضارية شاملة عادت به الى مواقع كان قد تخطاها منذ زمان بعيد بالمعتزلة ٬ باخوان الصفاء ٬ بالفلاسفة العقلانيين والملحدين وبالايديولوجيا الاسماعيلية الثورية .

انتصر الدين على الفلسفة في العالم العربي مرتين : الأولى تحت الحكم السلجوقي والثانية تحت الحكم الأوربي الاستعماري حيث ولد شعار الاصالة "العودة الى النبع" ٬ الى السلف الصالح . هذا الشعار الذي رأى في الفكر الثوري الأممي نفيا له ٬ عودة بشكل آخر للصليبية الأوربية ومؤامرة لاقتلاع الأمة العربية من جدورها .

*

لم تواجه الشيوعية العربية هذا الوضع ومضاعفاته بالكشف عن أسبابه علنا أمام الجماهير لكي تساعدها على تحرير وعيها النقدي من استلابه الديني ‒ القومي ٬ لكي تساعدها بقوة المثل ٬ بممارساتها النظرية ‒ العملية الثورية على الاهتداء الى سلاح فعال للمقاومة الايجابية للاستعمار بدلا من سلاح المقاومة السلبية العاجزة والمنطوية على نفسها وماضيها . لا فقط لم تعرف كيف تواجه هذا الموقف ٬ بل انها لم تعرف كيف تواجه أي مشكلة قومية أو اجتماعية من مشاكل المجتمع العربي . والأسوأ انها حاولت هي الخرى ٬ بانتقائية وديماغوجية ٬ استخدام نفس السلاح لكنها مع ذلك لم تكسب اليها أي قطاع هام من الجماهير التي شمت بحاستها السادسة رائحة الانتهازية .

وظيفة الدين : مناهضة الثورة

وصلت بها الانتهازية الى حد انكار ٬ رغم الوقائع اليومية العنيدة ٬ ان يكون للدين عندنا نفس الوظيفة التي أداها في أوربا ما قبل اقتصاد الاستهلاك . وظيفة التخدير : "نعم ان الشقاء والالم هما قدر الانسان" (البابا ليون ٬ القرن 13‘) . تماما كما "لا يعفي حذر من قدر" . و"الفقر مفتاح الجنة" . أو ٬ والكلمة هذه المرة لجلاد كومونة باريس تيير : "أريد ان أجعل تأثير رجال الدين كلي الجبروت . لأني اعتمد عليهم لترويج تلك الفلسفة الجيدة التي تعلم الانسان بأنه وجد في هذه الدنيا الفانية ليشقى ٬ لا تلك الفلسفة الأخرى التي تقول له ٬ بالعكس : تمتع بالحياة" . (ولهذا يقول ماركس : "الدوجم الرئيسي (للدين) هو الزهد في الدنيا ٬ التخلي عن الحياة وجميع الحاجات الانسانية") . وباختصار كانت وظيفة الدين في أوربا وهي اليوم عندنا مناهضة الثورة .

وفي هذا المعنى حدد معن أبو نوال ٬ رئيس شعبة التوجيه المعنوي في جيش عمان الوظيفة التي اداها القرآن والانجيل في تنفيذ مجزرة عمان بنجاح : "لقد طبعنا 60٬000 نسخة من القرآن ووزعناها على جميع الجنود المسلمين . وقريبا جدا نأمل ان نوزع نسخا من الانجيل على جميع الجنود المسيحيين . أصبح كل جندي الآن يضع هويته في جيب ويضع القرآن في الجيب الآخر . لقد عملنا القرآن بحجم الجيب بحيث يمكن حمله مثلما يحمل الماركسيون الكتاب الأحمر . أعتقد ان الجيش محصن في وجه الماركسية الآن . وعلى استعداد لقتال الفدائيين . ان ماركسيينا والماركسيين الاسرائيليين التقوا معاً . يقولون انهم يريدون اقامة دولة ديمقراطية علمانية ٬ حيث ستتعايش في سلام الديانات الثلاث . من المحزن جدا ان يكون الماركسيون العرب والاسرائيليون هم الذين التقوا ولسنا نحن المحافظين عربا واسرائيليين . أعتقد اننا في غضون 30 أو 40 عاما سنقاتل نحن والاسرائيليين معا الماركسيين" (جريدة Washington Post بتأريخ 21/12/1971 ٬ ومن الواضح ان المقابلة تمت قبل ايلول 1970) .

ليس هذا الاستخدام للدين مصادفة عارضة . بل انه استراتيجية طبقية مدروسة : سيطرة الأقلية على الأكثرية لن تدوم الا اذا قبلت بها الأكثرية نسبيا ٬ الا اذا استسلمت لها كقدر مقدور ٬ الا اذا أصبح القمع داخليا والبوليس مرابطا في رؤوس الناس الذين لا سلطان لهم على حياتهم لكي يمنعهم من وعي ذلك وضرورة الثورة عليه . ان الذين ما زال عندنا اداة فعالة لتحقيق استبطان القمع .

*

التعايش السلمي المعلن بين الشيوعية العربية والدين يعكس تعايشها السلمي مع الأنظمة البيروقراطية ‒ الاوتوقراطية وهدنتها المفتوحة مع الأنظمة التقليدية . لقد تخلت نهائيا عن هدف قلب الأنظمة البيروقراطية بل تخلت حتى عن وسيلة نقدها ٬ ويعكس بالتالي تخليها ‒ في الواقع تخلت قبل ان تشرع ‒ عن صراع الطبقات لصالح تصالح الطبقات الذي هو جوهر الايديولوجية البونابارتية العربية (الناصرية ٬ البورقيبية الخ) التي تعرف فيها عجز الستالينية العربية عما كان يطمح عبثا في تحقيقه . (انهيار انقلاب الحزب الشيوعي السوداني في أقل من 72 ساعة بليغ في التدليل على هذا العجز الذي تعرف على نموذج ثورته البيروقراطية في انقلاب عسكري كوميدي ‒ تراجيدي وعجز عن توفير حتى أقل أسباب النجاح المألوفة لمثل هذه الانقلابات) .

هذا التعايش ليس الا تعبيرا عن اندماجها في الأوضاع الراهنة . كانت القيادات الشيوعية العربية ستصنع هذه الأوضاع المتعفنة لو لم تكن هي نفسها من صنعها .

لذا فان الحرب القادمة على أوضاعنا الراهنة ٬ التي تستمد بقاءها من الاحتفاظ بكل العاهات حتى باتت هي نفسها العاهات تجسدت اوضاعا ٬ أما ان تكوم حربا شاملة عليها وعلى فضلاتها أو لا تكون .

back page lenin - 87