تصريحات المسؤولين الأميركيين مؤخرا عن دور واشنطون في تسليح وتدريب القوات السعودية . استمرار تدفع الأسلحة الأميركية على ايران . الطلبات الايرانية الجديدة على الأسلحة الأميركية الحديثة . كل هذه الأحداث تطرح التساؤلات التالية : ما دور ايران والسعودية في الاستراتيجية الأميركية الموضوعة للخليج العربي ؟

الكاتب الأميركي التقدمي مايكل كلير يحاول الاجابة على هذه الأسئلة في دراسته : تسليح الشاه .

*     *     *

 

من السهل بالنسبة للانسان العادي ان يشعر بالذهول اذا ما هو تتبع حجم ومدى مشتريات الأسلحة التي يقوم بها الشاه . والواقع ان احصائيات ضئيلة كافية بحد ذاتها لتوضيح مدى تنوع المشتريات الايرانية الأخيرة : 261 طائرة "فانتوم" ف-4 القاذفة ‒ المقاتلة (ثمنها : 1.2 مليار دولار) ٬ 141 طائرة من طراز "تايغر" ف-5 أ المقاتلة (275 مليون دولار) ٬ 50 طائرة نقل من طراز "هيركوليز" س – 130 النفاثة (2.3 مليون دولار) ٬ 2616 صاروخ جو ‒ جو من نوع "سبارو" (522 مليون دولار) ٬ 2.2 طائرة هليوكبتر من طراز "سي كوبرا" المقاتلة ... ويبدو ان اللائحة لا تتوقف عند حد .

ان المبيعات العسكرية الأميركية لايران مذهلة ٬ ليس فقط بسبب كمياتها وقيمتها (أكثر من 667 طائرة و505 طائرات هليوكبتر في غضون عشر سنوات ٬ واضافة الى طلبات عامة أخرى تفوق قيمتها 10 مليارات دولار) ٬ بل بسبب تنوعها وتعقدها . فالشاه حصل على الطائرات القاذفة ‒ المقاتلة وعلى طائرات تجسس وصواريخ أرض ‒ أرض وصواريخ جو ‒ أرض وقنابل "ذكية" ... وباختصار ٬ حصل الشاه على كل شيء "عدا القنبلة الذرية" (وفقا لمسؤول في الخارجية الأميركية) . أكثر من ذلك ٬ فانه اختار الأسلحة الأكثر تقدما من تلك التي تستخدمها معظم جيوش حلف الأطلسي ٬ كما طلب بعض الاعتدة التي ما تزال قيد التجربة في القوات العسكرية الأميركية نفسها مثل صواريخ "هاربون" المضادة للسفن .

القوة السادسة

ان المبيعات وبرامج التدريب هذه ستساعد على تحويل ايران من مرتبة القوة العسكرية الثالثة الى قوة تلعب دورا أساسيا في المسرح السياسي العالمي . وينوي الشاه ان يجعل ايران سادس أقوى دولة في العالم قبل نهاية العام 1980 (بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي والصين واليابان وفرنسا) . ويعتقد العديد من المراقبين انه يستطيع ان يحقق ذلك . [كتبت هذه الدراسة حوالي سنتين قبل الاطاحة بنظام الشاه ٬ وقد غادر الشاه ايران في 16 كانون الثاني 1979] .

لقد أصبحت ايران الآن القوة الأولى في منطقة الخليج العربي . كما ان تزويدها بمدمرات من أحدث طراز (سبراوتس) وبثلاث غواصات خدمت سابقا في سلاح البحرية الأميركية ٬ سيجعلها قوة رئيسية في المحيط الهندي أيضا . هذا بالاضافة الى ان حصول طهران قريبا على ست "ناقلات جوية" من طراز "بوينغ" ٬ سيمكن طائرات الفانتوم التابعة للشاه والتي تتزود بالوقود جوا ٬ من الوصول الى القاهرة أو نيو دلعي انطلاقا من قواعدها في طهران دون توقف . ان هذه التطورات قد سببت قلقا بالغا في الهند ٬ وأجبرت بعض الدول العربية المجاورة لايران على حيازة كميات ضخمة من الأسلحة الحديثة .

نظرية الفراغ

ان الولايات المتحدة ٬ تقوم بتزويد القوات المسلحة الايرانية بالأعتدة الحربية والمدربين منذ اواخر الأربعينات . ولكن نقطة التحول الحقيقية في برنامج التسليح الأميركي لم تحدث سوى في كانون الثاني 1968 ٬ حيث أعلن رئيس الوزراء البريطاني هارولد ويلسون بأن لندن ستسحب كل القوات البريطانية المتواجدة في "شرقي السويس" قبل نهاية العام 1971 . وقد أثار بيان ويلسون هذا اهتماما واستنفارا أميركيا مهما ٬ اذ ان واشنطون طالما اعتقدت بأن بريطانيا ستبقى "قوة الشرطة" المهيمنة في الخليج العربي ٬ هذا بالرغم من ان استثمارات النفط الأميركية هناك فاقت منذ زمن بعيد استثمارات النفط البريطانية واعتبر المحللون الاستراتيجيون الأميركيون ان الانسحاب البريطاني سيخلف "فراغا" لن يملؤه سوى موسكو وحلفائها العرب ٬ مما يهدد بالتالي مداخل الغرب الى احتياطي النفط المتضخم في المنطقة . وكان من المفروض بالتالي ان تتم عملية "املاء الفراغ" بأسرع وقت ممكن . وقد جاء تقرير نشرته جامعة جورجتاون : "ان المصالح الاستراتيجية للعالم غير الشيوعي ستكون في خطر داهم اذا ما تعرضت أو توقفت أو سقطت حرية الحركة من والى الخليج" .

وحينما تسلم الرئيس نيكسون سلطاته في العام 1969 ٬ أعطى الوضع في الخليج العربي اهتماما فوريا وأمر مجلس الأمن القومي برفع توصيات سياسية . البدائل كانت واضحة : تستطيع الولايات المتحدة ان تتقدم لتلعب الدور البريطاني "كقوة شرطة" كبرى في المنطقة ٬ أو انها تستطيع تحويل الدول المحلية الى قوات شرطة اقليمية . وبما ان أميركا هزمت في فيتنام ٬ ونظرا لتزايد الدور الأميركي في تسليح اسرائيل ٬ فان من شأن الوجود الأميركي في الخليج ان يحظى بمعارضة من معظم الحكومات العربية . بذلك فقد وضع هذا الخيار على الرف ووضع مكانه البديل الآخر : تحويل ايران والسعودية الى قوة شرطة محلية على ان تزود الولايات المتحدة هاتين الدولتين بالأسلحة والمستشارين والمساعدات الفنية . وقد أعلن جوزف سيسكو ٬ مساعد وزير الخارجية الأميركي في وقت لاحق : "اننا قررنا ان نحاول بأن نكون مفيدين وان نساعد الدولتين الرئيسيتين في تلك المنطقة : ايران والسعودية وان نعمل على تحقيق التعاون بينهما ٬ بحيث تصبحا عناصر الاستقرار الرئيسية في المنطقة بعد انسحاب البريطانيين" .

وبرغم ان سيسكو وناطقين اخرين باسم وزارة الخارجية الأميركية قد اقترحوا دورا متساويا لايران والسعودية في بياناتهم الرسمية الا انه من الواضح ان طهران تتحمل الاعباء الرئيسية في المخططات الاستراتيجية الأميركية . فسكان ايران يبلغ تعدادهم أربعة أضعاف سكان السعودية وتبعا لذلك فقواتها العسكرية أكبر (240 ألف جندي مقابل 42 ألفا) . وفي حين ان السعودية تمتلك أضخم احتياطي للنفط في العالم ٬ فان النفط الايراني قد استغل منذ فترة أطول ٬ وحظيت ايران بالتالي بتفوق مهم في مجال تطوير البناء الصناعي والعسكري .

والأهم من كل هذه العوامل ٬ كان الدور السياسي الذي يلعبه الشاه . ففي خلال السنوات ال-22 التي سير فيها دفة السياسة الخارجية الايرانية ٬ انتقلت طهران من "موقع دفاعي اقليمي" يستند الى حلف بغداد "السيء الطالع" الى موقع ذو أهمية عالمية . فقد أقام الشاه علاقات ودية مع الاتحاد السوفياتي في الوقت الذي كان يقيم فيه علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة . كما انه نجح في توثيق علاقات ايران مع العالم العربي ٬ في حين انه احتفظ بتحالف غير رسمي مع اسرائيل . وفي خلال مؤتمر "الأوبيك" العام 1975 في الجزائر ٬ استطاع كذلك تسوية نزاعه المرير مع العراق ووضع بذلك حدا للمشاكل الملتهبة على حدوده . ونتيجة لكل هذه الانجازات ٬ علق ليونارد بنيور قائلا بأن موقع ايران العالمي قد أصبح ذا أهمية سياسية وعسكرية مهمة . ولكنه أضاف قائلا "بيد ان كل شيء يعتمد حتى الآن على الشاه" .

ان الشاه ٬ وفقا لما يقوله بنيدر قد نجح في احراز هذا الموقع للشاه لأنه "حقق درجة عالية من الاستقرار السياسي" . ولكن أي متتبع لظروف ايران يعلم ان هذه الانجازات تعتمد على : أ - قيام الشاه بقمع وحشي لكل قوى المعارضة وحكمه البلاد بقبضة حديدية و: ب – استخدامه واردات ايران النفطية لشراء ولاء العسكريين والتكنوقراط والطبقة الوسطى المتزايدة النمو .

بعث الامبراطورية الفارسية

وبالنسبة لأولئك الذين يدعمون النظام ٬ فان لديهم اغراء آخر : فرصة الاشتراك في بعث المبراطورية الفارسية الكبرى . وقد سبق لشاه ان وظف عضلاته العسكرية الجديدة لضمان دور مهيمن في الخليج العربي في العام 1972 حينما احتل ثلاث جزر استراتيجية في مضيق هرموز تعود ملكيتها لاتحاد الامارات العربية . كما انه لم يخف طموحه بأنه ينوي مد القوة الايرانية الى المحيط الهندي والعالم بشكل عام . وقد تكهن الشاه في 1971 بأنه "قبل نهاية العام 1976 ستصل القوات المسلحة الايرانية الى درجة من التقدم النوعي من شأنها ان توضح حتما في حسابات الجدول العالمي" .

وسواء حقق الشاه بهلوي طموحه في ان يصبح قوة رئيسية في المحيط الهندي ٬ فمن الواضح بانه نفذ أهداف واشنطون في ان يحل مكان بريطانيا كقوة شرطة رئيسية في الخليج العربي .

ان كل هذه التطورات يجب ان تثير رضاء الاستراتيجيين الأميركيين الذين قادوا أوركسترا توسع القوة الايرانية . ولكن معادلة القوة الجديدة في الخليج العربي ليست غير قابلة لتعديل ٬ اذ هناك العديد من العوامل التي قد تؤدي في النهاية الى مضايقة المصالح الأميركية . وهكذا ٬ وفي حين ان الاستراتيجية الأميركية تستند الى تعاون ايراني وسعودي ٬ فمن المحتمل كثيرا بأن طموح ايران بأن تصبح القوة المهيمنة في الخليج ٬ سيثير يوما ما نزاعا مع جاراتها العربية . وقد سبق لايران ان وظفت قوتها العسكرية لاحتلال جزر أبو موسى وطمب الكبرى وطمب الصغرى التي تعود لاتحاد الامارات العربية ٬ كما ان ارسال القوات الايرانية الى عمان لا يمكن الا ان يثير نقاط فهم عديدة في عقول أولئك الذين يخشون تدخلا ايرانيا مستقبليا في الجانب العربي من الخليج .

hurriya