اعتقال في ناميبيا

 

ناميبيا (جنوب غرب أفريقيا) كانت مستعمرة ألمانية . اثناء الحرب العالمية الأولى احتلتها جيش جنوب أفريقيا الذي اشترك في الحرب الى جانب الحلفاء المنتصرين . وفوضت عصبة الأمم جنوب أفريقيا منتدبة على ناميبيا . وبعد الحرب العالمية الثانية قررت هيئة الأمم المتحدة (وريثة عصبة الأمم) ان مفعول الانتداب قد انتهى وعلى جنوب أفريقيا سحب قواتها من ناميبيا ٬ لكن جنوب أفريقيا تجاهلت قرار الأمم المتحدة وراحت تستخدم ناميبيا كمنطة لتدخلها العسكري في الحرب الأهلية في أنجولا . ومنذ انتصال م.ب.ل.أ (الحركة الشعبية لتحرير أنجولا) وهي الحركة الحاكمة في البلاد ٬ تعاظم كفاح أبناء ناميبيا للتحرر . وعلى هذه الخلفية يمكن فهم "حملات التطهير" التي تشنها جنوب أفريقيا في منطقة حدود ناميبيا ‒ أنجولا . وفي مطلع ايلول 1976 أعلن مندوب الأمم المتحدة في ناميبيا ان جيش جنوب أفريقيا قد قام بطرد حوالي أربعين الى خمسين ألف انسان قروي من أراضيهم هدفا لايجاد "حزام أمن" عرضه كيلو مترا واحدا على طول الحدود بين ناميبيا وأنجولا .

فيما يلي ننشر شهادة بيل أندرسون وهو جندي في جيش جنوب أفريقيا يصف فيها كشاهد عيان ما رآه اثناء خدمته في "حملة كوبرا" وقد أدلى أندرسون بشهادته هذه لصحيفة "جارديان ويكلي" الصادرة في 5/9/1976 .

*     *     *

اسمي بيل أندرسون . ولدت في كيب تاون عام 195 . في 2 تموز 1975 استدعيت للخدمة العسكرية في الكتيبة السادسة التابعة لجيش المشاة لجنوب أفريقيا . واجتزت تدريبي الأساسي في جراهامستاون . وكان رقمي الشخصي أ ب 7153771 وخدمت في العمليات في مقر القيادة .

في 22 تشرين ثاني (1975) أرسلنا الى عمق 20 كم داخل أراضي أنجولا حيث قمنا بحراسة سد كون يني حتى منتصف شباط 1976 وقمنا بأسر سارقي الأبقار المتهمين كعملاء لحركتي SWAPO [منظمة شعب جنوب غربي أفريقيا وهي حركة تحرير ناميبيا] و- م.ب.ل.أ . ورأيت كيف ضرب ثلاثة منهم بهراوة وكان الضارب قائد كتيبتي . ورأيت كيف يعذبون أحد الأسرى بالماء ٬ اذ وضعوا على وجهه خرقة وصبوا عليه الماء حتى اختنق . وكان قائد كتيبتي حاضرا وهو الذي أمر بالتعذيب . وبقي الرجال صامدين تحت الضرب ولكن بعد تعذيبهم بالماء اعترفوا بأنهم سارقوا الأبقار .

وقام أحد جنود كتيبتي بقطع اذن أحد الأسرى بعد أن قتله رميا بالنار وأرسل الاذن في زجاجة الى بيته . كما وقطع وعاء خصيتي الأسير القتيل وحاول ان يصنع منه غشاء لعصاه ٬ لكن وعاء الخصيتين تعفن وتلف . وصدر الأمر الى هذا الجندي بجلب ثلاثة الأسرى المتهمين الى النهر قرب قائد الكتيبة واطلاق النار عليهم .

ثم عدنا الى معسكر للجيش في سودوليت في جنوب غربي أفريقيا ٬ ومكثنا هنا لحراسة منطقة الحدود حتى منتصف نيسان حيث حصلنا على اجازة لأسبوع .

وبعدئذ ارسلونا الى جروتفونتين ٬ المعسكر الرئيسي لجنوب أفريقيا ومن ثم الى القاعدة الشالية الشرقية في أوندونجو حيث المركز الرئيسي للعمليات في أوفامبولاند . نقلنا في قافلة الى قاعدة جديدة قرب القرية الصغيرة ٬ "أناهنا" على بعد 12 كيلو مترا من حدود أنجولا . وخلال الأربعة أسابيع الأولى قامت كتيبتنا بأعمال الدورية سوية مع كتائب أخرى على مقربة منا . وهما الكتيبتين الرابعة والخامسة لجيش المشاة وكذلك الكتيبتان ويتو ترساند ٬ ايست راند وويتنهاج .

وغطت كتيبتنا مساحة قدرها 200 كيلو مترا وربعا حتى الحدود . وكانت تساعدنا طائرات الهليكوبتر التي كانت تخرج من قاعدة تقيم فيها كتيبة من المظليين في أوندو نجوا . وسميت هذه العملية "حملة كوبرا" ٬ وقمنا بدوريات مشيا على الأقدام كانت تستمر ثلاثة أيام عادة .
وكان التعذيب يبدأ فور احضار المتهمين الى داخل خيمة الكتيبة . ورأيت الجنود وهم يضربون المتهمين ببندقياتهم وقبضاتهم ويركلونهم لمدة ساعتين قبل أن أدخلوا الى الخيمة لاستجوابهم .

وكلما كان يجري التعذيب داخل خيمة قيادة الكتيبة أو في المنطقة الخالية خلفها كان الجنود يتجمعون لرؤية "المشهد" . لم أشاهد ولكنني سمعت الصرخات كل ليلة . (ويروى أندرسون انه كانت هنالك خيمة استعملت كنادي للجنود النظاميين فقط ومعظمهم من الضباط ٬ وكانت تقدم فيها البيرة والمشروبات الروحية . وكان النادي يغلق في التاسعة مساء) .

كان التعذيب يبدأ بعد اغلاق النادي . وكانت الصرخات تسمع الى ما بعد منتصف الليل . وقد تفاخر أمامي بعد الضباط باستعمالهم تلفونات ميدانية للتعذيب بالتيار الكهربائي في الأعضاء التناسلية ٬ حلمات الثدي والاذان . وكان هذا معروفا للجميع .

رأيت كيف يعذبون اثنين من المتهمين بواسطة الماء في معسكر قرب اينا هنا . أدخلوا رأسيهما في دلو مملوء بالماء حتى كفا عن الحركة . وقد استمر ذلك لمدة طويلة ٬ ورأيت متهما آخر ضخم الجسم وقد قاوم حتى اضطر خمسة رجال الى تثبيت رأسه داخل الدلو .

رأيت مرارا كيف يضربون ويركلون أطفالا معصوبة أعينهم ٬ بعضهم في سن الثالثة عشرة وبعضهم لا يربو على ذلك كثيرا .

احضر جميع المتهمين الى المعسكر معصوبي الأعين بعد ان ضربوا . واعتقلوا في ظروف مريعة . وفي الليل قيدوا بأيديهم الى الأشجار وبعضهم اعتقل في حفر . كان ذلك شتاء ودرجة الحرارة تدنو من الانجماد . وقيد المتهمون الى الأشجار عراة الا من مئزر لستر العورة ومبللين بالماء .

كنت أنا الطباخ . وحسب علمي فان غذائهم الوحيد كان من فضلات الطعام قدم اليهم مرة واحدة في اليوم . وقامت كتيبتنا بالتحقيق معهم حوالي يومين ثم أرسلوا بالهليكوبتر الى أوندونجوا .

في مطلع حزيران شنت الوحدات الخمس حملة مشتركة وراحت "تطهر" المنطقة باتجاه المركز . وقامت كتيبتي بتمشيط حوالي مائتي كيلو مترا مربعا بمعدل كيلو مترا واحدا يوميا ٬ وأعتقل كل ذكر فوق سن الرشد . ونصت الأوامر على قتل من يهرب وأسر من لا يهرب . وجميع الرجال الذين اعتقلوا ضربوا وعذبوا واستجوبوا بدون استثناء . ثم أخذوا الى أوندونجوا .

وألقت كتيبتنا القبض على 200 ‒ 300 رجل تقريبا . وأعتقد ان الكتائب الأخرى قد اعتقلت ما يقارب هذا العدد . وتم اعلامنا لاحقا انه ستجري محاكمة أربعين معتقلا من بين ألف معتقل بتهمة الارهاب . ونقل جميع المعتقلين الى أوندونجوا . والذين لم توجه اليهم تهمة ارغموا على ملء الأكياس بالرمل بأيديهم وكان الجنود يفرغونها بملأها مجددا .

حوالي تسعين بالمائة من أفراد كتيبتي تعاونوا في هذه العمليات . وجميع أفراد سريتي اشتركوا في الضرب وتحدثوا انه كان عملا ممتعا .

خلال الساعتين الأوليتين كانت تعطى للجنود الحرية المطلقة لمعاملة المعتقل . فكان الضرب بقبضات اليد والركل بالأحذية واطفاء السجائر على جلد المعتقل وملأ فمه بالرمل من الأشياء العادية . لم تكن هذه السرية العسكرية نموذجا يمثل الشباب الجنوب أفريقي . جندنا في تجنيد حزيران وأغلبية المجندين من الجامعات يستدعون في كانون ثاني .

"جارديان ويكلي" ٬ 5 ايلول 1976