ala-76

أعتقد بعد دراسة ملية للموضوع ٬ ان دولة اسرائيل هي دولة عنصرية بكل ما في هذه العبارة من معنى : ففي هذه الدولة يعاني المواطنون من التمييز ضدهم بصورة دائمة وتحت مظلة القانون وفي أهم نواحي الحياة ٬ بسبب أصلهم فقط . وقد بدأ هذا التمييز العنصري مع الصهيونية وهو ينفذ اليوم بصورة رئيسية بالتعاون مع المؤسسات التابعة للحركة الصهيونية وسأثبت رأيي هذا عن طريق الاشارة الى الحقائق والقوانين والأنظمة النافذة في اسرائيل (والتي يعرفها كل شخص في الواقع) وتنفذها الحكومة . ولذلك فانني سأتجاهل عنصرية الأفراد في هذا المقال كما انني سأتجاهل أيضا التعليلات المعلنة وغير المعلنة التي تبرر بها أحيانا هذه العنصرية .

وفي دولة اسرائيل هنالك تمييز عنصري ضد كل من ليس يهوديا لمجرد كونه غير يهودي وذلك في ميادين الحياة التالية : ‒

حق العيش وممارسة العمل

حق العيش والسكنى أو ممارسة العمل في المكان الذي يختاره .

ان القسم الأكبر من الأراضي في اسرائيل يخص ويقع تحت ادارة الصندوق القومي اليهودي وهو مؤسسة تابعة للتنظيم الصهيوني وتمارس سياسة عنصرية معترفا بها انها تمنع غير اليهود من السكنى أو فتح مكان للعمل وحتى العمل أحيانا في أراضيها لمجرد كون هؤلاء غير يهود ! ان هذه السياسة لا تلاقى هنا مجرد اعتراف قانوني كامل بها وحسب (بالمقارنة مع تمييز مشابه ضد اليهود يعتبر غير قانوني في معظم بلدان العالم) ولكنها تلقى تأييدا من جميع أجهزة نظام الحكم في اسرائيل . وبهذه الطريقة فقد تمت اقامة مدن كثيرة بكاملها في اسرائيل والتي توصف بعبارة "نظيفة من العرب" أو بعبارة أخرى وهي عبارة "نظيفة من (غوييم)" أي من (غير اليهود) . وفي بعض المدن الأخرى مثل الناصرة العليا ٬ خصص حي واحد فقط لسكنى العرب . ان كل محاولة يقوم بها عربي ليشتري أو يستأجر شقة من يهودي هناك تلقى معارضة مكشوفة وقانونية من جميع الدوائر الحكومية (وزارة الاسكان والبلدية الخ ...) ومن قبل المعارضة غير القانونية للمواطنين اليهود تلك المعارضة التي يدعمها البوليس الاسرائيلي على كل حال . وأستطيع أن أذكركم بأن أحدا لا يعارض اجراء معاملة بيع أو تأجير شقة في مدينة الناصرة اذا كان المشتري أو المستأجر يهوديا وهذا يعني حسب التعريف العنصري لهذه الكلمة والمعترف به قانونيا في اسرائيل ان الانسان الذي يستطيع ان يثبت ان والدته أو جدته لوالدته أو جدة جدته لوالدته يهودية عندها يعتبر اليهودي الذي لا تلقى معاملته مثل هذه المعارضة . فاذا استطاع اثبات ذلك تكون معاملته سليمة بقدرة قادر ولا تلقى معارضة من أحد ٬ ولا من المواطنين .

... اما اذا كانت والدة المشتري ليست يهودية فان المعارضة تكون واردة ...

هنالك مثال آخر حول نفس الموضوع تصوره قضية محمد معروف وهو مواطن اسرائيلي من قرية دير الأسد الذي أراد ان يقيم مشغلا في مدينة كرمئيل . لقد منع المذكور رسميا من القيام بذلك واعطى سببا رسميا وهو ان كرمئيل تقع "خارج الحدود" بالنسبة لغير اليهود وكانت النتيجة الحتمية لذلك اضطراره الى بناء مشغل خارج الحدود (النقية) لمدينة كرمئيل . وأريد أن أؤكد مرة أخرى انه ليست هنالك أية حدود مفروضة على أي يهودي في ان يفتتح عملا له أو يسكن في أي مكان في اسرائيل ولذلك فان القيود التي تطبق على القسم الأكبر من أراضي اسرائيل تشكل تمييزا عنصريا خطيرا . انني أستطيع أن أقيم أو افتتح عملا لي في أي مكان اختاره (بالطبع اذا اتفقت مع المالك السابق) لمجرد كون والدتي يهودية . ان المواطن الاسرائيلي لا يستطيع ان يتمتع بهذا الحق اذا كانت والدته غير يهودية . وفي هذه الحالة يواجه مثل هذا المواطن تمييزا يعاني منه كل أيام حياته .

انني أريد الاستمرار في معالجة هذا الموضوع لأبين ما يلي : ‒

أ ‒ انه ليست هنالك علاقة بين هذا الذي أذكره وبين ما يوصف في أوساطنا باسم "الأمن" . ان هذا القيد يطبق بطريقة عنصرية ضد جميع غير اليهود بمن في ذلك أولئك الذين خدموا في الجيش الاسرائيلي أو حتى الذين ابدوا تفوقا في تلك الخدمة أو جرحوا اثناء خدمتهم العسكرية حتى ولو كانوا ما الطاعنين بالسن الذين خدم أولادهم وأقرباء لهم في الجيش . ان السيد معروف هو درزي ولذلك فان جميع أفراد عائلته ملزمون بالخدمة الاجبارية في جيش الدفاع الاسرائيلي مثلهم كمثل اليهود ٬ غير انه حرم الحق الذي اعطى الى كل يهودي للاقامة في رمئيل . ان اللص أو قاطع الطرق أو القاتل اليهودي اذا انهى مدة سجنه له الحق في السكنى في كرمئيل . اما غير اليهودي كالدرزي أو الشركسي أو البدوي أو المسيحي الذي خدم في الجيش مثلا وجرح اثناء خدمته وأصبح الآن مقعدا ‒ ان مثل هذا الشخص ليس له حق السكنى في كرمئيل بمجرد انه قد ولد من أم (غير صحيحة) .

ب ‒ انه ليس لهذا التمييز العنصري علاقة بما قد يوصف بأنه "يسار" و "يمين" أو "نسور" و"حمائم" داخل الحركة الصهيونية . بل على العكس من ذلك . ان أكبر كتلتين عنصريتين في اسرائيل هما "الاشتراكيون" و"المتدنيون الوطنيون" ٬ وان الحلف المقدس فيما بينهما يستند على دعمهما المشترك للعنصرية . مثلا ٬ عندما نفذت تظاهرة "الاستيطان" في سبسطية [في الضفة الغربية المحتلة] قام النشيطون في حزب "موكيد" (وهو حزب صهيوني "اشتراكي" يفترض فيه ان يكون اتجاهه يساريا بالنسبة الى حزب الحكومة) بتظاهرة خاصة بهم امام مزرعة تخص الجنرال الاحتياطي أريك شارون احتجاجا على استخدامه للعرب هناك !!!

انني معارض شديد لسياسة الجنرال شارون وأعماله ولكنني اعتبر الكاتب عاموس عوز الذي "تميز" باستخدام ذلك الاتهام ٬ أكثر العنصريين خطرا في هذه المسألة وان للجنرال شارون كل الحق في استخدام عمال مزرعته دون اي تمييز من حيث العنصر أو الدين أو القومية .

ج ‒ ان أسوأ العنصريين في اسرائيل من هذه الناحية هم أعضاء الكيبوتس وان أكثرهم لؤما في عنصريتهم هم أعضاء كيبوتسات "هاشومير هاتسعير" ذلك لأنهم يضيفون قدرا كبيرا من النفاق والتلون في عنصريتهم (هذا الكيبوتسات خاضعة لحزب مبام وهي تتباهى باعلانها تمسكا "بالاشتراكية" والاهتمام بالعرب الخ...) . ان المواطن الاسرائيلي غير اليهودي لا يقبل عضوا في أي كيبوتس حتى ولو وقعت ‒ ابنة عضو في كيبوتس ‒ في حب أحد العمال غير اليهود العاملين فيه .

د ‒ ان مختلف حالات التمييز المشابهة لما ذكرت تواجه بحق صرخات "اللاسامية" اذا نفذت بحق اليهود في البلاد الأخرى . ولكن أين الفرق ؟ ما الفرق بين منع اليهودي من الاقامة في السعودية لأنه يهودي ومنع غير اليهودي من الاقامة في كرمئيل لآنه ليس يهودي ؟ وما الفرق بين النضال المستمر لفتح نواد أو اقامة ضواح في الولايات المتحدة لا تقبل اليهود وبين النضال المستمر لمنع غير اليهود من دخول مدن بكاملها في اسرائيل لغرض الاقامة فيها أو حتى لمجرد فتح عمل هناك ؟ الفرق هو ان الصهاينة واللاساميين هناك يكافحون في الواقع في جانب واحد من المتراس . ان دولة اسرائيل الصهيونية تفعل هنا بالضبط ما يفعله اللاساميون في محاولتهم ‒ الفاشلة عادة ‒ في بلاد أخرى .
وسأصف فيما يلي باختصار أكبر بعض الأشكال الأخرى للتمييز : ‒

"ﺇنقاذ الأرض"

ان مفهوم "انقاذ الأرض" الذي تحشى به ادمغة جميع الطلاب اليهود في اسرائيل ابتداء من روضة الأطفال ٬ ماذا يعني ؟ ان هذه العبارة تعني حسب توجيهات وتعاليم وزارة المعارف والتربية الاسرائيلية ان الأرض التي "أنقذت" ‒ قد نقلت ملكيتها الى يهودي . اما الأرض التي لم يتم "انقاذها" بعد فهي تلك التي تخص اناسا ولدوا من امهات غير يهوديات ولذلك لا بد من "انقاذها" . ان رسل الصندوق القومي اليهودي الذين يلقون أكبر قدر من دعم الحكومة الاسرائيلية و"أذرعة الأمن" التابعة لها بشكل خاص يوظفون باستمرار في عمليات "انقاذ" الأراضي سواء في اسرائيل أو في المناطق المحتلة وفي تحويلها الى مناطق اضافية لممارسة العنصرية فيها . ان أفضل وأحدث مثل على ذلك هو منطقة مشارف رفح . لا أريد ان أشرح هنا مشاكل التعويضات "العادلة أو غير العادلة" التي تعرض على العرب الذين طردوا من تلك المنطقة ولا مشكلة "العمل العبري" أو "العمل العربي" في تلك المنطقة . أني أترك مناقشة هذه المسائل الى المنافقين المتلونين الى مبام أو موكيد . انني أريد فقط ان أوجه سؤالا انسانيا بسيطا : هل يتمتع السكان الذين عاشوا في تلك المنطقة حتى الى بضع سنوات خلت بحق الاقامة في المدينة العنصرية الجديدة "ياميت" (الواقعة في المنطقة المذكورة) ؟ وهل للعربي الاسرائيلي الحق في الاستيطان في ياميت ؟ ان الجواب الصريح الرسمي الذي ترد به اسرائيل على ذلك هو : لا . ان اليهود وحدهم هم الذين يتمتعون بحق العيش في مدينة ياميت العنصرية الجديدة وفي المستوطنات الأخرى التي أقيمت قربها . ان أسباب تلك الخطوة لا تهمني ٬ اذ قد يكون لقياصرة روسيا مبررا كافيا عندما منعوا اليهود من الاقامة خارج "الحظيرة" لمجرد كونهم يهودا . ولكن ذلك التصرف كان "عنصريا" وقياسا على ذلك فان كل ما يجري الآن في مشارف رفح وما يشابه ذلك من أعمال مماثلة "لانقاذ" الأرض في أية منطقة أخرى سواء في اسرائيل أو في المناطق المحتلة يشكل عملا عنصريا مماثلا .

... وانني أؤكد ان هذا هو تصرف عنصري يتجه الى ما لا نهاية بالنسبة للصهيونيين والى "انقاذ" جميع الأراضي في أرض اسرائيل وبالتالي الى طرد جميع غير اليهود من الأرض التي تم "انقاذها" بهذه الطريقة . ومن هذه الناحية فان الصهيونية أسوأ من التمييز العنصري الذي تنتهجه حكومة جنوب أفريقيا . لقد "قسمت" تلك الحكومة البلاد ومنعت البيض من شراء أراض في المناطق "السوداء" (التي تخص البانتوستان) كما منعت السود من شراء في مناطق "البيض" ٬ ان الصهيونية تريد أن "تنقذ" ما استطاعت من أراضي بدون حدود على الاطلاق وفي جميع مناطق "أرض اسرائيل" وهي تحول الأرض التي "تنقذها" الى منطقة تمييز عنصري (أبارتهايد) كبيرة لا يملك فيها الأشخاص الذين ولدوا فيها من أمهات غير يهوديات أي حق في الحياة والعيش . وأنني لا أرى فرقا فيما لو أوجدت مناطق التمييز العنصري على طريقة حكومة جنوب أفريقيا بواسطة المصادرة أو الشراء . ان الحقيقة الأكثر أهمية هو وجود مثل هذه المناطق . وعليه أعود الى القول أن الصهاينة "المعتدلين" كانوا ولا يزالون أكثر سوءا في هذا المجال . ان شهادة المؤرخ والتر لاكير (وهو صهيوني) في كتايب "تاريخ الصهيونية" (نشرته دار شوكين سنة 1974 بالعبرية) هي صحيحة حيث يقول : "لقد عادى غوردون [أحد مؤسسي "الصهيونية" ٬ عرف بأنه معتدل وهو في الواقع عنصري الاتجاه ومعاد للعرب] العنف من حيث المبدأ وبرر الدفاع عن النفس في حالة واحدة فقط وهي وجود ظروف في حالة شذوذ قصوى ٬ غير أنه ورفاقه كانوا يرغبون في أن تزرع كل شجرة أو نبتة في أراضي الآباء والأجداد اليهودية من قبل طلائعيين (يهود) فقط" (أنظر صفحة 178 من الكتاب) . وهذا يعني أنه كان يرغب في فرض تمييز عنصري مطلق على طريقة حكومة جنوب افريقيا وطرد كامل لغير اليهود من أرض الآباء والأجداد اليهودية ولكن بدون دماء . وعلى العكس من ذلك فانني لا أعادى العنف دائما ولكنني أعادى التمييز بصورة مبدئية ولا يهمني كيف وجد مثل هذا التمييز .

حق العمل

سأبدأ هنا بالاشارة الى مرجعين : تحت العنوان "سلطات الاستيطان الاسرائيلي تتخذ اجراءات ضد تأجير الأراضي للعرب" ذكرت صحيفة "معريف" بتاريخ 3/7/1975 القصة العنصرية التالية : ‒

"لقد شنت وزارة الزراعة ودائرة الاستيطان التابعة للوكالة اليهودية في المدة الأخيرة حملة مسعورة لاستئصال وباء تأجير الأراضي والبساتين الى البدو والمزارعين العرب في منطقة الجليل الغربية . وصرح مدير منطقة الجليل التابعة للوكالة اليهودية وهو السيد أهارون نحماني ان مكتبه وجه منشورا الى جميع المستوطنات حذر فيه من أن تأجير أراضي الأمة الى المزارعين العرب لفلاحتها وتأجير البساتين الى العرب لقطف ثمارها وتسويقها ٬ مخالف للقانون وللأنظمة التي وضعتها سلطات الاستيطان وحركات الاستيطان . ان ادارة منطقة الجليل تناشد المستوطنات الامتناع عن هذا التصرف وتؤكد انها في السنة الماضية بذلت جهودا لاتخاذ اجراءات قضائية جزائية ضد المستوطنات التي لم تمتنع عن ذلك" .

انني ألفت انتباهكم الى ما يلي : ‒ لأنني يهودي يسمح لي باستئجار البساتين لقطف ثمارها وتسويقها ولكن العرب ممنوعون من ذلك لمجرد كونهم عربا : ان وزارة الزراعة التابعة لدولة اسرائيل وسلطات الاستيطان (الصهيونية) ستحاكم وتقدم للمحاكمة المستوطنات اليهودية عندما تقوم بأعمال تعتبر قانونية من جميع الوجوه عندما تتم تلك الأعمال بين يهود ويهود ولكنها تعتبر غير قانونية عندما تتم نفس الأعمال بين يهود وعرب . وعليه فقد عوقبت المستوطنات . ولكن "حيث أن المستوطنات" في هذه البلاد هي بقرة مقدسة لأنها عنصرية فقد منح امتياز خاص الى أولئك المجرمين الذين "خالفوا القانون" وهو ما لم يمنحه يهوشواع بيرتس (زعيم عمالي من أشدود ٬ وهو يهودي من المغرب)فلم تتم محاكمتهم على هذه الجريمة الفظيعة وهي تجاهل العنصرية ولكنهم عقدوا "صفقة" وابتاعوا جريمتهم عن طريق تقديم "تبرعات" الى صندوق غامض الهوية .

وهكذا فان صحيفة "عل همشمار" بتاريخ 21/7/1975 تعطينا نهاية هذه القصة بقولها "ان وزارة الزراعة تذكر عددا من المستوطنات الزراعية التي "دوهمت" وهي متلبسة بمخالفة القانون عن طريق تأجير أراضيها الزراعية أو لقطف محصولها . وحيث انها ارتكبت هذه الجريمة للمرة الأولى فانها لم تغرم ولكنها أرغمت على تقديم تبرعات نقدية الى صندوق خاص سيقام في المستقبل القريب للأهداف لم تعرف بعد" .

"التبرعات" 750,000 ليرة اسرائيلية . وتبلغنا الصحيفة أيضا انه "اذا حدث ان وجدت مستوطنة تؤجر الأراضي مرة أخرى فانه ستقطع عنها جميع المساعدات التي تقدمها الدولة . ولن تتسلم مثل تلك المستوطنة مخصصاتها من الماء ولن تحصل على قروض ولن تتمتع بقروض التنمية" ٬ (نفس المصدر) . وهكذا فان وزارة الزراعة الاسرائيلية مهتمة بفرض التقيد بهذه العنصرية . ولم يكن عبثا ان بدأ وزير الزراعة السيد أوزان اعلانه بذكر الكفاح العنصري ضد الحقوق الانسانية للعرب (المواطنين الاسرائيليين) ٬ بقوله "ان سيطرة العمال العرب على الزراعة اليهودية هو سرطان في جسمنا" . وبالتأكيد فان الوزير المذكور يعامل أولئك البشر وكأنهم سرطان . فهل هنالك عنصرية أسوأ من هذه ؟ تصور وزيرا فرنسيا يقارن بين تجار المنسوجات اليهود في فرنسا بسرطان ويقارن التعامل معهم بنفس الطريقة .

حق المساواة

حق المساواة أي حق المواطن في ان تنتهج حكومته سياسة تعامل كل مواطن بمعايير محددة وغير عنصرية . ان وزارة الاسكان اليهودية تتألف من قسمين : الأول هو كالذي نراه في مشارف رفح حيث تنفذ سياسة عنصرية لصالح اليهود فقط . وعدا عن ذلك فان لديها وحدة ادارية خاصة تدعى "دائرة اسكان الأقليات" التي تستأهل هذا الاسم فعلا : فهي تعالج موضوع "غير اليهود" . وهنا في القدس مثلا وفي نفس الوقت الذي تبنى فيه وزارة الاسكان شققا لليهود فقط داخل القدس ٬ تقوم "دائرة اسكان الأقليات" بعكس ذلك فهي "تقلّص" المسلمين وتنقلهم الى الخارج القدس . وبنفس الطريقة فان "تأهيل الجليل" هما شيء واحد ٬ فان سكان اسرائيل ليسوا المدعووين الى الاستيطان في الجليل . اذ ان عربيا واحدا من "المثلث الصغير" لن يدعى أو يسمح له بالاشتراك في ذلك المشروع العنصري . ان دولة اسرائيل العنصرية لا تنتهج سياسة اسكان انسانية كالتي تطبق بطرق مختلفة في الاتحاد السوفياتي أو الولايات المتحدة أو بريطانيا . ان دولة اسرائيل لم تصل حتى حد التظاهر بالاهتمام في اسكان بشر لأنهم بشرا وعائلة فقيرة أو ذات عدد كبير من الأطفال لأن الاسكان الشريف هو حاجة انسانية . لا ! ان دولة اسرائيل بدافع من أهدافها الصهيونية مثل "تهويد الجليل" تنفذ قائمتين متناقضتين من السياسات في الوقت ذاته : احداها تستهدف أقصى الاهتمام باليهود والأخرى تستهدف التمييز ضد غير اليهود واضطهادهم . وبنفس الطريقة تعالج المسألة الصحية :

.. فعندما وجد من المناسب تكريم الزعيم المبامي عبد العزيز الزعبي جرى اختياره ليكون "نائب وزير الصحة للأقليات" ووضع لذلك على رأس ادارة وزارة الصحة الاسرائيلية ومنح لقبا مشابها لهذه الاسم . ان الصحة الانسانية لا يعترف بها في اسرائيل بهذه الصفة لأسباب صهيونية عنصرية . ولا يسمح الا بوجود منفصل لصحة جسم اليهودي ولصحة من نوع آخر للشخص غير اليهودي . وهذا هو السبب الذي من أجله اشتكى مؤخرا زعيم قبيلة الحجيرات (وهم بدو في الجليل يخدمون في الجيش) وهو السيد حسين قاسم مصطفى من ان قبيلته "ليس لها حق" في التطعيم الذي تؤمنه وزارة الصحة . فاذا سمح باقامة دائرة منفصلة للاهتمام "بصحة الأقليات" فان وضعا كهذا يجب ان يتطور ("يديعوت أحرونوت" ٬ 10/10/1975 ٬ مقال بقلم شولاميت ألوني عضوة الكنيست) .

ان الاسكان والصحة في اسرائيل ليسا بالطبع المثالين الوحيدين ففي كل نواحي الحياة في دولة اسرائيل هنالك فصل عنصري بين اليهود وغير اليهود وهذا الفصل يؤدي بالضرورة الى التمييز . وانني على استعداد لايراد أمثلة أخرى اذا سنحت فرص أخرى لي . واني أريد الآن ان أنهي مقالي بالاستنتاجين التاليين : ‒

أ ‒ لا أرعب في مناقشة مبررات هذه السياسة العنصرية فالحقيقة الأكثر أهمية هي انها موجودة ولذلك فان الخطوة الأولى يجب ان تكون الاعتراف بالحقيقة وهي ان دولة اسرائيل هي دولة عنصرية وعنصريتها هي نتيجة اقتضتها عنصرية الحركة الصهيونية . فالحقائق هي الحقائق . وبعد ذلك نستطيع مناقشة السبب الذي من أجاه أصبحت مثل هذه العنصرية "محظورة" ضد اليهود فأصبحت عملا حسنا عندما يقترفها اليهود .

ب ‒ أعلم تمام العلم ان دولة اسرائيل ليست الدولة العنصرية الوحيدة وهكذا فان التنظيم الصهيوني ليس التنظيم العنصري الوحيد . أعرف مثلا ان المادة السادسة من الميثاق الفلسطيني الصادر سنة 1968 ("اليهود الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى بدء الغزو الصهيوني لها يعتبرون فلسطينيين") يمكن اعتبارها اعلانا عنصريا وقد قلت ذلك عدة مرات للمستمعين من الفلسطينيين والعرب في بلاد محايدة . وانني ألاقي عادة تفهما عظيما ولكن العدل يجب ان يبدأ في البيت وعليه فان الواجب الأول لجميع مواطني اسرائيل ولجميع أولئك اليهود الذين يقيمون خارج اسرائيل ويعتبرون أنفسهم مؤيدون لاسرائيل هو النضال ضد العنصرية والتمييز اللذين اقامتهما الصهيونية في دولة اسرائيل والموجهين ضد جميع المقيمين في اسرائيل من غير اليهود . ان مثل هذا النضال الذي يبدأ بالضرورة بايضاح الطبيعة العنصرية للصهيونية ودولة اسرائيل وادانة عنصريتها ليس موجها لا ضد اليهود ولا ضد السامية كما هو الحال عندما تدان عنصرية روسيا القيصرية اذ كان ذلك لا يعني الدعوة الى كره الروس ..

وهكذا فان الدولة التي تلغى في داخلها جميع أشكال العنصرية بادئة بتلك التي تطبقها هي بنفسها تستطيع فيما بعد ان تمارس سياسة شأنها ايصلنا جميعا الى سلام مستقر . ولا يمكن ان يكون مثل هذا السلام الا سلاما خال من التمييز بسبب العنصر أو بالنسبة للاقامة أو العمل أو لأي أمر من أمور الحياة وتنفذه حكومة تقوم بمعاملة كل مواطن بالطريقة التي يستحقها كانسان .