كعادتها ‒ كلما كان النقاش أو الكتابة عن اليسار المتمثل في متسبين .. تتحول "الغد" الى منبر للشتائم .. فتفقد الكتابة قدسيتها ويفقد النقاش موضوعيته .. ويفقد الكاتب أعصابه وأعرابه ويصبح همه الوحيد هو البحث في قواميس اللغة وفهارسها عن احدث النعوت والشتائم السوقية ليصبها على هذا اليسار .

واذا كانت مجلة "الغد" مطالبة باحترام أحد فهي مطالبة لا باحترام رسالتها ٬ بل احترام الكلمة واحترام قرائها ...

في عدد أيار من الغد ٬ نجد نموذج من النماذج التي به كانت الغد منبر للشتيمة . ونموذج للفكر الستاليني وشراسته . ونموذج للتزييف ومحاولة اللعب على الحبال .. كل هذا كان في المقال ‒ "معادون للشيوعية أولا وقبل كل شيء" ‒ الذي كان الكاتب أعجز من ان يضع اسمه الصريح . مقال اتفه وأضحل من ان يناقش . لأن أي قارئ عادى يقرأ المقال لا يخرج الا باحساس واحد هو الاشمئزاز ٬ والذي دفعني للكتابة هو نقاش دار بين بعض الأصدقاء حول المقال والسخافات والمغالطات الكثيرة التي ينضح بها .. هذا أولا . ثانيا ان كاتب المقال في حمى هجومه على اليسار المتمثل في متسبين كان عليه ان يهين بشكل مباشر الجماهير العربية ويشوه بشكل سافر نضالها البطولي في يوم الأرض ...

واذا كان المقال اضحل من ان يناقش . الا ان ما يهمنا هو نقطتين فقط نحاول ان نرد عليها هما ..

‒ هل الجماهير كانت بحاجة الى تحريض في يوم الأرض ..؟!

‒ هل متسبين تعمل لتكون البديل للحزب ركاح ..؟..

تلك هما النقطتين اللاتي سنحاول مناقشتها . اما باقي النقاط وما تضمنت من شتائم فهي أتفه من ان تناقش .. والذي يهمني ان يعرفه صاحب المقال ومحرري الغد ان هذا الرد لا يمثل رأي شخصي فحسب . بل يمثل أراء الكثيرين من جماهيرنا العربية .

فلنعد الى النقطة الأولى وهي هل الجماهير كانت بحاجة للتحريض في يوم الأرض ..؟

ليس من قبيل الصدفة ان تحاول السلطات بأجهزة أعلامها خلق المبررات الكاذبة لما كان في يوم الأرض وليس صدفة ان تحاول الصاق تهمة التحريض على ‒ ركاح بالذات .. وان تحاول اشاعة هذه الكذبة على كافة المستويات . وهي تعلم حق العام ان اشاعة مثل هذه الكذبة تساعد بشكل مباشر على اظهار ركاح كحزب مناضل . ويساعد على التفاف الجماهير أكثر فأكثر حول هذا الحزب ... والسؤال الذي لا بد من طرحه هو ٬ كيف ان السلطات تعمل على تقوية ركاح وما هو السبب الحقيقي لهذا الاجراء ...؟ هناك عدة أسباب تستتر وراء كل هذا .

أولا .. ان السلطات كانت مجبرة على ان تجيب على سؤال طرح بين الأوساط اليهودية هو : هل الذي حصل في الثلاثين من آذار كان وليد الساعة ٬ أم انه تفجير لطاقات نضالية ظلت ثمان وعشرون عام تتفاعل في نفوس هذه الجماهير من جراء سياسة القمع والظلم التي تنتهجها الحكومة ؟

ثانيا .. ان السلطات نفسها فوجئت بعنف الهبة الجماهيرية في يوم الأرض . وهي التي اشاعت وآمنت ان هذه الجماهير أعجز من ان تناضل وتدافع عن نفسها . وان النضال ليس من طبيعتها . وان هذه الجماهير أفرغت والى الأبد من أي روح نضالية .

وكانت الهبة البطولية في يوم الأرض لتقلب كل الموازين . وتبطل كل المعادلات والنظريات التي اشاعتها السلطات . وكان لا بد من البحث عن معادلة تبقى على المعادلات القديمة .. وتحاصر هذه الهبة نطاق ضيق بل وتفقدها أي معنى . فتمخض فكر هذه السلطات عن هذا التحليل الساذج . بان ما حصل في يوم الأرض كان نتيجة لتحريض ركاح .. اما ان تكون الجماهير معبأة ثوريا ٬ فلا .. اما ان سياسة القمع والاضطهاد علّم هذه الجماهير النضال .. لا .. اما ان من طبيعة الجماهير حين تشعر بالظلم فتهب .. لا .. كل ما في الأمر ان الجماهير كانت ضحية التحريض وهذا كل شيء .. وكل من يلم ولو بالقليل من علم النفس يمكن ان يستنتج ماذا تعني كلمة التحريض .. اما بالنسبة لركاح التي ساعدت على ترويج هذه الكذبة ٬ لم تحاول احترام مشاعر الجماهير التي صنعت يوم الأرض . بل سكتت وأخذت تردد كذبة السلطات اياها .. اما الذي يقول ان ما حصل في يوم الأرض كان نتيجة حتمية لمواجهة الاضطهاد والظلم من يقول هذا فان ركاح ينصب من صحافته صليبا ليصلبه عليه .

‒ النقطة الثانية التي نحاول نقاشها هي .. الحزب البديل وتطلعات اليسار متسبين ..

.. هناك حقيقة غابت عن اذهان مقرري سياسة ركاح . وهي ان الجماهير هي التي تصنع الحزب القائد .. تهبه وجوده وشرعيته وان الجماهير حين تشعر ان هذا الحزب أصبح أضعف من ان يتكلم باسمها يصبح لها الحق بأن تفقده وجوده وتسلبه شرعيته وسرعان ما تخلق البديل .

هذه الحقيقة غابت عن اذهان ساسة ركاح والحقيقة ان جماهيرنا العربية بعد ثمان وعشرون عام وبعد تجربة مريرة من العمل في نطاق ركاح وصلت الى درجة الايمان بان ركاح لا يصلح للقيادة . وان هذا الحزب فقد جاذبيته .. وأثبت فشله في ان يعبر عن امال الجماهير .. لأنه يرفض باصرار الا التحليق في فلك الاتحاد السوفياتي .. ولهذا أصبحت امكانيات هذا الحزب أضيق من استيعاب تطلعات هذه الجماهير المضطهدة .. كل هذا خلق هوة عميقة بين الحزب ركاح وبين الجماهير ..

والحزب ركاح حاول ولسنين عديدة ان يحاصر الجماهير العربية . حصار فكري وسياسي . وحرص ان يسد الأبواب بوجه أي حوار مع الفئات اليسارية الأخرى ومع متسبين بالذات . وأخذ يكيل لهم التهم والشتائم .

ووسط هذا الحصار الفكري الذي وصل الى حد الاختناق . ونظرا لأن الحزب ركاح رفض ان يتفاعل مع الجماهير وتطلعاتها . فان الكثيرين أصيبوا بخيبة امل كبيرة كانت كفيلة بأن تقدف بهم الى مهاوى اليأس ..

لكن بالرغم من الحصار البابوي الذي ضربته ركاح حول الجماهير العربية . بالرغم من حملة التشكيك والشتائم فان صحف هذه الفئات اليسارية وجدت لها منفذا لتصل الى الجماهير . وكان من الطبيعي جدا ان تجد أفكار هذه الفئات اليسارية طريقا الى نفوس الجماهير .

وفي هذه الأيام نرى ركاح يحاول بشتى الطرق ان يضرب هذه الفئات اليسارية الثورية . وهذا ما يفسر الاستأساد والهجوم العنيف الذي وصل الى حد الشتائم على متسبين . وان دل هذا على شيء فانه يدل على ان ركاح نفسه يشعر ‒ بعمق الهوة التي أصبحت بين الجماهير وبينه .

لكن ٬ هل الهوة التي أوجدها ركاح بتخاذله يمكن سدها من خلال الهجوم على متسبين وكيل الشتائم لهم ..؟ سؤال نتركه للقراء . ولمحرري مجلة الغد ..