بيروت 12/11/1973

خاص بمتسبين

(ملاحظة هيئة التحرير : مازن عارف هو سكرتير اللجنة التحضيرية للمنظمة الاشتراكية السورية القريبة في مواقفها للمنظمة الاشتراكية الاسرائيلية – متسبين).

*     *     *

من الواضح ان الهدف الأول لجولة الدكتور هنري كيسنجر (صانع السلام !) في منطقة الشرق الأوسط هو اثبات ان أمريكا – على الرغم علاقاتها الخاصة جدا والوثيقة جدا باسرائيل – يمكن ان تطأ الأرض العربية في اطمأنان وسلام ويمكن ان تكون في وقت واحد حليفة اسرائيل "وصديقة" العرب (وهو ما لا يتمتع به الاتحاد السوفياتي) . اذا كان هذا هو الهدف الأول للجولة , فان الهدف الأساسي الاخر لها حسب ادعاء جميع الدوائر السياسية النشيطة في هذه الآونة , هو ايجاد حل "لقضية الشعب الفلسطيني" الذي يلعب دور الزوجة في الشرق العربي (كآخر من يعلم) بما يجري حوله من امور .

واذا كان الهدف الأول قد تحقق في سرعة اذهلت الكثيرين بما فيهم المقاومة الفلسطينية (اعادة العلاقات بين أمريكا ومصر بعد دقائق من وصول كيسنجر الى القاهرة) وذلك بفضل الرئيس السادات (وهو يرتدى الكاكي) "وتفاؤله" بالدور الأمريكي , فان الهدف الآخر يبدو صعبا ومعقدا للغاية , وهو بالفعل كذلك , بل ان عبارة "الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني" هي أصعب عبارة لأصعب مشكلة .

لماذا ؟

لأن الصعوبة ليست ناتجة فقط عن ضرورة ايجاد حل عادل وحقيقي لمشكلة الشعب الفلسطيني الذي هو صاحب القضية وصلبها , وعن استحالة تطبيق مثل ذلك الحل ما دامت دولة اسرائيل ترتكز على قواعد الايديولوجية الصهيونية الاستعمارية , بل لأن الصعوبة ناتجة عن وجود ستة مفاهيم لعبارة "الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني" هي : المفهوم الأمريكي والمفهوم الروسي والمفهوم العربي والمفهوم الأردني والمفهوم الفلسطيني والمفهوم الاسرائيلي (الصهيوني) .

كيف تنظر أمريكا "لحقوق الشعب الفلسطيني" ؟

المرة الأولى التي اعترفت فيها الولايات المتحدة بوجود شيء اسمه "حقوق الشعب الفلسطيني" كانت عام 1970 . وقبل ذلك كانت لا ترى في [الشعب] الفلسطيني الا مجموعة من اللاجئين ترعاهم دول العالم ومؤسساتها الدولية (اونروا الخ...) . وقد ورد ذلك الاعتراف للمرة الأولى في نيسان (أبريل) 1970 عندما أعلن جوزيف سيسكو , مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط , خلال جولته فب المنطقة "ان أي تسوية للنزاع في الشرق الأوسط يجب ان تأخذ بعين الاعتبار حقوق الشعب الفلسطيني" . وبعد فترة قصيرة من الزمن صرح الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية بان الفلسطينيين يجب ان يكونوا شركاء في أي تسوية سلمية , وهذا بالفعل ما هو على وشك الحدوث ان لم يكن قد حدث بعد . لكن "الماسة" الأمريكية لحقوق الشعب الفلسطيني تراوحت بين التأييد العنيف والنسيان المزمن لتلك الحقوق وفقا لأوضاع المقاومة الفلسطينية العسكرية والسياسية . فقد خفت تلك "الحماسة" وتضاءلت , مثلا , بعد المجزرة التي قام بها النظام الرجعي في الأردن ضد الشعبين الفلسطيني والأردني خلال شهر ايلول (سبتمبر) في عام 1970 .

اما عن النظرة الروسية , فان المرة الأولى التي تحدثت فيها روسيا عن "حقوق الشعب الفلسطيني" كانت عام 1969 , أي بعد أكثر من أربع سنوات على بدء العمليات الفدائية . وقبل ذلك كانت (كنظام) تتحدث عن "اللاجئين" . وفي نهاية 1969 اتخذت موسكو , بلسان ألكسندر شيليبين عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الروسي , أول موقف من نوعه حيال المقاومة الفلسطينية يقول : "ان نشاط المقاومة الفلسطينية نشاط عادل من أجل التحرر من الامبريالية . وام الاتحاد السوفيتي يؤيد هذا النشاط" . وأصدرت كتلة دول أوروبا الشرقية بعد ذلك بيانا موحدا تؤيد فيه "الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني" وقد أدت هذه التطورات في الموقف الروسي الى أول زيارة قام بها ياسر عرفات (الذي يزور موسكو حاليا , ولكن لأسباب مختلفة) الو موسكو (شباط – فبراير 1971) . ومنذ ذلك الحين توثقت العلاقات بين السوفيات والمقاومة وتوالت زيارة وفود المقاومة لموسكو . الا ان تلك الزيارات وكثافتها لم تغير من حرص الاتحاد السوفييتي على ادخال المقاومة الفلسطينية التسوية السياسية (التي تجرى بسرعة فائقة هذه الأيام) على أساس انها الطريق الوحيد لتأمين "حقوق الشعب الفلسطيني" . هذا وقد التقى الموقفان الأمريكي والروسي عند "حل وسط" حين أعلن بيان قمة نيكسون – برجنيف في واشنطون بان التسوية السياسية في الشرق الأوسط يجب ان تأخذ بعين الاعتبار "مصالح" الشعب الفلسطيني (ولكن أي مصالح ولأي طبقات) بدلا من "حقوقه" . وقد أدى ذلك الى تعديل أساسي في النظرة السوفيتية لعبارة "حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة" .

والآن ماذا عن النظرة العربية لتلك الحقوق ؟

ليس هناك في الواقع نظرة واحدة الى "حقوق الشعب الفلسطيني" . فهذه العبارة "غامضة" (!) بالنسبة لأنظمة الحكم العربية , من الناحية العملية لا النظرية , وبعبارة أخرى , قد يكون الغموض يحيط بنظرة تلك الأنظمة الى العبارة وليس بالخطوات التي ستتبع تنفيذ التسوية . ويبدو , خلافا للبيانات الرسمية المعلنة , انه ليس هناك اصرار عربي على ربط تحرير الأراضي المحتلة عام 1967 باعطاء الفلسطينيين حقوقهم (وذلك ما سيتأكد خلال الأيام القليلة القادمة) , بل يبدو ان الأنظمة العربية تسعى أولا الى حل مشاكلها وقضاياها (وهذا هو الواقع) على ان نترك مشكلة الفلسطينيين معلقة , أو الى مرحلة مقبلة من مراحل التسوية السلمية .

أو على الصعيد الرسمي الأردني فالنظرة مختلفة وشائقة . فالملك العميل حسين , يعتبر نفسه ممثل الفلسطينيين الشرعي في أية مفاوضات سلمية , ويعتبر "خطرا" – على حد قوله – انشاء دولة فلسطينية مستقلة عن الأردن في الضفة الغربية وغزة . ويتضح – حتى اشعار آخر – انه يحظى بتأييد أمريكي وبتأييد بعض الأنظمة العربية (السعودية ودول الخليج) . ولذلك فتمهد بعض الأنظمة العربية الاخرى وجهات معينة داخل صفوف المقاومة الفلسطينية , لايجاد مصالحة بين الأردن والمقاومة على أمل ان يخرج الحل , لهذه المعضلة من تلك المصالحة . (وبالفعل بدأت بوادر تلك المصالحة بالظهور منذ أكثر من شهرين , وذلك عندما أفرج النظام الرجعي عن عدد من الفدائيين المعتقلين ومن ضمنهم "أبو داوود" الذي ترأس وفدا فلسطينيا وتوجه الى عمان خلال الشهر الماضي لاجراء مفاوضات بذلك الشأن .)

المقاومة الفلسطينية , صاحبة الحق في التكلم باسم الفلسطينيين , ما رأيها وما هي نظرتها ؟

في الوقت الذي كانت العمليات الفدائية (داخل الأرض المحتلة وخارجها) هي سياسة المقاومة الفلسطينية , كانت منظمة التحرير , ممثلة كل فصائل المقاومة , تعتبر انشاء دولة فلسطينية تصفية للقضية الأساسية . اما الآن , وبعد ان توقفت العمليات الفدائية العسكرية لأسباب متعددة , أبرزها الحصار العربي الرجعي , والخلل الذي أصاب برامج المقاومة السياسية , فان منظمة التحرير (ممثلة كل فصائل المقاومة أيضا على وجه التقريب) أصبحت تعتبر انشاء كيان فلسطيني (أو دولة فلسطينية) "خطوة تكتيكية" ممكن قبولها على أساس ان يبقى الخط الاستراتيجي هو تحرير فلسطين . نظرة منظمة التحرير تلتقي بنظرة روسيا وأمريكا الى هذه "الخطوة التكتيكية" في تصور المقاومة . ولكن هاتين الاخيرتين , أي روسيا وأمريكا , لا تنظران اليها "كتكتيك" بل "كدولة" ذات كيان محلي وعربي ودولي . والسؤال , هل يمكن ان تتوافر قيادة فلسطينية واعية , ممثلة تماما للشعب الفلسطيني , كي تلعب بدقة وتدرك بدقة أيضا , كيف تسخر الأهداف التكتيكية لخدمة الهدف الاستراتيجي ! ام ان هذه القيادة ستتحول الى نظام عربي آخر بين الأنظمة الهشة القائمة في المنطقة ؟

يبقى الموقف الاسرائيلي . فاسرائيل , كدولة صهيونية , لا تعترف بوجود الفلسطينيين . ان قيامها هو , في نظرها , "الغاء للشعب الفلسطيني" . لذلك فهي ضد انشاء دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة . والحل المناسب لها , كما تراه , هو اذابة الفلسطينيين في الكيانات العربية القائمة .

*     *     *

الآن , كيف يمكن التوفيق بين هذه النظرات وايجاد حل عادل وحقيقي للسعب الفلسطيني ؟ وهل يمكن تحقيق ذلك ؟ ام ان اللعبة كلها تقتضي حل قضايا ومشاكل الأنظمة العربية واسرائيل وترك قضية الشعب الفلسطيني , صاحب القضية وصاحب الحق , بلا حل ؟ للاجابة على ذلك , تكفي مراقبة نتائج الحرب العربية – الاسرائيلية الرابعة .