طبع في مطبعة النور بيافا سنة ١٩٣٥
الفصل الأول
شيء عن حركة العمال في فلسطين
اذا ما أردنا الكتابة عن حركة العمال في فلسطين فذلك عن حركة العمال في فلسطين بعد الحرب الكبرى فلقد كان العمال في فلسطين لما قبل الحرب كالعمال في أوربا في أواسط القرن الماضي . حالتهم حالتهم وطرق كفاحهم طرق كفاحهم . لقد كانوا وهم يرزحون تحت نير الاقطاعيين وأصحاب الأعمال ، يشعرون بشقائهم ومرارة عيشهم ، يشعرون بالضيق المحيق بهم والضغط النازل عليهم ، يتألمون ويتمر مرون، ولكنهم لا يعرفون الطرق التي يمكنهم بها التخلص من حالتهم تلك القاسية الفظيعة . كان الواحد منهم اذا فرغ صبره واشتد به شعوره بحالته تمرد علی « معلمه » أو « سيده » تمرداً فردياً فتركه وراح يطلب عملا لدى غيره ظناً منه بأن غيره أحسن منه، أو عمد إلى الانتقام منه انتقاماً فردياً شخصياً بان يحرق له بعض البيادر او يقطع له بعض الاشجار أو غير ذلك من الوسائل التي عرفتها الطبقة العاملة في أوربا منذ زمن طويل . وهم في هذا كله لا يعرفون ان هنالك حركة عمال عالمية أو هنالك أي نضال طبقي منظم بين العمال وأصحاب الأعمال يقوم على قواعد وأسس معروفة .
اما بعد الحرب الكبرى فقد اشتدت حركة العمال في العالم بأسره وتوسع مدى الكفاح الطبقي وانتشر الفهم الطبقي انتشاراً واسعاً كنتيجة لتلك المجزرة البشرية الهائلة وكنتيجة لقيام حكومة عمال وفلاحين في الروسيا مما كان له اثر كبير في نفوس الجماهير العاملة في العالم . ثم ان المواصلات قد تقدمت تقدماً محسوساً وبذلك أصبحت أخبار ما يقع في جزء من العالم تنشر من أقصاه الى أقصاه فكان من ذلك ان انتشر بين الجمهور شيء عن حركة العمال . ولعب التطور التاريخي دوره فتقدم الفهم الطبقي بين بعض العمال في البلاد فأخذوا يعملون على تنوير طبقتهم وتفهيمها ، بقدر استطاعتهم ، واجبها كطبقه عاملة وماذا عليها ان تعمل لرفع مستواها .
الا ان هذا كله لم يكن كافياً لان ينورهم تنويراً طبقياً كافياً وان يكن قد ولد فيهم رغبة في التنظيم والكفاح لهذا فاننا كنا نرى العمال يسيرون وراء كل من دعاهم للتنظيم كائناً من كان دون اي تفكير بالغاية التي من أجلها يريد تنظيمهم . فكان من ذلك ان كثيراً منهم لما شاهد حركة الهستدروت ظن انها حركة عمال صحيحة وراح يندمج فيها . وكثير غيرهم ساروا وراء الانتهازيين والزعماء الاصلاحين .
ولكن بالرغم من جميع محاولات هذه العناصر لبلبلة أفكار الطبقة العاملة وصدها عن كفاحها وتحويلها عن طريقها الصحيح الذي تفرض عليها مصالحها السير به ، لم تستطع منعها من الانفجار في كثير من الأحيان . وفي الواقع قد أضرب العمال في فلسطين خلال هذه المدة ما ينوف عن الثلاثين اضراباً .
الا ان أكثر هذه الاضرابات ما كانت لتعد باضرابات بالمعنى الصحيح ، اذ انها لم تكن مديرة من قبل ولم يستعد لها بل ان في أكثرها لم يكن للمضربين صندوق اضراب وبالاجمال فقد كانت وليدة الشعور أكثر من ان تكون وليدة التروي والتدبير . كان سبب تافه مباشر يدفع بالعمال الى الاضراب دون أي تفكير بالنتيجة ودون أي استعداد لهذا فقد كان أكثر هذه الاضرابات يفتقر إلى التنظيم الصحيح . ومن هذه الاضرابات ما ادارته الهستدروت أو قرعها ( اتحاد عمال فلسطين ) ومنها ما اداره الانتهازيون العرب ومنها ما اداره الاثنان معاً ومنها ما اداره العمال بأنفسهم . فكان ان نجح بعضها واخفق البعض الآخر وكانت أسباب الاحفاق دائماً اما عدم التنظيم الصحيح واما خيانة الهستدروت او خيانة الانتهازيين . لقد كان أولئك الانتهازيون يشعرون دائماً ويدركون جيداً خطر حركة العمال عليهم وأهمية الاضرابات في حركة العمال فكانوا يعملون دائماً على احباط الاضراب بكل ما يستطيعونه من الوسائل . كذلك الهستدروت كانت تدرك جيداً أيضاً ما في يقظة العمال العرب من خطر على الصهيونية فكانت تعمل جهدها أيضا على احباط كل حركة يقومون بها وخنقها في مهدها ، وتوضيحاً لبحثنا نأتي بقائمه للاضرابات التي اعلنها العمال العرب منذ سنة ١٩٣١ .


ومما يلاحظ في هذه القائمة ان أكثر الاضرابات التي قادها العمال بأنفسهم كان نصيبها النجاح ، بالرغم من افتقارها للتنظيم والاستعداد ، بعكس الاضرابات التي قادتها الهستدروت أو فرعها أو جمعية الانتهازيين اذ قد انتهى أكثرها بالفشل .
ولكن كل ما لاقاه العمال من فشل بسبب خيانة الهستدروت والانتهازيين لم يكن ليبعث في قلوبهم اليأس أو يصدهم عن حركتهم ، كما كان يرغب أولئك الناس ، بل على العكس ما كان ذلك الا درساً لهم في حركتهم ودافعاً لهم على الاستمرار فيها . لقد أدركوا بفضل هذه التجارب ما يبيت لهم الانتهازيون وما تبغي لهم الهستدروت ، أدركوا ان عليهم وحدهم يتوقف مصيرهم وان عليهم وحدهم ان يديروا امورهم ويقودوا حركتهم . ثم ان اشتداد حركة اغتصاب الاعمال التي تقوم بها الهستدروت واتساعها في الزمن الأخير بتلك الصورة الصريحة الجلية قد كشف لهم عن نوايا تلك الجمعية الصهيونية وانها لا تتدخل في حركتهم الا لعرقلتها ولطردهم من أمكنة عملهم واحلال الصهيونيين في محلهم . فأخذوا يبتعدون عنها ويحرصون منها كما ظهر لنا في الاضراب الأخير في حيفا . الا انهم مع هذا لم يتخلصوا بعد من خداع الانتهازيين العرب وروغانهم بهم كما ظهر لنا في الاضراب الاخير في شركة الاصلاح في ميناء يافا . وبالاجمال فقد كانت جميع تلك الاضرابات التي اعلنت تمهيدات ليقظة عامة بين العمال العرب في البلاد ادت مؤخراً الى هذه الموجة من الاضرابات التي غمرت البلاد ورن صداها في كل صقع وواد مما سنأتي ببحثه مفصلا بالفصول القادمة .
الفصل الثاني
اضراب يافا الاخير
كان اضراب عمال شركة النفط العراقي عاملا كبيراً في الهاب شعور العمال في جميع انحاء البلاد بل على الاصح كان كعاصفة هبت فنسفت الرماد واظهرت من تحته النار المتأججة . فما كاد يعلن ذلك الاضراب حتى رأينا الجماهير العاملة في البلاد بأسرها وقد دب فيها الحماس ورفعت الصوت عالياً مطالبة بحقوقها المهضومة مؤيدة ، مادياً ومعنوياً ، المضربين في اضرابهم مترقبة بفارغ الصبر نجاحهم في مطاليبهم الحقة . وأصبحت كالبارود ينتظر الشرارة ليلتهب وينفجر .
وقد قدحت هذه الشرارة في يافا ، في ٢٧ شباط ، بعد مضي أسبوع على اعلان الاضراب في حيفا ، كان العامل الميكانيكي في ورشة اصلاح ميناء يافا اسحق الجدع يقوم في عمله ولسبب ما تركه لبرهة قصيرة حضر اثناءها المراقب فعنفه وشتمه . وما كان العامل ليحتمل تلك الاهانة من المراقب فغادر المكان لوقته محتجاً على تلك المعاملة الفظيعة الشاذة ولما عاد في اليوم التالي الى عمله طرده المراقب ولم يمكنه من العمل .
لم تكن هذه المرة الأولى التي يشتم فيها عامل ما في مكان عمله ، ولم تكن هذه المرة الأولى أيضاً التي يطرد فيها ذلك العامل المشتوم من عمله ولكن المثل يقول : ( ليس كل مرة تسلم الجرة ) ومعنى هذا ان ليس في كل وقت يستطيع فيه المراقب أو صاحب العمل ان يشم عماله أو يضربهم أو يطردهم من العمل . انه يمكنه بذلك فقط اذا كان العمال في حالة من التشتت والجهل بحيث لا يأبه الواحد منهم للآخر اما في وقت كهذا تنبه فيه العمال واصبحوا على شيء من الادراك الطبقي ، وفي اسبوع كهذا تطفو فيه على العمال موجة من الحماس والشعور الملتهب ، فليس الجواب على عمل كهذا الا الاضراب . وهكذا كان .
لم يكد يقع لاسحق الجدع ما وقع حتى هب رفاقه وزملاؤه محتجين صاخبين . وأرسلوا وفداً عنهم الى رئيس العمل يطلب منه حالا ارجاع زميلهم المطرود الى عمله ولما لم يتلقوا جواب صريحاً على ذلك أعلنوا الاضراب . وقرروا عدم العودة الى العمل الا متى أعيد زميلهم إلى عمله .
وكان العمال من شركة الاصلاح هذه يعملون في ايام الاحاد حتى الساعة الحادية عشرة فقط ولكن رئيس الشركة لم يكد يسمع باعلان الاضراب حتى أصدر بياناً رفع فيه ساعات العمل ايام الاحاد إلى الساعة الرابعة بعد الظهر … فما كان هذا الا ليزيد في حماس المضربين ويشجعهم على الاستمرار في اضرابهم وقد أضافوا الى مطلبهم الأول ان تعاد ساعات العمل ايام الاحاد الى ما كانت عليه قبلا .
وبالرغم من ضالة هذه المطالب فان الشركة اصرت على موقفها ولم ترض ان تلبي للمضربين طلباً . وقد انتهزت هذه الفرصة جمعية العمال العرب في يافا التي يترأسها المهندس ميشيل متري فتدخلت في الاضراب وألفت لجنة لادارته . وكانت فاتحة اعمال الرئيس ان طلب الى العمال الخلود إلى السكينة ريثما يقابل مدير العمل ويعرف رأيه في الموضوع ، كأن ما أفهمه العمال من ذلك لم يكن كافياً وكأن باستطاعة “حضرته” ان يؤثر على رئيس الشركة فيجعله ، بعد اصراره ، يرضخ للمضربين وينيلهم مطاليبهم دون اضراب ولا “وجع راس” …
وقد غمى خبر الاضراب الى جمعية عمال النقل في اللواء الجنوبي (ترانسبورت) فأرسلت أحد أعضائها الى دار الجمعية وهناك قابل “حضرة الرئيس” وعرض عليه المساعدة في ادارة الاضراب ومد العمال بما يلزم من المساعدة المادية والمعنوية فما كان من “حضرة الرئيس” الا ان رفض ذلك رفضاً باتاً وابدى عدم رغبته في تدخل جمعية ترانسبورت في الموضوع .
ولكن ما كان هذا ليصد جمعية الترانسبورت عن القيام بواجبها كجمعية عمال حقيقية خصوصاً بعد أن رأت “حضرة الرئيس” يكاد يحبط الاضراب وهو يعظ بالعمال ان يأووا الى بيوتهم أو الى القهاوي وألا يقربوا من مكان العمل وألا يحاولوا بث الدعاية لاضرابهم حتى انه في الواقع لم “يتفضل” بإصدار منشور عن ذلك الاضراب ، بعد أن رأت هذا كله لم تستطع الا التدخل في الموضوع لصالح العمال رضي “حضرة الرئيس” ام ابى. وعلى هذا فقد أصدرت منشوراً ايدت فيه العمال المضربين واحتجت على استثمار الشركة واستغلالها ودعت فيه بقية العمال إلى تأييد رفاقهم المضربين ومعاضدتهم مادياً ومعنوياً . ثم ان بعض أعضاءها ذهب الى المضربين لتشجيعهم وتفهيمهم معنى الاضراب وموقف “حضرة الرئيس” فكان من ذلك ان تحمس العمال وذهبوا الى قرب محل عملهم لنشر الدعوة لاضرابهم يرفعون بأيديهم لوحات كتبت عليها مطاليبهم . فما كان من البوليس البريطاني والوطني ، الذي كان يرابض هناك بالسلاح الكامل ، الا ان القى القبض على بعض العمال بحجة قيامهم “بمظاهرة غير قانونية” وكان بين المقبوض عليهم سعيد فطاير رئيس جمعية ترانسبورت ومحمد اسماعيل عمواسي أحد أعضاء مجلس ادارتها .
ولكن ما كان هذا ليكفي “حضرة الرئيس” او يشفي غليله من جمعية الترانسورت بل انه في سبيل الانتقام من هذه الجمعية ، التي ادرك انها الخطر الوحيد على زعامته ، لم يعد يدري ماذا يعمل فراح واوعز الى المخبر المحلي في جريدة فلسطين فكتب هذا مقالا ملاء بالدس على هذه الجمعية ودعى به البوليس من طرف خفي الى مصادرة مناشيرها . وهكذا فقد تضافر “حضرة الرئيس” مع الصحافة الرأسمالية والبوليس والشركة على احباط الاضراب ففشل ولما لم يمض على اعلانه اسبوع .
على كل حال فاننا نأمل ان يكون في عمل “حضرة الرئيس” هذا درس للعمال يدركون بعده ما يرمي اليه أولئك المتزعمون من الناس ، تلك العناصر الانتهازية الغريبة عن الطبقة العاملة التي لا تتدخل في حركة العمال الا لعرقلتها ، فلا يعودون يسلمون أمرهم اليها ويعلمون ان عليهم وحدهم ان يقودوا حركتهم حتى النجاح التام .
الفصل الثالث
اضراب حيفا الكبير
لقد كان اضراب عمال شركة بترول العراق في حيفا اروع ظاهرة رأتها البلاد في حركة العمال في فلسطين منذ نشوئها حتى الآن .
لقد كان رائعاً في قوته ، رائعاً في شكله ، رائعاً في صداه في البلاد ، رائعاً في اثره في نفوس العمال ، وبالتالي رائعاً بكل ما احاط به من ظروف وظواهر وملابسات . واذا ما اردنا بكلمة اضراب كل ما فيها من معنى ، فاضراب حيفا والحق يقال ، أول اضراب عرفته فلسطین في تاريخا الطويل .
وقبل ان نبدأ ببحث هذا الاضراب وظروفه وملابساته وشرح موقف الجماهير منه ، لا بد لنا من أن نشرح ما لهذا الاضراب من أهمية خاصة تميزه عن الاضرابات الأخرى وهي المكان الذي اعلن فيه (شركة بترول العراق) .
“كان البترول وما زال وسيظل الاس الحقيقي لدعامة الدول الكبيرة (اي الاستعمارية) سواء أفي حالة الحرب ام في حالة السلم” (من خطبة للنائب سبينا في مجلس النواب الفرنسي في ٢٤ مارس سنة ١٩٣١) . فالسيارة لا تسير بلا بترول والطيارة لا تطير بلا بترول كذلك الدبابة وغيرها من الآلات الحربية وغير الحربية لا تحرك بدون البترول . ثم اذا علمنا ان الاساطيل البحرية من حربية وتجارية اخذت في الزمن الأخير تسير بالبترول ادركنا جيداً حاجة الامبراطورية البريطانية ، سيدة البحار ، لهذه المادة الحيوية … لهذا فقد كانت بريطانيا منذ ان عرف البترول أكثر الدول اهتماماته وكانت شركاتها الرأسمالية الكبرى لا تألوا جهداً ولا تذخر وسماً ولا تتورع عن استعمال أي وسيلة كانت في سبيل الاستيلاء على منابعه حينما وجدت بل انها كانت تستعمل شتى الوسائل في التأثير على رجال الحكم ودفع الدولة دفعاً الى خوض المعامع في سبيل ذلك ، وقد كان البترول من أكبر الدوافع التي دفعت ببريطانيا الى خوض الحرب الكبرى بل قد يكون الدافع الأكبر الذي دفعها لأن تسحب جيوشها من الميدان الغربي ، قلب الحرب ونقطة الدائرة من موقف الحلفاء ، وترسل بتلك الجيوش الى احتلال العراق ، والتدليل على أهمية البترول لدى الدول المستعمرة تأتي بأقوال مشاهير رجال الحرب والاقتصاد في هذا الموضوع :
“استعدوا الحرب النقط” (لورد فيشر وزير البحرية البريطانية) “ويل للشعب المحارب الذي لا يملك نقطاً” .
“لو لم يكن النفط في حيازة الحلفاء لما استطاعوا الانتصار ، وان حاجتنا إلى النفط كانت من أشد العوامل في انكارنا” (القائد الألماني لودندورف) .
“لقد كان النفط في الحرب كدماء لها ، وما كنا لننتصر لولا دم آخر هو دم الأرض الذي نسميه النفط” (هنري بيرانجه ممثل الحكومة الفرنسية في مؤتمر النفط في روما في أكتوبر سنة ١٩١٨) .
“بينما كانت حكومة ولسن تبشر في أيام عقد معاهدة الصلح بمحبة القريب ، كانت دول غيرنا ، وخصوصاً الدولة الإنكليزية ، تستولي على ثروات النفط العالمية التي هي مفتاح السيطرة الاقتصادية على الدنيا بأسرها” (من خطبة الهاردنغ ألقاها في حملته الانتخابية لرئاسة الولايات المتحدة سنة ١٩٣٠) .
* * *
نظن اننا بهذا قد أوضحنا ولو شيئاً بسيطاً من أهمية البترول الحربية والاقتصادية للدول الاستعمارية ولا سيما سيدة البحار بريطانيا . وبهذا يتضح ما لشركة بترول العراق من قيمة كبيرة في حياة بريطانيا الحربية والاقتصادية وما لها من تأثير في تسيير دفة سياستها ان كان في قلب بريطانيا أو في مستعمراتها . ومن أهم الواجبات التي تضمها الحكومة البريطانية على عاتقها أن تسهل لشركات النفط البريطانية الاستيلاء على البترول بأرخص الأثمان لهذا فقد كان اضراب العمال في شركة بترول العراق في حيفا حادث له أثره الكبير في تاريخ الاستعمار البريطاني في فلسطين ومن هنا كانت له تلك الأهمية الخاصة التي قد تكون الحكومة في فلسطين قد قدرتها أكثر مما قدرها العمال أنفسهم . وعدا هذا فان لهذه الاضرابات أهميات أخرى سنأتي على ذكرها فيما بعد ، اما الآن فلنشرح الأسباب المباشرة التي أدت الى الاضراب :
شركة بترول العراق كغيرها من الشركات الرأسمالية في العالم بأسره أهم ما بهمها الحصول على الانتاج بأقل ما يمكن من المصروفات وهكذا فانها لم تكد تنهي أعمالها الانشائية وتدخل في حياتها الانتاجية بصورة ملموسة حتى عمدت الى تعديل لوائح التوظيف وتقسيم الموظفين والعمال الى درجات بشكل تتمكن به من تقليل قيمة مصروفاتها على أكتاف العمال وصغار الموظفين . وبعبارة أوضح قد عمدت ، في الوقت الذي يضج فيه العمال وصغار الموظفين في جميع أنحاء البلاد من غلاء الحاجيات الضرورية والمساكن ويطالبون بعلاوات غلاء المعيشة ، الى تخفيض أجور أولئك العمال بدل زيادتها . ولم يكد يتصل هذا الخبر بعمال الشركة (في قسم الكراج والكهرباء والكاوتشوك والمخازن) حتى اضربوا عن العمل وكان عددهم مئة وخمسين عاملا . وفي الحال قام العمال ونظموا منهم لجنة اضراب وعملوا قائمة بمطالبهم قدموها الى الشركة وهي كما يلي :
١ – الغاء تخفيض الأجور .
٢ – ان يكون الحد الأدنى ليوميات الفعلة ١٥٠ ملا .
٣ – ساعات العمل 8 ساعات والعمل الاسبوعي ٦ أيام فقط .
٤ – الساعة الاضافية يجب ان تكون بساعة وربع في بحر الاسبوع وفي أيام الاحاد والاعياد الساعة بساعتين .
ه – اجازة سنوية مدة سبعة أيام .
٦ – اذا مرض العامل مرضاً طبيعياً גجب منحه نصف اجرته .
٧ – تنسيق العمال حسب الاقدمية .
٨ – اذا ارادت الشركة الاستغناء عن أي عامل يجب ان ينذر ذلك العامل قبل ١٥ يوماً .
٩ – نقل العمال لأماكن أعمالهم على نفقة الشركة .
١٠ – زيادة علاوات السكن للعمال اسوة بالموظفين في باقي الدوائر .
١١ – اذا اذنب احد العملة يجب ان ينذر أولا وثانياً ثم يحاكم وبعدها يغرم بالجزاء .
وفي اليوم التالي اذاعت لجنة الاضراب بياناً على الجمهور هذا نصه:
أيها الاخوان !
نحن عمال شركة النفط العراقية قسم الكراج والكهرباء والكاوتشوك والمخازن والبالغ عددنا نحو مئة وخمسين عاملا قد اضربنا عن العمل في ٢٢ – ٢ – ٣٥ احتجاجاً على ما يلحق بنا من مظالم ، وهي أولا : طالبنا بزيادة الأجور بمناسبة غلاء المعيشة والسكن التي لم تعد تخفى فداحتهما على احد والتي أصبحنا رازحين تحت عبئهما الثقيل ولا من يتطلع الينا فأجابتنا الشركة بالعكس كأننا تخمانين يومياتنا الطفيفة التي تتقاضاها فخفضت يومياتنا تخفيضاً غير معقول غير عائبة بشعورنا كأننا لسنا بشيء يحتاج الى تفكير أو كأننا بهائم تساق بالعصا الى حيث منافعهم الزائدة العظيمة التي يندى لها جين الحياة – من عرى اطفالنا وجوعهم من هذا التخفيض في وقت يسمونه – وقت الرخاء .
ورجاؤنا من عموم العمال ان لا يتقدم منهم احد الى العمل في الاقسام المذكورة اعلاه ، وبذلك يكون قد ناصرنا وشد ازرنا النيل حقوقنا العادلة الكاملة .
لجنة عمال شركة النفط العراقية بحيفا
وما كاد ينشر هذا البيان حتى ظهرت لنا ظاهرة أخرى في هذا الاضراب من أهم الظواهر في حركة العمال في البلاد وهي ظاهرة التضامن بين العمال وتأييدهم بعضهم بعضاً . فمنذ ان سرى خبر الاضراب اخذ العمال في جميع انحاء البلاد يقدمون مساعدتهم المادية والمعنوية للمضربين ولم يمض يوم على الاضراب دون ان يزداد فيه عدد المضربين . فتلى عمال قسم الكاراجات عمال قسم الخزانات تم عمال الاقسام الأخرى قالسائقون حتى بلغ عدد المضربين ما ينوف عن ٦٠٠ عامل في أقل من أسبوع ومما يسجل للعمال من التضامن ان العمال الذين كانت تحاول الشركة جلبهم من الخارج ليحلو المحل المضربين كانوا ، بالرغم من الضائقة الاقتصادية الاخذة بخناق العمال وقلة الاعمال ، يرفضون بشمم واباء خيانة طبقتهم وكسر الاضراب . كانوا بدلا من ان يعملوا في مكان المضربين يأتون اليهم محبين مصافحين مشجعين . وعدا هذا فان الشركة احتاجت الى اصلاح بعض سيارتها في احدى الكاراجات فرفض العمال هناك القيام لها بهذا العمل تأييداً لاخوانهم المضربين .
وقد تدخلت جمعية العمال العرب في الاضراب ومستشارها المحامي حنا عصفور وراح الاخير يفاوض الشركة باسم العمال . وبعد اخذ ورد “فاز” حضرته بموافقة الشركة على “معظم” المطاليب ما عدا … أهمها : الثاني والتاسع والعاشر . وقد حاول ان يقنع العمال بما “فاز” به وبان يعودوا إلى العمل الا ان العمال رفضوا جميعاً وبصوت واحد ان يعودوا الى العمل قبل ان ينالوا مطاليبهم كاملة غير منقوصة . ويرجع الفضل في هذا الرفض الى ان لجنة الاضراب تألف من العمال أنفسهم . وفي رفضهم هذا ظاهرة مهمة أخرى وهي ادراكهم ما يرمي اليه اولئك الزعماء الاصلاحيين الانتهازيين من امثال حنا عصفور .
اما الهستدروت فقد حاولت ، كعادتها ، احباط الاضراب بشتى الطرق من ذلك انها لما عرفت بان السائقين في الشركة ينوون الاضراب تضامنا مع اخوانهم وتأييداً لهم راحت تنظم لهم اضرابا على حدة وتطلب لهم مطالب خاصة حتى اذا فازوا بها عادوا إلى العمل وبهذا تكون قد احدثت ثغرة في تضامن العمال لها ما لها من الخطر على سير الاضراب. الا ان دسيستها هذه لم تنجح .
وثمة أهمية اخرى لهذا الاضراب هو أثره الكبير بين العمال فقد كان كما قلنا كالعاصفة التي هبت فازاحت الرماد لتظهر من تحته النار المتقدة . فما كاد يعلن حتى رأينا الاضرابات تتلى في البلاد الواحد وراء الآخر والاحتجاجات تقدم جملة . من ذلك عمال السكة الحديدة فقد اجتمعوا وأرسلوا طلباتهم الى الدائرة مهددين بالاضراب اذا لم تنفذ وقد ارسلوا برقية الى المندوب السامي جاء فيها :
نحن عموم عمال الحبر والحركة في السكة الحديدية المجتمعين بنادي جمعية العمال العربية الفلسطينية نحتج بواسطة نقابتنا على :
١ – اضطهادنا وتفريمنا بالجازوات النقدية لاتفه الاسباب تغريماً غير معقول .
۲ – عدم دفع العلاوات السنوية .
٣ – عدم دفع علاوة غلاء المعيشة والسكن التي قررتها الحكومة .
ثم اذاعوا بيانا على الجمهور جاء في اخره :
“واننا نضم صوتنا لصوت المضربين محتجين على اصرار الشركة على عدم تلبية مطالبهم لكي يحل الاضراب ويعود العمال الى اعمالهم ، ونعلن أيضاً اننا مستعدون المداومة مساعدتنا لاخواننا العمال المضربين مادياً وادياً حتى نهاية هذا النضال الذي هو نضال كل عامل لنيل حقوقه كاملة ورفع ما يحيق به من ضیم” .
تم ان عمال المرفأ في حيفا عقدوا اجتماعا قدموا على اثره مطالبهم الى الادارة وهي تلخص في زيادة الاجور وجعل يوم العمل ٨ ساعات وانذار كل عامل قبل اخراجه من العمل . ثم أنهم ارسلوا إلى شركة البترول كتاباً مؤيدين فيه اخوانهم هذا نصه :
“نحن عمال دائرة تحسين مرفأ حيفا نؤيد اخواننا عمال دائرتكم في مطالبهم العادلة ونطلب اجابتهم عليها بأقرب وقت” .
ثم أن السائقين في شركة باصات الكرمل قد اضربوا عن العمل مطالبين بثماني ساعات عمل في اليوم وزيادة أجورهم .
ثم ان عمال شركة الاصلاح في ميناء يافا قد اضربوا أيضاً كما هو مذكور في الفصل السابق .
ولم يقتصر اثر الاضراب على هذا بل انه قد امتد أيضاً الى الصحف . ان تلك الصحف الرأسمالية الانتهازية التي نعرفها كفلسطين والجامعة والوحدة العربية حتى الدفاع الفاشستية ودافار الصهيونية رأت نفسها مضطرة امام قوة ذلك الاضراب واثره في البلاد ان تملاء اعمدتها باخباره وتطوراته .
وهكذا استمر هذا الاضراب على هذا الشكل من القوة والأثر ما يقارب عشرة ايام كانت الشركة فيها تحاول التقرب من العمال ومرضاتهم باللف والدوران ولكن بعد ذلك انقلب موقف الشركة من اللين إلى التشدد والصرامة وسحبت جميع ما وافقت عليه سابقاً وكان السبب في هذا ما شاهدته من ضعف موقف الانتهازيين الذين تدخلوا في ادارة الاضراب كالمحامي حنا عصفور . لقد اخذ هذا المحامي يحاول من جهة اقناع العمال بالقبول بمقترحات الشركة وتنبيط همم المضربين واخذ من جهة أخرى ينشر مقالات في الصحف ، ان دلت على شيء فانها لتدل على ضعف وجهل ، او تجاهل للتغرير بالعمال وتحويلهم عن طريقهم الصحيح . ومما جاء في احدى هذه المقالات المنشورة في الجامعة الاسلاميه في ١ مارس سنه ١٩٣٥ ما يلي : “قد لا يكون رفض طلب الزيادة من قبل الشركة أمراً يستدعي النشر في الجرائد وارسال الصرخات المتواليات عالياً لو لم تبين الشركة رفضها هذا على انه اقتداء بالحكومة التي رفضت – رغم الاحتياج والاصرار بالطلب – منح زيادة كهذه لعمالها” .
وكأنه بهذا يريد ان يفهمنا ان رفض الشركة لطلب الزيادة ليس مهما بحد ذاته بل العبرة بالصبغة التي وضع فيها اي ان الشركة لو اجابت العمال مثلا بأنها ترفض الزيادة لانها لا ترغب في الزيادة لهان الامر ولم يرفع حضرته الصوت عالياً !.. ونشر حضرته مقالا آخر في جريدة فلسطين ملاءه بالاستجداء من الشركة ، كقوله ان على الشركة ان ترني لحالة العامل وان تدفع اجوراً لهم معتدلة ، وبالاستجداء من الحكومة بأن تؤمن للعمال قوتهم الضروري ( فقط لا غير ) نم مطالبتها بتنفيذ الشروط التي بينها وبين الشركة ، اذا كان هنالك شروط كهذه . ولقد جهل حضرته أو تجاهل ان لا فائدة بمطالبة الحكومه بأمر كهذا وان الحكومة والشركة تقريباً شيء واحد ، بل قد نسي حضرته ان الحكومة في فلسطين تعد أكبر صاحب عمل في البلاد يشتغل لديها أكثر عمال البلاد تقريباً وهي تستغلهم كالشركات العادية الأخرى دون أي اهتمام بحالتهم أو محقوقهم فكيف يطلب حضرته منها ان تهتم بتنفيذ شروط الامتياز مع الشركة بل كيف يأمل حضرته ان تكون هنالك شروط كهذه من شأنها ان تفيد العامل في شيء ولكن هي مصلحة طبقته التي تجعله يتوسل بهذه الطرق المتغرير بالعمال . وهكذا فان الانتهازيين عملوا كعادتهم دائماً على اضعاف الاضراب .
ولكن نظراً لما كان لهذا الاضراب من قوة وما وصل اليه العمال من التنبه لم تكن هذه المساعي لتؤثر فيه التأثير الذي كان يرمي اليه أولئك الانتهازيون . لقد بقي العمال على ثباتهم واستمروا في نضالهم . ومما يستشهد به على تنبه العمال ان الهستدروت قد دعت المضربين مرة ليعقدوا اجتماعهم في دارها فرفض هذا الاقتراح بأكثرية الأصوات ومعنى هذا ان العمال أخذوا يدركون ما ترمي اليه الهستدروت فاجتنبوها وابتعدوا عنها .
وهكذا بقي العمال في نضالهم وثباتهم لا يتنازلون عن شيء من مطالبهم الى ان عادوا فوقعوا تحت تأثير الانتهازيين . ذلك ان حضرة “زعيم العمال” فخري النشاشيبي قد تدخل في الموضوع . حضر الى حيفا وهناك ابتدأ بالمفاوضة مع الشركة من جهة ومع لجنة الاضراب من جهة أخرى حتى تمكن في ثلاثة أيام من التأثير على تلك اللجنة وجعلها تقبل بالحل الذي توصل اليه مع الشركة . وهكذا ان انتهى الاضراب بنجاح جزئي .
من البديهي انه كان يمكن لهذا الاضراب أن ينجح نجاحاً تاماً لولا سعي الهستدروت والانتهازيين لاضعافه في بادىء الأمر وتأثير هؤلاء على اللجنة في النهاية . ان وقوع أعضاء تلك اللجنة تحت تأثير الانتهازيين يعد من أكبر الاغلاط في حركة الاضراب ولكن على كل حال اننا نرى ان كل غلطة يرتكبها العمال تكون لهم درساً في حركتهم في المستقبل . ثم انه بالرغم من ان النجاح كان جزئيا فانه تقدم لحركة العمال في البلاد وان الأثر الذي تركه الاضراب في نفوس العمال يعد من أكبر العوامل على تحفيزهم للاستمرار في نضالهم حتى النجاح التام ، وهو بالتالي خطوة واسعة تخطوها الطبقة العاملة في فلسطين في نضالها الشاق في سبيل غايتها المنشودة ومثلها الأعلى .
ولكن ليعلم العمال انهم لم يتوصلوا الى نجاحهم الجزئي هذا الا بفضل نشاطهم وثباتهم وليس بفضل فخري النشاشيبي ، كما يصور لهم الكثيرون . ان فخري النشاشيبي لم يتدخل بالأمر لمصلحة العمال بل ربما لم يتحرك بنفسه للتدخل بالأمر ، قد يكون مدفوعا من الشركة ذاتها للقضاء على الاضراب واضعاف روح النضال بالعمال . ثم ليعلم العمال أيضاً بان هذا النجاح الجزئي الذي حصلوا عليه بفضل كفاحهم وثباتهم لن يدوم لهم اذا لم يحافظوا عليه فلقد رأينا الشركة قبل ان يمر يوم واحد على انتهاء الاضراب تفصل ١٣ سائقاً و ٥ من العمال عن العمل . ومما يظن ، وهو قريب جداً للواقع ، انه قد جرى اتفاقاً سريا بين فخري النشاشيبي والشركة على مثل هذا الأمر ، فليحذر العمال . ليعلم العمال جيداً أنهم اذا لم يواصلوا كفاحهم ، ان لم يتنظموا تنظيما صحيحاً بريئاً خاليا من العناصر الانتهازية بعيداً عن تأثيرها وعن تأثير الهستدروت ، فليس بعيداً ، بل لا بد ، ان تعود الشركة فتسحب كل ما استحصل عليه العمال بل قد تعود بهم الى حالة أشد وأقسى مما كانوا عليه في الماضي .
على العمال ان يحيوا تنظيمهم وان يحافظوا عليه وان يقودوه ويوسعوه فانه وحده الذي يحافظ على نجاحهم الجزئي هذا ويمكنهم من العبور من نجاح الى نجاح حتى النجاح التام .
الفصل الرابع
مما يلاحظه المرء ان يقظة الجماهير في الزمن الأخير ليست مقتصرة على فلسطين فحسب بل هي تعم جميع المستعمرات في العالم ، فمنذ ما ينوف عن ثلاثة أعوام لا نكاد نطالع صحيفة دون أن تعثر فيها على أخبار الاضرابات والمظاهرات والتمردات التي يقوم بها العمال والفلاحون في مختلف المستعمرات من بريطانية وفرنسية وغيرها . ففي سبتمبر وأكتوبر سنة ١۹٣٣ أعلنت عدة اضرابات في الجزائر وفي سنه ١٩٣٤ تفوت حركة الاضرابات هناك فقد اضرب في يناير من تلك السنة عمال البناء وفي ٢٠ فبراير من تلك السنة أيضا ، في اليوم ذاته الذي اضرب فيه العمال في فرنسا ضد الفاشتية والحرب ، اعلن اضراب عام في الجزائر وفي أول مايو من السنة ذاتها تظاهر هنالك ما ينوف عن العشرين الف عامل من اوروبيين ووطنيين وفي منتصف تلك السنة ذاتها ايضا تظاهر ما ينوف عن الستين الف عامل وفلاح ضد اقفال الحكومة للمدارس الاسلامية وفي آخر مايو من تلك السنة أيضا تظاهر نحو عشرة الاف عامل زراعي ضد الاستعمار ولم يمض على هذا بضعة ايام حتى تظاهر في مدينة قسطنطينة ما ينوف عن خمسة عشر الف عامل زراعي وفي يوليو من تلك السنة اعلن عمال البناء اضرابا آخر وفي يوليو عقدت اجتماعات من العمال والفلاحين في جميع انحاء الجزائر ضد الاستعمار . ثم عدا ذلك كله لم نفس بعد اضطرابات اغسطس من تلك السنة ، تلك الاضطرابات التي عمت أخبارها جميع الأقطار والتي تجلى فيها روح تمرد الجماهير هناك ونقمتها على مستغليها من المستعمرين واذنابهم . ولقد تجددت هذه الحوادث في اوائل هذا العام أيضا .
ثم في تونس أيضا قد وقع في العام الماضي والذي قبله ما يشابه هذه الحوادث التي ذكرناها . ثم في مصر فلم ننس بعد تلك الاضرابات التي اعلنت في العام الماضي وفي أوائل العام الحالي ، تلك الاضرابات التي اشترك فيها الألوف من العمال والتي وصل أثرها في حركة العمال في مصر حداً جعل الحكومة هناك تفكر جديا بوضع قانون تزيد فيه الضغط على الطبقة العاملة الى حد لم تفكر فيه حكومة ما في هذا العصر عدا الحكومة الفاشستية في المانيا وأختها في ايطاليا اذ ان من المواد التي يحتويها ذلك القانون الذي تفكر الحكومة بوضعه مادة تجعل الاضراب أمراً غير مشروع يعاقب عليه القانون !…
ثم في سوريا ، لم ننس بعد تلك الاضرابات المثالية التي اعلنت هناك في العام الماضي وما قبله وفي هذا العام فمن اضراب السائقين الى اضراب عمال النسيج الى اضراب زحلة ومظاهراتها إلى المظاهرات في دمشق وحلب ضد المعاهدة وضد اقفال مجلس النواب الى الاضرابات والمظاهرات الاخيرة ضد احتكار الدخان الخ…
ويقظة الجماهير هذه ليست صدفة ولا أمراً فجائيا بل ما هي الا وليدة الظروف الاقتصادية والسياسية في العالم بأسره وهي حركة طبيعية يقتضيها التطور التاريخي . كانت الحرب العظمى أكبر فضيحة للنظام الرأسمالي فلم تكد تضع أوزارها حتى تنبهت الجماهير في جميع بلدان أوربا وبدأت تشعر بانها قد خدمت وسبقت كالماشية للمذبح بالمئات والألوف ، لقد ادركت انها كانت ضحيه اطماع الرأسمالية الشرهة وتبين لها جليا ان تلك البطولة التي اغراها بها الرأسماليون لم تكن الا سرابا وان اندفاعها وراء شعوذة أولئك الناس ما كان الا جهلا بالمصلحة وقصر نظر وبالاختيار فقد انكشفت الجماهير ، بعد فظائع تلك المجزرة ، تلك اللعبة الاستعمارية الرهيبة التي لعبتها على حسابهم وفوق جثتهم . ولقد دفعهم ادراكهم هذا الى ثورات صاخبة هزت اوربا هزاً ، فمن ثورة في الروسيا إلى ثورة في المانيا الى غيرها في المجر الخ . ولقد نجح من هذه الثورات واحدة فقط في الروسيا والاخيرات قضت عليها خيانة الاشتراكيين الديموقراطيين .
ولكن القضاء على تلك الفورة الجماهيرية ، لم يكن الا امراً مؤقتاً فالنظم الاقتصادية والاجتماعية لم تتغير واستثمار الرأسمالية للجماهير لم يقف بل انه ما زال في ازدياد وهكذا فان الرأسمالية الأوربية وان تكن قد قبضت على ناصية الحالة مدة من الزمن ، بفضل الرخاء المؤقت الذي عقب الحرب الكبرى ، على ايدي خدامها المخلصين الاشتراكيين الديمقراطيين الذين استغلوا هذا الرخاء للتغرير بالجماهير واللعب على أكتافهم ، فما كانت لتسطيع ان تلاشي غضب الجماهير اذانها لا تقوم الا على أسباب ذلك الغضب . لهذا فقد كانت تهدد بين الفترة والأخرى باضرابات ومظاهرات ثائرة صاخبة تجعلها ترتعد فرقاً وهولا على مصيرها . وهكذا استمرت الحالة إلى ان كانت الأزمة الأخيرة الذي بدأت سنة ١٩٢٩ . منذ ذلك الحين اخذ سخط الجماهير بالازدياد واحست الرأسمالية احساسا صادقا بدون اجابا وادركت ان الضريبة الماضية أصبحت على قاب قوسين او ادنى فما كان منها الا ان قلبت ظهر المجن لخدمها المخلصين ، الاشتراكيين الديموقواطيين ، اذ ان وسائلهم في القضاء على حركة الجماهير لم تعد تصلح ، فركلتهم عن كراسي الحكم واطاحت بهم الى الحضيض وراحت تفتش لها عن خدم اخرين أكثر اهلية لخدمة مصالحها . فكان من ذلك ان قامت في اوربا ثورة رجعية قطيعة القصد منها القضاء على ثورة الجماهير التقدمية . فسقطت وزارة العمال في انكلترا وعاد المحافظون الى الحكم باسم الوزارة القومية وهوى تأثير الاشتراكين في النمسا وقامت حكومة دلفوس وراح الاشتراكيون الديموقراطيون في المانيا يتقهقرون يوما بعد يوم الى ان استولى هتلر على الحكم واعلن النظام الفاشستي .
وضغط هذا النظام الرجعي لا يقتصر على الجماهير في أوربا بل يتعداها إلى المستعمرات ، بل في الواقع ان ضغطته أكثر ما يقع على الطبقة العاملة في المستعمرات اذ ان الرأسمالية تحاول جهدها ان تجعل لبعض عمالها وموظفيها امتيازات وتسهيلات على حساب ما تمصه من المستعمرات لتجعل من هؤلاء الناس حرسا لها يدافعون عن كيانها اذا ما حان الحين وبلغ سخط الجماهير حده الاقصى . وعلى الاجمال فالرأسمالية الأوربية تحاول جهدها حل ازمتها المستحكمة على حساب الجماهير العاملة في المستعمرات . لذلك فقد كان طبيعيا ان یزداد ارهاق هذه الطبقة .
ثم ان في تونس والجزائر وفلسطين عاملا آخر يزيد في ازمة الجماهير هو الاستيلاء على اراضي الفلاحين . في تونس والجزائر تقوم الحكومة الفرنسية باغتصاب اراضي الفلاحين هناك وتسليمها لقمة سائغة الى الفرنسيين الموالين لها والمدافعين عن استعمارها وفي فلسطين تقوم الصهيونية بالاستيلاء على أراضي الفلاحين العرب وطردهم منها ثم لا تسمح لهم بالعمل في المرافق الصناعية او الزراعية التي اقيمت على تلك الارض التي انتزعت منهم . فكان من جراء هذا أن اندفع اولئك الفلاحون الى المدن فزاد هذا في عدد العاطلين وشدد أزمة البطالة . وعدا هذا وذاك فالأزمة شجعت المرابين على زيادة استغلالهم للفلاحين وامتصاص دمائهم بالربا الفاحش بل ان الاقطاعيين والرأسماليين على الاطلاق راحوا يدرؤون الازمة بزيادة الضغط على العامل والفلاح . ثم ان تحول الفلاحين الى عمال في المدن واختلاط العمال معاً في العمل ، كما في المشاريع الضخمة التي اقامها الاستعمار لفائدته الحربية والاقتصادية كمشروع البحر الميت ونفط العراق والسكك الحديدية والكهرباء والماء وغير ذلك ، دفعهم (اي العمال) للتنبه إلى الاستثمار والاستغلال الفظيعين . هذه الامور جملة دفعت الجماهير العاملة في المستعمرات الى التفكير جديا بما يخلصها من الحالة التي هي فيها . وهكذا استيقظت ، فكان التنظيم وكانت الاضرابات والاجتماعات والمظاهرات . ومما يجب ملاحظته ان يقظة العمال هذه لا تقتصر على الكفاح في سبيل زيادة الاجور وتنقيص ساعات العمل او ما شابه ، كما يريدها الانتهازيون ان تكون ، بل هي تتعدى ذلك الى الشعور بالواجب السياسي الذي يلقيه التاريخ على عاتقها ، وفي هذا ما يشجعنا على الامل بان تقف الطبقة العاملة قريباً جداً في رأس الكفاح السياسي للتحرر القومي والاجتماعي في المستعمرات .