( عن ماتسبين ، عدد ٥٦ ، تشرين الثاني ۱۹۷۰ ، ص ۱۱ . ترجمها من العبرية عبد الحفيظ محارب ، مركز الأبحاث ، منظمة التحرير الفلسطينية ، بيروت . )

*

في العدد ٥٥ من ماتسبين طرح الرفيق عودید بيلافسكي على بساط البحث مسألة الشكل التنظيمي للحزب الثوري ( « تأملات في معنى الديمقراطية المركزية » ) . وبما انني أوافق على الاستنتاجات الأساسية التي خرج بها عوديد ، أرى أن الحاجة تدعو الى الرد بشكل نقدي على جوانب معينة من أقواله ، التي تفتح المجال أمام اخطاء خطرة ومضرة ، بالرغم من انه لم يقصد ذلك بالتأكيد .

سأتحدث أولا عن الأمور التي أوافق عليها . فمثل عوديد أعتقد انا أيضا انه « لا يمكن الاكتفاء بوضع كلمتين ( أي : الديمقراطية المركزية ) أمامنا ومن ثم التحرك الى الامام » . كان عوديد على حق عندما قرر انه من الخطأ التفكير باننا نستطيع حل المسألة التنظيمية بواسطة الموافقة على صيغة « الديمقراطية المركزية » بدل ان نجهد أنفسنا في تفصيل الشكل التنظيمي الذي نسعى اليه وشرحه . والسبب الذي يقدمه عوديد يتلخص في انه خلال أعوام كثيرة استخدمت هذه الصيغة كذريعة وكغطاء لسيطرة اشكال تنظيمية بيروقراطية لا ديمقراطية .

وليس من الممكن التغاضي عن ان صيفة « الديمقراطية المركزية » قد فقدت معناها الأصلي بين صفوف الكثيرين – ليس فقط خارج الحركة الاشتراكية ، بل أيضا في داخلها – واخذت مفهوما مزورا ومضرا . لذلك ينبغي عدم الاكتفاء بالكلام الغامض باننا نقف الى جانب هذا الشعار ، بل ينبغي علينا ان نوضح باسهاب الأمور التي نقصدها .

بودي ان أضيف سببا آخر الى التفسير الذي أعطاه عوديد . أن الديمقراطية المركزية لا تشمل المفهوم التنظيمي الذي أعطاه لينين للحركة الاشتراكية الثورية في روسيا ، بل تشكل جزءا من هذا المفهوم فقط . ولكن مع مرور الزمن ، ازیلت معالم الحدود واعتاد كثيرون ( وبينهم أيضا أولئك الذين يميزون جيدا بين الديمقراطية المركزية وبين المعنى المعيب الذي الصق بها ) عدم تمييز الديمقراطية المركزية عن مبادىء تنظيمية اخرى ظهرت عند لينين واضيفت اليها بدون أن تكون نابعة منها بالضرورة . ويشكل مجمل هذه المبادىء مفهوم « الحزب من طراز جديد » عند لينين . وبذلك اعتاد كثيرون على عدم تمييز مفهوم الديمقراطية المركزية عن مفهوم الحزب من طراز جديد . وبناء على ذلك ، فاننا اذا اكتفينا بالاعراب عن موافقتنا على الديمقراطية المركزية ، فاننا نخلق بذلك الانطباع المغلوط بالتزامنا بسلسلة كاملة من المبادىء الاخرى التي اضيفت اليها بدون ان تكون نابعة منها ، علما بانه يوجد بين هذه المبادىء الاخرى ما هو تابع الى واقع زماني ومكاني معين ويفتقر الى أي أساس في واقعنا نحن .

وعلى سبيل المثال ، يعرف كل من قرأ المقالات التي كتبها لينين في بداية هذا القرن ، انه كان يعتقد بان الحزب الثوري ينبغي أن يكون هيئة محصورة نسبيا مكونة بأكثريتها من الثوريين المحترفين الذين لا يشتغلون في المصنع وما شابه ذلك بل يعتبرون طاقة يتكفل بها التنظيم . كان هذا المفهوم على جانب كبير من الصحة بالنسبة لروسيا القيصرية . فالعمل السياسي الثوري كان يجري بالسرية التامة ، وكان على مناضلي الحزب أن يتنقلوا من مكان لآخر . وعلاوة على ذلك فقد كانت الأكثرية الساحقة من الطبقة العاملة غارقة في الجهل ، ليس فقط الجهل السياسي بل أيضا الجهل العادي ، جهل الالف باء ، كما ان ساعات العمل كانت طويلة وشاقة أكثر بكثير مما هو متبع في أيامنا .

لنتخيل عاملا روسيا شابا يبدي اهتماما بالحزب وعطفا على اعماله . كان على الحزب ان يقوم بعمل كبير من أجل تثقيفه ابتداء من القراءة والكتابة وحتى غرس النظرية الماركسية في ذهنه . ومن الواضح انه تكاد لا تكون هنالك امكانية للقيام بهذا العمل ما دام العامل يقوم بأعمال شاقة طيلة عشر ساعات ( أو أكثر ) في اليوم ، وحتى لو افترضنا مع ذلك ان هذا العامل مهيأ لكي يدير بنفسه عملا سياسيا في مستوى جید ، فكيف يقوم بذلك طالما انه مرتبط معظم ساعات اليوم بمكان واحد ، في حين ان وقت فراغه بالكاد يكفي لتناول طعامه وشرابه ؟

من الواضح انه في مثل هذه الظروف ، يتوجب على الحزب أن يبذل كل ما في وسعه من أجل اخراج العضو الجديد من مکان عمله وان يحتفظ به على نفقته . ولكن من ناحية اخرى واضح أيضا ان كل هذا لا يسري على واقع بلاد رأسمالية في وقتنا الحاضر حيث لا يجري العمل السياسي الاشتراكي بالسرية التامة كما ان أكثرية العمال تعرف القراءة والكتابة ويوجد لديهم اوقات فراغ لممارسة النشاط السياسي .

وبناء على ذلك ، ينبغي على الذين يرفعون شعار الديمقراطية المركزية ان يأخذوا بعين الاعتبار أن الشعار كما يتبلور في اذهان سامعيهم مرتبط بمصلحة « الحزب من طراز جديد » علما بان مصلحة الحزب تشمل ايضا مبادئ تنظيمية لا تتناسب مع حاجاتنا القائمة .

النقطة المفقودة

لقد احسن عوديد صنعا في محاولته التفصيل المبادىء التنظيمية التي ينبغي علينا ان نؤسس عملنا عليها وتوضيحها . فيما يلي المبدآن اللذان ذكرهما في مقاله :

أولا : « تتخذ القرارات في منظمتنا في اجتماعات الأعضاء بالأكثرية … وفي الأمور التنفيذية تلتزم الأقلية بالقرارات التي اتخذت بأكثرية الأصوات » .

ثانيا : « الحرية التامة لكل عضو في المنظمة ، في داخلها أو في خارجها ، وهذا يعني انه بالنسبة الى أي قرار يتخذ في اجتماع أو لجنة ، لا يجوز ان يرغم العضو بالافصاح عن افكار لا يعتقدها ، أو منعه من الافصاح عن الرأي الذي يعتنقه » .

انني أوافق على هذين المبدأين ، وأرى فيهما أساسا للديمقراطية . ومن أجل توضیح أکبر سأحاول القيام بما لم يفعله عوديد : تفسير المبدأين ولو باختصار .

بالنسبة لمبدأ الأكثرية ، ان أي تدقيق بسيط يظهر ( وكما نعرف نحن أيضا من تجاربنا ) انه اذا ما امتنعت أقلية من الأعضاء باستمرار عن تنفيذ القرارات التي اتخذتها الأكثرية ، فان هذه الأقلية ستكون قادرة على تحييد القرارات ، والحيلولة دون تنفيذها ، وتخلق بذلك ديكتاتورية الأقلية بالفعل . وبالضبط هذه هي المصيدة الخطرة التي تقع فيها المنظمات التي تحاول « تحسين » الديمقراطية بواسطة فرض مبدأ : « الرجل المستقيم يعمل كما يرتأي » . وكما هو مفهوم ، ينبغي أن نضيف الى هذا المبدأ التحفظ التالي : في حالات معينة تستطيع الأكثرية تحرير الأقلية من الاشتراك في تنفيذ عمل لا توافق عليه شريطة أن يكون اشتراك الأقلية غير مؤثر بالضرورة على النجاح التام لهذا العمل .

وفيما يتعلق بمبدأ حرية التعبير عن الرأي فمن الواضح أنه ينبغي على التنظيم الثوري أن يحدد بانه لا مكان في داخله لأصحاب وجهات النظر المتناقضة لمبادئه . ولكن بالنسبة لوجهات النظر التي لا تؤدي الى اخراج صاحبها من التنظيم فينبغي أن تعطى الحرية التامة في ان يفصح عنها جهارا . كما ان الانحراف عن هذا المبدأ يعتبر بمثابة سم زعاف للديمقراطية لأنه يجعل من الممكن تخليد الأكثرية .

ان تحديد حرية الرأي في الحوار الداخلي ليست عملية وليست مستحبة ( لأنها تتسبب في خلق سيكولوجية التخوف من الرقابة والاستسلام لها ) وأسوأ من ذلك تؤدي الى محاولة ارغام الأشخاص على التعبير « تجاه الخارج » عن أفكار لا يوافقون عليها . ويمكن تلخيص هذا المبدأ كالاتي : ان العضو الذي تختلف آراؤه عن اراء الاكثرية ينبغي الا يطلب منه تمثيل المنظمة في الخارج كما انه عندما يعبر هذا العضو عن آرائه خارج التنظيم عليه أن يوضح ان ذلك لا يمثل رأي التنظيم .

اعتقد انه من المستحسن أن نوضح بان المركزية تعني ان الولاء للتنظيم يقف فوق الولاء لجزء منه أو لفرع من فروعه أو لجنة من لجانه أو كتلة من كتله .

بالنسبة للشؤون التنفيذية المحلية تتخذ أكثرية التنظيم القرارات وليس أكثرية هذا الفرع أو ذاك .. وينبع هذا المبدأ من كون البلد كله وبكافة أجزائه الميدان الفعلي لنضالنا ، لذلك على الهيكل التنظيمي ان يكون منسجما مع المتطلبات الفعلية القائمة . ولكن هنا يوجد تحفظ بالنسبة لهذا المبدأ : ينبغي على التنظيم أن يبقي بأيدي فروعه ولجانه مقدارا من الاستقلال الذاتي لادارة الشؤون الداخلية وتنفيذ الاعمال ذات الطابع المحلي المحض .

شيء حول لينين

من المؤسف ان عوديد أدخل ، بدون مبرر ، على تفسير استنتاجاته ( الصحيحة ) وصفا للصراع بين لينين وتروتسكي من جهة وبين المعارضة العمالية داخل الحزب البلشفي من جهة أخرى ، مما قد يؤدي الى اختلاط في اذهان غير المطلعين ، ورسم صورة غريبة في مخيلتهم .

واكتفي بالقول هنا ان هذه المسألة غير متعلقة بشكل مباشر بموضوعنا . يضاف الى ذلك أنه عندما نأخذ بعين الاعتبار الحملة الشديدة التي تشن على اللينينية من جانب تيار معين في الحركة الاشتراكية يصبح من المهم لنا كاشتراکیین شرق أوسطيين أن نبين أن الحملة تعتمد على غياب أي فهم لجملة المشاكل الخاصة بالثورة في الدول النامية وعلى عدم المبالاة والانتباه الى كل ما يجري خارج العالم الصناعي . وبما انه من المحتمل أن تفتح اقوال عوديد ( ولو عن غير قصد ) مجالا لهذا الخطر الذي يعتبر بالنسبة لنا على جانب كبير من الاهمية ، فانني ارى أنه من الضروري التطرق الى هذا الموضوع .

قد يؤدي الوصف الذي قدمه عوديد الى خلق انطباع بانه كان داخل الحزب البلشفي مفهومان مختلفان حول المجتمع الاشتراكي : مفهوم رجال المعارضة العمالية الذين اعتقدوا انه ينبغي ان تدار المصانع والفروع الاقتصادية الاخرى بواسطة مجالس عمالية ، ومفهوم الاكثرية ( التي عبر عنها لينين وتروتسكي ) التي يبدو بموجبها – كما لو – أنه ينبغي ادارة الاقتصاد الاشتراكي من فوق بواسطة أشخاص معينين من قبل الدولة .

غير ان العودة الى المادة التي نشرت في تلك الفترة تثبت بوضوح ان النقاش دار حول قاعدة أخرى مختلفة تماما . فعند بحث المجتمع الاشتراكي وافق الطرفان على الاخذ بوجهة نظر لينين ، التي عبر عنها في مقالة « الدولة والثورة » والتي شرح فيها مفهوم ماركس الاشتراكية وخاصة عن ديكتاتورية البروليتارية « كسلطة ذاتية للإنتاج » .

وفيما يتعلق بروسيا ، لم يطرح على بساط البحث اقامة مجتمع اشتراكي في بلد متأخر ومنعزل ومحاصر . وكانت الفرضية المقبولة لدى كافة البلاشفة هي ان الاشتراكية في روسيا لا يمكن تحقيقها الا مع اندلاع الثورة في عدد من البلدان الرأسمالية المتطورة . وكانوا يأملون أن ثورة كهذه ستحدث بسرعة . ولكن بعد نجاح الثورة في بلد متأخر مثل روسيا رفع لينين شعار « حكم عمالي واقتصاد رأسمالي حكومي » أي ان البروليتاريين سيحكمون في الميدان السياسي بينما يستمر الاقتصاد في طريق رأسمالية ، حيث ستحل الدولة محل الرأسمال الخاص . اذن لم ينبع رأي لينين حول الشكل الذي ينبغي أن تدار عليه الصناعة الروسية ، من وجهة نظره في الاشتراكية ، بل من مرحلة وسطى هي رأسمالية الدولة في بلد يعتبر دولة عمالية . لم يكن هذا الامر مرغوبا فيه عند لينين بل مجرد اجراء املته الضرورة .

ومن المحتمل ان نخرج باستنتاج من هذا النقاش وهو أن لينين اخطأ ، وكان معارضوه من البلاشفة على حق ( شليانكوف ، كولونتاي واخرون ) ولكن حتى في هذه الحال يكون خطأ لينين نابعا من سوء تقييم الوضع وليس من الرغبة في اقامة نوع من اشتراكية الدولة . وبما ان عوديد لم يشر الى ذلك يكون قد ابقى مجالا لتسرب الأخطاء .

[الملحق القادم : الرد على اللامبارتيين]

[العودة الى صفحة المحتويات]