(من ماتسبين عدد ٥٧ ، كانون الثاني ۱۹۷۱ ، ص ١٤ – ١٥ ، كتبها موشه ماحوفر ، ترجمها من العبرية عبد الحفيظ محارب ، مركز الأبحاث ، منظمة التحرير الفلسطينية ، بيروت .)

*

في العدد ٥٦ ( نوفمبر ۱۹۷۰ ) من « متسبين » اجرينا حوارا مع مجموعة باسم « الاتحاد الشيوعي الثوري » التي كانت انشقت مؤخرا عن تنظيمنا . وفي الوقت الذي انشق فيه رجال « الاتحاد » انشقت عن متسبين مجموعة ثانية هي المجموعة اللامبارتية .

ويعود السبب الأساسي والفوري لانشقاق المجموعة الثانية الى عدم موافقتها على وجهة نظرنا تجاه الطابع الخاص للمجتمع الاسرائيلي والاستنتاجات النابعة منه بالنسبة لاستراتيجية النضال في إسرائيل .

ان وجهة نظر الأكثرية في متسبين ( التي انعكست في مقال حول الشكل الطبقي للمجتمع الاسرائيلي ، بقلم ع. أور ، وم. ماحوفر ، عدد ٥٥ ، اغسطس / سبتمبر ۱۹۷۰) تقرر انه ليس هنالك ثمة احتمال جـدي ، في الظروف الراهنة ، بان يأخذ النضال الطبقي لطبقة العمال في اسرائيل طابعا ثوريا . وطالما أن السيطرة السياسية للصهيونية لم تهتز ، وطالما أن الظروف المحلية والعالمية تمكنها من جعل اسرائیل مجتمعا ممتازا ( بشكل نسبي ) ، يستخدم كحارس للاستعمار في الشرق العربي ، وطالما بقيت الصهيونية تبني كيانها الاقتصادي على المعونة المباشرة وغير المباشرة من قبل الاستعمار ، أي طالما ظلت هذه الظروف سائدة دون ان تهتز بشكل بارز وواضح ، فليس هنالك ثمة اساس للاعتقاد بان الطبقة العاملة في اسرائيل ستحاول راغبة في ايجاد تغييرات اجتماعية ثورية .

من هنا خرجت متسبين باستنتاج انه في الظروف الراهنة وفي المدى القريب ، ليس من الصواب في شيء تركيز معظم العمل الثوري حول النضال المهني والطبقي لعمال اسرائيل ، وتوجيه معظم الاعلام الثوري الى العمال بشكل خاص . في المكان الأول ينبغي وضع النضال السياسي ضد الصهيونية ، حتى ولو كان من غير الممكن ربطه في كل حالة بشكل مباشر مع النضال الذي تقوم به الطبقة العاملة في اسرائيل ، فــي الموضع الأول .

ان أفراد المجموعة المنشقة لا يقبلون هذا التحليل والاستنتاجات النابعة منه ، ويعتقدون أنه لا يوجد هنالك فرق حاسم بين اسرائيل والبلدان الرأسمالية العادية ، ولذلك فانهم لا يقبلون اتباع استراتيجية ثورية خاصة ، تختلف بشكل ملموس عن الاستراتيجية الثورية المتبعة في البلدان الرأسمالية العادية .

وبما أن هذا الموضوع ، ووجهة نظر متسبين فيه ، قد بحثا باسهاب في المقال الانف الذكر ، وفي العدد ٥٥ من صحيفتنا [وكذلك في الفصل الثالث لهذا الكتاب]، فلن نعود عليه هنا ، وسنكتفي بردود قصيرة حول بقية النقاط المطروحة في بيان المجموعة المنشقة .

ومن أجل ذلك ، ينبغي علينا قبل كل شيء طرح ملاحظة ، يكون من الصعب بدونها فهم الخلفية الفكرية للبيان واسلوب التفكير الذي يميزه . ان زعماء المجموعة المنشقة الذين يقررون « نغمتها » يعملون من قبل هيئة عالمية تدعى « اللجنة من أجل الأممية الرابعة » التي تمثل بشكل خاص مجموعة هيلي (Socialist Labour League ) في انجلترا ومجموعة لامبارت في فرنسا . من هنا ، بالمناسبة لقب « لامبارتيون ». أن « اللجنة من أجل الأممية الرابعة » ( على خلاف « السكرتارية العالمية للأممية الرابعة » وهي هيئة ذات اسم مشابه غير انها تختلف اختلافا كليا من ناحية الجوهر ) هي هيئة ذات ايديولوجية تروتسكية ( الاصح : تروتسكية لأول وهلة ) واسلوب عمل وتفكير يشبهان الى حد كبير اسلوب عمل وتفكير الستالينيين في أحلك فترة للستالينية . أن الخطوط المميزة والبارزة للامبارتية هي : التعنت والمحافظة والدوغماتيكية المتطرفة في المجال الفكري ، معايير منافية للديمقراطية ، وتحريف بيروقراطي للمركزية الديمقراطية في المجال التنظيمي الداخلي ، وضيق أفق في المجال السياسي . انهم ينتهجون دائما أسلوب الاوصياء على الحقيقة ، ويوجد في جعبتهم لونان فقط ، أسود وأبيض : فكل من لا يوافق معهم حول أي موضوع ، يعتبر – في أحسن الحالات راديكاليا برجوازيا صغيرا ، وبشكل موضوعي خادما للرجعية . وبهذا الخصوص لا يميزون بين الالوان فبالنسبة لهم لا يوجد فرق جوهري بين تشي غيفارا وجمال عبد الناصر . وفي حوارهم مع التيارات اليسارية الأخرى – هوايتهم المستحبة – ينتهجون اسلوبا ساما ، ولا يتعبون من ايجاد التحريفات وانصاف الحقائق والاكاذيب ، ويمتنعون دائما عن القيام باي تعاون مع التيارات الأخرى .

ان التحزب المنهجي للامبارتيين وجد له تعبيرا بارزا في ليلة المتاريس المشهورة في الحي اللاتيني في باريس في شهر مايو ١٩٦٨ ، عندما قدم اليهم مندوبو بقية التيارات اليسارية الثورية وطلبوا منهم الغاء اجتماع كانوا قد حددوه في تلك الليلة ، والانضمام لحماية المتاريس من قبل الشرطة الفاشستيه . وقد رفض اللامبارتيون ذلك بغطرسة مدعين بانهم لا يرون جدوى من التضحية بصفوة طلائعيي البروليتاريا في عملية برجوازية صغيرة ، عديمة الجدوى .

ان كافة الخطوط المميزة الانفة الذكر للامبارتيين تظهر بشكل او باخر في اسلوب عملهم ونشاطهم في إسرائيل .

روح القدس

ننتقل الان لمعالجة عدد من النقاط الأساسية التي يطرحها اللامبارتيون في بيانهم .

١ – انهم يتهموننا « برفض اعداد برنامج » . ان هذا تحریف مقصود . فهم يعرفون جيدا اننا منهمكون منذ اعوام في اعداد برنامج سياسي . صحيح أننا لم نختار طريق اعداد برنامج كامل ، على الفور ، بل فضلنا تطويره بشكل عضوي ، ليساير التطور السياسي والفكري للتنظيم .

وقد نشرت خلال الاعوام السابقة برامج وثائقية غير قليلة ، تعبر عن وجهات النظر المبلورة التي توصلنا اليها مع الوقت .

وعندما يتهموننا « برفض اعداد برنامج » فانهم يقصدون بذلك اننا رفضنا قبول البرنامج ( الرديء ) الذي اقترحوه مؤخرا . وقد جاء في برنامجهم على سبيل المثال الجملة التالية : « ان حرب يونيو ١٩٦٧ تحمل طابع حرب بين البرجوازية الاسرائيلية وبين البرجوازية المصرية وقيادتي الأردن وسوريا » .

يكشف اللامبارتيون طريقة تفكيرهم الدوغماتيكية باتهامهم لنا « باننا نقيم تنظيما ثوريا بدون برنامج واضح » ، وينبغي حسب أقوالهم ، قبل كل شيء صياغة برنامج واضح وبعد ذلك فقط ، يقام التنظيم الثوري . ومن اين يأتي البرنامج ؟ عن طريق الرؤيا النبوية ؟ بايحاء روح القدس من المفهوم بالنسبة للدوغماتي اللامبارتي الا يكون السؤال مطروحا البتة . فهو يعتقد ان البرنامج ( بأل التعريف ) قائم وينبغي فقط ترجمته الى العبرية . ولكننا نرفض هذا الفهم حيث انه لم تكن امامنا طريق اخرى الا اقامة تنظيم بدون برنامج واضح ومبلور من البداية . في عام ١٩٦٢ عندما قامت متسبين ، لم نفكر بتباهي بانه عندنا الجواب القاطع والنهائي لكل سؤال ، كذلك لا نتباهى اليوم حول ذلك . أن البرنامج السياسي بالنسبة لنا هو نتيجة تدريجية لتطور منسجم مع النضال الثوري ، وليس عملا يكتشف مرة واحد .

۲ – ان ادعاء اللامبارتيين بان متسبين لا تعترف بضرورة الاممية التي تضم بين كنفيها القوى الثورية في جميع ارجاء العالم هو ادعاء عار عن الصحة . فنحن نعتقد العمل على اقامة اممية كهذه . وقد تقام هذه الاممية على اساس احدى التنظيمات القائمة الان والتي تضم في داخلها اجزاء من الحركة الثورية العالمية . ومن ناحية اخرى ، فمن المحتمل أن تقام بطريقة اخرى . غير أن شيئا واحدا يبقى واضحا ، وهو ان اللجنة « من اجل الاممية الرابعة » التي ينتمي اليها اللامبارتيون الاسرائيليون لا تشكل الا عقبة في طريق اقامة اممية حقيقية .

٣ – يدعي اللامبارتيون ان متسبين لا تعترف بدور الطبقة العاملة في قيادة الثورة الاشتراكية العالمية . وكبرهان على ذلك ، يشيرون الى العطف الذي نبديه تجاه كفاح المنظمات غير البروليتارية مثل نضال رجال العصابات في امريكا اللاتينية ، ونضال الطلبة .

وبذلك يكشف اللامبارتيون ضيق مفهومهم الدوغماتي ، الذي لا يعدو كونه بمثابة « كاريكاتور » للماركسية .

ليس هنالك شك بان الاشتراكية هي الانجاز التاريخي لطبقة العمال الأممية وبدون قيادة هذه الطبقة فان الاشتراكية لا تدخل ضمن أطار الممكن . غير أن انكار الادوار الهامة للنضالات الاخرى – غير البروليتارية المحضة – يعتبر عملا منكرا وخيانة للمبدأ الأول لكل اشتراكي حقيقي : « لا توجد قضية انسانية غريبة علي » . ان الذي ينكر بغطرسة النضالات البطولية لمجرد أنها تفتقر الى الطابع البروليتاري الواضح ، لا يعتبر ماركسيا او اشتراكيا بل ثرثارا . ان الاستنتاج المنطقي من مفهوم كهذا هو بمثابة مسلك حقير يصل الى حدود الخيانة مثل مسلك اللامبارتيين في « ليلة المتاريس » في مايو ١٩٦٨ .

يكون من الاصح والاوضح ان ندرك اننا تابعون ليس الى المناطق البرجوازية المتطورة حيث تشكل البروليتاريا الطبقة الشعبية الرئيسية ، بل الى بلدان « العالم الثالث » ، حيث تشكل البروليتاريا أقلية صغيرة . وهذا احد الاسباب الذي جعلنا نفاخر بالعطف الذي تبديه متسبين نحو نضال تشي غيفارا . اننا لسنا ملزمين بقبول وجهات نظر تشي غيفارا بدون نقد حتى نبدي العطف على نضاله . ان الذي يستطيع ان يعيب عطفنا نحو غيفارا بحجة أن تعاليم الرجل الثوري الكبير واستراتيجيته لم تكن بالمستوى المطلوب للبروليتاريا ، هو مجرد نظري دوغماتي ومتحجر الى حد « اللامبارتية » ، ويلون العالم كله باللونين الأسود والأبيض .

٤ – يتهمنا اللامبارتيون « بالميل للانجرار وراء قيادات قومية في البلدان غير المتطورة » ومن الواضح من خلال ربط الامور ببعضها ان المقصود هنا هو « الناصرية » . أن هذا افتراء اذ بوسع القارىء المهتم بمعرفة تقييمنا للحركة الناصرية ان يجد ذلك في مقال مفصل حول هذا الموضوع نشر في عام ١٩٦٧ ثم عدنا ونشرنا مقالا اخر في العدد ٥٦ من صحيفة « متسبين » . وبوسع القارىء أيضا مراجعة المقال الافتتاحي ، « بعد وفاة عبد الناصر » الذي نشر في نفس العدد . وسيتضح للقارىء بسهولة ان ادعاء اللامبارتيين هو كذب وبهتان .

٥ – ان الادعاء باننا رفضنا الدخول في حوار مع « الجبهة الديمقراطية » هو محض افتراء وكذب . انظر على سبيل المثال عدد ٥٣ ( مايو ۱۹۷۰ ) من مجلة  « متسبين » حيث يوجد لنا مقالان اجرينا فيهما حوارا جوهريا ومعتدلا مع « الجبهة » .

وثمة افتراء آخر للامبارتيين يتمثل في قولهم اننا نعتقد « انه لا يحق لأبناء الشعب المحتل ( أي الذي يمارس الاحتلال ) انتقاد منظمات الشعب المحتل والمضطهد » . ان هذا تحريف مقصود لأن اللامبارتيين يعرفون جيداً موقفنا الذي كررناه مرات كثيرة : ففي الوقت الذي رفضنا فيه الانجرار وراء دعاية مناصرة للمنظمات الفلسطينية بخصوص وسائل النضال ، تمسكنا دائما بحقنا وواجبنا في نقل البرامج السياسية للتنظيمات الفلسطينية مع نقد هذه البرامج . فقد تم تكريس مقال « النضال الفلسطيني والثورة في الشرق الاوسط » ( الذي نشر في « متسبين » عدد ٥٠ ، وتبنته منظمتنا كوثيقة رسمية ) ، لنقد الاتجاهات السلبية في الحركة الفلسطينية . ويدحض هذا المقال أيضا فرية لامبارتية تزعم « ان متسبين امتنعت عن طرح موقف من المنظمات الفلسطينية باستثناء موقفها تجاه قضية واحدة ووحيدة هي : حق تقرير المصير لليهود في الشرق الاوسط » . الحقيقة أن مسألة تقرير المصير ظهرت في المقال الانف الذكر باختصار شديد ، وان معظم المقال كان مكرسا لنقد اتجاهات عزل النضال الفلسطيني عن النضال العربي ، وضد الاتجاه الذي يفصل بين التحرر الوطني والتحرر الاشتراكي .

٦ – ان اللامبارتيين يحرفون موقفنا تحريفا شديدا وعن عمد ، بقولهم اننا نفهم ازالة الصبغة الصهيونية عن دولة اسرائيل « كمرحلة منفصلة » عن الثورة الاشتراكية .

يؤكد البيان السياسي الذي نشرناه حول قضية « أرض اسرائیل » والنزاع الاسرائيلي العربي ( مايو ١٩٦٧ عدد ٣٦ ) انه « ينبغي على دولة اسرائيل أن تجتاز تغييرا جذريا عميقا يحولها من دولة صهيونية ( أي دولة يهود العالم ) الى دولة اشتراكية تمثل مصالح جماهير الشعب الموجودة فيها » . ان المقصود هنا هو الثورة الاشتراكية ، وليس نزع الصبغة الصهيونية التي من الممكن أن تقام بعدها دولة ليست صهيونية وليست أيضا اشتراكية .

كذلك يكرر بياننا « الجولة الثالثة » الذي كتب في اعقاب حرب يونيو ٦٧ ( نشر في العدد ٣٦ من « متسبين » ) نفس الصيغة : « ان المبدأ الذي نهتدي به ، يدعو الى ثورة عميقة داخل اسرائيل بهدف تغيير طابعها من اساسه – من دولة صهيونية الى دولة اشتراكية تستطيع وتستعد للاندماج في المنطقة » .

ويتكرر هذا الموقف في كل بيان لنا ، ولم يسبق لنا ان تحدثنا في أي بيان عن عزل الصهيونية كمرحلة منفصلة . ان الفقرة الوحيدة التي يمكن أن تفسر بهذه الروح تظهر في مسودة طرحها احد اعضاء التنظيم للبحث قبل سنوات معدودة ، والتي لم يصادق عليها التنظيم مطلقا .

حول « الفارق الصغير »

تشتمل القائمة الانفة الذكر على بعض أكاذيب اللامبارتيين وافتراءاتهم فقط ، وبودنا الان التطرق الى احد الادعاءات المبدأية الغريبة التي تظهر في بيانهم :

« ان كون الدولة تدار بواسطة ممثل الاشتراكية الديمقراطية الاسرائيلية لا يناقض كون البرجوازية تشكل الطبقة الحاكمة ، مثلما هو الحال في السويد التي تشكل الطبقة البرجوازية طبقتها الحاكمة مع ان الاشتراكية الديمقراطية في السويد هي المتربعة على كرسي الحكم منذ اربعين عاما ..  اننا نرفض استبدال هذا التحديد الواضح ، وتناقضات المصالح بين البرجوازية والبروليتاريا ، باعتبارات تخرج من الادراك الحالي للبروليتاريا الاسرائيلية » .

ذكرنا سابقا ان هذا الموضوع بحث باسهاب في مقال خاص نشر في العدد رقم ٥٥ من « متسبين » . وبدون ان نعود الى فحوى المقال المذكور ، بودنا ان نشير الى « الفارق الصغير » بين اسرائيل والسويد .

ان الطبقة المسيطرة في مجتمع معين ، حسب النظرة الماركسية ، هي نفس الطبقة المسيطرة على القيمة الفائضة . وتنقسم القيمة الفائضة في المجتمع الصناعي الحديث الى ثلاثة أقسام رئيسية : القسم الأول ، يمتص بواسطة المتطلبات الشخصية للطبقات الطفيلية ، والقسم الثاني يغطي تكاليف استخدام الجهاز الحكومي ، والقسم الثالث يتراكم كاستثمارات لتوسيع حجم الانتاج . ان القسم الثاني – من الزاوية التي ندرسها هنا – أهم بكثير من القسم الأول ، والقسم الثالث أهم من القسمين معا . وفي التحليل الأخير ، ان السيطرة على فائض القيمـة تحـدد السيطرة على المجتمع كله .

وفي السويد ، كبقية البلدان الراسمالية العادية ، تسيطر البرجوازية على فائض القيمة المتراكم ، وبفضل ذلك تكون الطبقة الحاكمة . اما البيروقراطية الاشتراكية الديمقراطية فانها تسيطر على جهاز الحكومة ، وبذلك تقوم بمراقبة القسم الثاني من فائض القيمة . ولكن هذا الواقع لا يحولها الى طبقة حاكمة ، وفي التحليل الاخير ، يمكن القول ان الاشتراكية الديمقراطية ما هي الا بمثابة خادم للبرجوازية .

ما هو الوضع في اسرائيل ؟ حتى لو تغاضينا عن كون القطاع الخاص يشكل حوالي النصف من مجمل الاقتصاد فقط ، تبقى واقعة واحدة ذات أهمية عظيمة : التراكم الداخلي للاقتصاد الاسرائيلي هو صفر . وهذا لا يعني ان مستوى الاستثمارات ( اي سرعة توسع الاقتصاد ) بطيء . بالعكس ، فهذا المستوى يعتبر من أعلى المستويات في العالم الغربي ، الا ان هذه الاستثمارات تمول كلها بواسطة مصادر خارجية .

والمعلومات التالية مأخوذة من كتاب « التطور الاقتصادي لإسرائيل » من اصدار « بنك إسرائيل » .

تقدم القائمة رقم ٣٣ من الكتاب المذكور معطيات حول النسبة المئوية للاستثمارات من مجمل المصادر التي بحوزة الاقتصاد في ٣٢ بلدا مختلفا من عام ١٩٥٩ وحتى عام ١٩٦١ . ويتضح أنه خلال هذه الاعوام استثمر في اسرائيل ٢٢،٧ بالمئة من مجمل المصادر التي كانت بحوزه الاقتصاد وبذلك ارتفعت اسرائيل عن الولايات المتحدة ١٦،٤ بالمئة وعن بريطانيا ١٦،١ بالمئه وعن فرنسا ۱۷،۹ بالمئة وحتى عن السويد ۲۱،۹ بالمئة ، ولكنها تخلفت وراء المانيا الغربية ٢٤،٨ بالمئة ووراء اليابان ۳۱،۱ بالمئة .

ومما ينبغي ذكره هو أن مفهوم « مجمل المصادر التي بحوزة الاقتصاد » يشمل أيضا العجز في ميزان المدفوعات ، أي – في حالة اسرائيل – المعونة التي تتلقاها اسرائيل من الخارج .

وتقدم القائمة رقم ۳۲ معطيات حول الاستثمارات في الاقتصاد الاسرائيلي في الاعوام من ١٩٥٠ وحتى ١٩٦٥. ويتضح أن الاستثمارات من قبل مصادر داخلية ، تبقى على مستوى الصفر . فخلال خمسة من الستة عشر عاما كان الادخار ايجابيا ، وفي بقية الاعوام كان الادخار سلبيا أي ان المجتمع انتج أقل مما احتاج .

وتثبت نفس القائمة ان الاستثمارات في الاقتصاد الاسرائيلي كانت مساوية تقريبا للمعونات التي تلقتها الدولة من الخارج أو في معظم الاعوام كانت الاستثمارات أقل من المعونات الخارجية .

ويتضح أيضا من خلال معطيات أخرى في الكتاب في مكان آخر ، انه في عام ١٩٦٥ ، على سبيل المثال ، زادت المعونة الخارجية التي تلقتها اسرائيل على الفي مليون ليرة اسرائيلية بينما بلغت الاستثمارات أقل من ۱۹۰۰ مليون ليرة اسرائيلية .

والاستنتاج الذي نصل اليه من كل ذلك هو ان الاقتصاد الاسرائيلي ، لا يستثمر من مصادره الداخلية ، بل ان كل الاستثمارات تأتي من قبل مصادر خارجية ، من الدعم المباشر وغير المباشر الذي تتلقاه اسرائيل من جانب الاستعمار . أن هذا لا يحدث في السويد .

ومن المعروف جيدا ان الانابيب التي تتدفق بواسطتها معظم هذه المعونات هي تحت سيطرة واشراف الثالوث البيروقراطي ( الحكومة والوكالة اليهودية والهستدروت ) الذي يمنح قسما منها الى البرجوازية ( والقسم المتبقى يستثمر في القطاع الحكومي والهستدروتي ) ويستنتج من ذلك ان البيروقراطية تقوم بتمويل البرجوازية ، وليس العكس . وهذا أيضا ، لا يحدث في السويد .

بالاضافة الى ذلك – وبالضبط مثل السويد – تسيطر البيروقراطية « العمالية » على المبالغ المخصصة لتمويل الجهاز الحكومي : أي على ميزانية الدولة والنتيجة العامة هي ان البرجوازية في اسرائيل لا تشكل طبقة مسيطرة لوحدها ، بل شريكة للبيروقراطية . أي تسيطر في اسرائيل « شراكة » بين البيروقراطية « العمالية » والبرجوازية .

ان السبب الوحيد الذي وسعنا من أجله الحديث بهذا الخصوص ، يتمثل في مقصدنا الرامي الى تبيان الواقع الهام بان اسرائيل والسويد « ليستا نفس الشيء تماما » – هذا الواقع الذي يميل اللامبارتيون الى الاستخفاف به .

ويعتبر ما قدمنا بمثابة مثل بسيط من مجمل قضايا هامة : فالاستنتاجات النظرية ذات المفعول في السويد ، ليست بالضرورة ذات مفعول في اسرائيل ، وهذه القاعدة تسري أيضا على تقييم الامكانات الثورية للطبقة العمالية في اسرائيل في الظروف الراهنة .

* * *

وفي النهاية – هنالك ملاحظة أخرى . ليس كل أفراد المجموعة المنشقة لامبارتيين دوغماتيين . بل يوجد بينهم بعض الأشخاص المستقيمين الذين بسبب عدم معرفة كافية لظروف البلاد أو بسبب الارهاق من مشاق النضال الطويل ضد الصهيونية خدعوا باللامبارتية وببريق وحدتها الفكرية الخادعة .

وسيتضح لهؤلاء الرفاق بسرعة الى جانب من يجب ان يقفوا وستكون طريق العودة الى تنظيمنا مفتوحة . أننا لن نغلقها .

[الملحق القادم : مصادر البحث]

[العودة الى صفحة المحتويات]