رأي متسبين : ما العمل ازاء واقع التطبيع ؟

10/04/1980

in العدد 88 - ربيع 1980, المقالات

هل يقدر الذين يعتبرون اتفاقية السلام الاسرائيلية – المصرية سلاما بين دول وليس سلاما بين شعوب على شيء ؟ ماذا يفعل الذين يدركون انه لن يكون هنالك سلام بين الشعب اليهودي – الاسرائيلي والشعوب العربية دون حل القضية الفلسطينية ؟ هل يتوجب عليهم مواصلة الدرب الذي سلكوه قبل مجيء السادات للقدس ؟ أليس لزاما عليهم ازاء الاستراتيجية الجديدة للبرجوازية المصرية ان يردوا باستراتيجية جديدة خاصة بهم ؟

ترد معظم تيارات الحركة القومية العربية ان لم يكن جلها , على هذين التساؤلين بالايجاب قائلة : لم يتغير شيء , وكل ما يجب فعله هو تنحية "الخائن" السادات كي تعود عربة القومية العربية الى السبيل السويّ . ولنيل هذا المطلب لا بد من التعامى أو دفن الرؤوس في الرمال , وتخيل ان الاتفاقية الاسرائيلية – المصرية غير موجودة , ومقاطعة الاسرائيليين الوافدين لزيارة مصر ومن لا يقاطعهم من المصرين , عندئذ وبقدرة قادر ينتظم كل شيء بسلام . لقد اصبح ولاء المتكلمين القومي يمتحن بحدة قذفهم وتشهيرهم "بالخائن" السادات , وتبلغ المصارعة على لقب "بطل النوك آوت" الكلامي في المعركة ضد السادات ذروتها في هذه الأيام .

اننا لا نعتقد انه يتوجب على المعارضين للسادات ان يقتفوا اثره , ان يقبلوا الصهيونية يسالموها ويهادنوها . ومع ذلك نعلم ان كثيرا من مقاطعي السادات ومعيّريه اليوم مستعدين بالتأكيد ان يتبعوا خطواته لو وعدوا بثمن اقليمي مناسب . انه ليس الأسد ان يوقع اتفاقية سلام مع اسرائيل ويتبادل معها السفراء مقابل انسحابها الكامل من هضبة الجولان المحتلة , وانه مستعد للمساومة على حقوق الفلسطينيين مقابل شريحة أرض أو نفوذ في لبنان . واذا كان الأسد هكذا , فما اخرى العدوين – الصديقين حسين وعرفات , الذين كانا مستعيدين (على انفراد أو معا) لاتباع السادات مقابل انسحاب اسرائيل من الضفة الغربية وقطاع غزة وموافقتها على اقامة كيان فلسطيني مستقل مزعوم أو أدنى من ذلك .

لو تحققت احدى هذه الامكانيات أو كلها , ونعتقد انها امكانيات واقعية (وما يقلل من واقعيتها هو فقط معارضة اسرائيل دفع ثمن مناسب) لكان محتملا بقاء بعض القوميين العرب في عزلة عن الأحداث لأنهم "أخلص قومية" من الجميع . وسواء كان هؤلاء عراقيون ليبيون أم فلسطينيون فانهم كانوا سيواصلون عندئذ وبالطبع سياستهم المستحبّة لديهم وهي مقاطعة الاسرائيليين ومن يحادثهم . أي انهم كانوا عندئذ سيقاطعون أنفسهم بالذات . . .

ليست اتفاقية السلام الاسرائيلية – المصرية سببا للبكاء أو الفرح : انها سبب وجيه لنحاول ان نفهم ! أن نفهم ما الذي دفع السادات ومن يمثل السادات . ان نفهم ما هي التغييرات التي جرت في المجتمع العربي عامة والمصري خاصة والتي مهدت لمثل هذا التحرك الساداتي .

تعبر سياسة السادات في رأينا , عن المصلحة الطبقية للطبقة الحاكمة في مصر , مصلحة البرجوازية المصرية وحلفائها , مصلحة المليون من "القطط السمينة" والقطط الهزيلة التي تحلم ان تسمن على الفتات . هذه الطبقة نمت ورسخت وتنفذت في ظلال نظام "الاشتراكية العربية" الناصري فلما اشتد ساعدها كسرت قيود الديماغوغية "الاشتراكية" (التي كان الغرض منها استرضاء جماهير العمال والفلاحين) وأخذت تعتمد سياسة طبقية مكشوفة . ان عدو هذه الطبقة ليست الصهيونية , بل عدوها الخطر هو الشعب المصري : جماهير العمال والفلاحين . لقد اقام الشعب المصري في انتفاضة يناير عام 1977 الدليل على قوته ورأيه في النظام , وكان هذا أيضا دليلا للبرجوازية المصرية ان قد آن الاوان لمسالمة "العدو" الخارجي , كي يتسنى للجيش التفرغ للعدو الداخلي و"اعادة بناء المجتمع المصري" على طريقتها .

هل تشكل الاضطرابات الداخلية الحالية في سوريا بداية لعملية شبيهة في أوساط البرجوازية السورية ؟ ليس هذا سؤالا خياليا , ومن يجسر ان يخاطر ويجيب عليه نفيا ؟

اذن ماذا يمكن عمله ؟ ما العمل ؟

في الوقت الذي ترقب فيه فئات اجتماعية وسياسية على جانبي الحدود الاسرائيلية – المصرية باحثة عن حلفاء في الطرف الآخر , في الوقت الذي تبحث البرجوازية المصرية عن حلفائها في المعسكر الصهيوني , ورجال الأعمال من هنا يتصلون مع نظرائهم هناك , في الوقت الذي يتصل السياسيون من هناك مع السياسيين هنا , والعسكريون من هنا يتصلون مع العسكريين من هناك , هل يقدر اليسار (من هنا وهناك) ان يسمح لنفسه بعدم أي اتصال متبادل ؟ هل من المحتم على اهل اليسار في اسرائيل ومصر ان يكونوا الوحيدين الذين لا يلتقي بعضهم ببعض بسبب مسالمة السادات للصهيونية ؟

نحن نعتقد ان من واجبنا الا نترك احتكار التنسيق المتبادل والتعاون لأعدائنا الطبقيين . اذا كانوا يوقعون المعاهدات المشتركة ضدنا , فعلينا ان ننتظم للعمل المشترك ضدهم . هل يجب مقاطعة الاسرائيليين ؟ كلا , لا تقاطعوهم , حادثوهم , اشرحوا لهم وحاولوا اقناعهم انه لن يكون سلام بين الشعب المصري والاسرائيليين طالما بقيت القضية الفلسطينية دون حل . يجب البرهنة لهم على ان المصريين والاسرائيليين يستطيعون ان يتعاونوا ليس فقط على المستوى الحكومي ضد الشعوب , بل على المستوى الشعبي أيضا وضد الحكومات !

يقف العالم العربي خلال السنوات الأخيرة على مفترق طرق . وكنا قد قررنا هذه الحقيقة قبل أربع سنوات . لقد انتهت حقبة تأريخية , انتهى عهد الحركة القومية العربية التي بلغت ذروتها في أواخر سنوات الخمسين لقد استنفدت الحركة القومية العربية , كايديولوجيا تعبئ الجماهير للعمل , طاقتها في معظم انحاء العالم العربي . وترسخ بقاياها فقط بين الشعوب التي تزال تقاتل من أجل التحرر الوطني : الفلسطينيين وأبناء الصحراء الغربية .

نشأت برجوازية كبيرة وقوية اثناء فترة مد القومية العربية . وكل برجوازية كهذه هي "مصرية" , "عراقية" , "سورية" أو "ليبية" أولا , ثم هي عربية . كل برجوازية كهذه تهتم بمصالح دولتها أولا وبعد ذلك فقط بالمصالح العربية عامة (أي المصالح المشتركة لجميع البرجوازيات العربية) . شعار "الوحدة" كان بالنسبة للبرجوازيات العربية وما زال قناعا ايديولوجيا لسيطرة الواحدة منها على الأخرى أو لذر الرماد في أعين الجماهير . فالوحدة المصرية – السورية تحولت عمليا الى محاولة لسيطرة البرجوازية المصرية على السوق والاقتصاد السوريين . كان ولا يزال هذا السبب الحقيقي لفشل جميع التجارب لتوحيد دول عربية حتى الآن : لم تكن أية برجوازية مستعدة للتنازل عن شيء من امتيازاتها في بلدها لصالح برجوازية عربية أخرى .

لقد استنفدت الحركة القومية العربية قوتها , وليس في مقدورها اليوم طرح أي حل عملي لقضايا الجماهير العربية اليومية من سياسية واجتماعية . ونجم عن اضمحلالها فراغ ايديولوجي وسياسي . وبما ان اليسار العربي , خاصة الشيوعيون , كان منهمكا وبشكل أساسي في حل القضايا القومية بمعزل عن القضايا الاجتماعية , فقد فشل في ان يفهم , وقبل فوات الوقت , العمليات التي تجتازها المنطقة , وفشل أيضا في طرح البديل العملي لملاء الفراغ الناجم .

غير ان الفراغ لا يظل فراغا . وحالما أخفق اليسار في مهمته ولم ينجح في تطوير خطة عمل تتجاوب ومطالب الجماهير , وجدت لهل الجماهير بديلا – وبئس البديل – في الدين , في الاسلام . والدين يقدم التفسير الديني وليس الحل العملي لقضايا الجماهير الواقعية . وعلى الاستغلال والاضطهاد يرد الدين : كل شيء بمشيئة الله !!

وحتى عندما يتحول الدين الى عقيدة للتغيير الاجتماعي والسياسي كما حدث في ايران , فانه يظل ايديولوجيا الطبقة الحاكمة . وسرعان ما اتضح في ايران ان الدين قد انقلب فور خلع الشاه الى ايديولوجيا البرجوازية الفارسية .

ازاء اضمحلال القومية العربية وصعود الاسلام بات من المحظور الاستمرار وكأن لم يحدث أي شيء . القيام بعمليات يائسة لحماية المؤخرة , كما يفعل المعسكر المتقهقر لا يكفي . ثمة حاجة الى منظور لوضع أسس لمعسكر قوى لعموم المنطقة , معسكر يتحدى القومية والدين وينتصر .

لا بديل للقومية والدين الا بديل الثورة الاشتراكية ! ان العمل من أجل ارساء الأسس لبناء المعسكر الذي سيقوم بهذه الثورة هو العمل الواقعي الوحيد المضمون نجاحه على المدى البعيد . لقد سطرنا في مبادئنا الأساسية استعدادنا للتعاون والمشاركة في هذه المهمة العظيمة . وهكذا قلنا:

"ان حل القضايا القومية والاجتماعية للمنطقة (بما فيها القضية الفلسطينية والنزاع العربي – الاسرائيلي) يمكن ان يتأتي فقط عن طريق ثورة اشتراكية للمنطقة , تسقط كل الأنظمة القائمة فيها , وتقيم بدلا منها وحدة سياسية للمنطقة تحت حكم العاملين ... وبناء على هذه الأهداف فان متسبين تؤيد بلورة استراتيجية مشتركة وتوحيد نشاط كافة القوى الاشتراكية الثورية في المنطقة" (راجع أيضا المبادئ الأساسية لمتسبين بند 12) .

هذا هوالبديل الذي نطرحه . اننا ندرك ان الثورة لن تنشب غدا , لكن التحضير لها يجب ان يباشر من الآن نحو بعد غد .

لم يحل التصنيع والتحديث الجزئيين الذين نفذتهما البرجوازية العربية من خلال تعاونها مع الامبريالية والبيروقراطية السوفيتية أية قضية اجتماعية للمجتمع العربي . الا انه في غضون ذلك نمط طبقة عاملة كبيرة وقوية . لقد قام الجيش البروليتاري القادر على حمل النضال على كتفيه من أجل ثورة اشتراكية للمنطقة .

دقت ساعة الاشتراكية الثورية في المشرق العربي !

هيئة تحرير متسبين

البوست السابق:

البوست التالي: