في ربيع ۱۹۷۳ تمكن الرفيقان محمد حربي وحسين زهوان من مغادرة الجزائر الى اورويا ، وكان قد القى عليهما المقبض غداة انقلاب بومدين العسكري ( ١٩ يونيو ١٩٦٥ ) ثم اطلق سراحهما بعد أكثر من ٣ سنوات ، وارسلا إلى صحراء الجزائر تحت الإقامة الجبرية . ثم وقعت عليهما الإقامة الجبرية على أن لا يدخلا المدن الجزائرية الكبرى إلى أن تمكنا أخيرا من الفرار من كابوس المخابرات العسكرية التي لها الكلمة العليا في عهد بومدين .

والرفيقان حربي وزهوان هما مناضلان سابقان في جبهة التحرير الجزائرية (FLN) حيث كانا الناطقين الاساسيين باسم التيار الماركسي المناصر لحركة التسيير الذاتي التي دشنها عمال المصانع والمزارع في الجزائر صبيحة الاستقلال ، والتي قام انقلاب بومدين اساسا من اجل القضاء عليها واخضاع العمال الجزائريين لسلطة الدولة العسكرية – البيروقراطية المضادة للثورة .

والبيان التالي ، على قصره وعموميته ، هو اعلان عن موقف المناضلين حربي وزهوان المعادي للنظام العسكري ، وقطيعة مع التيار الستاليني الذي استولى على قيادة « المعارضة الثورية الشعبية » وحولها الى « حزب الطليعة الاشتراكية » ، الذي هو الآن مؤخرة الحكم العسكري القائم والذي لا يرى لمناضليه مهمة انبل من مهمة « شرح القوانين الرسمية ( عن « الثورة » الزراعية ) للمواطنين » .

البيان

أن عدم اتمام المحاولة التحريرية التي ابتدأت سنة ١٩٦٣ ، مع التسيير الذاتي العمالي في الصناعة والزراعة ، وتعويضها بنظام يدعي الاشتراكية بعد أن اختزلها الى مجرد اديولوجيا للتنمية ، يجعل من واجبنا فضح التأويلات الخاطئة للمسألة الجزائرية والتعلات الزائفة التي تتجاهل طبيعة السلطة السياسية في الجزائر .

لا الدعاية المضللة ولا الرضى بما تم انجازه بقادرين على تغطية واقع ان المنتجين الجزائريين محرومون من حق تسيير الاقتصاد والمواطنين من حق قيادة الدولة حرمانا كاملا . على جميع المستويات الحياة الاجتماعية تتفاقم القوة الغاشمة لأجهزة القمع . وكتكملة لعمل هذه الاجهزة تحاول الادعاءات الوطنية استخدام الدين ، الرقابة ومراقبة تنقل الافراد خلق « خط موريس »1 جديد يضمن للمنتفعين بالحكم مونولوجهم الخاص ، و « يقنع » الجماهير أن الحرية السياسية ليست اعمق حاجاتها .

لهذا فان تعاقب الضغوط علينا والانفتاح نحونا لم يغير من رفضنا القطعي لاعطاء أي تزكية لنظام يقوم على الاستغلال والغاء الحريات . وبهذا نتميز عن الذين يحنون الى الماضي أو الذين يريدون تحويل جماهيرنا المضطهدة الى قوة رديفة في خدمة احد اجنحة البورجوازية البيروقراطية بعد أن أضفوا عليه نعت عداء الامبريالية .

ان عداءنا لانقلاب ۱۹ يونيو يستند على قناعتنا وبهذا نتميز عن الذين يحنون الى الماضي أو الذين يريدون تحويل جماهيرنا المضطهدة الى قوة رديفة في خدمة أحد أجنحة البورجوازية البيروقراطية بعد أن أضفوا عليه نعت عداء الامبريالية .

 ان عداءتنا لانقلاب ١٩ يونيو يستند على قناعتنا – التي صارت واضحة للجميع اليوم – ان البيروقراطية البورجوازية التي كانت قيد التشكل داخل اطار الدولة والتي هي امتداد لقيادة الاجهزة البيروقراطية التي تكونت خلال الحرب في صلب جبهة وجيش التحرير ، لم تعد تعترف ببن بلة كحامل للوائها ، ورأت أن الوقت قد حان للتخلص من التوازن المضطرب بين الطبقات ولاحتكار السلطة السياسية .

ثماني سنوات قد مضت ، حاولت عبرها البورجوازية البيروقراطية ، عشوائيا ، بعد فترة استراحة كرستها لخلق فراغ حولها بواسطة قمع المعارضين واستعباد منظمات العمال – اقامة ادواتها الخاصة الكفيلة بتأمين سيطرتها وزيادة ارباحها . لقد تغيرت ملامح المجتمع الجزائري . وحدثت تحولات ، لكن الحلول التي قدمت لمشاكل استرداد الثروات الوطنية ، للتصنيع ، للاصلاح الزراعي ، لتحرير المرأة وللدولة ، لم تغير الا اطراف التناقض في النظام .

لم تؤد جميع التدابير المتخذة الا لتوسيع القاعدة الاجتماعية لبورجوازية الدولة ، بدلا من ادخال ملايين العاطلين عن العمل في الحياة الاقتصادية . ان انتاج التضخم والبطالة ، وتصدير سلعة العمال تشهد بأن الواقع الاقتصادي ، بمخطط او بدونه ، يفلت من ارادة الحاكمين .

ان النقد الذي وجهه انقلابيو ۱۹ يونيو ١٩٦٥ لبن بلة يمكن اليوم توجيهه اليهم هم أنفسهم ولكن بعنف اشد . ان تمركز السلطة التدريجي بين يدي بومدين ، صراعات الزمر ، أزمة الانتاجية ، تبديد الثروات ، عدم مراقبة تنقل السلع ورؤوس الاموال ، النهب والفساد ، هي ملامح ملازمة للبورجوازية البيروقراطية . ان اسطورة فعاليتها تنهار أمام لافعالية الاساطير المرصودة لاخفاء عجزها .

لقد تم تزوير المشروع الاشتراكي . ولم يعد بد من توضيحه مجددا لرد الاعتبار اليه . ان غياب الدقة في تحليل طبيعة وأشكال الاضطهاد في الجزائر ، والادراك الجزئي لاتجاهات التطور ، هما مفتاحا تيه بعض الثوريين وغياب سياسة مستقلة تخدم المستغَلين .

ان التناقضات بين أنصار المبادرة الخاصة وأنصار الادارة الدولوية للاقتصاد تبقى ثانوية ازاء عدائهم المشترك للمعذبين في الأرض . ان فضائح اثراء كلا الطرفين تكشف تفاعلهم ضمن التنافس والتضامن ، كما تكشف خضوعهم للسوق الرأسمالية العالمية .

ان الخطر الخارجي الذي تلوح به الاديولوجيا الرسمية يشكل ملجأ طبيعيا يمكن الطبقة السائدة من طمس التناقضات الاجتماعية داخل المجتمع الجزائري . ان الوسيلة الوحيدة لتفادي هذا الخطر هو تحرير طاقات الجماهير الخلاقة واعادة سلطة الثورة ، التي هي مصدر الشرعية الوحيد .

بالرغم من استياء الجماهير وتدهور مستوى حياتها وتجميد الأجور في قطاعات واسعة فان النضال في سبيل تغييرات حاسمة ولا رجعة فيها يجب ان يندرج في اطار استراتيجية طويلة النفس ، وان يضرب صفحا عن الانقلابات العسكرية والمؤامرات وان يستند على وعي الجماهير ، وان ينكب أولا وقبل كل شيء على توضيح القضايا الاساسية المطروحة على الحركة الثورية : هذا هو ثمن تجديد الثورة .

محمد حربي (١٩٣٣ – ١ /  ١ / ۲٠۲٦)

 

حسین زهوان (١٩٣٥ – ۲٠۲٥)

 

  1. السياج الذي بناه الفرنسيون على الحدود التونسية الجزائرية خلال حربهم ضد حركة التحرير الجزائرية . ↩