هذه القصائد من نظم العامل المصري الشاعر صابر زرد ٬ وهو معتقل ‒ الآن [ايلول 1973] ‒ في سجن القلعة بالقاهرة مع مئات المعتقلين السياسيين من الطلاب والعمال والادباء . وكان الشاعر يعمل في مصنع "أبو زعبل" ٬ ولكنه طرد منه بعد أن نظم قصيدة لعمال المصنع اسمها "كلام عمال" .. وأصبحت هذه القصيدة انشودة العمال في المصنع ..

وهذه القصائد آخر ما نظمه في سجنه :

فدائي خلف الميكرفون

معذرة يا سادة
يا أصحاب سيادات وهمية
يا كل فخامة وجلالة وسمو المهراجات العصرية
يا كل فضيلة ونيافة وخرافة فكر غيبية
يا حملة أنواط الواجب والشرف المهدود
والأردن المغدور
يا حملة أوسمة استحقاق الذبح بميدان التحرير
يا رهط شيوخ قبائلنا العربية
معذرة ان كنت تجرأت عليكم
وصعدت أخاطبكم
من هذا المنبر أفضحكم في النور
معذرة فالمأساة عظيمة
والجرح الغائر في قلب الأمة
لا يحتمل الصبر
معذرة يا حضرات الموتى
ان كنت طرقت عليكم باب القبر
دون مخافة من حد السيف
يا موتى في جثث حية
أفلا تدرون ؟
قد مر شتاء يتبعه صيف
وشتاء يتبعه صيف
والناس قعود لا تقوى من نير الخوف
أن تبدي رأيا أو تجمع صفا
ومدافع حضرات السادة
خرساء لا ينطق حتى بالهمس
لا تملك الا أن تحني الرأس
في نوبة أحباط من نور الشمس
معذرة يا أسوأ من لعبوا في سيرك
أو صعدوا "بستا" "للدين"
معذرة يا كل أساتذة الكبت
وفرسان السوط
معذرة ان كنت تجاسرت عليكم
وبدأت أهيل تراب الأرض على نصب الصمت
معذرة ..
وليعلم حضرات السادة
اني لا أقصد أحدا بالضبط
لكني أحكي مأساة الانسان الصرف
مأساتي ما خنت الانسان وما خنت الحرف
معذرة لو كان لقشر الحرف مذاق مر
فواحق الأرض أذوب حنانا
أتلظى شوقا ..
أتفجر شهدا ..
أتدفق عطفا
معذرة لو كان لضعف مني أخطأت الوصف
وليعلم حضرات السادة
اني لا أقصد أحدا بالضبط
وكلامي لا يدخل حتى قوانين صيانة صمت الجبهة
أو تحت قوانين القذف
معذرة يا سادة في الشهر النصف

 

ستة عجول سوداء

في اليوم الخامس ...
أو السابع ...
أو التاسع
أو حتى في الحادي عشر
لآ أجزم بالضبط الآن
ولكني أذكر في عام الحزن
في فصل الصيف الدامي
في هذا القرن
ولدت بقرتنا السمراء
ستة عجول سوداء
بقرون رمحية معقوفة
لكن من غير عيون
ماتت خمسة في اليوم السادس من شهر الميلاد
لكنا أطعمنا الأمل الباقي
قوت قلوب البسطاء
ودفعنا بالعجل المتوحش ثورا في الحلبة
ليصارع "ميتادورا" أعور
يحمل رجس نياشين القرن
معذرة ..
كانت كل عشيرتنا خلف الثور تشجعه وتخور !
ما كانت تنظر الا للسطح
ما كانت تدرك ان العجل الأعمى
لا يصلح الا للذبح
معذرة ..
اني أصرخ من هول الجرح

         *       *

فلترفع صوتك لحظة يا جلاد
ودعني استجمع بعض الانفاس
كي أسمع انشاد الفأسي
لترس المكن الدائر
في صوت هديل الفجر وترتيل القداس
ولتصمت برهة يا بياع الحذر الشائع في الصحف الصفراء
وأرحني من سيل صراحتك المشبوهة يل ابليس
دعني أسترجع نفسي من ناي الحزن
انفخ أبواق الحرب واستنفر كل الحراس
أتحدث دون حجاب للناس
"لا حسم بدون الشعب على أرض الساحة .. هبوا"
من تحت قباب الغيب وأفيون الراس
هبوا من عار ملوك النفط
وفوادي رأس المال
أو موتوا تحت نعال الذل .. وموتوا
في فيض نعاس
لكني أقسم بالانسان الثائر خلف المتراس
والسائر تحت سياط الليل
كي يطلق في صدر الغاصب سيل رصاص
لم يبق لحضرات السادة الا تصريح الدفن
وبيان وفاة يحمل توقيع الشعب

         *       *

يزدان بخاتم سلطة حزب الشعب العامل
مطرقة يحضنها في الساحة منجل
رمز استمرار نضال أممي المبدأ
لا يهدأ
ما دام على الأرض جهود تبذل
تتراكم في صرح الفائض
دارعة .. بارجة .. طائرة تقتل
فرقة أطفال تلهو وتغني للسلم

 

من قصارى القصائد

نتلو عليكم
من آي الذكر
والعصر ان الانسان لفي خسر
الا من تاب وآمن
بالرب القادر والعادل
بالناس سواسية أسنان المشط
والفضل لمن يعرف في الأرض جداول
الفضل لمن يلقي في الأرض بذورا
يعطيها للناس سنابل
الفضل لمن شيد بيتا
أو جسرا
أو آمن بالزند الفاعل
الفضل لمن يحمل رشاشا ويقاتل
ان الانسان لفي خسر
الا من تاب وآمن
بالدم المسفوك على أرضه
بالثأر قصاصا من رأس القاتل
بالحرب طريقا للسلم العادل
ان الانسان لفي خسر
الا من علم انسانا لفظة نور تهديه طريقا للحق
الا من يلقي حجرا أو حتى لفظا في وجه الظالم
الا من حرر عبدا أو حطم قيدا
الا من كان مقاوم
ان الانسان لفي خسر
الا من بشر في الأرض بعالم
فيه تلاشى تصنيف الناس
الا من آمن بالعالم طريقا
لليوم القادم
الا من آمن ان الناس هي اليسر
من عسر يخنق أنفاس العصر
والعصر أن الانسان لفي خسر
الا من تاب وآمن

القاهرة ‒ سجن القلعة ‒ صابر زرد